د. سيد شعبان - جيل السرد العملاق!

مضى زمن الذين تعلمنا منهم روعة البيان والإجادة في فنون القول؛ شاء الله أن يأتلف هذا الجمع في عقد فريد ضم الرافعي والعقاد والمازني ومحمود شاكر وطه حسين والزيات ونجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله وزكي مبارك وعبدالرحمن بدوي؛ ندر أن تشهد فترة هذا التنوع وذلك التفرد؛ تعددت فنون القول وأبدع كل واحد منهم في مجاله.
حتى إذا كان العصر وماجت في سردنا دواعي القول انتهبه أغمار لا يراعون للفن أصولا ولا للنقد قواعد، أمسك بالقلم أدعياء، وادعى الريادة في غير تحفظ دعاة على أبواب السرد، هل هي عدوى دون وقاء من مادة مختزنة؛ كانوا يجرون مواد المعجم في ذاكرة لا تعرف العي ولا الحصر؛ يبدعون فلايعجزون ومن ثم يتصرفون في فنون اللغة تصرف المقتدر الذي امتلك ناصية البيان؛ هذا العقاد شاعر سارد ناقد مترجم؛ والمازني ساخر سارد حكاء؛ شاكر محقق شاعر، دون ذلك كثير من الرواد الذين عرفوا لغات شتى وفنون عدة؛ يترجمون ويحققون فيذهلون بما أتوا؛ كان حسين مجيب المصري يتقن لغات الشرق والغرب فما عجز ولا أصابه عي؛ حتى جاء مولانا سعد مصلوح فأبهر سردا وشعرا وتأليفا في البلاغة والصوتيات والنقد اللساني والتأليف المعجمي والمطارحات والمساجلات؛ يعيد للعربية ألقها وحركية تصرفها.
أدركت زمن عالم مبدع لايقارب شأوه أحد؛ أحمد مختار عمر جاء في زمن قلت فيه خصوبة التأليف وتفرد العمل؛ معجم الصواب اللغوي والمكنز الكبير؛ العربية المعاصرة وتاريخ العربية في مصر، هل قارب جهده مقارب؟
لكل جيل مبدعوه يأتون بالفريد المبتكر؛ لكن جيلنا مصاب بالتقزم والتفسخ، يكررون ويقلدون ولعل الجيل الفريد الذي ذكر آنفا ارتكب جناية التسيد علينا فجعلنا ندور في فلكه ونعيش في جلبابه؛ وصاية الآباء وتملك اللغة حتى إذا أراد أحدنا الخروج إلى رحابة الإبداع تناوشته سهام الجحود والتنكر؛ وحسبك من ذلك تلمس فرجة في الباب أو كوة في جدار، إنها جناية السلف على الخلف؛ وهؤلاء الخالفون متهمون بالتقصير وعدم المواكبة لجهد الذين أتوا بمالم يسع الآخرين.
والفكاك من أسر ذلك القيد يكون بمداومة العمل والأخذ بعرض الأعلى قراءة ودرسا وتحصيلا، يسع الإبداع القادمين بشروط متفق عليها؛ فلا تميز دون إطار جامع من علم متحصل ومعاصرة لآفاق السرد التي لاتنتهي.
لن تعقم لغة ولاتفنى إلا بضعف أبنائها وانزوائهم في متاهات يضلون فيها؛ تقليدا وتكرارا لاتجديدا وتقديم أنموذجا مغايرا يساوق مالدى الآخر في مجالات السرد والتأليف؛ ثم بعد نتساءل ماالذي يمنعنا من الابتكار؟
إنها الغشاوة والتهيب أن نقتحم أسوار الوهم تغبش الرؤية وتحصرنا في كهوف الظلام!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى