الدكتور زهير شاكر - موسوعة العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة والصحة النفسية الأسس النظرية والفلسفية للعمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة ا

موسوعة العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة والصحة النفسية
الأسس النظرية والفلسفية للعمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة
العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة: الإطار المفاهيمي والفلسفي لبناء الإنسان
بقلم: الدكتور زهير شاكر
الجزء الاول
---
مقدمة الفصل
يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة على المستويات النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، الأمر الذي جعل الإنسان يواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بالهوية والانتماء والمعنى والقدرة على التكيف. وفي ظل هذه التحولات برزت الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم التنمية الإنسانية بوصفها عملية شاملة لا تقتصر على تنمية الموارد المادية، بل تمتد إلى تنمية الطاقات الكامنة في الإنسان باعتبارها الثروة الحقيقية لأي مجتمع يسعى إلى النهوض الحضاري.
ومن هنا يبرز العمل التطوعي بوصفه أحد أهم المداخل الإنسانية والتربوية والنفسية لاستثمار هذه الطاقات وتحويلها من قدرات كامنة إلى قوى فاعلة تسهم في بناء الفرد والمجتمع معًا. فالعمل التطوعي ليس مجرد نشاط اجتماعي عابر، بل يمثل فلسفة إنسانية متكاملة تعكس مستوى وعي الفرد بذاته وبمسؤوليته تجاه الآخرين.
---
أولاً: مفهوم الطاقات الكامنة في البناء الإنساني
تشير الطاقات الكامنة إلى مجموعة الإمكانات والاستعدادات والقدرات العقلية والنفسية والوجدانية والإبداعية التي يمتلكها الإنسان بصورة فطرية أو مكتسبة، والتي قد تبقى معطلة إذا لم تجد البيئة المناسبة التي تسمح لها بالنمو والتعبير.
إن الإنسان يولد وهو يحمل في داخله ثروات معرفية ونفسية هائلة، غير أن معظم هذه الثروات تظل حبيسة الظروف الاجتماعية أو الثقافية أو التربوية التي تعيق انطلاقها. ومن هنا تنبع أهمية البرامج التنموية التي تستهدف الكشف عن هذه الطاقات وتوجيهها نحو مسارات إيجابية منتجة.
فالفرق بين الإنسان العادي والإنسان المبدع لا يكمن غالبًا في حجم القدرات، بل في درجة اكتشاف هذه القدرات واستثمارها وتطويرها.
وعلى هذا الأساس فإن تنمية الطاقات الكامنة تمثل عملية تحرير للقدرات من حالة السكون إلى حالة الفعل، ومن الإمكان إلى الإنجاز، ومن القابلية إلى الإبداع.
---
ثانياً: العمل التطوعي كمنظومة إنسانية شاملة
لا يمكن اختزال العمل التطوعي في تقديم خدمة أو مساعدة آنية، لأن جوهره الحقيقي أعمق من ذلك بكثير.
فالعمل التطوعي يمثل منظومة قيمية متكاملة تقوم على:
الإيثار.
المسؤولية الاجتماعية.
الانتماء الإنساني.
التكافل والتعاون.
المشاركة الفاعلة.
الوعي الأخلاقي.
ومن هذا المنطلق يصبح التطوع ممارسة حضارية تعكس مستوى نضج المجتمع وقدرته على إنتاج مواطن إيجابي يشارك في صناعة الحلول بدل الاكتفاء بمراقبة المشكلات.
إن المجتمعات المتقدمة لا تُقاس فقط بمستوى دخلها القومي أو تطورها التكنولوجي، بل تُقاس كذلك بقدرتها على تحويل مواطنيها إلى شركاء في التنمية وصناع للتغيير.
---
ثالثاً: العلاقة الجدلية بين العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة
تكشف الدراسات النفسية والتربوية المعاصرة أن الطاقات الإنسانية لا تنمو في الفراغ، وإنما تحتاج إلى مواقف حياتية تسمح لها بالظهور والممارسة.
ومن هنا يشكل العمل التطوعي بيئة مثالية لتنمية هذه الطاقات من خلال:
1. تنمية الطاقات العقلية
حيث يواجه المتطوع مشكلات واقعية تتطلب التفكير والتحليل واتخاذ القرار، مما يسهم في تطوير قدراته المعرفية والعقلية.
2. تنمية الطاقات الوجدانية
إذ يتعلم الفرد التعاطف والرحمة وفهم مشاعر الآخرين، وهو ما يعزز الذكاء العاطفي والنضج الوجداني.
3. تنمية الطاقات الاجتماعية
فالعمل التطوعي يفتح المجال للتفاعل الإيجابي مع فئات متنوعة من المجتمع، مما يطور مهارات الاتصال والتواصل والقيادة والعمل الجماعي.
4. تنمية الطاقات الإبداعية
عندما يشارك الإنسان في معالجة مشكلات المجتمع، فإنه يُستفز للبحث عن حلول جديدة ومبتكرة، فتتولد لديه ملكات الإبداع والابتكار.
---
رابعاً: البعد الفلسفي للعمل التطوعي
إذا كانت الفلسفة تبحث في معنى الوجود الإنساني، فإن العمل التطوعي يقدم إجابة عملية عن هذا المعنى.
فالإنسان لا يكتمل وجوده الأخلاقي بمجرد تحقيق مصالحه الشخصية، بل يكتمل عندما يتحول إلى عنصر نافع في حياة الآخرين.
وقد أدركت الفلسفات الإنسانية الكبرى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يمنح، وأن الخلود الحقيقي لا يتحقق بما نأخذه من الحياة، بل بما نتركه فيها من أثر.
ومن هذا المنظور يصبح العمل التطوعي عملية تجاوز للذات الفردية نحو الذات الإنسانية الكبرى، حيث يشعر الفرد أنه جزء من شبكة مترابطة من العلاقات والمسؤوليات والقيم.
---
خامساً: العمل التطوعي والصحة النفسية
تؤكد الاتجاهات الحديثة في علم النفس الإيجابي أن الإنسان يحقق أعلى درجات التوازن النفسي عندما يشعر بأنه ذو قيمة وتأثير ومعنى.
وهذه الحاجات الثلاث تتحقق بصورة واضحة من خلال العمل التطوعي.
فالمتطوع يشعر:
بأنه قادر على الإنجاز.
وأن لوجوده قيمة حقيقية.
وأن حياته تحمل رسالة ومعنى.
ولذلك يرتبط العمل التطوعي بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب والشعور بالعزلة، كما يرتبط بارتفاع مستويات الرضا النفسي والتفاؤل والتوافق الاجتماعي.
إن العطاء ليس استنزافًا للطاقة النفسية كما يظن البعض، بل هو أحد أهم مصادر تجديدها واستدامتها.
---
سادساً: نحو نموذج عربي إسلامي لتنمية الطاقات الكامنة
إن المجتمعات العربية والإسلامية تمتلك رصيدًا حضاريًا هائلًا في مجال التكافل والتراحم والعمل الخيري والتطوعي.
وقد رسّخ الإسلام هذا التوجه من خلال منظومة متكاملة من القيم التي تربط بين الإيمان والعمل الصالح وخدمة الإنسان.
ومن هنا فإن بناء نموذج عربي معاصر لتنمية الطاقات الكامنة يجب أن ينطلق من الجمع بين:
الأصالة والقيم الحضارية.
المعرفة العلمية الحديثة.
التربية النفسية الإيجابية.
ثقافة التطوع والمبادرة.
تنمية الإبداع والابتكار.
وبذلك يتحول العمل التطوعي إلى مدرسة متكاملة لبناء الإنسان وإعداد الأجيال القادرة على صناعة المستقبل.
---
خاتمة الفصل الأول
إن العمل التطوعي ليس نشاطًا هامشيًا في حياة الإنسان، بل هو أحد المسارات الكبرى لاكتشاف الذات وتحقيق المعنى وتنمية الطاقات الكامنة. وكلما اتسعت دائرة العطاء اتسعت دائرة النمو النفسي والعقلي والوجداني. فالأمم لا تُبنى بالموارد وحدها، وإنما تُبنى حين تكتشف الطاقات المخبأة في أبنائها، وتمنحها الفرصة لتتحول إلى قوة حضارية منتجة.
ومن هنا فإن العمل التطوعي يمثل جسرًا استراتيجيًا يربط بين بناء الفرد ونهضة المجتمع، وبين الصحة النفسية والارتقاء الحضاري، وبين الإنسان كما هو والإنسان كما يمكن أن يكون.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة والصحة النفسية
الجزء الأول
الإطار النظري والفلسفي للعمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة
الفصل الأول
الإنسان بين الطاقات الكامنة ورسالة العطاء: مدخل فلسفي ومعرفي لبناء الشخصية الإنسانية المتوازنة
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
---
مقدمة الفصل
يُعد الإنسان أعظم استثمار عرفته الحضارات عبر التاريخ، فهو الغاية وهو الوسيلة، وهو صانع التقدم وهدف التنمية في آن واحد. وقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الثروات المادية مهما عظمت تبقى محدودة الأثر إذا لم يقابلها بناء حقيقي للإنسان القادر على توظيفها وإدارتها وتحويلها إلى إنجاز حضاري مستدام.
ومن هنا برزت أهمية دراسة الطاقات الكامنة في الإنسان باعتبارها أحد أهم ميادين المعرفة الإنسانية الحديثة، إذ لم يعد الإنسان يُنظر إليه بوصفه كائنًا بيولوجيًا فحسب، بل بوصفه منظومة متكاملة من القدرات العقلية والنفسية والوجدانية والاجتماعية والإبداعية التي تحتاج إلى الاكتشاف والرعاية والتنمية.
وفي هذا السياق يبرز العمل التطوعي كأحد أكثر الميادين قدرة على استثمار هذه الطاقات وتوجيهها نحو البناء والإنتاج والعطاء، حيث يتحول الإنسان من متلقٍ للحياة إلى صانع لها، ومن مستهلك للواقع إلى مشارك في تغييره وصناعة مستقبله.
---
أولاً: الطاقات الكامنة في الإنسان بين الإمكان والإنجاز
لقد انشغلت الفلسفات القديمة والحديثة بالسؤال الجوهري: ما الذي يجعل بعض الأفراد قادرين على تجاوز المألوف وتحقيق الإنجازات الكبرى بينما يبقى آخرون أسرى قدراتهم غير المستثمرة؟
وتشير الدراسات النفسية والتربوية إلى أن الإنسان لا يستخدم إلا جزءًا محدودًا من إمكاناته المتاحة، وأن الجزء الأكبر من قدراته يبقى كامنًا في أعماقه ما لم تتوافر البيئة المناسبة التي تساعد على استثارته وتفعيله.
فالطاقات الكامنة ليست مفهومًا خياليًا أو أدبيًا، بل هي حقيقة علمية تشير إلى منظومة واسعة من الاستعدادات التي تشمل:
القدرات العقلية.
القدرات الإبداعية.
القدرات القيادية.
القدرات الوجدانية.
القدرات الاجتماعية.
القدرات الروحية والأخلاقية.
وهذه القدرات لا تظهر بصورة تلقائية، بل تحتاج إلى مواقف حياتية وتجارب إنسانية تسمح لها بالخروج من دائرة الإمكان إلى دائرة الفعل والإنجاز.
ومن هنا فإن جوهر التربية الحديثة لا يتمثل في حشو العقول بالمعلومات، بل في اكتشاف الطاقات الكامنة وتوجيهها واستثمارها في خدمة الفرد والمجتمع.
---
ثانياً: فلسفة العمل التطوعي في البناء الإنساني
إن العمل التطوعي في جوهره ليس مجرد نشاط اجتماعي أو خدمة عامة، بل هو فلسفة إنسانية عميقة تنطلق من الإيمان بقيمة الإنسان ومسؤوليته تجاه ذاته ومجتمعه.
فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي لا يكتمل وجوده إلا من خلال علاقاته بالآخرين، ولذلك فإن العطاء يمثل أحد أهم المكونات النفسية التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.
وعندما يتطوع الإنسان فإنه لا يقدم خدمة للآخرين فحسب، بل يمارس عملية بناء داخلية لذاته؛ إذ تتشكل شخصيته من خلال المواقف التي يعيشها والخبرات التي يكتسبها والتحديات التي يواجهها.
ومن هذا المنطلق يصبح العمل التطوعي مدرسة عملية لتكوين الشخصية الإنسانية الناضجة، لأنه يرسخ قيم:
المسؤولية.
الالتزام.
التعاون.
الانتماء.
الرحمة.
الإيثار.
احترام الكرامة الإنسانية.
وهي قيم تمثل الأساس الأخلاقي لأي مشروع حضاري حقيقي.
---
ثالثاً: الإنسان الفاعل والإنسان المتلقي
يمكن التمييز بين نمطين من الشخصيات الإنسانية:
الإنسان المتلقي
وهو الذي ينتظر دائمًا ما يقدمه الآخرون له، ويربط قيمته بما يحصل عليه من مكاسب أو امتيازات أو خدمات.
الإنسان الفاعل
وهو الذي يدرك أن وجوده الحقيقي يقاس بقدرته على التأثير والإسهام والإنتاج وصناعة الفرق الإيجابي في حياة الآخرين.
والعمل التطوعي يمثل أحد أهم المسارات التي تنقل الفرد من دائرة التلقي إلى دائرة الفاعلية.
فالإنسان حين يكتشف أنه قادر على إحداث أثر إيجابي في محيطه، تتغير نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله، ويبدأ بإدراك حجم القوة الكامنة التي يمتلكها.
ومن هنا فإن التطوع ليس مجرد نشاط خارجي، بل هو عملية تحول نفسي وفكري عميق تعيد تشكيل مفهوم الذات وتوسع آفاق الوعي الإنساني.
---
رابعاً: البعد الروحي للعمل التطوعي
تشير مختلف الأديان والحضارات إلى أن العطاء يمثل أحد أرقى أشكال السمو الإنساني.
وفي الرؤية الإسلامية يشكل العمل التطوعي امتدادًا عمليًا لمفهوم العمل الصالح الذي يربط بين الإيمان والسلوك، وبين العقيدة والحياة.
قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.
إن هذه الآية الكريمة تكشف العلاقة العميقة بين العطاء والحياة الطيبة، فالحياة ليست مجرد بقاء بيولوجي، وإنما هي حالة من الرضا والطمأنينة والشعور بالمعنى.
ولهذا فإن العمل التطوعي يحقق للإنسان نوعًا من الإشباع الروحي الذي لا يمكن تعويضه بالمكاسب المادية وحدها.
---
خامساً: الطاقات الكامنة والعمل التطوعي في ضوء علم النفس الإيجابي
يؤكد علم النفس الإيجابي أن الإنسان يحقق أعلى درجات الصحة النفسية عندما يشعر بثلاثة أمور أساسية:
المعنى.
الانتماء.
الإنجاز.
وهذه العناصر الثلاثة تتجسد بصورة واضحة في العمل التطوعي.
فالمتطوع يشعر بأن لحياته رسالة تتجاوز حدود المصالح الفردية الضيقة.
ويشعر بأنه جزء من جماعة إنسانية أكبر.
كما يشعر بأن جهده يترك أثرًا ملموسًا في الواقع.
ومن هنا يصبح العمل التطوعي أحد أهم مصادر تعزيز الثقة بالنفس وتقدير الذات والاتزان الانفعالي والرضا النفسي.
---
سادساً: نحو ثقافة مجتمعية قائمة على استثمار الطاقات الكامنة
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المجتمعات العربية لا يكمن في نقص الطاقات البشرية، بل في ضعف اكتشافها واستثمارها وتوجيهها.
فكم من موهبة أُهملت.
وكم من قدرة أُطفئت.
وكم من عقل مبدع ضاع في زحام الأنماط التقليدية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء ثقافة مجتمعية جديدة تؤمن بأن كل إنسان يحمل مشروعًا كامنًا يستحق الاكتشاف والرعاية.
وأن العمل التطوعي ليس نشاطًا ثانويًا، بل أحد أهم الأدوات الاستراتيجية لإطلاق هذه المشاريع الإنسانية الكامنة وتحويلها إلى واقع ملموس يخدم الفرد والمجتمع والأمة.
---
خاتمة الفصل الأول
إن الإنسان ليس ما يملكه من قدرات ظاهرة فحسب، بل ما يختزنه من إمكانات لم تُكتشف بعد. والعمل التطوعي يمثل أحد أهم المفاتيح الحضارية لفتح أبواب هذه الإمكانات وإطلاقها في ميادين الخير والبناء والإبداع. فكل عمل تطوعي صادق لا يغيّر واقع المجتمع فقط، بل يعيد تشكيل الإنسان نفسه، ويمنحه معنى أعمق لوجوده، ويقوده نحو تحقيق رسالته الإنسانية الكبرى.
وعندما تنجح المجتمعات في تحويل الطاقات الكامنة إلى طاقات فاعلة، فإنها لا تبني أفرادًا ناجحين فحسب، بل تبني حضارة قادرة على الاستمرار والعطاء وصناعة المستقبل.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة والصحة النفسية
الجزء الأول
الإطار النظري والفلسفي للعمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة
الفصل الثاني
المرتكزات النفسية والعلمية لتنمية الطاقات الكامنة وعلاقتها بالصحة النفسية: نحو نموذج متكامل لبناء الإنسان الفاعل
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

---
مقدمة الفصل
إذا كان العمل التطوعي يمثل الميدان العملي الذي تتجلى فيه الطاقات الإنسانية الكامنة، فإن فهم طبيعة هذه الطاقات وآليات نموها يتطلب العودة إلى الأسس النفسية والعلمية التي تفسر كيفية تشكل الشخصية الإنسانية وتطورها. فالإنسان ليس مجرد كيان بيولوجي تحكمه الغرائز والحاجات الأولية، بل منظومة معقدة من القدرات العقلية والانفعالية والاجتماعية والروحية التي تتفاعل بصورة مستمرة مع البيئة المحيطة.
ومن هنا فإن تنمية الطاقات الكامنة لا يمكن أن تُفهم بوصفها عملية تدريبية محدودة أو نشاطًا عابرًا، بل هي مشروع إنساني شامل يستند إلى فهم عميق للنفس البشرية، وإدراك لطبيعة الدوافع والقيم والاتجاهات التي تحرك السلوك الإنساني. كما أن الصحة النفسية ليست حالة خلو من الاضطراب فحسب، وإنما حالة من التوازن والقدرة على التكيف وتحقيق الذات والعيش بفاعلية داخل المجتمع.
---
أولاً: مفهوم الصحة النفسية في الرؤية الإنسانية المعاصرة
شهد مفهوم الصحة النفسية تطورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل من التركيز على المرض والاضطراب إلى التركيز على النمو والازدهار الإنساني.
فالصحة النفسية لا تعني فقط غياب القلق أو الاكتئاب أو التوتر، وإنما تعني قدرة الإنسان على:
فهم ذاته بوعي.
إدارة انفعالاته بصورة متوازنة.
بناء علاقات إنسانية إيجابية.
مواجهة الضغوط والتحديات.
تحقيق أهداف ذات معنى.
الشعور بالرضا والطمأنينة.
ومن هذا المنظور تصبح الصحة النفسية حالة ديناميكية متجددة تتأثر بطريقة تفكير الإنسان ونظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله.
---
ثانياً: الطاقات الكامنة بوصفها رأس المال النفسي للإنسان
كما تمتلك الأمم ثروات مادية وطبيعية، يمتلك الإنسان ثروة داخلية هائلة تتمثل في طاقاته الكامنة.
ويمكن النظر إلى هذه الطاقات باعتبارها رأس المال النفسي الذي يشمل:
1. طاقة التفكير
وهي قدرة الإنسان على التحليل والاستنتاج والتأمل والإبداع وحل المشكلات.
2. الطاقة الوجدانية
وتتمثل في القدرة على الحب والتعاطف والرحمة والتسامح والتفاعل الإنساني الإيجابي.
3. الطاقة الإرادية
وهي القدرة على المثابرة والانضباط وتحمل المسؤولية ومقاومة الإحباط.
4. الطاقة الاجتماعية
وتتجسد في مهارات التواصل والقيادة والعمل الجماعي وبناء العلاقات.
5. الطاقة الروحية
وهي مصدر المعنى والقيم والاتزان الداخلي والإحساس بالرسالة الإنسانية.
إن تعطيل هذه الطاقات يؤدي إلى حالة من الجمود النفسي وفقدان المعنى، بينما يؤدي استثمارها إلى تعزيز الشعور بالكفاءة والفاعلية والإنجاز.
---
ثالثاً: الحاجات النفسية ودورها في تنمية الطاقات الكامنة
تؤكد النظريات النفسية الحديثة أن السلوك الإنساني يرتبط بمجموعة من الحاجات الأساسية التي تسعى النفس إلى إشباعها بصورة مستمرة.
ومن أبرز هذه الحاجات:
الحاجة إلى الانتماء
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش معزولًا عن الآخرين، ولذلك يبحث دائمًا عن جماعة تمنحه الشعور بالأمان والتقدير.
الحاجة إلى التقدير
إذ يحتاج الفرد إلى الشعور بقيمته وأهمية دوره داخل المجتمع.
الحاجة إلى الإنجاز
وهي من أقوى الدوافع التي تحفز الإنسان على التعلم والإبداع والعمل.
الحاجة إلى المعنى
وتعد من أعمق الحاجات الإنسانية، لأنها تمنح للحياة اتجاهًا ورسالة وغاية.
وعندما يتم إشباع هذه الحاجات بصورة متوازنة تنمو الطاقات الكامنة وتصبح أكثر قدرة على الإنتاج والإبداع.
---
رابعاً: العمل التطوعي كبيئة نفسية محفزة للنمو
يُعد العمل التطوعي من أكثر البيئات قدرة على تلبية الحاجات النفسية السابقة بصورة متكاملة.
فهو يحقق:
الإحساس بالانتماء
من خلال الانخراط في فرق العمل والمبادرات المجتمعية.
الإحساس بالإنجاز
عندما يرى المتطوع نتائج جهوده في خدمة الآخرين.
الإحساس بالتقدير
من خلال الاعتراف المجتمعي بقيمة ما يقدمه.
الإحساس بالمعنى
إذ يشعر المتطوع بأن وجوده يسهم في تحسين حياة الناس وإحداث أثر إيجابي في المجتمع.
ولهذا السبب ترتبط المشاركة التطوعية غالبًا بارتفاع مستويات الرضا النفسي والتفاؤل والشعور بالسعادة.
---
خامساً: الذكاء الوجداني وتنمية الطاقات الكامنة
يُعد الذكاء الوجداني من أهم المفاهيم التي تساعد على فهم العلاقة بين الصحة النفسية والعمل التطوعي.
ويشير هذا المفهوم إلى قدرة الفرد على:
إدراك مشاعره.
فهم مشاعر الآخرين.
تنظيم الانفعالات.
بناء العلاقات الإيجابية.
إدارة المواقف الاجتماعية بفاعلية.
والعمل التطوعي يمثل مختبرًا واقعيًا لتطوير هذه القدرات، لأنه يضع الإنسان في مواقف إنسانية متنوعة تتطلب التعاطف والتعاون والصبر وضبط الانفعال.
ومن هنا فإن التطوع لا ينمي المهارات الاجتماعية فحسب، بل يسهم في بناء النضج الانفعالي والوجداني.
---
سادساً: نظرية الإثراء الإبداعي وتنمية الطاقات الكامنة
تنطلق نظرية الإثراء الإبداعي من أن الإنسان يمتلك مخزونًا واسعًا من القدرات والاستعدادات التي تحتاج إلى بيئات محفزة ومواقف ثرية تسمح لها بالنمو والتطور.
فكلما اتسعت خبرات الفرد وتنوعت تجاربه الإنسانية، ازدادت فرص اكتشاف إمكاناته الكامنة.
ويُعد العمل التطوعي أحد أهم مجالات الإثراء الإبداعي لأنه:
يوسع دائرة الخبرة الإنسانية.
ينمي مهارات التفكير وحل المشكلات.
يعزز المرونة النفسية.
يفتح آفاق المبادرة والابتكار.
يربط المعرفة بالتطبيق العملي.
وبذلك يتحول التطوع إلى أداة تنموية متكاملة تجمع بين بناء الشخصية وتنمية المجتمع.
---
سابعاً: الصحة النفسية بوصفها نتيجة للتوازن بين الأخذ والعطاء
من الأخطاء الشائعة النظر إلى السعادة على أنها نتاج الحصول المستمر على المكاسب والمنافع.
غير أن الخبرة الإنسانية تثبت أن الإنسان يحقق أعلى درجات الرضا النفسي عندما يتوازن في حياته جانب الأخذ مع جانب العطاء.
فالعطاء يحرر الإنسان من التمركز حول الذات، ويمنحه شعورًا بالاتصال الإنساني والمعنى والرسالة.
ولهذا فإن كثيرًا من الاضطرابات النفسية المرتبطة بالفراغ الوجودي وفقدان المعنى يمكن الحد من آثارها من خلال تعزيز ثقافة المشاركة والعطاء والعمل التطوعي.
---
ثامناً: نحو نموذج تكاملي للصحة النفسية والتنمية الإنسانية
إن بناء الإنسان الفاعل يتطلب تكامل مجموعة من العناصر الأساسية:
تنمية القدرات العقلية.
تنمية الذكاء الوجداني.
تعزيز القيم الأخلاقية.
توسيع الخبرات الحياتية.
دعم روح المبادرة.
ترسيخ ثقافة العمل التطوعي.
بناء المعنى والرسالة الشخصية.
وعندما تتكامل هذه العناصر تتشكل شخصية متوازنة قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة الإنجاز، والإسهام في نهضة المجتمع.
---
خاتمة الفصل الثاني
تكشف الدراسة النفسية والعلمية للطاقات الكامنة أن الإنسان يمتلك ثروة داخلية تفوق في قيمتها كثيرًا من الثروات المادية التي يمتلكها. غير أن هذه الثروة لا تتحول إلى قوة فاعلة إلا عندما تجد البيئة التي تستثيرها، والقيم التي توجهها، والرسالة التي تمنحها المعنى. ويُعد العمل التطوعي من أبرز هذه البيئات؛ لأنه يجمع بين النمو الشخصي والمسؤولية الاجتماعية، وبين الصحة النفسية وخدمة الإنسان، وبين اكتشاف الذات والمشاركة في بناء المجتمع.
ومن هنا فإن تنمية الطاقات الكامنة ليست مجرد هدف تربوي أو نفسي، بل مشروع حضاري شامل يبدأ من الإنسان، ويعود إليه، ويصنع من طاقاته المخبأة قوة قادرة على صناعة المستقبل.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة والصحة النفسية
الجزء الأول
الإطار النظري والفلسفي للعمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة
الفصل الثالث
العمل التطوعي كأداة استراتيجية لاكتشاف المواهب وبناء رأس المال الإبداعي والاجتماعي
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
---
مقدمة الفصل
لم تعد الثروة الحقيقية للأمم في القرن الحادي والعشرين تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية أو إمكانات مادية فحسب، بل أصبحت تُقاس بقدرتها على اكتشاف الطاقات البشرية الكامنة واستثمارها وتحويلها إلى قوة معرفية وإبداعية قادرة على صناعة التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق برز مفهوم رأس المال الإبداعي بوصفه أحد أهم مرتكزات النهضة الحديثة، كما برز مفهوم رأس المال الاجتماعي باعتباره القوة الخفية التي تمنح المجتمعات القدرة على التماسك والتعاون والإنتاج المشترك.
ومن بين أهم الأدوات القادرة على بناء هذين النوعين من رأس المال يأتي العمل التطوعي بوصفه مختبرًا إنسانيًا حيًا لاكتشاف المواهب وصقل القدرات وتنمية روح المبادرة والانتماء والمسؤولية.
---
أولاً: رأس المال الإبداعي وأهميته في التنمية الإنسانية
يشير رأس المال الإبداعي إلى مجموع القدرات والمهارات والمواهب والأفكار والابتكارات التي يمتلكها أفراد المجتمع، والتي يمكن توظيفها في تطوير مختلف مجالات الحياة.
فالإبداع ليس موهبة فردية معزولة، بل مورد استراتيجي يمثل أساس التقدم العلمي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي.
وتكمن خطورة إهمال رأس المال الإبداعي في أن المجتمع قد يمتلك آلاف المواهب التي تظل معطلة بسبب غياب البيئات المحفزة لاكتشافها وتطويرها.
ومن هنا تصبح تنمية الطاقات الكامنة ضرورة حضارية وليست مجرد خيار تربوي.
---
ثانياً: العمل التطوعي بوصفه بيئة لاكتشاف المواهب
تُظهر الخبرات الإنسانية أن كثيرًا من القدرات لا تُكتشف داخل القاعات الدراسية أو البيئات التقليدية، بل تظهر أثناء الممارسة العملية والتفاعل مع الواقع.
فالعمل التطوعي يتيح للفرد فرصًا متنوعة لاكتشاف:
مهارات القيادة.
مهارات التخطيط والتنظيم.
مهارات الاتصال والتواصل.
مهارات التفكير الإبداعي.
مهارات إدارة الأزمات.
مهارات العمل الجماعي.
مهارات المبادرة وتحمل المسؤولية.
وفي كثير من الأحيان يكتشف الإنسان من خلال تجربة تطوعية قصيرة قدرات لم يكن يعلم بوجودها في داخله.
وهنا تكمن القيمة التربوية الكبرى للتطوع باعتباره وسيلة للكشف عن الإمكانات المخبأة في أعماق الإنسان.
---
ثالثاً: التطوع وصناعة الشخصية القيادية
تُبنى القيادة الحقيقية من خلال الممارسة والخبرة والتفاعل مع الناس أكثر مما تُبنى من خلال المعرفة النظرية المجردة.
فالعمل التطوعي يضع الفرد أمام مواقف تتطلب:
اتخاذ القرار.
تحمل المسؤولية.
إدارة الوقت.
التعامل مع التحديات.
العمل ضمن فريق.
حل المشكلات.
ومع تكرار هذه الخبرات تبدأ الشخصية القيادية بالتشكل تدريجيًا.
ولهذا السبب تُعد المؤسسات التطوعية في كثير من دول العالم مدارس غير رسمية لإعداد القيادات المجتمعية وصناعة الكفاءات المستقبلية.
---
رابعاً: رأس المال الاجتماعي ودوره في بناء المجتمعات
يشير رأس المال الاجتماعي إلى شبكة العلاقات الإنسانية القائمة على الثقة والتعاون والتكافل والمشاركة.
وكلما ارتفع مستوى الثقة بين أفراد المجتمع ازدادت قدرته على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية.
إن المجتمعات لا تنهض بالأفراد المنعزلين، بل تنهض بالأفراد القادرين على التعاون والعمل المشترك.
ومن هنا فإن العمل التطوعي يؤدي دورًا محوريًا في:
تعزيز الثقة المتبادلة.
توسيع شبكات العلاقات الاجتماعية.
تنمية روح المشاركة.
تقوية الانتماء الوطني والمجتمعي.
نشر ثقافة التعاون والتكافل.
وبذلك يصبح التطوع مصنعًا لرأس المال الاجتماعي الذي يمثل أحد أهم مقومات الاستقرار والتنمية.
---
خامساً: التطوع وبناء ثقافة المبادرة
من أبرز المشكلات التي تواجه بعض المجتمعات انتشار ثقافة الانتظار والاعتماد على الآخرين.
أما العمل التطوعي فينقل الفرد من موقع المتلقي إلى موقع المبادر.
فالمتطوع لا ينتظر الحلول، بل يشارك في صناعتها.
ولا يكتفي بتشخيص المشكلات، بل يسعى إلى معالجتها.
ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته بثقافة المبادرة الإيجابية التي تُعد أساسًا لكل مشروع تنموي ناجح.
فالأمم التي تمتلك أفرادًا مبادرين تمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص والموارد المحدودة إلى إنجازات كبيرة.
---
سادساً: العمل التطوعي كحاضنة للإبداع الاجتماعي
الإبداع لا يقتصر على الاختراعات العلمية أو الإنجازات التقنية، بل يشمل أيضًا القدرة على ابتكار حلول جديدة للمشكلات الاجتماعية والإنسانية.
والعمل التطوعي يهيئ بيئة خصبة لهذا النوع من الإبداع من خلال:
الاحتكاك المباشر بالمشكلات الواقعية.
فهم احتياجات المجتمع.
البحث عن حلول مبتكرة.
توظيف الموارد المتاحة بكفاءة.
تشجيع التفكير خارج الأطر التقليدية.
ومن هنا يصبح التطوع مختبرًا للإبداع الاجتماعي ومجالًا لتطوير المبادرات الريادية التي تخدم الإنسان والمجتمع.
---
سابعاً: الشباب والعمل التطوعي وصناعة المستقبل
تمثل فئة الشباب أكبر مخزون استراتيجي للطاقات الكامنة في أي مجتمع.
غير أن هذه الطاقات قد تتحول إلى قوة بناء أو إلى طاقة مهدورة تبعًا للفرص المتاحة أمامها.
والعمل التطوعي يوفر للشباب:
فرص اكتشاف الذات.
تنمية المهارات الحياتية.
تعزيز الثقة بالنفس.
بناء العلاقات الإيجابية.
تنمية الحس الوطني والإنساني.
اكتساب الخبرة العملية.
ولهذا فإن الاستثمار في العمل التطوعي الشبابي يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل المجتمع.
---
ثامناً: نحو رؤية حضارية لاستثمار الطاقات الكامنة
إن المجتمعات التي تسعى إلى بناء مستقبلها لا تكتفي بتوفير الخدمات، بل تعمل على اكتشاف القدرات الإنسانية الكامنة وتحويلها إلى طاقات منتجة.
ومن هنا ينبغي أن تصبح ثقافة التطوع جزءًا من المنظومة التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية.
فالتطوع ليس نشاطًا إضافيًا على هامش الحياة، بل هو مدرسة للحياة نفسها، يتعلم فيها الإنسان كيف يفكر ويبدع ويتعاون ويخدم ويقود.
---
خاتمة الفصل الثالث
يكشف العمل التطوعي عن حقيقة جوهرية مفادها أن أعظم الثروات ليست ما نملكه خارجنا، بل ما نحمله في داخلنا من طاقات وقدرات وإمكانات تنتظر من يوقظها ويوجهها نحو الخير والبناء. فالتطوع ليس مجرد وسيلة لخدمة المجتمع، بل هو أداة استراتيجية لاكتشاف المواهب وصناعة القيادات وبناء رأس المال الإبداعي والاجتماعي الذي تقوم عليه نهضة الأمم.
وحين تتحول ثقافة التطوع إلى ثقافة مجتمعية راسخة، يصبح كل فرد مشروعًا للعطاء، وكل طاقة كامنة فرصة للإبداع، وكل مبادرة صغيرة لبنة في صرح الحضارة الإنسانية الكبرى.
يتبع في الفصل الرابع والأخير من الجزء الأول:
"العمل التطوعي والصحة النفسية المستدامة: نحو نموذج حضاري لبناء الإنسان السوي والمجتمع المتماسك"
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة العمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة والصحة النفسية
الجزء الأول
الإطار النظري والفلسفي للعمل التطوعي وتنمية الطاقات الكامنة
الفصل الرابع والأخير
العمل التطوعي والصحة النفسية المستدامة: نحو نموذج حضاري لبناء الإنسان السوي والمجتمع المتماسك
بقلم العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر
---
مقدمة الفصل
لقد سعت الإنسانية عبر تاريخها الطويل إلى البحث عن مصادر السعادة والاستقرار النفسي والتوازن الوجودي، وتعددت المدارس الفكرية والنفسية في تفسير العوامل التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على التكيف والرضا وتحقيق المعنى. غير أن التجارب الإنسانية المتراكمة تكشف حقيقة عميقة مفادها أن الإنسان لا يحقق اكتماله النفسي في العزلة، ولا يكتشف ذاته الحقيقية في الانغلاق على مصالحه الخاصة، وإنما ينمو ويزدهر حين يصبح جزءًا فاعلًا من منظومة العطاء الإنساني.
ومن هنا تتجلى القيمة الحضارية للعمل التطوعي بوصفه أكثر من نشاط اجتماعي أو ممارسة خيرية، فهو في جوهره عملية بناء متبادلة؛ يبني فيها الإنسان المجتمع، ويعيد المجتمع في الوقت ذاته بناء الإنسان نفسيًا وأخلاقيًا وفكريًا وروحيًا.
---
أولاً: الصحة النفسية المستدامة بين المفهوم والواقع
لم يعد مفهوم الصحة النفسية في الدراسات الحديثة مقتصرًا على غياب الاضطرابات أو الأمراض النفسية، بل أصبح يشير إلى حالة من التوازن الشامل الذي يمكن الإنسان من:
إدارة حياته بكفاءة.
بناء علاقات إنسانية صحية.
التكيف مع الضغوط والتحديات.
تحقيق أهداف ذات معنى.
المحافظة على الشعور بالأمل والقدرة على الإنجاز.
والصحة النفسية المستدامة تختلف عن الراحة النفسية المؤقتة؛ فهي ليست شعورًا عابرًا بالسعادة، بل قدرة مستمرة على التوازن والنمو والتجدد رغم تغير الظروف.
ومن هذا المنطلق يصبح البحث عن مصادر الاستدامة النفسية قضية محورية في بناء الإنسان المعاصر.
---
ثانياً: العمل التطوعي بوصفه علاجًا وقائيًا للنفس
تواجه المجتمعات الحديثة تحديات نفسية متزايدة تتمثل في العزلة الاجتماعية، والفراغ الوجودي، وضعف العلاقات الإنسانية، وتنامي النزعة الفردية.
وفي مواجهة هذه التحديات يبرز العمل التطوعي باعتباره أحد أهم الأدوات الوقائية التي تحافظ على الصحة النفسية.
فالتطوع يساعد الإنسان على:
الخروج من دائرة الانغلاق على الذات.
توسيع شبكة العلاقات الاجتماعية.
تعزيز الشعور بالجدوى والمعنى.
بناء صورة إيجابية عن الذات.
تنمية الشعور بالمسؤولية.
وعندما يشعر الإنسان أن وجوده يُحدث أثرًا في حياة الآخرين، تتراجع مشاعر العجز والاغتراب، ويزداد شعوره بالقيمة والفاعلية.
---
ثالثاً: المعنى النفسي للعطاء
تكشف الدراسات الإنسانية والفلسفية أن الحاجة إلى المعنى لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الطعام أو الأمن أو الانتماء.
فالإنسان لا يعيش بما يملك فقط، بل بما يؤمن به، وبما يمنح حياته قيمة ورسالة.
والعمل التطوعي يمنح الإنسان هذا المعنى من خلال تحويله من مستهلك للحياة إلى شريك في صناعتها.
إن لحظة إدراك الإنسان أنه استطاع أن يخفف ألمًا، أو ينشر علمًا، أو يقدم خدمة، أو يصنع ابتسامة، تمثل لحظة عميقة من الإشباع النفسي لا يمكن قياسها بالمكاسب المادية.
ومن هنا يصبح العطاء أحد أعظم مصادر المعنى في الحياة الإنسانية.
---
رابعاً: العمل التطوعي والمرونة النفسية
تُعد المرونة النفسية من أهم مؤشرات الصحة النفسية المعاصرة، وهي قدرة الفرد على مواجهة الأزمات والتكيف مع التغيرات واستعادة توازنه بعد الشدائد.
ويُسهم العمل التطوعي في تنمية هذه المرونة من خلال:
تعريض الفرد لخبرات إنسانية متنوعة.
تطوير مهارات حل المشكلات.
تنمية الصبر وتحمل المسؤولية.
تعزيز الثقة بالقدرة على التأثير.
توسيع منظور الإنسان للحياة.
فالمتطوع يتعلم أن المشكلات جزء طبيعي من الحياة، وأن التعامل معها يتطلب المبادرة لا الاستسلام، والعمل لا الشكوى.
---
خامساً: التطوع وبناء الشخصية المتوازنة
إن الشخصية الإنسانية المتوازنة لا تُبنى بالمعرفة النظرية وحدها، بل تحتاج إلى خبرات عملية تُترجم القيم إلى سلوك.
والعمل التطوعي يوفر بيئة مثالية لهذا البناء لأنه يجمع بين:
التفكير والعمل.
المعرفة والممارسة.
الحقوق والواجبات.
الحرية والمسؤولية.
الفردية والانتماء.
ومن خلال هذا التكامل تتشكل شخصية أكثر نضجًا واتزانًا وقدرة على التعامل مع الذات والآخرين.
---
سادساً: العمل التطوعي والتماسك المجتمعي
تتعرض المجتمعات في مراحل التحول السريع إلى مخاطر التفكك الاجتماعي وضعف الروابط الإنسانية.
وهنا يؤدي العمل التطوعي دورًا استراتيجيًا في تعزيز التماسك المجتمعي من خلال:
نشر ثقافة التعاون.
تعزيز الثقة المتبادلة.
تنمية روح المواطنة الإيجابية.
تقوية الانتماء الوطني والإنساني.
تعزيز قيم التكافل والتراحم.
وعندما تتسع دائرة المشاركة التطوعية تتحول المسؤولية المجتمعية من عبء يقع على المؤسسات وحدها إلى ثقافة عامة يتبناها الجميع.
---
سابعاً: البعد الحضاري للعمل التطوعي
عند دراسة تاريخ الحضارات الكبرى نجد أن ازدهارها لم يكن قائمًا على القوة المادية وحدها، بل على وجود منظومة أخلاقية واجتماعية تشجع المشاركة والعطاء وخدمة الصالح العام.
فالعمل التطوعي ليس نشاطًا هامشيًا في مسيرة الحضارة، بل هو أحد المؤشرات الرئيسة على حيوية المجتمع ونضجه.
وكلما ازدادت مساحة التطوع في المجتمع دلّ ذلك على ارتفاع مستوى الوعي والمسؤولية والانتماء.
ولهذا فإن الاستثمار في ثقافة التطوع هو استثمار مباشر في مستقبل الأمة واستقرارها وتقدمها.
---
ثامناً: نحو نموذج حضاري متكامل
يمكن صياغة نموذج حضاري متكامل يربط بين:
تنمية الطاقات الكامنة
باعتبارها مصدر القوة الإنسانية.
العمل التطوعي
باعتباره المجال التطبيقي لتفعيل هذه الطاقات.
الصحة النفسية
باعتبارها الثمرة الفردية لهذا التفاعل.
التنمية المجتمعية
باعتبارها الثمرة الجماعية والحضارية له.
وفي هذا النموذج يصبح الإنسان محور التنمية وغايتها في الوقت نفسه، وتصبح الطاقات الكامنة موردًا استراتيجيًا، ويصبح العمل التطوعي أداة لتحويل الإمكانات إلى إنجازات، وتصبح الصحة النفسية أساسًا لاستمرار العطاء والإبداع.
---
الخاتمة العلمية للفصل الرابع
إن العمل التطوعي ليس مجرد فعل خير، بل هو فلسفة بناء إنساني وحضاري متكاملة. فهو يحرر الطاقات الكامنة من حالة السكون، ويمنحها مسارًا للإبداع والعطاء، ويعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته ومجتمعه ورسالة وجوده.
كما أن الصحة النفسية الحقيقية لا تتحقق في دائرة الأخذ وحدها، بل تزدهر في التوازن بين الأخذ والعطاء، وبين تحقيق الذات وخدمة الآخرين. ومن هنا فإن المجتمعات التي تنجح في ترسيخ ثقافة التطوع إنما تؤسس لنهضة إنسانية شاملة، قوامها الإنسان الواعي، والنفس المتوازنة، والعقل المبدع، والقلب المؤمن بقيمة الخير.
وعليه، فإن مستقبل الأمم لن يتحدد فقط بما تملكه من ثروات مادية، بل بما تكتشفه من طاقات كامنة في أبنائها، وبما تتيحه لهم من فرص لتحويل هذه الطاقات إلى مشاريع عطاء وإبداع وبناء حضاري مستدام.
وبهذا يكتمل الجزء الأول من الموسوعة، مؤسسًا للإطار الفلسفي والنفسي والحضاري الذي ستنطلق منه الأجزاء اللاحقة نحو التطبيقات العملية والنماذج الميدانية والاستراتيجيات التنفيذية لتنمية الطاقات الكامنة والعمل التطوعي.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
الكلمة الختامية الأكاديمية للموسوعة
بقلم العالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
إن أعظم ما يمكن أن تكتشفه الأمم ليس ما تختزنه الأرض في باطنها، بل ما يختزنه الإنسان في أعماقه. فالحضارات لا تبدأ من الحجر، بل من الفكرة؛ ولا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تُحسن توظيفها، وبالنفوس التي تؤمن برسالتها.
لقد سعى هذا الجزء إلى تأصيل رؤية معرفية وإنسانية ترى في العمل التطوعي أكثر من ممارسة اجتماعية، وفي تنمية الطاقات الكامنة أكثر من برنامج تدريبي، وفي الصحة النفسية أكثر من مفهوم علاجي؛ إذ تتكامل هذه الأبعاد جميعها لتشكّل مشروعًا حضاريًا لبناء الإنسان القادر على فهم ذاته، واكتشاف إمكاناته، وتوجيهها نحو الخير والإبداع والعطاء.
فالإنسان الذي يكتشف طاقاته الكامنة يحرر ذاته من حدود الممكن الضيق، والإنسان الذي يهب جزءًا من جهده وفكره وقلبه للآخرين يكتشف أن العطاء ليس استنزافًا للذات، بل أرقى صور اكتمالها. ومن هنا يصبح العمل التطوعي مدرسة للوعي، وميدانًا للنمو النفسي، وجسرًا يصل بين تحقيق الذات وخدمة المجتمع.
وإذا كانت الأمم تُقاس بما تنتجه من معرفة، فإنها تُقاس أيضًا بما تُنتجه من إنسان؛ إنسان يمتلك عقلًا مفكرًا، وقلبًا رحيمًا، وإرادة فاعلة، ورسالة تتجاوز حدود المصلحة الفردية إلى آفاق المسؤولية الإنسانية والحضارية.
إن المستقبل لن يكون لمن يملك الموارد الأكبر، بل لمن ينجح في اكتشاف الثروة الأعظم: الإنسان. ذلك الإنسان الذي تتحول طاقاته الكامنة إلى إبداع، وإبداعه إلى إنجاز، وإنجازه إلى أثر، وأثره إلى حضارة.
ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية؛ رحلة الانتقال من اكتشاف الطاقات إلى استثمارها، ومن الوعي بالإمكانات إلى صناعة المنجزات، ومن بناء الفرد إلى بناء الأمة.
وما هذه الموسوعة إلا دعوة إلى إعادة اكتشاف الإنسان؛ لأنه البداية، وهو الوسيلة، وهو الغاية.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى