بهجت العبيدي - انتظار الحلول الغيبية: هروب من الواقع أم أمل زائف

في أعماق العقل العربي، تسكن فكرة متأصلة لا تكاد تفارقه، تلك الفكرة التي تعيد تشكيل الأمل حين يغيب، وتبرر العجز حين يصبح خيارًا وحيدًا. هي فكرة انتظار الحلول الغيبية، التي تأتي من السماء أو من حيث لا يدري المرء، لتنقذه من مآزق الحياة وتنتشله من قبضة الواقع الموجع. في هذا الإطار، يصبح الأمل الغيبي أكثر إلحاحًا، وأكثر رسوخًا، ليحمل العقل مسؤولية تخفيف العبء عن الكاهل المثقل بالتاريخ والجغرافيا والظروف.

خذ مثالًا واضحًا من مصر، حيث يواجه الشعب أزمة سد النهضة الإثيوبي. إن هذه الأزمة التي تبدو كاختبار صعب لإرادة المصريين ووسائلهم، تحولت لدى قطاع كبير من الناس إلى انتظار لتدخل الغيب. فعندما صدرت تصريحات من بعض الباحثين تفيد باحتمالية انهيار السد بفعل زلزال أو كارثة طبيعية، تلقفها البعض كما لو كانت حقيقة لا تقبل الجدل، وكأن الطبيعة ستتولى ما عجزت عنه السياسة. لكن هذا لا يعكس التفكير الجمعي لكل المصريين، فهناك من يدرك تمامًا أن بناء السدود الكبرى يخضع لخبرات عالمية ودراسات علمية دقيقة، وأن الشركات المسؤولة عن هذا البناء لن تخاطر بسمعتها أو مستقبلها في السوق العالمية بسبب خلل يمكن تفاديه.

والأهم أن هذا التصور لا يمثل موقف الدولة المصرية، التي سعت وما زالت تسعى بشتى الوسائل القانونية والسياسية والدبلوماسية للتوصل إلى حلول عادلة ومناسبة تراعي احتياجات كل من مصر وإثيوبيا. إن مصر الدولة تعمل بشكل مستمر على استخدام الأدوات العملية والمنطقية، وتستند إلى ما تتيحه القوانين الدولية من آليات لحل النزاعات المائية، بعيدًا عن الاعتماد على الفرضيات الغيبية أو الحلول الخارجة عن إطار الواقع.

لكن هذه الظاهرة لا تقف عند حدود أزمة بعينها، بل تتسع لتشمل نمط التفكير ذاته في التعامل مع الثروات الطبيعية. ترى الشعوب العربية، والمصريين منهم على وجه الخصوص، ينتظرون أو يتمنون اكتشافات نفطية أو غازية مفاجئة تغير واقعهم الاقتصادي وتنقلهم من دائرة المعاناة إلى رحابة الرفاهية. ورغم أن الدراسات الجيولوجية في أغلب الأحيان لا تدعم هذا الأمل، يظل الكثيرون متشبثين بانتظار المعجزة، كأن الأرض ستجود بما ينقصهم، متجاهلين أن التغيير الحقيقي يأتي بالعمل والابتكار، لا بالتمنيات.

ومن هذا النمط ينتقل العقل العربي إلى حالة أخرى، وهي الاحتفاء بالمصائب التي تحل بالأعداء. ففي خضم المعارك والصراعات، تشتعل الحروب على غزة، وتُراق الدماء، ويتحول الألم إلى جزء من المشهد اليومي، لكن الشعوب تنظر لما يحدث في إسرائيل، من مظاهرات أو أزمات داخلية، كعلامات انتصار، بل وأحيانًا كغضب إلهي. وحين تم الإعلان عن مرض نتنياهو، ظهرت أصوات تحتفل وكأن المرض نصر بحد ذاته، وحين تخرج مظاهرات ضد الحكومة، يُنظر إليها كإشارة لانهيار قريب. لكن، هل هذه الأحداث هي ما يحقق النصر؟ وهل المصائب التي تحل بالخصم تُعد إنجازًا؟

في هذا السياق، يظهر الارتباط الواضح بين هذه الثقافة الغيبية وعقيدة الانتظار الكبرى. إن فكرة المهدي المنتظر الذي سيأتي في نهاية الزمان ليملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، أو المسيح الذي سيعود ليهزم الشر، أو المسيخ الدجال الذي يحمل علامات النهاية، كلها تجسد هذه النزعة. إنها ليست مجرد معتقدات دينية، بل أسلوب في التفكير يعكس عجزًا عن مواجهة الواقع وتعويلًا على قوة غيبية لتصحيح مسار التاريخ.

هذا النمط من التفكير له جذور عميقة. ربما يعود إلى الإرث الثقافي الذي تشكّل على مدار قرون، أو إلى تاريخ طويل من المحن والاضطرابات التي جعلت الأمل في الغيب ملاذًا أخيرًا. وربما لعب ضعف التعليم وتراجع التفكير العلمي النقدي دورًا في تعزيز هذه الفكرة، إلى جانب غياب النماذج الواقعية للنجاح التي يمكن أن تلهم الشعوب للسعي والعمل بدلًا من انتظار المجهول.

إن الحل لا يكمن في مهاجمة هذه المعتقدات أو محاولة استئصالها، بل في إعادة توجيهها. فالإيمان بالغيب يمكن أن يكون دافعًا للسعي والعمل، بدلًا من أن يتحول إلى أداة للهروب من المسؤولية. الشعوب التي تنتظر انهيار السدود بفعل الطبيعة يمكنها أن تستثمر في الحلول الدبلوماسية والعلمية. والأمل في اكتشاف الثروات الطبيعية يمكن أن يُستبدل بالسعي لتنمية الطاقات المتجددة وتطوير الصناعات المحلية. أما الاحتفاء بمصائب الأعداء، فهو لا يصنع نصرًا، بل يصرف الانتباه عن بناء الذات.

إن العقل العربي بحاجة إلى ثورة في التفكير، ثورة تجعل من الإيمان قوة للبناء والعمل، لا وسيلة للتبرير والانتظار. ففي نهاية المطاف، لا يصنع الغيب المعجزات، بل يصنعها من يؤمنون به ويسعون لتحقيقها بأيديهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى