الدكتور محمد أزلماط - الاستقالة والطرد من الحزب قبل الانتخابات البرلمانية: حدود الترحال السياسي وأثره في رئاسة الجماعة على ضوء القانون والاج

الاستقالة والطرد من الحزب قبل الانتخابات البرلمانية:
حدود الترحال السياسي وأثره في رئاسة الجماعة
على ضوء القانون والاجتهاد القضائي المغربي
الدكتور محمد ازلماط



تمهيد
أثارت ظاهرة انتقال بعض المنتخبين من حزب سياسي إلى حزب آخر، قبيل الاستحقاقات الانتخابية، إشكالاً متجدداً في القانون الانتخابي المغربي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمنتخب يشغل في الوقت نفسه رئاسة جماعة ترابية. وتزداد النازلة تعقيداً عندما يكون المنتخبان موضوع المقارنة قد انتقلا معاً من الحزب الذي ترشحا باسمه في الانتخابات الجماعية، لكن أحدهما غادر الحزب بإرادته عن طريق الاستقالة، في حين أن الثاني أنهى الحزب عضويته فيه عن طريق الطرد، ثم التحق كل واحد منهما بحزب جديد استعداداً للمشاركة في الانتخابات البرلمانية. وتصبح المسألة أكثر دقة عندما يكون الأول قد فقد رئاسة الجماعة بناء على حكم قضائي، بينما استمر الثاني في ممارسة رئاسة جماعته.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تقييم سياسي لما يسمى «الترحال الحزبي»، وإنما بسؤال قانوني محدد يتصل بحدود العلاقة بين الانتماء الحزبي، والانتداب الانتخابي، والعضوية في المجلس الجماعي، ورئاسة المجلس، ثم الحق في الترشح لانتخابات تشريعية باسم حزب سياسي آخر. فالخلط بين هذه المستويات قد يؤدي إلى نتيجة غير دقيقة، لأن القانون المغربي لا يرتب بالضرورة الأثر نفسه على الاستقالة والطرد، كما أن فقدان العضوية في المجلس الجماعي ليس مطابقاً من الناحية القانونية لفقدان رئاسة المجلس.
السياق القانوني
ينطلق الإطار الدستوري من الفصل 61 من دستور المملكة الذي يقرر أن عضو أحد مجلسي البرلمان يجرد من صفته إذا تخلى خلال مدة الانتداب عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. وقد شكل هذا المقتضى الأساس الدستوري الذي بني عليه تنظيم مسألة التخلي عن الانتماء السياسي في القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية وفي القوانين التنظيمية الخاصة بالمجالس الترابية. وقد أكدت المحكمة الدستورية أن التجريد من الصفة الانتخابية جزاء استثنائي يمس انتداباً حصل عليه المنتخب بواسطة الاقتراع، ولذلك لا يجوز توسيع أسبابه خارج الحدود التي رسمها الدستور. (Cour Constitutionnelle)
وفي هذا السياق، تنص المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية على أنه لا يمكن لعضو في أحد مجلسي البرلمان أو في مجالس الجماعات الترابية أو في الغرف المهنية التخلي عن الانتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، تحت طائلة تجريده من عضويته في المجالس أو الغرف المذكورة. وقد ربط المشرع بذلك بين التخلي عن الانتماء السياسي وبين التجريد من العضوية الانتخابية. (Cour Constitutionnelle)
وتتأكد هذه القاعدة بالنسبة إلى المجلس الجماعي في المادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، التي تقرر أن العضو المنتخب بمجلس الجماعة الذي تخلى، خلال مدة الانتداب، عن الانتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه يجرد من صفة العضوية في المجلس، مع إسناد الاختصاص في البت في طلب التجريد إلى المحكمة الإدارية. (Le Juriste)
غير أن النقطة الأكثر أهمية في النازلة التي نناقشها لا توجد في القاعدة المجردة، وإنما في تفسير مفهوم «التخلي عن الانتماء السياسي». فقد حاول المشرع، في مرحلة سابقة، توسيع مفهوم التخلي بحيث يشمل أيضاً الحالة التي يقرر فيها الحزب وضع حد لانتماء أحد أعضائه إليه. إلا أن المحكمة الدستورية تدخلت بصورة حاسمة وأعلنت عدم مطابقة هذا المقتضى للدستور.
ففي قرار المحكمة الدستورية رقم 968/15 بتاريخ 30 يونيو 2015، المتعلق بالقانون التنظيمي رقم 113.14، اعتبرت أن اعتبار العضو في وضعية تخلي عن الحزب لمجرد أن الحزب قرر وضع حد لانتمائه إليه يشكل توسعاً في نطاق الجزاء، لأن التجريد يضع حداً لانتداب حصل عليه ممثلو المواطنات والمواطنين بالاقتراع. ولذلك قضت بعدم دستورية الفقرة التي كانت تعتبر طرد الحزب لعضوه بمثابة تخلي من جانب المنتخب عن الحزب. (Cour Constitutionnelle)
وكررت المحكمة الدستورية المبدأ نفسه في قرارها رقم 969/15 المتعلق بالقانون التنظيمي رقم 29.11، حيث أكدت أن الفقرة التي اعتبرت العضو في وضعية تخلي عندما يقرر الحزب وضع حد لانتمائه إليه غير مطابقة للدستور. والأساس الذي أقامت عليه المحكمة هذا القضاء بالغ الأهمية، إذ اعتبرت أن الدستور ربط التجريد بسبب محدد، وهو التخلي الإرادي عن الانتماء السياسي، ولذلك لا يجوز للمشرع أن يضيف سبباً آخر يؤدي إلى الجزاء نفسه. (Cour Constitutionnelle)
التمييز القانوني بين المنتخب المستقيل والمنتخب المطرود: اختلاف مصدر الإرادة وأثرها في الانتداب
لا يستقيم قانوناً إخضاع المنتخب المستقيل والمنتخب المطرود من الحزب للمعاملة القانونية نفسها، لأن الواقعتين وإن كانتا تؤديان في الظاهر إلى انتهاء العلاقة الحزبية، فإنهما تختلفان من حيث مصدر الإرادة المنشئة لهذا الانقطاع ومن حيث إمكان ترتيب الأثر الانتدابي عليه. فالاستقالة فعل إرادي يصدر عن المنتخب نفسه، في حين أن الطرد قرار يصدر عن الحزب في مواجهة المنتخب، ولذلك فإن مجرد ثبوت انتهاء العضوية الحزبية لا يكفي وحده لتحديد أثرها على الانتداب الانتخابي.
ففي حالة الاستقالة يكون المنتخب هو مصدر الفعل المنشئ لانقطاع العلاقة الحزبية. فهو الذي يعلن إرادته في مغادرة الحزب الذي ترشح باسمه وحصل من خلاله على الانتداب. ومن ثم يمكن أن تدخل هذه الواقعة، متى ثبتت قانوناً وتحققت شروطها، في نطاق «التخلي عن الانتماء إلى الحزب السياسي الذي ترشح باسمه»، وهو المفهوم الذي يرتب عليه القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، في مادته 20، أثراً على العضوية الانتخابية. وقد ظل هذا المقتضى قائماً بعد صدور القانون التنظيمي رقم 54.25 المعدل للقانون التنظيمي رقم 29.11، إذ لم يشمل التعديل المادة 20.
أما في حالة الطرد، فإن مصدر القرار ليس المنتخب وإنما الحزب. ولذلك فإن القول بانقطاع الانتماء الحزبي لا يقود تلقائياً إلى القول بوجود «تخلٍّ إرادي» من جانب المنتخب. وهذه النقطة اكتسبت أساساً دستورياً واضحاً في القرار رقم 968/15 الصادر بتاريخ 30 يونيو 2015، حين ميز القضاء الدستوري بين إنهاء الحزب لانتماء أحد أعضائه وبين التخلي الإرادي الذي يمكن أن تكون له آثار على الانتداب. فإرادة الحزب في إنهاء العضوية لا يمكن أن تتحول، بمجردها، إلى إرادة صادرة عن المنتخب في التخلي عن انتدابه أو عن الحزب الذي ترشح باسمه (المجلس الدستوري، القرار رقم 968/15، 30 يونيو 2015).
وتتأكد أهمية هذا التمييز في الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض، لأن الطرد نفسه ليس واقعة محصنة من الرقابة القضائية. ففي القرار الصادر بتاريخ 16 ماي 2019، فحصت المحكمة مدى اختصاص الجهة الحزبية التي أصدرت قرار الطرد ومدى مطابقته للنظام الأساسي للحزب، ولم تعتبر مجرد وصف الواقعة بأنها «طرد» كافياً لإنتاج آثارها القانونية. وهذا يعني أن القضاء لا ينظر إلى الطرد باعتباره واقعة مادية مكتملة الأثر بمجرد صدورها، وإنما يتحقق أولاً من مصدرها واختصاص الجهة التي أصدرتها ومن احترام القواعد الحزبية المنظمة لها.
وعليه، فإن الفارق بين الحالتين يمكن اختزاله في أن المستقيل ينشئ واقعة الانقطاع بإرادته، بينما المطرود يتلقى قرار الانقطاع من إرادة الحزب. وفي الحالة الأولى يكون السؤال الأساسي هو: هل ثبت التخلي الإرادي عن الانتماء وفق الشروط القانونية؟ أما في الحالة الثانية فيسبق ذلك سؤال آخر: هل كان الطرد صحيحاً وصادراً عن الجهة المختصة ووفق المسطرة المقررة؟ ثم يأتي بعد ذلك سؤال مستقل: هل يمكن أن يرتب هذا الطرد أثراً على الانتداب الانتخابي، أم أن الأمر يتعلق فقط بانتهاء العلاقة الحزبية؟
ومن هنا لا يجوز قانوناً الانتقال مباشرة من عبارة «طُرد من الحزب» إلى عبارة «تخلى عن الحزب». فالعبارتان ليستا مترادفتين من الناحية القانونية. «الاستقالة» تفيد، من حيث الأصل، إرادة المنتخب في إنهاء انتمائه، بينما «الطرد» يفيد أن الحزب هو الذي اتخذ قرار إنهاء الانتماء. ولذلك فإن تحويل الطرد إلى تخلي إرادي يحتاج إلى أساس قانوني مستقل، ولا يمكن افتراضه لمجرد صدور القرار الحزبي.
وتظهر أهمية ذلك بصورة خاصة عندما يكون الطرد ناتجاً عن نزاع حول التزكية. فرفض الحزب منح المنتخب تزكية للانتخابات التشريعية، أو نشوء خلاف بين الطرفين حول أحقية التزكية، لا يؤدي في ذاته إلى إنهاء الانتداب الجماعي القائم، كما لا يحول النزاع حول الترشح إلى استقالة من الحزب. فإذا انتهى النزاع بقرار من الحزب بطرد المنتخب، فإن الواقعة القانونية الجديدة هي «الطرد»، لا «الاستقالة»، ويبقى تحديد آثارها على الانتداب متوقفاً على مشروعية القرار الحزبي وعلى القواعد القانونية التي تحكم الانتداب الجماعي.
وبذلك يصبح مصدر الإرادة معياراً مركزياً في التمييز بين الحالتين: فإذا كان مصدر الانقطاع هو إرادة المنتخب، نكون أمام الاستقالة أو التخلي الإرادي؛ وإذا كان مصدره إرادة الحزب، نكون أمام الطرد، ولا يجوز مساواة الواقعتين إلا بناءً على نص قانوني صريح أو حكم قضائي يثبت تحقق سبب مستقل لإنهاء الانتداب.
ويترتب على هذا التمييز أثر بالغ في حالة الرئيس الجماعي محل الدراسة. فإذا كان قد استقال من الحزب بإرادته، فإن الواقعة تندرج في إطار مختلف عن حالة الرئيس الذي طُرد منه بسبب نزاع حول التزكية. ففي الحالة الأولى يكون هناك فعل إرادي من المنتخب يمكن أن يخضع لأحكام المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11 والمادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14. أما في الحالة الثانية، فإن مجرد الطرد لا يكفي بذاته لإثبات التخلي الإرادي، ولا سيما إذا كانت مشروعية الطرد نفسها ما تزال محل طعن قضائي. ولذلك يجب أن يظل الفرق قائماً بين انتهاء العضوية الحزبية وانتهاء الانتداب الانتخابي، وبين قرار الحزب وإرادة المنتخب.
وعليه، فإن المقارنة القانونية الدقيقة لا تكون بين «شخص استقال» و«شخص طُرد» باعتبارهما حالتين سياسيتين، وإنما بين واقعتين قانونيتين مختلفتين في مصدر الإرادة وفي الأثر: الاستقالة فعل صادر عن المنتخب، والطرد قرار صادر عن الحزب؛ والاستقالة قد تؤسس، متى استوفت شروطها القانونية، لحالة التخلي الإرادي، أما الطرد فلا يتحول إلى تخلي إرادي بمجرد صدوره، وإنما يحتاج أثره على الانتداب إلى تأسيس قانوني مستقل وإلى رقابة القضاء على مشروعيته وآثاره.
من الاستقالة إلى الطرد: اختلاف مصدر الإرادة وأثره في الانتداب الانتخابي
فالاستقالة تُنشئ الانقطاع الحزبي بإرادة المنتخب، أما الطرد فيُنشئه بقرار الحزب؛ ولذلك لا يجوز مساواة الأثر الانتدابي في الحالتين إلا بعد التحقق من مصدر الانقطاع ومشروعيته وأثره القانوني.»
وهذا يفتح لنا مباشرةً نقطة مهمة جداً في حالة الرئيسين: الأول لا تُدرس وضعيته انطلاقاً من النتيجة نفسها التي تُدرس بها وضعية الثاني؛ لأن أحدهما أنشأ الانقطاع بإرادته، بينما الثاني انتهت علاقته الحزبية ـ بحسب الوقائع المعروضة ـ بقرار من الحزب، مع بقاء مشروعية هذا القرار محل نزاع قضائي. وبالتالي فهما حالتان قانونيتان مختلفتان، حتى لو انتهتا ظاهرياً إلى الانتقال نحو حزب آخر.
ومن هنا ريظهر الفرق الجوهري بين المستقيل والمطرود. فالمستقيل، من حيث الأصل، قام بفعل إرادي مباشر ينهي به انتماءه إلى الحزب الذي ترشح باسمه. أما المطرود، فإن إنهاء العلاقة الحزبية صدر عن الحزب وليس عنه. ولذلك لا يمكن، بمجرد واقعة الطرد وحدها، أن يعامل قانوناً معاملة المستقيل، لأن المحكمة الدستورية رفضت صراحة تحويل قرار الحزب بإنهاء العضوية إلى سبب تلقائي لتجريد المنتخب من انتدابه.
وهذه النتيجة ليست مجرد استنتاج نظري، وإنما تعززها قرارات قضائية لاحقة. فقد عرض على محكمة النقض ملف يتعلق بمنتخب تمسك بأنه لم يتخل عن حزبه بإرادته وإنما طُرد منه، واستند في دفاعه إلى هذا الفرق. ويكشف قرار محكمة النقض رقم 113 بتاريخ 16 ماي 2019، في المرجع 21317، أن النزاع دار تحديداً حول مدى انطباق المادة 20 من القانون التنظيمي للأحزاب والمادة 51 من القانون التنظيمي للجماعات على حالة الطرد. (Chamlale Law Office)
لكن هنا ينبغي إدخال عنصر آخر بالغ الأهمية، وهو أن الطرد في حد ذاته شيء، وما يقوم به المطرود بعد الطرد شيء آخر. فليس معنى عدم اعتبار الطرد بذاته تخلياً إرادياً أن المنتخب يستطيع، في جميع الأحوال، أن ينتقل إلى حزب آخر دون أن تطرح أفعاله اللاحقة أي إشكال قانوني. ذلك أن الاجتهاد القضائي المغربي تطور باتجاه قراءة مفهوم التخلي عن الانتماء السياسي ليس فقط باعتباره تصريحاً صريحاً بالاستقالة، وإنما باعتباره أحياناً سلوكاً قانونياً أو سياسياً يمكن أن يستخلص منه التخلي الضمني.
وهذا ما يتضح بوضوح من قرار محكمة النقض رقم 29 بتاريخ 24 أكتوبر 2019، الذي تناول طلب التجريد بسبب الترحال السياسي. فقد اعتبرت المحكمة أن مفهوم التخلي عن الانتماء السياسي يمكن أن يتحقق صراحة أو ضمناً من خلال اتخاذ تصرف قانوني يستفاد منه ذلك، وأن الترحال السياسي لا يقتصر بالضرورة على تقديم الاستقالة الشكلية من الحزب، وإنما قد يستخلص من سلوك يفيد التخلي عن الالتزام السياسي الذي قام عليه الانتداب. (Chamlale Law Office)
وهنا تحديداً تكمن أهمية الواقعة التي طرحتها. فإذا كان الشخص الأول قد استقال من الحزب ثم التحق بحزب آخر، فإن العنصر الإرادي في التخلي عن الانتماء الحزبي يبدو قائماً بصورة مباشرة. ولا تقف المسألة عند مجرد الاستقالة، بل إن الالتحاق بحزب آخر والترشح باسمه يمكن أن يشكلا، بحسب ظروف النازلة وتقدير القضاء، قرائن متضافرة على التخلي عن الانتماء الذي تأسس عليه الانتداب المحلي.
أما الشخص الثاني الذي طرده الحزب، فإن مركزه القانوني يبدأ من نقطة مختلفة تماماً. فالطرد لا يمكن مساواته بالاستقالة استناداً إلى الاجتهاد الدستوري المشار إليه. وإذا كان الطرد قد تم فعلاً وبصورة صحيحة، ولم يثبت أن المنتخب هو الذي افتعل الطرد أو اتخذه وسيلة صورية للتحايل على مقتضيات منع الترحال، فإن مجرد قرار الحزب بإنهاء عضويته لا يؤدي، في حد ذاته، إلى تجريده من عضويته في المجلس الجماعي. وهذا يفسر من الناحية القانونية كيف يمكن أن يستمر منتخب مطرود في رئاسة جماعته، في حين يفقد منتخب آخر رئاسة جماعته بعد استقالته وما ترتب عنها قضائياً.
غير أن استمرار المطرود في الرئاسة لا يعني بالضرورة أن انتقاله إلى حزب جديد أصبح محصناً من كل رقابة قضائية. فالتمييز الدقيق ينبغي أن يكون بين واقعة الطرد الأصلية وبين السلوك اللاحق للطرد. الطرد المنسوب إلى الحزب لا ينتج تلقائياً أثر الاستقالة، لكن مشروعيته وملابساته تظل محل فحص قضائي، كما أن السلوك اللاحق للمطرود يحتاج إلى تكييف مستقل.فالأصل ألا ينشأ التجريد من هذه الواقعة وحدها. أما إذا ثبت، مثلاً، أن الطرد كان صورياً أو متواطأً عليه، أو أن المنتخب قام بعد ذلك بتصرفات قانونية تكشف بصورة مستقلة عن تخليه الإرادي عن الحزب الذي ترشح باسمه، فقد تنتقل النازلة إلى مجال مختلف هو مجال التخلي الإرادي أو الضمني، وهو المجال الذي أتاح فيه الاجتهاد القضائي إمكان استخلاص الترحال السياسي من السلوك وليس من مجرد الاستقالة المكتوبة. وهذا استنتاج يجب أن يبنى على وقائع الملف وأدلته، لا على مجرد وصف سياسي للواقعة. (Chamlale Law Office)
أما بالنسبة إلى رئاسة الجماعة، فإن القانون التنظيمي رقم 113.14 يميز بين العضوية في المجلس وبين رئاسة المجلس. فالمادة 20 من القانون التنظيمي تدرج ضمن حالات انقطاع الرئيس ونوابه عن مزاولة مهامهم الوفاة والاستقالة الاختيارية والإقالة الحكمية والعزل، بما في ذلك حالة التجريد المشار إليها في المادة 51، والإلغاء النهائي للانتخاب، وبعض الحالات الأخرى المحددة قانوناً. كما تقرر المادة 21 أنه إذا انقطع الرئيس عن مزاولة مهامه في الحالات المحددة قانوناً اعتبر مقالاً وحل المكتب بحكم القانون. (Le Juriste)
وعليه، فإن التجريد من عضوية المجلس ليس مجرد عقوبة حزبية، بل هو واقعة قانونية لها أثر مباشر في الوضعية الانتدابية، وبالتالي في استمرار الشخص في رئاسة المجلس إذا كان هو الرئيس. أما مجرد الخلاف مع الحزب أو حتى الطرد منه، فلا يكفي وحده، بعد حكم المحكمة الدستورية، لإنتاج هذا الأثر.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الفرق الذي يبدو لأول وهلة متناقضاً بين الحالتين اللتين عرضتهما. فالمستقيل فقد رئاسة الجماعة لأن الاستقالة تمثل، من حيث الأصل، تخلياً إرادياً عن الانتماء الذي تأسس عليه الانتداب، ولأن هذا التخلي يمكن أن يؤدي، بعد سلوك المسطرة القضائية والحكم بالتجريد، إلى انقطاع الرئيس عن مهامه. أما المطرود، فإن مجرد طرده لا يكفي قانوناً لإحداث الأثر نفسه، لأن المحكمة الدستورية فصلت بين إرادة المنتخب في التخلي وبين إرادة الحزب في إنهاء العضوية.
وهذا التمييز يكشف أيضاً عن بعد دستوري عميق في المسألة. فالانتداب الانتخابي ليس ملكاً للحزب، وإن كان الحزب قد أدى دوراً أساسياً في تقديم المرشح وتزكيته. ولذلك رفضت المحكمة الدستورية أن يتحول القرار الحزبي المنفرد إلى وسيلة لإنهاء انتداب حصل عليه المنتخب من الناخبين. وقد أكدت في قراراتها أن التجريد ينهي انتداب ممثلي المواطنات والمواطنين في المؤسسات المنتخبة، الأمر الذي يجعل التوسع في أسباب التجريد مساساً بالانتداب الانتخابي نفسه. (Cour Constitutionnelle)
ومن ثم فإن الحزب يمارس سلطة حقيقية في تنظيم عضوية أعضائه، ويمكنه، وفق نظامه الأساسي والقواعد القانونية المنظمة له، أن ينهي علاقة الانتماء في الحالات التي يجيزها نظامه؛ غير أن إنهاء العلاقة الحزبية لا يساوي تلقائياً إنهاء الانتداب الانتخابي. وهذه قاعدة أساسية لفهم النازلة، لأنها تمنع الخلط بين المجال الداخلي للحزب والمجال الانتخابي الدستوري.
وفي المقابل، فإن حرية المنتخب في إعادة بناء مساره الحزبي ليست حرية مطلقة أثناء مدة الانتداب، لأن المادة 20 من القانون التنظيمي للأحزاب تقيد التخلي عن الحزب الذي ترشح باسمه بجزاء التجريد. ولهذا جاءت أحكام محكمة النقض لتبحث عن التوازن بين حق المنتخب في الانتماء السياسي وبين حماية الانتداب الذي حصل عليه بواسطة حزب قدمه للناخبين. وقد عبر قرار محكمة النقض رقم 29/2019 عن هذا التوجه حين ربط مفهوم الترحال السياسي بالتخلي الصريح أو الضمني وبالسلوك الذي يكشف عن عدم استمرار الالتزام السياسي الذي تأسس عليه الانتداب. (Chamlale Law Office)
وبناء على ذلك، فإن الالتحاق بحزب جديد استعداداً للانتخابات البرلمانية لا ينبغي أن يدرس بمعزل عن كيفية انتهاء العلاقة بالحزب السابق. فإذا كان الانتهاء قد تم بالاستقالة الإرادية، فإن الانتقال إلى حزب آخر أثناء مدة الانتداب الجماعي يثير مباشرة مقتضيات المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11 والمادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14. أما إذا كان الانتهاء قد تم بالطرد، فإن نقطة البداية مختلفة: لا يكفي الطرد وحده لإحداث التجريد، لكن يجب فحص الأفعال اللاحقة للمنتخب لمعرفة ما إذا كانت تنطوي، بصورة مستقلة، على تخلي إرادي عن الحزب الذي ترشح باسمه.
وهنا أرى أن العنصر الحاسم في النازلة ليس اسم الفعل الحزبي، وإنما مصدر الإرادة التي أنهت الانتماء السياسي. ففي الاستقالة تكون الإرادة الأصلية إرادة المنتخب؛ وفي الطرد تكون، من حيث الأصل، إرادة الحزب. وإذا كان الجزاء الانتخابي لا يجوز أن يقوم إلا على التخلي الإرادي، فإن اختلاف مصدر الإرادة يؤدي بالضرورة إلى اختلاف المركز القانوني. لكن هذه القاعدة لا تمنع القضاء من فحص الطرد ذاته والسلوك الذي سبقه أو أعقبه، إذا أثير أمامه أن الطرد لم يكن إلا وسيلة لإخفاء تخلي إرادي أو للالتفاف على مقتضيات منع الترحال.
وعليه، فإن وصف الشخص الثاني بأنه «مطرود» لا يكفي وحده لحسم النزاع لصالحه، كما أن وصف الأول بأنه «مستقيل» لا يكفي وحده لتفسير جميع الآثار ما لم تتحقق المسطرة القضائية المنصوص عليها قانوناً. إنما ينبغي فحص القرار الحزبي، وتاريخ الاستقالة أو الطرد، والنظام الأساسي للحزب، والطعن في قرار الطرد إن وجد، وتاريخ الالتحاق بالحزب الجديد، وطبيعة الترشح، وما إذا كان المنتخب لا يزال عضواً في المجلس الجماعي، ثم القرار أو الحكم القضائي الذي ترتب عليه فقدان الرئاسة في الحالة الأولى.
والأهم أن الترشح للانتخابات البرلمانية شيء، وفقدان العضوية في المجلس الجماعي شيء آخر. فقد يستطيع شخص، من الناحية الواقعية، أن يسعى إلى الترشح باسم حزب جديد، لكن ذلك لا يحسم تلقائياً وضعيته الانتدابية المحلية. فالمسألة الأولى تتعلق بشروط الترشح للانتخابات التشريعية والقواعد الخاصة بالانتخابات، بينما المسألة الثانية تتعلق باستمرار العضوية في المجلس الجماعي خلال مدة الانتداب. لذلك لا يصح جعل مجرد قبول حزب جديد لترشيح الشخص دليلاً حاسماً على سلامة وضعه الانتدابي المحلي.
كما ينبغي التنبيه إلى أن الحكم القضائي الذي جرد المستقيل من رئاسة جماعته لا يمكن تعميمه تلقائياً على حالة المطرود، لأن سبب الحكم ووقائعه ومنطوقه وتعليله هي التي تحدد نطاقه. وإذا كان الحكم الأول قد قام على الاستقالة بوصفها تخلياً إرادياً عن الانتماء، فإن حالة الطرد تحتاج إلى تكييف قانوني مستقل، خصوصاً في ضوء القضاء الدستوري الذي ألغى صراحة اعتبار قرار الحزب بإنهاء الانتماء سبباً كافياً للتجريد. (Cour Constitutionnelle)
ومن الناحية الاجتهادية، يمكن صياغة القاعدة التي تبرز من مجموع النصوص والقرارات على النحو الآتي: الاستقالة من الحزب الذي تم الترشح باسمه أثناء مدة الانتداب تشكل، من حيث الأصل، تخلياً إرادياً عن الانتماء السياسي، ويمكن أن يترتب عليها التجريد من العضوية بعد سلوك المسطرة القضائية؛ أما الطرد من الحزب فلا يشكل، بمجرده، تخلياً إرادياً ولا يجوز أن يتحول تلقائياً إلى سبب للتجريد، مع بقاء إمكانية فحص السلوك اللاحق أو الملابسات التي قد تثبت تخلياً إرادياً أو تحايلاً على مقتضيات منع الترحال السياسي.
ومن ثم فإن استمرار رئيس الجماعة المطرود في ممارسة مهامه لا يبدو، في ذاته، متناقضاً مع موقف المحكمة الدستورية، بل يمكن أن يجد أساسه في التمييز الذي أقامته المحكمة بين قرار الحزب بإنهاء العضوية وبين التخلي الإرادي للمنتخب عن الحزب. وفي المقابل، فإن فقدان رئيس الجماعة المستقيل لرئاسته يمكن أن يجد أساسه في كون الاستقالة فعل إرادي صادر عنه، إذا ثبت قضائياً أنها شكلت تخلياً عن الحزب الذي ترشح باسمه واستوفيت بشأنها المسطرة القانونية.
وتكمن أهمية هذه النازلة، في تقديري، في أنها تكشف عن توتر بنيوي داخل نظام التمثيل السياسي المغربي بين ثلاث إرادات: إرادة الحزب الذي يقدم المرشح، وإرادة المنتخب الذي يريد إعادة تحديد انتمائه السياسي، وإرادة الناخبين الذين منحوا الانتداب على أساس ترشيح وبرنامج حزبيين. وقد حاول الاجتهاد الدستوري والقضائي ألا يجعل أياً من هذه الإرادات مطلقة؛ فلا الحزب يستطيع بمجرد الطرد أن ينهي الانتداب الذي حصل عليه المنتخب من الناخبين، ولا المنتخب يستطيع، من جهة أخرى، أن يتعامل مع الانتداب كما لو كان منفصلاً بصورة كاملة عن الحزب الذي ترشح باسمه.
لذلك فإن التكييف القانوني الأدق للنازلة التي طرحتها هو «التمييز بين الترحال الإرادي والانقطاع الحزبي غير الإرادي». فالاستقالة تفتح مجال الترحال الإرادي، بينما الطرد ينشئ، في الأصل، انقطاعاً حزبياً غير إرادي. ولا يتحول هذا الأخير إلى ترحال سياسي بالمعنى الذي يرتب التجريد إلا إذا ثبتت عناصر إضافية تجعل من سلوك المنتخب نفسه دالاً على التخلي الإرادي أو تكشف عن تحايل على القاعدة القانونية. وهذه المسألة الأخيرة تظل من اختصاص القضاء الذي ينظر في الوقائع والأدلة، ولا يجوز حسمها بمجرد المواقف الحزبية أو التغطية الإعلامية.
وبهذا المعنى، فإن اختلاف النتيجة بين الرئيس المستقيل الذي جُرد من رئاسته والرئيس المطرود الذي بقي في رئاسة جماعته ليس، في ذاته، دليلاً على ازدواجية قانونية، بل قد يكون انعكاساً مباشراً لاختلاف الواقعة القانونية المؤسسة لكل حالة: إرادة المنتخب في الأولى، وإرادة الحزب في الثانية. أما إذا كانت وقائع النازلة تكشف أن الطرد لم يكن إلا آلية شكلية للانتقال إلى حزب جديد، فإن المسألة تتغير جذرياً، ويصبح السؤال القضائي هو: هل نحن أمام طرد حقيقي أنهى علاقة حزبية بصورة غير إرادية، أم أمام تخلي إرادي مستتر وراء قرار حزبي؟ وهنا تحديداً تتحدد قيمة الاجتهاد القضائي في التمييز بين الشكل القانوني للفعل وحقيقته الانتدابية.
نعم. وبعد الرجوع إلى المستجدات التشريعية الانتخابية التي أصبحت نافذة في 2026، أرى أن النص يحتاج إلى تعديل مهم، خصوصاً لأن القانون التنظيمي رقم 54.25 غيّر القانون التنظيمي رقم 29.11، والقانون التنظيمي رقم 53.25 غيّر القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، وكلاهما أقرتهما المحكمة الدستورية في دجنبر 2025 ودخلا حيز التنفيذ في يناير 2026. والأهم أن التعديل الجديد لم يغير المادة 20 من قانون الأحزاب، وبالتالي تظل القاعدة المتعلقة بالتخلي عن الانتماء السياسي قائمة، في حين استحدث قانون مجلس النواب شروطاً انتخابية جديدة ينبغي عدم إسقاطها خطأً على الوضعية الجماعية. (Cour Constitutionnelle)
هل الطرد الحزبي الناتج عن نزاع حول التزكية يقطع العلاقة الانتدابية؟
بين التخلي الإرادي عن الانتماء السياسي واستمرار الانتداب في ضوء التشريع الانتخابي الجديد
أعادت المستجدات التشريعية والتنظيمية المؤطرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب طرح مسألة العلاقة بين الانتماء الحزبي والانتداب الانتخابي بصورة أكثر دقة، ولا سيما بالنسبة إلى المنتخبين الذين يشغلون رئاسة مجالس جماعية ثم ينتقلون، خلال مدة انتدابهم، إلى حزب سياسي آخر استعداداً للمشاركة في الانتخابات التشريعية. وقد ازدادت أهمية هذه المسألة مع دخول القانون التنظيمي رقم 54.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية حيز التنفيذ في يناير 2026، ومع دخول القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب حيز التنفيذ كذلك. وقد صرحت المحكمة الدستورية بمطابقة القانونين للدستور بقراريها رقم 260/25 ورقم 259/25 الصادرين في 24 دجنبر 2025. (Cour Constitutionnelle)
غير أن أهمية هذه المستجدات لا تعني أن القاعدة القانونية المتعلقة بالتجريد بسبب التخلي عن الانتماء السياسي قد تغيرت في جوهرها. فالقانون التنظيمي رقم 54.25، الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026، عدل عدداً من مقتضيات القانون التنظيمي رقم 29.11، لكنه لم يدرج المادة 20 ضمن المواد التي شملها التغيير والتتميم. وبذلك ظلت القاعدة التي تربط التخلي عن الانتماء السياسي بالجزاء الانتدابي قائمة في النص النافذ، مع ضرورة قراءتها في ضوء الاجتهاد الدستوري والقضائي الذي حدد مفهوم التخلي وحدوده. (SGG Maroc)
ومن ثم، فإن النازلة المتعلقة برئيس جماعة طُرد من حزبه بعد نزاع حول التزكية لا ينبغي أن تعالج بمنطق أن الطرد يساوي الاستقالة، ولا بمنطق معاكس يفترض أن الطرد يمنح المنتخب حصانة نهائية من كل أثر انتدابي. فالقاعدة الأكثر دقة هي أن الطرد الحزبي لا يساوي، بمجرده، التخلي الإرادي عن الانتماء السياسي، لكن مشروعية الطرد وملابساته والسلوك اللاحق للمنتخب تظل جميعها قابلة للفحص القضائي متى كانت لها صلة بالتكييف القانوني للانتداب.
وتكتسب هذه القاعدة أساسها من التمييز الذي أقامته المحكمة الدستورية بين إرادة الحزب في إنهاء العضوية وإرادة المنتخب في التخلي عن انتمائه السياسي. فقد سبق للمجلس الدستوري، في قراره رقم 968/15، أن قضى بعدم دستورية المقتضى الذي كان يعتبر عضو مجلس الجماعة في وضعية تخلي عن الحزب لمجرد أن الحزب قرر وضع حد لانتمائه إليه. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح الطرد أو الإقالة الحزبية غير قابلين للمساواة تلقائياً مع التخلي الإرادي الذي يترتب عليه التجريد من العضوية.
وهذا التمييز يظل حاسماً في النازلة محل البحث، لأن المنتخب لم يقدم، بحسب المعطيات المفترضة، استقالته من الحزب، وإنما تعرض للطرد في سياق نزاع حول التزكية. ومن ثم فإن الفعل المنشئ لانتهاء العلاقة الحزبية، في صورته الظاهرة، صادر عن الحزب وليس عن المنتخب. وهذا الاختلاف في مصدر الإرادة لا يمثل مجرد تفصيل شكلي، وإنما هو عنصر جوهري في التكييف القانوني للواقعة.
ويؤكد الاجتهاد القضائي المغربي أهمية هذا التمييز. فقد تناولت محكمة النقض في قرارها عدد 113 بتاريخ 16 ماي 2019 حالة منتخب طُرد من الحزب ثم ترشح باسم حزب آخر، وانتهت إلى رفض الطلب، مع اعتبار أن القرار المطعون فيه ثبت له أن قرار الطرد الصادر عن جهة حزبية غير مختصة لم يكن كافياً لإثبات انتهاء الانتماء الحزبي على النحو الذي يترتب عنه التجريد. ويكشف هذا الاجتهاد أن القضاء لا ينظر إلى مجرد وجود وثيقة تحمل عنوان «قرار الطرد»، وإنما يبحث في الجهة التي أصدرته، واختصاصها، والإجراءات المتبعة، ومدى قيام الأثر القانوني للطرد. (Chamlale Law Office)
وهذه النقطة بالذات تجعل النزاع حول التزكية ذا أهمية قانونية. فإذا كان الحزب قد رفض منح المنتخب التزكية، ثم نشأ بين الطرفين نزاع، ثم صدر قرار الطرد، فإن القضاء لا يواجه واقعة منفردة، وإنما يواجه سلسلة من الوقائع المتعاقبة: رفض التزكية، ثم الخلاف حولها، ثم قرار الطرد، ثم الطعن في هذا القرار، ثم احتمال الالتحاق بحزب جديد، ثم السعي إلى الحصول على تزكيته للانتخابات التشريعية. ولا يمكن فصل كل واقعة عن الأخرى إذا كان المطلوب هو تحديد مصدر الانقطاع الحقيقي للعلاقة الحزبية.
غير أن هذا لا يعني أن رفض التزكية يمنح المنتخب حقاً مكتسباً في الحصول عليها. فالتزكية الحزبية تتعلق بقرار الحزب في تقديم مرشح للاستحقاق الانتخابي المعني، ولا تعني، في حد ذاتها، انتهاء الانتداب الجماعي الذي اكتسبه المنتخب في انتخابات سابقة. ولذلك ينبغي الفصل بين الحق في الترشح باسم حزب معين في انتخابات جديدة وبين استمرار العضوية في المجلس الجماعي الذي انتخب الشخص عضواً فيه في انتخابات سابقة.
وهنا تبرز أهمية عدم الخلط بين القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات. فلكل واحد منها مجال خاص. وقد أدخل القانون التنظيمي رقم 53.25 تغييرات مهمة على شروط الترشح لعضوية مجلس النواب، من بينها تعديل المادة 6، التي أصبحت تنص ضمن حالات عدم الأهلية على الأشخاص الذين صدر في حقهم حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية، كما عدل عدداً من مقتضيات التصريح بالترشيح والمنازعات الانتخابية. (Bdj)
وهذا المستجد مهم في النازلة، لأن الحكم النهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية أصبح من موانع الترشح لعضوية مجلس النواب وفق الصيغة الجديدة للمادة 6 من القانون التنظيمي رقم 27.11. غير أن هذا المقتضى لا يجوز توسيعه ليشمل حالة الطرد الحزبي بمجردها؛ فالطرد ليس حكماً نهائياً بالعزل، كما أن استمرار المنتخب في رئاسة الجماعة يعني أن وضعه الانتدابي المحلي يحتاج إلى بحث مستقل وفق القانون التنظيمي للجماعات. ومن ثم لا يجوز الانتقال مباشرة من الطرد إلى عدم الأهلية للترشح للبرلمان. (Bdj)
وفي المقابل، إذا صدر في حق المنتخب حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية، فإن القانون الانتخابي الجديد يجعل لهذا الحكم أثراً مباشراً في مجال الأهلية للترشح لمجلس النواب. وهنا يصبح الحكم القضائي، لا القرار الحزبي، هو العنصر المنشئ للأثر الانتخابي الجديد. وهذه نقطة ينبغي إبرازها في أي تحليل للنازلة، لأنها تمثل أحد أهم الفروق التي جاءت بها الصيغة التشريعية النافذة بالنسبة إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة.
أما فيما يتعلق بالعضوية في المجلس الجماعي، فإن المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11، التي لم يشملها التعديل الذي أدخله القانون التنظيمي رقم 54.25، تظل هي القاعدة المركزية التي تمنع العضو المنتخب من التخلي خلال مدة الانتداب عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه، تحت طائلة التجريد وفق المسطرة القانونية. كما تظل المادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14 هي المقتضى الخاص بعضو مجلس الجماعة الذي يتخلى، خلال مدة الانتداب، عن الانتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه. ومن ثم فإن التعديل التشريعي الجديد لم يلغ أساس مكافحة الترحال الانتخابي في المجال الجماعي، وإنما يجب تطبيق النصوص القائمة في ضوء الاجتهاد القضائي والدستوري.
وعليه، فإن استمرار الرئيس المطرود في رئاسة الجماعة لا يمكن تفسيره على أنه دليل قطعي على سلامة كل تصرفاته السياسية اللاحقة، كما لا يمكن اعتباره دليلاً على قيام حالة الترحال السياسي. إن بقاء الرئاسة يعني، في المقام الأول، أن سبباً قانونياً منتجاً لأثر التجريد لم يثبت أو لم يصدر بشأنه حكم نهائي منتج لآثاره. أما الانتقال اللاحق إلى حزب آخر، فهو واقعة مستقلة تحتاج إلى تكييف مستقل.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن النزاع حول الطرد ما يزال معروضاً على القضاء. وطالما أن القضاء لم يحسم نهائياً في مشروعية الطرد، فإنه لا يصح قانوناً بناء النتيجة النهائية على افتراض صحة الطرد أو بطلانه. فإذا انتهى القضاء إلى صحة الطرد، فإن ذلك يؤكد أن انتهاء العلاقة الحزبية كان، في أصله، نتيجة قرار صادر عن الحزب، ولا يساوي بالتالي استقالة صادرة عن المنتخب. أما إذا انتهى القضاء إلى بطلان الطرد، فإن الآثار القانونية تتحدد وفق منطوق الحكم وآثاره، وقد يتغير تبعاً لذلك التكييف القانوني للانتقال إلى الحزب الجديد.
وهنا ينبغي إعادة صياغة مفهوم «التخلي الإرادي» بصورة أكثر دقة. فالتخلي لا ينبغي أن يستنتج من مجرد وجود نزاع مع الحزب، ولا من رفض التزكية، ولا من اختلاف المنتخب مع قيادة الحزب في موقف سياسي أو تنظيمي. كما أن الاجتهاد القضائي أظهر أن مجرد مخالفة توجه الحزب في بعض أعمال المجلس لا تكفي، بذاتها، لإثبات التخلي عن الانتماء السياسي. وإنما يصبح السلوك ذا دلالة قانونية عندما تتوافر عناصر تكشف بوضوح عن إرادة المنتخب في إنهاء انتمائه أو عندما توجد أفعال قانونية متضافرة يمكن أن يستخلص منها هذا التخلي. (شمالي chamaly.ma)
ومن هذه الزاوية، فإن التحاق المطرود بحزب جديد ينبغي ألا يعامل بصورة آلية على أنه دليل على استقالته من الحزب السابق؛ لأن الاستقالة تفترض أن المنتخب هو الذي أنهى العلاقة الحزبية، في حين أن الفرضية هنا تقوم على أن الحزب السابق هو الذي أنهى العضوية بالطرد. لذلك ينبغي أن يبحث القضاء في التسلسل الزمني: هل وقع الالتحاق بالحزب الجديد قبل الطرد أم بعده؟ هل أعلن المنتخب صراحة تخليه عن الحزب السابق؟ هل تقدم باستقالة؟ هل حصل على تزكية جديدة قبل قرار الطرد؟ أم أن الحزب هو الذي طرده أولاً ثم انتقل المنتخب، بعد أن أصبح خارج التنظيم، إلى حزب آخر؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تغير التكييف القانوني برمته. فإذا ثبت أن المنتخب كان قد اتخذ قراراً فعلياً بالتخلي عن الحزب قبل الطرد، فقد يصبح قرار الطرد مجرد واقعة لاحقة لا تمحو التخلي السابق. أما إذا ثبت أن الحزب رفض تزكيته ثم طرده، وأن المنتخب لم يقدم استقالته ولم يتخلَّ عن الحزب قبل قرار الطرد، فإن الانتقال اللاحق إلى حزب آخر لا يمكن، بمجرده، أن يعاد تكييفه على أنه استقالة سابقة من الحزب الأول.
ومن هنا فإن العلاقة الانتدابية لا تنقطع لمجرد أن العلاقة الحزبية انقطعت بقرار الحزب. فالانتداب الانتخابي له مصدر مستقل هو الاقتراع، ولا يصبح القرار الحزبي وحده أداة لإسقاطه إلا في الحدود التي أجازها القانون والدستور وثبتت أمام القضاء. وهذا هو الفارق الجوهري بين «انتهاء العضوية الحزبية» و«انتهاء العضوية الانتخابية».
وبالنسبة إلى رئيس الجماعة، فإن الفرق أكثر أهمية، لأن انتهاء العضوية الانتخابية ينعكس على الرئاسة وفق الحالات والمساطر المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 113.14. أما انتهاء العلاقة الحزبية وحده فلا يؤدي تلقائياً إلى زوال الرئاسة إذا لم يتحقق سبب قانوني يؤدي إلى انقطاع الرئيس عن ممارسة مهامه.
وبذلك ينبغي ألا نقول إن الرئيس المطرود «يستفيد من حصانة» لمجرد أنه مطرود، كما لا ينبغي القول إنه «ترحالياً» لمجرد أنه التحق بحزب جديد. فالوصف القانوني يتوقف على حقيقة الفعل المنشئ للانقطاع، ومشروعية الطرد، وتسلسل الوقائع، والسلوك اللاحق، والحكم القضائي النهائي عند الاقتضاء.
أما بالنسبة إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة، فإن القانون التنظيمي رقم 53.25 أصبح جزءاً من الإطار القانوني الواجب استحضاره. فقد نص على تطبيق أحكامه على انتخابات مجلس النواب المقبلة التي ستجرى بعد نشره في الجريدة الرسمية، كما أعاد تنظيم عدد من شروط الأهلية والترشيح والمنازعات الانتخابية. ومن ثم فإن سلامة ترشح رئيس جماعة مطرود لحزب جديد ينبغي أن تفحص في مستويين منفصلين: مستوى استمرار عضويته ورئاسته في المجلس الجماعي، ومستوى توافر شروط الأهلية للترشح لمجلس النواب وفق القانون النافذ وقت تقديم الترشيح. (SGG Maroc)
ولا يكفي، في المستوى الثاني، القول إن المنتخب «مطرود» أو «مستقيل» من الناحية السياسية؛ وإنما ينبغي التحقق من وجود مانع قانوني محدد من موانع الترشح. ومن أبرز المستجدات في هذا المجال أن المادة 6 بصيغتها الجديدة تجعل الحكم النهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية مانعاً من الترشح لمجلس النواب. وهذا يختلف من حيث الطبيعة القانونية عن التجريد من العضوية بسبب التخلي عن الانتماء السياسي، وإن كان كلاهما قد يؤدي في بعض الوقائع إلى إنهاء وضعية المنتخب المحلي. (Bdj)
وعلى هذا الأساس، فإن المقارنة بين الرئيس المستقيل الذي جرد من عضويته ورئاسته وبين الرئيس المطرود الذي استمر في الرئاسة لا ينبغي أن تبنى على اختلاف المعاملة السياسية، وإنما على اختلاف السبب القانوني المنشئ للأثر الانتدابي. فالأول صدر عنه، بحسب الفرضية المعروضة، فعل إرادي هو الاستقالة، ثم ترتب عليه حكم قضائي بالتجريد؛ أما الثاني فالعلاقة الحزبية انتهت، بحسب ظاهر الوقائع، بقرار طرد صدر في سياق نزاع حول التزكية، ولا تزال مشروعية هذا القرار محل نظر القضاء.
ومن ثم فإن السؤال القانوني الحاسم لا ينبغي أن يكون: «لماذا بقي المطرود رئيساً بينما فقد المستقيل رئاسته؟»، وإنما: «هل تحقق في حالة المطرود السبب القانوني الذي يؤدي إلى التجريد من العضوية، أم أن الأمر لا يتجاوز انقطاعاً حزبياً ناتجاً عن قرار صادر عن الحزب؟». فإذا لم يثبت التخلي الإرادي، ولم يوجد حكم قضائي أو سبب قانوني آخر منتج لأثر التجريد، فإن استمرار العضوية والرئاسة يجد أساسه في بقاء الانتداب قائماً. أما إذا أثبت القضاء أن المنتخب تخلى إرادياً عن الحزب بصورة مستقلة عن الطرد، فإن المسألة تدخل في نطاق المادة 20 من قانون الأحزاب والمادة 51 من قانون الجماعات، وتترتب عليها الآثار التي يقررها القانون.
وتكشف النازلة، في النهاية، عن ضرورة الفصل بين ثلاثة مستويات لا يجوز دمجها: انتهاء العضوية الحزبية، وانتهاء الانتداب الجماعي، والأهلية للترشح للانتخابات التشريعية. فقد تنتهي العضوية الحزبية دون أن ينتهي الانتداب الجماعي، وقد ينتهي الانتداب الجماعي بحكم قضائي بما يترتب عليه من آثار انتخابية، كما قد تتوافر أو تنتفي أهلية الترشح للبرلمان بناء على أسباب حددها القانون التنظيمي الخاص بمجلس النواب. وكل انتقال من مستوى إلى آخر يحتاج إلى سند قانوني مستقل.
وبذلك يمكن صياغة المبدأ الحاكم للنازلة على النحو الآتي: الطرد الحزبي الناتج عن نزاع حول التزكية لا يقطع، بمجرده، العلاقة الانتدابية، لأن الطرد لا يساوي التخلي الإرادي عن الانتماء السياسي؛ غير أن أثر الطرد لا يحسم بصورة نهائية إلا بعد فحص مشروعيته وملابساته والسلوك السابق واللاحق للمنتخب، ولا سيما إذا كان انتقاله إلى حزب جديد قد وقع في سياق زمني يجعل من الممكن قانوناً التساؤل عن حقيقة التخلي عن الحزب السابق. أما الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة فيخضع، بصورة مستقلة، لشروط القانون التنظيمي الجديد لمجلس النواب، بما في ذلك الموانع التي أضافها المشرع بالنسبة إلى من صدر في حقهم حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية.
وعليه، فإن استمرار الرئيس المطرود في رئاسة الجماعة لا ينبغي أن يفهم باعتباره حسمًا نهائياً لمشروعية انتقاله السياسي، كما أن انتقاله إلى حزب جديد لا يشكل بذاته دليلاً قاطعاً على الترحال السياسي. إنما تتحدد النتيجة من خلال التكييف القضائي المتكامل للوقائع: من أنهى العلاقة الحزبية؟ ومتى؟ وبأي إجراء؟ ولماذا؟ وهل كان القرار صحيحاً؟ وماذا فعل المنتخب قبل الطرد وبعده؟ وهل صدر في حقه حكم نهائي يؤثر في انتدابه أو أهليته الانتخابية؟
وهذا هو الفارق الجوهري بين الحالة التي يكون فيها المنتخب قد اختار مغادرة الحزب والحالة التي يكون فيها الحزب قد اختار إنهاء عضويته. ففي الأولى تكون إرادة المنتخب هي نقطة الانطلاق في بحث التجريد، أما في الثانية فلا يمكن للقانون أن يفترض هذه الإرادة لمجرد صدور قرار الطرد، وإنما ينبغي إثباتها إذا أريد ترتيب الأثر الانتدابي عليها.
ملاحظة قانونية مهمة جداً: بعد التحقق من النصوص النافذة، تبين أن القانون التنظيمي 54.25 لم يعدّل المادة 20 من القانون التنظيمي 29.11 أصلاً؛ إذ عدّد صراحة المواد التي عدلها، وليس من بينها المادة 20. (SGG Maroc) وهذا يجعل الاجتهاد الدستوري السابق بشأن التمييز بين التخلي الإرادي والطرد ما يزال محورياً في نازلتنا.
كما أن هناك مستجداً لا ينبغي إغفاله: القانون التنظيمي 53.25 المتعلق بمجلس النواب أصبح نافذاً، ونصت المادة 6 بصيغتها الجديدة على عدم أهلية من صدر في حقه حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية للترشح لمجلس النواب. وهذا مهم جداً في المقارنة بين الرئيسين: التجريد بسبب التخلي الحزبي ليس هو نفسه العزل من المسؤولية الانتدابية، ولا يجوز الخلط بين السببين.
فقرار محكمة النقض عدد 657 بتاريخ 16 ماي 2019، في الملف الإداري عدد 2019/1/4/1953. وهو مهم جداً لأن وقائعه تكاد تلامس الحالة التي تشتغل عليها: منتخب ترشح باسم حزب، ثم قيل إنه طُرد من الحزب، وبعد ذلك ترشح باسم حزب آخر، فكان السؤال هل يكفي الطرد للقول بانقطاع الانتماء الذي يترتب عليه التجريد من العضوية؟ ومحكمة النقض لم تتعامل مع عبارة «الطرد» باعتبارها حقيقة قانونية مكتملة بذاتها، وإنما بحثت في الجهة التي أصدرت قرار الطرد ومدى اختصاصها وفق النظام الأساسي للحزب وإجراءاته، وانتهت إلى أن الطرد الصادر عن الكاتب الإقليمي الذي لا يملك صلاحية إصداره لا ينتج الأثر المدعى به، وبالتالي ظل الانتماء إلى الحزب الأصلي قائماً لأغراض تطبيق المادة 20 من قانون الأحزاب والمادة 51 من قانون الجماعات.
أما فالقرار الدستوري رقم 968/15 لم يقل فقط إن الطرد لا يساوي التخلي الإرادي، بل أسس لذلك من خلال حماية الانتداب الانتخابي. فقد اعتبر أن تمكين الحزب من وضع حد لانتماء العضو، ثم اعتبار ذلك العضو في حالة «تخلي» بما يسمح بتجريده من عضويته، يؤدي إلى المساس بالانتداب الانتخابي والتوسع في تطبيق الفصل 61 من الدستور؛ ولذلك قضى بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 51 التي كانت تعتبر قرار الحزب بإنهاء الانتماء، بعد استنفاد الطعون الحزبية والقضائية، بمثابة تخلي من المنتخب.
وفيما يبخص قرار محكمة النقض، فقد نقل هذه القاعدة من المستوى الدستوري التجريدي إلى اختبار قضائي عملي: ليس المهم فقط أن يقول الحزب «لقد طردناه»، وإنما يجب أن يُسأل: من طرده؟ وهل كان مختصاً؟ وهل احترمت المسطرة؟ وهل كان قرار الطرد صادراً عن الجهة المخولة بذلك في النظام الأساسي للحزب؟
والأهم في رأيي أن قرار محكمة النقض رقم 113 بتاريخ 16 ماي 2019 قريب جداً من حالتنا من حيث البنية القانونية: منتخب ترشح باسم حزب، قيل إنه طُرد منه، ثم ترشح باسم حزب آخر، وانصب النزاع على ما إذا كان الطرد قد أنهى الانتماء الحزبي قانوناً. وقد بحثت المحكمة في اختصاص الجهة التي أصدرت الطرد وإجراءاته، وليس في مجرد وجود قرار يحمل اسم «طرد». (Chamlale Law Office)
المراجع القانونية والقضائية
المملكة المغربية. دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما الفصل 61 المتعلق بالتجريد من العضوية البرلمانية بسبب التخلي عن الانتماء السياسي.
المملكة المغربية. القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.166 بتاريخ 24 ذي القعدة 1432 (22 أكتوبر 2011)، ولا سيما المادة 20. (Cour Constitutionnelle)
المملكة المغربية. القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.85، ولا سيما المواد 20 و21 و51. (Le Juriste)
المجلس الدستوري المغربي. القرار رقم 968/15، بتاريخ 30 يونيو 2015، بشأن القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ولا سيما عدم دستورية المقتضى الذي كان يعتبر قرار الحزب وضع حد لانتماء العضو بمثابة تخلي منه عن الحزب. (Cour Constitutionnelle)
المجلس الدستوري المغربي. القرار رقم 969/15، بتاريخ 12 يوليوز 2015، بشأن القانون التنظيمي رقم 33.15 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية. (Cour Constitutionnelle)
محكمة النقض المغربية، الغرفة الإدارية. القرار رقم 113، بتاريخ 16 ماي 2019، المرجع 21317، في موضوع التجريد من العضوية بسبب التخلي عن الانتماء السياسي وحالة الطرد من الحزب. (Chamlale Law Office)
محكمة النقض المغربية، الغرفة الإدارية. القرار رقم 29، بتاريخ 24 أكتوبر 2019، في موضوع طلب التجريد من العضوية بمجلس الجهة والترحال السياسي ومفهوم التخلي الصريح والضمني عن الانتماء السياسي. (Chamlale Law Office)
الخلاصة القانونية التي أستخلصها من النصوص والاجتهاد: إذا كان الشخص الأول قد استقال فعلاً من الحزب الذي ترشح باسمه، فإن وضعه يختلف جذرياً عن الشخص الثاني الذي طُرد منه؛ فالاستقالة فعل إرادي يمكن أن يؤسس للتجريد من العضوية وبالتالي لانقطاع الرئاسة بعد الحكم القضائي، في حين أن الطرد، وفق القضاء الدستوري، لا يساوي بذاته تخلياً إرادياً ولا يبرر تلقائياً التجريد. لكن انتقال المطرود بعد ذلك إلى حزب آخر وترشحه باسمه يظل قابلاً للفحص القضائي من زاوية ما إذا كان هذا السلوك يشكل تخلياً إرادياً ضمنياً أو مجرد إعادة بناء لمساره السياسي بعد أن انتهت علاقته بالحزب السابق بصورة غير إرادية. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يُبنى عليها الحكم في النازلة، لا مجرد المقارنة الظاهرية بين «مستقيل» و«مطرود».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى