بهجت العبيدي - لماذا ينتظر العقل الجمعي العربي والإسلامي انهيار الحضارة الغربية؟

في عالمنا العربي والإسلامي، يتردد صوتٌ قديمٌ جديدٌ، يُخفي بين طياته أملًا وسخرية، تساؤلًا واتهامًا. صوتٌ ينبع من أعماق العقل الجمعي، الذي ينتظر انهيار الحضارة الغربية الحديثة، بل ويشمت في مصائبها من زلازل وبراكين وحرائق، مُؤطِّرًا هذه الكوارث ضمن عقيدة غضب إلهي على حضارة يرى أنها فقدت بوصلتها الأخلاقية. وفي المقابل، يصف الكوارث ذاتها إذا ما وقعت على أرضٍ إسلامية بأنها “ابتلاء”، يختبر الله به صبر عباده واحتسابهم.

ينبثق هذا التفكير من خللٍ جوهري في فهم المسلم لموقعه الحضاري. فهو يُسقط على الآخر الغربي تفسيراته الدينية المُبسَّطة للأحداث، ويمزج بين مشاعره الرافضة لتفوق الغرب ومكانته الرائدة. وفي الوقت نفسه، يغض الطرف عن الواقع الماثل أمامه: الغرب الذي أسّس بنيانه على العلم والعمل والتطوير، والذي أنتج حضارةً أضاءت العالم بقيم الحرية وحقوق الإنسان التي يطبقها على الأقل داخل مجتمعاته، والذي يجب أن يسعى الجميع لتطبيقها في مجتمعاتهم، والتي نطالب أيضا الدول الغربية بعدم ازدواج المعايير في تطبيقها.

إن هذه الثنائية المزدوجة بين “الشماتة” و”التبرير” هي انعكاسٌ لعقلٍ جماعي يُعاني أزمة هوية. إنه العقل الذي يستبدل مواجهة التحديات بتبرير الفشل، ويبحث عن عزاءٍ في سقوط الآخر بدل أن يسعى للحاق به أو تجاوزه.

إن فكرة الانتظار في حد ذاتها ليست إلا تعبيرًا عن العجز. فالمنتظر لا يتحرك، ولا يخطط، ولا يسعى لتحقيق إنجاز حضاري منافس. والانتظار هنا ليس فقط رهانًا على الزمن، بل هو أيضًا رغبة دفينة في الانتقام الرمزي من الآخر الغربي الذي يعكس تفوقه المادي والتكنولوجي قصورًا ذاتيًا لم تُبذل الجهود الكافية لتجاوزه.

لكن يبقى السؤال الأهم: لماذا لا يسعى العربي والمسلم إلى البناء بدلًا من الانتظار؟ الجواب يكمن في غياب المشروع الحضاري الواضح. فالعالم الإسلامي اليوم يفتقد رؤيةً متكاملةً للنهضة، رؤيةً تقوم على فهم عميق للواقع، وتستثمر في الإنسان، وتُؤسس للعلم كقيمة عليا. ومع غياب هذه الرؤية، يبقى الوعي الجمعي عالقًا بين الحنين للماضي الذهبي المتخيل والرهان على سقوط الآخر.

إن الاعتقاد بأن سقوط الحضارة الغربية سيكون في صالح العرب والمسلمين هو تفكير قاصر، بل قد يكون كارثيًا. فالحضارة الغربية ليست كيانًا منعزلًا؛ إنها جزءٌ من منظومة عالمية مترابطة. إن انهيارها يعني، بكل تأكيد، اختلالًا عالميًا في الاقتصاد، والعلم، والسياسة، وحتى الحياة اليومية. فمن سيملأ الفراغ الحضاري الذي ستتركه؟ وهل يملك العرب والمسلمون الأدوات ليكونوا بديلًا؟ إن الحقيقة المرة أن العالم العربي والإسلامي ليس مستعدًا لتحمّل هذه المسؤولية. فبدلًا من التفكير في انهيار الحضارة الغربية، علينا التفكير في كيفية الاستفادة من منجزاتها، والتعلم من أخطائها، والعمل على بناء حضارة تُضاف إلى رصيد الإنسانية.

إن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف يرضى هذا العقل الجمعي بأن يعيش في الدرك الأسفل، فقط ليشعر بشيء من الراحة حينما يشارك الغربي الذي يكرهه هذا القاع، إن تحطمت حضارته وهوى إليه؟ الإجابة تكمن في حالة من الانهزام النفسي واللامبالاة تجاه الذات والمستقبل. فالرضا بالموقع الأدنى هو هروب من مواجهة أسئلة كبرى: لماذا تخلفنا؟ وكيف ننهض؟

إن مواجهة هذا الفكر تتطلب أولًا نقدًا ذاتيًا صادقًا. فعلى المسلم أن يدرك أن تفوق الغرب ليس مؤامرة، بل نتيجة عمل شاق، وأن موقعه المتأخر ليس قدرًا، بل نتيجة خيارات تاريخية وحاضرة. وعليه أن يتحرر من عقدة الآخر، وأن يبدأ رحلة بناء الذات: بناء الإنسان الحر، والمجتمع المنتج، والحضارة التي تُضيف ولا تستهلك فقط.

إن الفكر القائم على الانتظار والشماتة هو فكرٌ يُعادي الحياة والتقدم. إن المستقبل لا ينتظر أحدًا، ومن يريد أن يكون جزءًا من صُناع هذا المستقبل عليه أن يعمل، لا أن يترقب سقوط غيره. والمؤكد أن الحضارات لا تنهار فجأة، لكنها تفسح المجال لحضارات أخرى تنهض من بين ركامها. فهل نحن على استعداد لأن نكون من بين هؤلاء النُّهاض؟ أم سنظل أسرى لأوهام السقوط؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى