بهجت العبيدي - العقل السحري بين الشرق والغرب: تأملات في عقول الجماهير والمدربين

في عالم كرة القدم، تلك اللعبة التي تجمع بين الإثارة والسحر، تنكشف الفوارق الشائكة بين عقلية الشرق وعقلية الغرب في التعامل مع الهزائم والإخفاقات. يتجلى هذا الصراع في شخصيات مثيرة، كمرتضى منصور، الرئيس السابق لنادي الزمالك المصري، الذي يمثل تجسيدًا للعقلية السحرية المتجذرة في ثقافة جماهيرنا. فهو لا يتردد في توجيه أصابع الاتهام إلى «الأعمال السفلية» والجن، متوهمًا، أو واهما الجماهير، أن هذه القوى الغيبية تعرقل فريقه، بدلاً من أن يواجههم بالحقائق الماثلة أمامه.

على لسانه، تتردد عبارات تتحدث عن السحر والشعوذة، وكأن النتائج الرياضية تندرج تحت تأثير قوة خارقة، بعيدة كل البعد عن الحقائق المرتبطة بالتخطيط والتدريب. فمرتضى منصور، الذي لجأ إلى شيخ من شبراخيت لإبطال تلك الأعمال المزعومة، يمثّل رمزًا لعقلية ترفض الاعتراف بالخطأ، وتبحث عن مبررات في عوالم خفية تهربًا من تحمل المسؤولية. فالجماهير المصرية، التي تصدق هذه السرديات بعقلية متقبلة، تجد نفسها محاطة بأسطورة تمتزج بحقائق مستلبة، مما يعوق قدرتها على تحليل الأمور وتحمل تبعات الواقع.

وبينما نجد هذا، يبرز العقل الأوروبي بعقلانية ناضجة. فمدرب مانشستر سيتي، بيب جوارديولا، يخرج علينا متحدثًا بفلسفة تتجاوز الخرافة، ليقول: "نحن نرتكب أخطاء، وهذا أمر عادي في كرة القدم. يجب علينا تصحيحها من خلال التدريب الدؤوب وتحليل الأداء.” يضع جوارديولا أصابع الاتهام على أسباب ملموسة ويعتنق النقد الذاتي كسبيل نحو التطور. هنا، تتحرر العقلانية من قيود الخرافة، ويصبح العمل الجماعي هو القاعدة التي تُبنى عليها الإنجازات، وليس البحث عن قوى غامضة.

تستمع الجماهير الأوروبية لمدربيها بتركيز متعقل، رافضةً أي مبررات تمس العقل وتتجاوز المنطق. فلو بادر أحد المدربين الكبار، كجوارديولا، بتصريحات مشابهة لتلك التي يرددها مرتضى منصور، لأصبحت حديث المدينة، بل ولربما طُلبت إقالته في اليوم نفسه. بينما في مصر، تظل الخرافات طائفة تحظى بقبولٍ واسع بين الجماهير، التي تجد في تلك السرديات تبريرًا كفيلًا للتخفيف من مرارات الهزائم.

فهذا التباين لا يقف عند عتبة كرة القدم وحسب، بل يمتد ليشمل أعماق الثقافتين. إذ تعيش الثقافة المصرية أسيرة لموروثات عقائدية قديمة، تزرع في الأذهان فكرة بأن الأبطال لا يُصنعون من خلال الجهد والمثابرة، بل يتم إدارتهم بقوى خفية. أما الثقافة الأوروبية، فقد انتزعت نفسها من عهد الأسطورة منذ فجر عصر التنوير، حيث أصبحت تجاربهم العلمية ومؤسساتهم القوية مرتكزات لرؤية عقلانية تحاكي الواقع وتفهمه بناءً على أسس مادية.

إن الفارق الواضح بين مرتضى منصور وجوارديولا، وبين الجماهير المصرية والأوروبية، يمثل صورة متكاملة عن مراحل التطور الفكري البشري. فالعقل المصري، الذي ما زال يركض في جنبات السحر والأسطورة، يحتاج لقفزة نوعية تأخذه إلى رحاب الواقعية والموضوعية. بينما العقل الأوروبي، قد ارتقى إلى مرحلة من النضج الذي يجعله يتعامل مع الأمور بعقلانية، بعيدًا عن كواليس الخرافات.

وفي نهاية المطاف، يمكن أن تكون كرة القدم مرآة تعكس ثقافة الشعوب، لكن شغفها أيضًا يمثل أداة عميقة للثورة الفكرية والتغيير. فهل سيتسنى لنا تجاوز القناعات السحرية؟ هل يمكن للجمهور المصري والعربي أيضا بل والشعب المصري والعربي كذلك أن يتحرر من أصفاد الأسطورة ليعانق الحقيقة؟ ذلك هو السؤال الذي قد يُعيد تشكيل واقعنا، ويخرجنا من دائرة الإخفاق إلى فضاءات النجاح والتقدم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى