بهجت العبيدي - ألمانيا في محنة: بين جراح الإرهاب وصوت الضمير

وسط صخب أضواء عيد الميلاد التي تلألأت لتبدد ظلام الشتاء، جاء هجوم دامٍ ليغتال فرحة الأبرياء في أحد أسواق ألمانيا. عمل إرهابي وحشي تجاوز حدود الإجرام إلى قاع الكراهية، ليكشف عن عقول تجردت من الإنسانية، وأفكار تبرر العنف بكل ما أوتيت من مغالطات وتحايلات.

إذ كيف لإنسان أن يقف متفرجًا، بل مدافعًا، عن مثل هذه الجرائم؟ أي منطق مشوه يمكن أن يبرر سفك دماء أبرياء، لم يكن لهم من ذنب سوى أنهم عاشوا لحظة فرح تحت سماء السلام؟ إن أولئك الذين يسعون إلى صبغ هذه الجرائم بذرائع اجتماعية أو سياسية هم إرهابيون في جوهرهم، يشتركون مع مرتكبي الفعل الإجرامي في زعزعة أركان الرحمة، وفي تشويه قيم الإنسانية.

إن الإرهاب ليس فعلًا يولد فجأة في قلب الإنسان، بل هو نتيجة لسنوات من التلقين الممنهج، والتعرض لأفكار مشوهة تتغذى على بيئة تعاني من الانغلاق الفكري والتهميش. في كثير من الأحيان، يبدأ هذا الفكر في التشكل عند الأفراد الذين يشعرون بالعزلة النفسية أو الاجتماعية، سواء في بلدانهم الأصلية أو في بلاد المهجر. وحين يجد هؤلاء العزلة متنفسًا في جماعات تدعي أنها تقدم لهم المعنى والهدف، يتحول الانتماء إلى هذه الجماعات إلى مصدر زائف للقوة والهوية.

ولكن المدهش هو أن نرى أشخاصًا مثل الأطباء والمهندسين، الذين تلقوا تعليمًا جيدًا، وعاشوا في الغرب حيث الحريات والفرص، ينجرفون نحو هذا الفكر المدمر. كيف يحدث ذلك؟ الجواب يكمن في هشاشة الروح أمام الأيديولوجيات المتطرفة التي تقدم نفسها كحقيقة مطلقة، وكمنفذ لتجاوز الإحباطات الداخلية.

لنتأمل قليلاً: كيف لطبيب، درس سنوات طويلة ليكرس حياته لإنقاذ الأرواح، أن يصبح أداة لإزهاقها؟ هذا التحول المأساوي ليس إلا انعكاسًا لانفصال الفكر عن الروح. عندما يفتقد الإنسان إلى إحساس حقيقي بالمعنى، تتحول المعرفة إلى سلاح، ويصبح التعليم حبرًا على ورق.

يحدث ذلك عندما يُزرع في عقل الإنسان منذ الصغر تصور مغلوط عن الدين والحياة، وحين يستغل دعاة الكراهية هذا التصور لملء الفراغات النفسية والعاطفية، فيقدمون له “غاية عليا” متمثلة في الانتقام أو تحقيق العدل الوهمي. ينجذب أولئك الذين يعيشون صراعات داخلية إلى هذه الرسائل، ليس لأنهم مجرمون بطبيعتهم، بل لأنهم يشعرون بالخواء الذي يملأه التطرف بشعارات كاذبة وأوهام كبرى.

إن الجرائم الإرهابية التي تُرتكب على الأراضي الغربية تكشف عن غياب عميق لقيم رد الجميل. لقد فتحت ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية أبوابها لآلاف المهاجرين المسلمين الذين فروا من جحيم الحروب والفقر والاضطهاد، ووفرت لهم الأمن والعيش الكريم. فلقد قدمت هذه الدول فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية، واحتضنت من كانوا يبحثون عن الأمان والاستقرار.

أليس من الواجب أن يكون رد هذا الإحسان شكرًا وعرفانًا، بدلاً من جزاء يهدد أمن هذه الشعوب؟ “وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟” إن الرد على من مد لك يد العون بجريمة إرهابية هو قمة الجحود وانعدام الأخلاق.

إن ألمانيا، على وجه الخصوص، كانت واحدة من الدول الرائدة في استقبال المهاجرين المسلمين، متحملةً أعباءً اقتصادية واجتماعية هائلة. فلقد وقفت في وجه تيارات سياسية داخلية مناوئة للهجرة، وصمدت أمام الضغوط، لتثبت التزامها بالمبادئ الإنسانية. ومع ذلك، هناك من يصر على تشويه هذا الجميل بجرائم تستهدف أمن وسلامة مواطنيها.

إن من أكثر الحجج تكرارًا لتبرير هذه الجرائم البشعة هي موقف الغرب من القضايا العربية والإسلامية، وخاصة دعمه لإسرائيل. ولكن هل يمكن استخدام هذا الموقف كذريعة لقتل أبرياء لا علاقة لهم بأي صراع سياسي؟

إن من يتخذ هذا الموقف لتبرير الإرهاب يتجاهل حقيقة أن هؤلاء الضحايا لم يكن لهم دور في صنع السياسات الدولية. هم أناس عاديون، يعيشون حياتهم بعيدًا عن أروقة السياسة، يحتفلون بأعيادهم، ويبحثون عن السلام. كما أن الرد على الظلم المفترض بظلم آخر لا ينتمي إلى أي منطق إنساني أو ديني.

إن الإسلام الذي يدعي هؤلاء أنهم يدافعون عنه، هو دين يحض على العدل والتسامح، لا القتل والتدمير. كما أن مقاومة السياسات الدولية لا تكون باستهداف المدنيين الأبرياء، بل بالحوار والعمل السياسي المشروع الذي يهدف إلى بناء المستقبل، لا هدم الحاضر.

فلتكن دماء الأبرياء التي أريقت جرسًا ينبهنا إلى خطورة التخاذل أمام خطاب الكراهية. ويجب أن نحارب الفكر المتطرف بالكلمة الصادقة، والتربية الصحيحة، وإحياء قيم رد الجميل التي تنبع من صميم كل الأديان والثقافات.

إن بناء عالم أفضل يبدأ من الاعتراف بالجميل وتعزيز روح التضامن. ولا يمكن لأي ذريعة، مهما بدت مُقنعة، أن تبرر إزهاق الأرواح البريئة. لنقف جميعًا ضد هذا الفكر المدمر، ولنحيي شعلة الإنسانية التي تُنير طريق المحبة والسلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى