ج(5)
68- هوامش من وحي ما جرى في غزة: تزاحم الأحداث وضياع بعض الأفكار
في الحرب أردت أن أكتب عن رواية «ما تبقى لكم» (١٩٦٦) فما قرأته فيها شاهدته في أشرطة الفيديو التي تبث. كأن المشهد الذي أشاهده تجسيد لما كتبه غسان في روايته، والمشهد ليس من فيلم سينمائي أخذ عنها. إنه مشهد مما يجري في غزة في الحرب.
مئات الشبان الغزيين مجردون من ملابسهم، إلا ملابسهم الداخلية. يجلسون على الأرض، في أجواء شتوية شديدة البرودة، وأيديهم موثقة خلف ظهورهم، يحيط بهم جنود ويخاطبهم أحدهم بالعربية:
- ألم نطلب منكم مغادرة شمال قطاع غزة إلى الجنوب؟ لماذا لم تغادروا؟
يجيبه أحدهم:
- لقد حاولت، ولكنكم لم تسمحوا لنا.
- هذا غير صحيح، فالناس غادرت عبر شارع صلاح الدين.
بم يجيب الضعيف القوي؟
وعندما يسألهم عن رأيهم فيما جرى وعن حماس ويحيى السنوار وعدم الاحتجاج على ما فعلوه، يشتم الرجل السنوار ويقلل من قيمته.
في «ما تبقى لكم» التي تجري أحداثها في ١٩٥٦- أي فترة العدوان الثلاثي على مصر؛ الفرنسي والبريطاني والإسرائيلي، وفيه احتل قطاع غزة - نقرأ عن حدث مشابه وشخصية مشابهة.
كان الجيش الإسرائيلي يبحث عن فدائي اسمه سالم، ولأجل إلقاء القبض عليه، فقد جمع عشرات الشبان وطلب منهم أن يدلوه على سالم، وهددهم بأنه سيقتلهم إن لم يعترفوا على مكانه، وكان سالم بينهم. رفض الشبان الاعتراف حتى ضعف زكريا خوفاً من القتل، فصاح:
- أنا أدلكم على سالم.
ولكن سالم فوت عليه فرصة أن يكون خائناً حقيقياً. «أقدم سالم من تلقاء نفسه ووقف أمامنا مباشرة، وقد رأيناه يغسلنا بنظرة الامتنان التي لا تنسى فيما كانوا يقتادونه أمامهم. إلا أنه عاد والتفت إلى زكريا وشيعه بنظرات رجل ميت: باردة وقاسية وتعلن عن ولادة شبح.... «وسيغيب سالم وراء الجدار هنيهة» ثم جاء صوت طلقة واحدة فيما أخذنا ننظر إلى زكريا وكأننا جميعاً متفقون على ذلك. زكريا. زكريا».
وأنا أنظر في شريط الفيديو وأصغي إلى المتكلم فيه تساءلت إن كان زكريا بعث من جديد، وتساءلت أيضاً عما كان المعتقلون يشعرون به في تلك اللحظات وبم كانوا يفكرون.
ليس زكريا وحسب هو من استحضرته من روايات كنفاني وقصصه. لقد استحضرت أيضاً نادية في قصة «ثلاث أوراق من فلسطين: ورقة من غزة».
لم يمر يوم من أيام المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة، إلا في أيام الهدن القليلة، دون أن نشاهد شريط فيديو يظهر فيه جريح غير مبتور عضو من أعضائه. بعض الأشرطة عرضت لحالات مرعبة لن يشفى من أثرها أصحابها إلا ساعة موتهم. خمسون عاماً. ستون. سبعون. الله أعلم. وسيظل هؤلاء يعانون ويتذكرون ويستحضرون مشاهد الحرب.
في قصة «ورقة من غزة» كتب كنفاني عن نادية. عما قصه عنها عمها المدرس في الكويت العائد في الإجازة لزيارة غزة.
يزورها عمها في المشفى وقد أحضر لها معه هدية هي بنطال أحمر:
« - قولي يا نادية.. ألا تحبين البنطال الأحمر؟
ورفعت بصرها نحوي، وهمت أن تتكلم، لكنها كفت، وشدت على أسنانها، وسمعت صوتها مرة أخرى من بعيد:
- يا عمي!
ومدت كفها، فرفعت بأصابعها الغطاء الأبيض، وأشارت إلى ساق مبتورة من أعلى الفخذ».
نادية في إحدى غارات ١٩٥٦ صارت، في الـ ٤٧١ يوماً للحرب، مائتي ألف حالة.
هل انتهت الحرب؟
من قصص كنفاني التي ألحت، في الحرب وقبلها، على ذاكرتي «الصغير يذهب إلى المخيم».
كلما كتب كتاب غزة عن مشاكل أهلهم التي ستبدأ بعد انتهاء الحرب وجدتني أستعين بالقصة التي ميز فيها كاتبها بين زمن الحرب وزمن الاشتباك، ووجدتني أكتب لهم:
- ستنتقلون من زمن الحرب إلى زمن الاشتباك.
وصرت أكرر نفسي. صرت أشعر بأن كثيراً مما أكتبه ليس سوى تكرار، وغالباً ما كنت آخذ برأي إميل حبيبي في رده على من هاجموه بأن روايته «المتشائل» ليست إلا تقليداً لرواية (فولتير) «كنديد»:
- إنها الحياة التي تتكرر أحداثها أو تتشابه. تتكرر على شكل مأساة أو على شكل ملهاة.
يميز غسان في قصته بين زمن الحرب وزمن الاشتباك. في الأول هناك هدنة يلتقط فيها المحارب أنفاسه، وفي الثاني أنت تشتبك يومياً مع الحياة والناس، وفيه «كان الجوع - الذي تسمع عنه - همنا اليومي. ذلك اسميه زمن الاشتباك. أنت تعلم. لا فرق على الإطلاق. كنا نقاتل من أجل الأكل، ثم نتقاتل لنوزعه فيما بيننا، ثم نتقاتل بعد ذلك».
كم من كاتب في غزة كتب عن مشاكل الناس أمام الطوابير والتكايا؟!
عبد الكريم عاشور «يحدث في غزة الآن» وشجاع الصفدي ومريم قوش و... و... وهل ننسى الطفل عبد الرحمن نبهان الذي سقط، في ٩/ ١/ ٢٠٢٥، في طنجرة الطبيخ ومات. هذا هو زمن الاشتباك الذي سيستمر عقوداً من الزمان. كما لو أن غسان كنفاني تنبأ به. وللكتابة بقية.
***
69- هواجس من وحي ما جرى في غزة... هوامش أدبية في زمن الحرب
في فترة الحرب تنظر في أعمال أدبية سابقة تحكي قصصاً تشبه اللحظة التي نمر بها.
إن قرأت عن احتمالية تهجير أهل قطاع غزة - فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في يوم الطوفان الثاني أنه سيخوض حرب وجود - تتذكر معين بسيسو وما كتبه عن مظاهرات غزة في ١٩٥٥ التي رفع فيها على الأكتاف يهتف:
«لا توطين ولا إسكان
يا عملاء الأمريكان».
وتمعن النظر في المفردات التي استخدمها الكتاب في خمسينيات وستينيات القرن ٢٠. هل كانوا يستخدمون دوال «إسرائيل» و»إسرائيلي» و»دولة إسرائيلية» و»جيش إسرائيلي»؟
ولأنني ركزت على كتابات كنفاني أكثر من غيره، فقد أخذت، وأنا أقرأ بعض قصصه، ألتفت إلى الدوال التي يستخدمها، فلم ألحظ ورود الدوال السابقة. الدال الذي استخدمه، وغالباً على لسان الشخوص، هو دال «اليهود».
عندما قرأت رواية إبراهيم نصر الله «زمن الخيول البيضاء» التي يقف زمنها الروائي عند العام ١٩٤٨ كنت أقرأ الدوال المذكورة لا دال يهود، فأدركت أنه من تأثير الزمن الروائي على الزمن الكتابي، وأن الكاتب حين يكتب عن زمن لم يعش فيه لا ينجو من الكتابة عن زمنه هو. بمعنى آخر: إنه يسقط ما في زمنه - دون وعي غالبا - على الزمن الذي يستحضره.
في أثناء جدلي حول الرواية المذكورة قلت ما سبق، وأتيت بأدلة أخرى، ففي صفحتين متقابلتين كان الشخوص يستخدمون عملة الجنيه الفلسطيني وعملة الدينار الأردني الذي صك في العام ١٩٥١.
ولأن إبراهيم أدرج غير مرة فقرة من روايته «أعراس آمنة» (٢٠٠٩/ط٢) وأشار إلى أنه كتبها عن غزة، فقد عدت إليها أبحث عن غزة فيها، فقد أقتبس منها فقرة أدرجها في يومياتي، وعبثاً وجدت، ما جعلني أكتب أنك لو استبدلت اسمي أي مدينتين فلسطينيتين بغزة ورفح اللتين ورد ذكرهما لما ترك ذلك أي أثر على الرواية.
وحين عدت إلى شهادة إبراهيم التي ألقاها في مؤتمر القدس السابع الذي عقدته جامعة البتراء في ٢٠١٩ قرأت ما يدعم وجهة نظري.
لم ير إبراهيم القدس. إن مدينته هي عمان التي كتب عنها في عدد من رواياته ومنها «حارس المدينة الضائعة» و «طفولتي حتى الآن».
وعندما قرأت رواية محمود شقير «منزل الذكريات» التي دار موضوعها حول الشيخوخة وأتى فيها على ما يجري في غزة لاحظت أن ما كتبه كان ملامسة خفيفة، بل ولاحظت أنه لم يتعمق في الكتابة عن الشيخوخة.
هل اقتصر الأمر على ما سبق؟
في الحرب دار جدل بين الكتاب الفلسطينيين حول الترشح لجائزة الرواية العربية (بوكر). ترشح لها كتاب فلسطينيون ورفض آخرون، بل إن ربعي المدهون الذي كان حصل عليها لروايته «مصائر» التي أثارت جدلاً واسعاً، أعلن عن تخليه عن الجائزة، فالدول التي تمنحها تقيم علاقات تطبيع مع دولة الاحتلال، بل وتمدها بمواد غذائية تحتاج إليها.
وفي المقابل فقد ترشح إليها الأسير باسم الخندقجي المحكوم بالمؤبد وأكثر، فعقبت بعبارة واحدة فقط «فلسطين تعيد الجائزة.. فلسطين تتسلم الجائزة» وهات نقاشات في الموضوع الذي آثرت عدم الخوض فيه والانصراف إلى كتابة يوميات الحرب.
ومثل الجدل السابق الجدل حول رواية السنوار «الشوك والقرنفل» التي خصصتها منذ أسبوع الحرب الأول بـ ٣٦ خربشة وغير مقال. لقد سخرت كاتبة أردنية ممن عدها رواية، ولما قرأت فقرتها والتعليقات عليها أعدت إدراج كتابتها وطلبت من القراء أن يقرؤوا التعليقات التي تبعث على الضحك، فعقب قرائي وسخروا من الكاتبة التي عدت الكتابة تعرضاً لشخصها، ما دفعها لأن تهددني برفع قضية جرائم إلكترونية في بلدها الأردن ضدي.
هل سأقدم إن زرت الأردن إلى المحكمة، فأسجن عدة أشهر وأدفع غرامة مالية مقدارها عشرون ألف دينار!!
يا للفضيحة!
لم تكن اللحظة الآنية تستحضر مثيلتها في النصوص الأدبية في خمسينيات وستينيات القرن ٢٠ وحسب، فالجيل الذي ولد في النصف الأول من خمسينيات ق ٢٠ عاش في الخيام وعانى معاناة شديدة من ثلج تلك الأعوام وبردها وقرصه الجوع وعضه الفقر وأقام في مدارس وجوامع قبل أن يقيم في الخيمة حتى ١٩٥٨.
عندما قرأت رواية السنوار وكتبت عنها توقفت أمام الطفولة الفقيرة المعذبة وأمام احتلال غزة في العام ١٩٦٧ ومعاناة أهلها وفقدان كثيرين من أبنائها، ومن قبله كتب معين بسيسو وهارون هاشم رشيد عن احتلال غزة في ١٩٥٦ والمجازر التي ارتكبت بحق الجيش المصري والفدائيين الفلسطينيين.
استحضرت الحرب الدائرة حالياً الحروب السابقة واستحضرت مع استحضارها النصوص الأدبية التي كتبت فيها، فاكتنزت اليوميات بمعلومات تقول تاريخ قطاع غزة في القرنين ٢٠ و ٢١.
وللكتابة بقية.
***
70- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (1من2)
«لا يجدر بأحد إعطاء مواعيد في هذا الوطن» هذا الاقتباس من قصة أكرم هنية «لماذا لم أذهب لمقابلة صديقتي؟» هو ما خطر ببالي منذ غادرنا في ٦/ ٢/ ٢٠٢٥ الروائي والناقد الدكتور الجامعي الأستاذ أحمد حرب المولود في الظاهرية في الخليل في العام١٩٥١؛ أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة بيرزيت، وقد عرفناه نحن الأدباء الفلسطينيين من خلال إسهاماته النقدية أولاً والروائية ثانياً في الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية في الضفة الغربية. عرفناه أولاً من خلال قراءة مقالاته النقدية في الصحافة ثم من خلال المهرجانات الأدبية والندوات والمؤتمرات التي أسهم فيها منذ العام ١٩٨١ تقريباً.
قبل عامين تقريباً أرسلت إلى أحمد صورة تجمعنا أنا وهو والشاعر علي الخليلي الذي كان يحرر الصفحات الأدبية في جريدة «الفجر» الصفحات التي جعلها مجلة شهرية أسهمت، إلى جانب مجلات أخرى مثل «البيادر» و»الكاتب»، في تأسيس حركة أدبية في مناطق الاحتلال الثاني ١٩٦٧، وسرعان ما أدرجها في صفحته غير متذكر تاريخ التقاطها، وأغلب الظن أنه في سنوات الثمانينيات الأولى.
لم تنقطع في السنوات الثلاثين الأخيرة اللقاءات والزيارات فيما بيننا، فكلما زرت جامعة بير زيت التقينا وكلما عقدت الجامعة نفسها مؤتمراً وشاركت فيه التقينا أيضاً.
مؤتمر الأدب الفلسطيني في العام ١٩٩٧ وندوة ذكرى المرحوم الدكتور إحسان عباس ٢٠٠٥، وكلما اشتركنا في أحد المؤتمرات التي تعقدها جامعة بيت لحم - وما أكثرها! - أو جامعة الخليل، وآخر مؤتمر اشتركنا فيه معاً هو مؤتمر جامعة البتراء الأردنية عن رواية القدس، وقد عقد في تشرين الثاني من العام ٢٠١٩ ونزلنا فيه معاً في فندق الرويال والتقينا على وجبة الإفطار طيلة أيام المؤتمر.
آخر لقاء لي بـ «أبو فجر» كان - إن لم تخني الذاكرة - في رام الله. كنت يومها مدعواً للمشاركة في ندوة نقاش كتب الدكتور نبيل طنوس في متحف محمود درويش. جلسنا يومها في محل ركب للبوظة واعتذر عن حضور الأمسية لانشغاله.
في أكتوبر ٢٠٢٣ اتصل بي «أبو فجر» وبعد أن أعلمني عن إصابته بسرطان الحنجرة وعدته أن أزوره خلال أسابيع، وكان الوعد الذي لم ينفذ.
قبل شهر من رحيله تقريباً اتصل بي مرة أخرى. كان ثمة تشويش في الاتصال ما جعلني أتريث كثيراً وأنا أرد، وجددت وعدي بأن أزوره عندما تتحسن حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية قليلاً، وعندما تهدأ الأوضاع التي أخذت وتيرة تدهورها بالازدياد.
وكلما تذكرت الوعد الذي قطعته على نفسي بزيارته، هو الذي رحب باستمرار باستقبالي، تذكرت سطراً غالباً ما أوردته في مقالاتي وأنا أكتب عن حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية، وهو «لا يجدر بأحد إعطاء مواعيد في هذا الوطن».
لقد مر على الوعد خمسة عشر شهراً ولم يغب عن ذهني، وكلما هممت ترددت وتكاسلت وتراجعت، والسبب هو الحواجز.
قبل ثلاث سنوات تقريباً كانت إحدى طالبات الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية تتواصل معي بخصوص موضوع رسالتها المتعلق بالحواجز في الأدب الفلسطيني، والطالبة هي هديل كيال، وكانت تسألني عمن كتب عن الحواجز في الأدب الفلسطيني، وكلما تذكرت نصاً ما ذكرتها به، ابتداء من قصيدة فدوى طوقان المبكرة «آهات أمام شباك التصاريح» التي كتبتها عن تجربة مرت بها، في انتظارها في جسر دامية، في أثناء سفرها إلى عمان.
لقد كان الجسر بعد العام ١٩٦٧ هو الحاجز الأول بعد بوابة مندلباوم التي كتب عنها الأدباء منذ ١٩٤٨ حتى ١٩٦٧، ثم هدمت لحظة احتلال القدس في ١٩٦٧؛ البوابة التي كتب عنها إميل حبيبي وسميرة عزام وغسان كنفاني وآخرون، ولا يعرفها الآن إلا كبار السن في فلسطين ممن تجاوز السبعين أو قراء قصص الكتاب المذكورين.
ما أشبه موعد لقائي بأبي فجر بموعد لقاء شخصيتي قصة سميرة عزام «عام آخر».
كلما سافرت الأم من بيروت إلى القدس، فبوابة مندلباوم، لرؤية ابنتها المقيمة في الناصرة تعذر اللقاء.
وحكاياتنا مع الحواجز حكايات عديدة سببت لنا مشاكل ووجع رأس وأسفرت أحياناً عن شهداء عديدين، بخاصة منذ انتفاضة الأقصى ٢٨/ ٩/ ٢٠٠٠ ولعل منها ما ألم بالشابة ميسون الحايك التي كانت وزوجها وحموها في طريقهم إلى المشفى لتضع مولودها.
لقد أطلق الجنود النار على زوجها وحميها فارتقى الأول وأصيب الثاني ووضعت طفلتها ليكون عيد ميلادها وعيد استشهاد أبيها في اليوم نفسه.
***
71- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (2 من 2)
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة عنوانها «عند الحاجز». في تلك الأيام كنت معلماً بمدارس وكالة الغوث في النصارية، وكان عليّ وزملائي المعلمين أن نستقل الباص الوحيد من نابلس إلى أريحا. وقبل المدرسة، قرب معسكر النصارية، أقيم حاجز تفتيش غالباً ما عانينا منه وسبّب لنا مشاكل بسبب التأخر عن الدوام المدرسي. ومع ذلك، فإن معاناة تلك الأيام لم تكن تذكر إزاء معاناة الفلسطينيين منذ اجتياح المدن الفلسطينية في ربيع ٢٠٠٢ إبان انتفاضة الأقصى، وهي المعاناة التي أوحت للقاص أكرم هنية بكتابة قصة «زمن حسان» اللافتة التي ظهرت في مجموعة «دروب جميلة» (٢٠٠٧). لقد غدا الحاجز مكان بيع وشراء، بل مكان ولادة طارئاً أيضاً يشار إلى من يولد فيه: ولد على الحاجز. صارت حياة الفلسطينيين عليه أقرب إلى اللامعقول، ما دفع القاص إلى توظيف اللامعقول في بناء قصته. ولد حسان على الحاجز، فبنت أمّه بيتاً هناك، وتحول البيت إلى قرية... إلخ.
في أيامنا هذه، بعد «طوفان الأقصى»، احتل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة وقسمه إلى قسمين يفصل بينهما حاجز «نتساريم» الذي انسحب منه في ٩/ ٢/ ٢٠٢٥، وفي أيامنا هذه تحاصر مدن الضفة الغربية وتقام الحواجز على جميع مداخلها، وصار الحديث عنها ممتلئاً بالسخرية التي تعبّر عن واقع مر قاس وصعب، وصار المرء يفكر تفكيراً عميقاً إن أراد التنقل بين المدن - طبعاً إذا صرفنا النظر عن الحواجز التي تفصل بين المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ والمناطق المحتلة في العام ١٩٦٧. إن أردت أن تتنقل بين المدن، فعليك أن تتزود بالطعام والشراب، ولا بأس أن تأخذ معك نارجيلة وورق شدة لكي تتسلى. وإن أغلق الحاجز، فعليك أن تبيت في العراء أو تذهب إلى إحدى القرى المحيطة تنشد الضيافة.
في روايتها «الميراث» (١٩٩٧)، كتبت سحر خليفة صفحات عديدة عن معاناة الفلسطينيين على الحاجز، على الرغم من أن الزمن الذي تجري فيه الأحداث هو زمن السلم - أي زمن أوسلو الذي يفترض ضرباً من الاسترخاء. ما قرأناه في رواية سحر لم يخلُ منه كتاب سعاد العامري «شارون وحماتي» (٢٠٠٥)، وفيه كتبت كتابة ساخرة عن زيارة ابن رام الله مدينة القدس. أنت بحاجة إلى كلب يمتلك جواز سفر إسرائيلياً، لكي يسمح لك بالسفر كمرافق لمعالجة الكلب.
وليس لدي إحصائية بعناوين القصص والروايات التي اشتمل عنوانها على دوال مثل «حاجز» و»جسر» و»بوابة» و»معّاطة» أو ما شابه، غير أنني بالتأكيد لا أنسى عنوان رواية عزمي بشارة «الحاجز: شظايا رواية»، والمؤلف ولد في فلسطين التاريخية - ١٩٤٨، ومع ذلك فإن معاناته في التنقل أوحت له بالعنوان الدال.
في العام ٢٠٠٣ بدأت أكتب زاويتي الأسبوعية في جريدة الأيام الفلسطينية «دفاتر الأيام»، والجريدة تدفع لمن يكتب عموداً أسبوعياً مكافأة شهرية لم أستلمها مدة سبعة أشهر. مرة اتصل بي أحد محرري الجريدة، وطلب مني مقالاً عن إحدى الشخصيات الأدبية التي توفيت، وعندما استجبت سألني المحرر:
- على فكرة لك عندنا مكافآت. لماذا لا تأتي لاستلامها؟
كانت الحواجز العديدة بين نابلس ورام الله مزعجة جداً. وأظن أنني خلال سبع سنوات الانتفاضة تلك لم أغادر نابلس إلا مضطراً، فلم أزر رام الله أو القدس أو الخليل أو بيت لحم إلا مرات قليلة جداً.
في أثناء «طوفان الأقصى» - أي منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 - غادرت نابلس ثلاث مرات فقط لم تكن أي منها إلى رام الله. لقد اغتنمت فرصة عيدَي الفطر والأضحى لكي أزور أختي في قرية تقع في الوسط بين نابلس ورام الله، ومرة سافرت إلى عمّان لأطير منها إلى سلطنة عُمان، ولولا أن السلطنة سهّلت لي التأشيرة لما طرت، فالذهاب إلى رام الله لاستخراج التأشيرة سيكون العائق.
غادر الدكتور أحمد حرب ولم نلتقِ. تواعدنا واتفقنا ولكنها الحواجز بين المدن، لا الحواجز اللغوية بيننا وبين الإسرائيليين كما ذهبت مستشرقة ألمانية درست قصيدة محمود درويش «عابرون في كلام عابر» ورأت في اللغة سبباً لعدم تفاهم الفلسطينيين والإسرائيليين.
غادر أحمد حرب دون أن أشارك في جنازته. تماماً كما غادر من قبل شعراء عديدون مثل علي الخليلي وأحمد دحبور، ومن قبل محمود درويش وفدوى طوقان، على الرغم من أنني كنت في نابلس أحاضر في الجامعة. يومها كنا نغتنم يوم دوام لنعطي محاضراتنا المتعثرة في زمن انتفاضة الأقصى.
وأنا أنظر في موت «أبو فجر» وأتابع تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول تهجير الفلسطينيين، وأشاهد ما يلمّ بسكان مخيمات شمال الضفة الغربية الثلاثة (جنين وطولكرم والفارعة)، وتهجير سكانها، لم أتذكر سوى عبارة «أبو قيس» في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» (١٩٦٣) في موت الأستاذ سليم قبل سقوط قريته بليلة واحدة ودفنه في ترابها:
- «يا إلهي! أتوجد نعمة إلهية أكبر من هذه؟».
تذكرتها كما لو أن ما ألمّ بـ»أبو قيس» سيلمّ بي. تذكرتها لأخاطب بها «أبو فجر» الذي وجد من يدفنه في تراب رام الله التي أحبّ.
***
72- هوامش من وحي ما جرى في غزة... صــدى لــلــصــدى
إن كان أكثر ما كتبه الأدباء الفلسطينيون في وصف الواقع الفلسطيني، منذ بدأت المأساة الفلسطينية، هو صدى لها، فإن كثيراً مما كتبته منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ولمدة ٤٧١ يوماً لم يكن إلا صدى للصدى، ذلك أن مقالاتي ويومياتي لم تكن تخلو من اقتباس أو تضمين مما كتبه الشعراء الفلسطينيون قبل العام ١٩٤٨ وبعده، وأخص بالذكر هنا إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي أبو سلمى ومحمود درويش وأحمد دحبور ومريد البرغوثي وغيرهم.
«صدى للصدى» ولم يقل هذا لي أحد قرائي. لقد ألمح لي أنني صدى لمحمود درويش بالتحديد، ذلك أن أكثر إحالاتي خصت شعره.
مرة قال درويش:
- إنني لا أريد أن أكبر على جراح شعبي.
وأنا لا أريد أن أكبر على قصائده وعلى قصص كنفاني ورواياته وإبداعات كتابنا. لم أكن أخطط لهذا ولم يخطر ببالي أن أكتب يوميات تتكئ على ما أنجزوه. فجأة كان الطوفان. فوجئنا به ووجدت نفسي أكتب يومياته كما حدث معي حين كتبت يوميات جائحة كورونا. الأحداث الكبرى تفرض نفسها علينا ونجد أنفسنا نعبر عنها.
غالباً ما أرد على من يعبر عن دهشته من بعض كتاباتي بالقول:
- الحياة تكتبنا ونحن نصوغها.
وإن كانت فدوى طوقان، وقبل بروز محمود درويش شعرياً، نعتت أخاها إبراهيم بأنه شاعر الوطن، فإنه يصح أن نمنح هذا اللقب لدرويش الذي ظل يكتب الشعر الوطني منذ ١٩٦٠ إلى ٢٠٠٨ - أي مدة ٤٨ عاماً، وهي مدة تزيد ٧ سنوات على الفترة التي عاشها إبراهيم طوقان.
حتى درويش نفسه رأى في شعره هامشاً وسعه فيما كتبه سابقوه. غالباً ما لا تغيب عن ذهني قصيدته:
«تنسى كأنك لم تكن».
في القصيدة المشار إليها يعترف الشاعر بأن هناك من سبقت خطاه «خطاي» ومن أملى رؤاه على «رؤاي»، وأن هناك من نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية أو يضيء لمن سيأتي بعده أثراً غنائياً.. وحدساً. وهو لا يستبعد أن هناك من سيأتي بعده لتمشي خطاه على «خطاي» ومن سيتبعه إلى رؤياه... والقصيدة لافتة وقد وردت في ديوان «لا تعتذر عما فعلت».
الحكاية هي الحكاية. منذ ١٩٤٨، بل ومنذ بداية المشروع الصهيوني ونحن نتحدث عن التهجير والإبادة.
كان إبراهيم طوقان أول من كتب في هذا:
«أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة» و»يا قوم ليس عدوكم ممن يلين ويرحم».
وفي كل حرب من الحروب التي لا تنتهي تتكرر الأحداث والمواقف.
نحاصر ونهجر أو نباد أو نعذب. وفي كل مرة نستنجد بالعرب دون أن نتعلم، علماً بأن الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) كتب في العام ١٩٣٦ قصيدته الشهيرة:
«أنشر على لهب القصيد
شكوى العبيد إلى العبيد»
ولا نتعلم.
كلما استنجد الفلسطينيون بالعرب استحضرت القصيدة واستحضرت ما قاله الشعراء اللاحقون في الموضوع. خذلتنا الصحارى. كتب سميح القاسم. عرب وباعوا روحهم عرب وضاعوا. كتب محمود درويش وأضاف:
كم كنت وحدي!
ولم يختلف عنهما مريد البرغوثي في «طال الشتات»:
طال الشتات وعافت خطونا المدن
وأنت تمعن بعداً أيها الوطن.
وأفاض مريد في الكتابة عن الخذلان.
في طوفان الأقصى وحصار قطاع غزة حضر ديوان محمود درويش «حالة حصار» (٢٠٠٣) كما لم يحضر ديوان آخر.
في بداية الحرب استحضرت نصه النثري «صمت من أجل غزة» (١٩٧٣) واستحضرت بعض قصائد من ديوانيه «محاولة رقم ٧» (١٩٧٤) و»حصار لمدائح البحر» (١٩٨٣) ومع اشتداد الحصار وطول مدة الحرب صرت أكرر قصائد من «ورد أقل» (١٩٨٥) لكن أكثر الدواوين حضوراً هو «حالة حصار»، وثمة مجموعات عديدة لم تستحضر قصائدها. من قال إن الشعر الوطني قليل الأهمية؟!
ربما أعادت الحالة الفلسطينية لهذا اللون من الشعر الاعتبار! ربما!
في العام ٢٠٠٠ بدأت انتفاضة الأقصى وخلال عامين اجتيحت مدن الضفة الغربية واستبيحت.
كان محمود درويش يقيم في رام الله ويكتب ما يجيش به صدره. يتابع الأحداث اليومية ويرصد مفاصلها ويتأملها ثم يصوغ مقطوعاته التي تعبر عن رؤية إنسانية عميقة. يجلس في شقته محاصراً ويكتب.
في ٧ أكتوبر لم تتوفر هذه الفرصة لأبناء قطاع غزة إلا أقلهم. من نجا نزح ومن نزح فقد البيت وشروط الكتابة. وكان لا بد من كتابة.
أشرطة الفيديو والأخبار والمذياع وحديث الناس في الشارع وشاشات التلفاز في المقاهي والمطاعم و .. و ... . هذه كلها جعلتنا، من بعيد، نعيش الحرب ونكتب يومياتها.
ولأن الشعر أسهل للحفظ فإنه سرعان ما يستحضر، ولأنني قارئ جيد لأشعار محمود درويش، ولأنني كتبت غير مرة عن قصائد «حالة حصار» فقد أخذت تتسلل إلى يومياتي، لا كما حفظتها الذاكرة، بل من خلال نقلها من الديوان نفسه حتى لا يتم العبث بها، وللكتابة بقية.
***
73- هوامش من وحي ما جرى في غزة، كما لو أن الشاعر كتب قصائده في وصف ما يجري
عندما كنت أتابع بعض صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بأفراد، أو باعتبارها مواقع لغير شخص، كنت ألاحظ مدى إدراجها مقاطع شعرية مما كتبه محمود درويش، وفي كل حرب من حروب غزة منذ ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩ تكثر الاقتباسات مما كتبه سواء في غزة أو في بيروت. صمت من أجل غزة أو الخروج من ساحل الأبيض المتوسط أو البنت/ الصرخة في هدى أبو غالية أو أنت منذ الآن غيرك، والأكثر الكتاب النثري «ذاكرة للنسيان: الزمان بيروت والمكان آب» (١٩٨٦) و»مديح الظل العالي» المطولة التي كتبها في حرب لبنان ١٩٨٢.
وتستحق تلك الاستعادات وإعادة الإدراج الرصد والدراسة والتحليل، فما من شاعر آخر غيره حظي بما حظي به؛ ممن سبقوه أو ممن عاصروه أو ممن أتوا بعده أو من الشعراء الذين يعيشون الحدث. هل هذا حكم كاتب متعاطف مع الشاعر أم هو حقيقة؟
مرة، وجه الشاعر الغزي ناصر عطا الله لي لوما سببه كثرة كتابتي عن أشعار محمود درويش وقلة الالتفات إلى غيره وإهمال الكتابة عن الشعراء الجدد وهو أنني صحرت الشعر الفلسطيني، ولا أعرف إن كان محقا في لومه لي، فأنا لست الناقد الأدبي الوحيد في الساحة الأدبية الفلسطينية أو في الساحة الأدبية العربية التي كتب نقادها ودارسوها الكثير الكثير عن الشاعر وشعره.
كل ما في الأمر هو أنني نشأت على قراءة شعر شعراء المقاومة واقتربت ذائقتي الشعرية من الشعر الذي كتبه، وهذا لا يعني أنني لم أقرأ لغيره. لقد قرأت أشعار توفيق زياد ومعين بسيسو وسميح القاسم ومريد البرغوثي وقرأت نثر معين ومحمد القيسي وروايات إبراهيم نصر الله و.. و.... بل وكتبت عنها واقتبست منها ولكن حضور أعمالهم فيما كتبت ظل أقل.
في حرب الطوفان، أدرجت يوم ارتقاء حسن نصر الله ويوم ارتقاء يحيى السنوار مقاطع من «مديح الظل العالي» لاءمت ما ألم بهما، وبدا إدراجي لمقاطع كما لو أن محمود درويش كتبها فيهما، ما سبب جدلا واسعا بين محبي الرجلين وغير محبيهما، وذهب غير المحبين إلى اتهامي شخصيا بأنني أقول الشاعر ما لم يقله وأسيء إلى شعره.
عندما أدرجت المقاطع التي فيها تمجيد للمقاوم لم أكتب «كما لو أن محمود درويش كتب هذه المقاطع في نصر الله والسنوار». بدا الإدراج كما لو أن الشاعر كتبهما فيهما حقيقة، وهات نقاشا وجدالا.
في حروب غزة السابقة، كتب الشاعر خالد جمعة، إن ما يجري في غزة في الحرب لا يختلف عما ورد في «ذاكرة للنسيان». كما لو أن كاتبه يعيش في غزة ويصف ما يجري. ومن المؤكد أن ما جرى في هذه الحرب في غزة لم يحدث مثله من قبل، ولو عاش الشاعر هناك وامتد به العمر لكتب ربما ما نتخيله.
هل كان محمود درويش وهو يكتب عما يلم بالفلسطينيين يكتب من أجل المال؟
في بداية حرب الطوفان، سخر مني بعض متابعي كتاباتي واتهمني بأنني سأثرى. هم يموتون وأنا اكتب وأبيع.
كم من صحافي ارتقى في هذه الحرب؟ هل نفعهم المال وهم يؤدون رسالتهم ويغطون الأحداث؟
عندما طبع عاطف أبو سيف يومياته التي ترجمت إلى العديد من اللغات أخبرني أنه تبرع بعائدها إلى مساعدة أبناء قطاع غزة، وعندما اشترط علي ناشر أراد طباعة اليوميات أن يذهب ريعها إلى أبناء قطاع غزة لم أعارض، وهو ما حدث أيضا عندما طُبع قسم منها وصدر عن دار ميريت في القاهرة وأدرج على موقع أبجد. لقد أعيد نشر الكثير مما أكتب ولم يعد علي هذا بأي مردود مالي، ولا أظن أن المواقع والصحف التي تعيد نشر الكثير لأدباء فلسطينيين تدفع لهم؟
كما لو أن محمود درويش كتب قصائده في وصف ما يجري. حقا كما لو أنه كتبها في وصف ما يجري، والأهم هو مدى تغلغلها في وجدان القارئ الفلسطيني وتمثله لها.
بعد وفاة الشاعر، أراد الناقد فيصل دراج أن يصدر كتابا يحتفي به بذكرى رحيله، وطلب مني، من خلال متحف محمود درويش، أن أخص الكتاب بمقالة عنوانها «محمود درويش في الوعي الشعبي» وقد أنجزت المقالة ولكن الكتاب للأسف لم يصدر، ما دفعني لنشرها في جريدة الأيام الفلسطينية. في حينه لم تكن حروب غزة منذ ٢٠١٤ اندلعت، الحروب التي حضرت فيها أشعار الشاعر كما لم تحضر في الأوقات العادية. ماذا يمكن أن أكتب الآن عن حضور محمود درويش في الوعي الشعبي.
عندما غنت كارول سماحة أسطرا نسبت إلى الشاعر «ستنتهي الحرب» كتبت خمس مقالات في الأسطر. بدأ الأمر قبل الغناء، وتحديدا حين أدرج أشخاص الأسطر ونسبوها إلى الشاعر، فترجمها إلى العبرية الدكتور نبيل طنوس. يومها نبهت الدكتور إلى الأمر وكتبت مقالا في الموضوع. وفي الحرب في أيامها الأخيرة عاد النشيطون فيسبوكيا ليدرجوا الأسطر من جديد وينسبوها للشاعر.
***
74- هوامش من وحي ما جرى في غزة... الأحداث الكبرى تستحضر أعمالاً أدبيـة وتلقـي الضـوء علـى أخرى
لطالما استحضرت الأحداث الكبرى أعمالاً أدبية سابقة وتناصت معها أو عبرت من خلالها عن أحداث معاصرة.
هكذا حفل الأدب الفلسطيني بأساطير قديمة عالمية وعربية، بل وبنصوص أدبية معاصرة. إن قارئ مسرحيات غسان كنفاني وبعض رواياته والدراسات التي أنجزت حولها قرأ عن أساطير قديمة؛ عالمية وعربية، اتكأ عليها.
خذ مثلاً مسرحيته «الباب» التي بناها على أسطورة عربية قديمة، ولكنها في الوقت ذاته ذكرتنا بمسرح العبث.
ذكرتنا بأسطورة «سيزيف» و«طائر العنقاء»، وخذ أيضاً روايته «عائد إلى حيفا» التي استحضر دارسوها، وهم يدرسونها، مسرحية (برتولد بريخت) «دائرة الطباشير القوقازية» وقصة سيدنا سليمان التي بنيت عليها.
تماماً كما أن قارئ محمود درويش في أعماله المبكرة، مثل «عاشق من فلسطين»، يستحضر الأساطير الإغريقية ونشيد بنات طروادة فيه، بل وانتظار الفارس الغائب، ليعبر عن انتظار المرأة الفلسطينية زوجها أو أهلها في المنفى، وهذا غيض من فيض.
في الدراسات النقدية الحديثة شاعت مقولة (هانز روبرت ياوس) القائلة إن النصوص القديمة يمكن أن تقرأ، في ضوء المنعطفات التاريخية الكبرى، قراءة جديدة.
وقياسا عليها يمكن أن نقول إن الأحداث الكبرى/ المنعطفات التاريخية، تستحضر نصوصاً سابقة كتبت في ظروف مشابهة لما يجري في زمن لاحق، وكنت في أحد مقالاتي «تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤» أتيت على نصوص محمود درويش التي استحضرت في حروب غزة المتجددة منذ ٢٠٠٨ /٢٠٠٩ - أي بعد وفاته، لتبدو كما لو أنها كتبت في الأحداث الجديدة التي حدثت بعد وفاته.
ولكي لا أكرر الكتابة فإنني سوف أتوقف أمام كتاب «أثر الفراشة: يوميات» (٢٠٠٨) الذي لم تستحضر كثير من نصوصه كما استحضرت مثلاً قصيدته «مديح الظل العالي» (١٩٨٢) التي كتبت في حرب بيروت في حينه، أو كتابه «ذاكرة للنسيان» (١٩٨٦) الذي كتب عن الحرب نفسها.
لقد ربط كثيرون بين ما حدث في ١٩٨٢ وما حدث في ٧ أكتوبر - أي طوفان الأقصى. وهكذا استحضر الشبيه الشبيه.
وأنا أفكر في استحضار قصائد درويش أكثر من قصائد غيره ذهبت إلى أنه كتبها في أحداث كبرى مر بها الفلسطينيون وأخذت تتكرر، وغلبت عليها النزعة الغنائية، ما سهل حفظها، والغناء، كما قال الشاعر العربي القديم، مضمار للشعر:
«تغن بالشعر إما كنت قائله
إن الغناء لهذا الشعر مضمار».
وأنا استحضر نصوصاً قرأتها تساءلت: وماذا عن أشعار الشاعر الأخرى؟ ماذا عن دواوين كتبها في موضوع غير الموضوع الوطني مثل «سرير الغريبة»؟
لقد وجدت نفسي أقرأ يوميات «أثر الفراشة» لأرى إن كان بعضها يمكن تضمينه وأنا أكتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة.
قبل ٧ أكتوبر استحضرت من «أثر الفراشة» بعض قصائد دون غيرها مثل «البنت/ الصرخة» و»أنت، منذ الآن، غيرك» و»أنت، منذ الآن، أنت» و»اغتيال» و»إدمان الوحيد» في أم كلثوم و»إن أردنا» و»أثر الفراشة»، وعندما كتبت عن اليوميات كتبت عن «اغتيال» لأنها تأتي على علاقة الشاعر بالنقاد، وهذا موضوع يهمني شخصياً، واقتبست من القصائد الأخرى المذكورة، ومررت على بقية القصائد مرور الكرام، وحين سألني صديق عن قصيدة «ليل العراق الطويل: إلى سعدي يوسف» تغلبت في العثور عليها، لأن الناشر لم يدرج عنوانها في الفهرست.
قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، حيث خضعت الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية وخضع قطاع غزة لحكم حركة حماس، غالباً ما استحضرنا «أنت، منذ الآن، غيرك» لأنها كتبت في أحداث ٢٠٠٧ التي أسفرت عن الانفصال الذي استمر وما زال، وكلما فشل المتحاورون في إعادة اللحمة وتلاسنوا استحضرنا القصيدة، وكلما حوصر قطاع غزة واشتد الحصار استحضرنا «فكر بغيرك»، وكلما أمعن المتشددون منا في العيش بالماضي استحضرنا «إن أردنا»، وكلما زرت حيفا استحضرت «أنت، منذ الآن، أنت» وكلما استبد بي الطرب وسمعت أم كلثوم استحضرت «إدمان الوحيد».
في الحرب سأجبر نفسي على قراءة الكتاب والتوقف أمام قصائده لأدرج منها ما يتطابق وما يجري، وفوجئت بقصائد تقول حقاً ما يجري، وعندما أدرجتها تفاعل معها القراء تفاعلاً لافتاً ومدحوا اختيارها.
من هذه القصائد/ اليوميات «البيت قتيلاً» و»نيرون» و»العدو» و»ذباب أخضر» و»البعوضة» و»عدو مشترك» و»اللامبالي».
لاءمت «البيت قتيلاً» ما يجري في غزة كما لم تلائمه قصيدة أخرى، فالعدو لم يقتل البشر وحسب.
لقد دمر البيوت وسواها بالأرض فضاعت البيوت وقتلت فيها الذكريات، وعاش أهل غزة في الخيام فلسعهم البعوض وحط على جلدهم الذباب، فحضرت يوميتا «البعوضة» و»ذباب أخضر» كأن الشاعر كتبهما فيما يجري. وماذا عن (نيرون)؟
أليس تدمير غزة وتسوية بناياتها بالأرض صورة أخرى لما فعله المذكور في روما؟
هل يختلف (بنيامين نتنياهو) و(هيرتسي هليفي) و (يواف غالانت) عنه؟ لقد فعلوا ما فعلوا وهم ينظرون إلى نسف المباني وتفجيرها على سكانها.
عندما كنت أتابع ما ينشره بعض الكتاب الفلسطينيين المقيمين في المنفى تذكرت قصيدة «اللامبالي» وهنا أخص بالذكر الشاعر خالد درويش.
لقد نشر قصيدة «سيان» فأعدت إدراجها في صفحتي وإدراج قصيدة درويش المذكورة معها، متسائلاً: هل بلغ الأمر لدى بعض أدبائنا الوصول إلى هذه المرحلة؟.
***
75- هوامش من وحي ما يجري في غزة: أطــفــالــنــا الآتــون
في تتبع ما جرى في غزة، تتوقف أمام الطفولة الفلسطينية المنتهكة، وهي طفولة مستباحة منذ العام ١٩٤٨، إن لم يكن من قبل، فعوض النابلسي الذي كتب ليلة إعدامه على جدران زنزانته قصيدته الشهيرة «يا ليل خلي الأسير تايكمل نواحه» خاف على وطنه وزوجته وأطفاله «كمشة زغاليل في البيت جوعانة»، ولا نعرف كيف تربى أبناؤه، وماذا فعلت بهم الأيام، وان كنا عرفنا حالات شبيهة، مثل حالة الشاعر خالد أبو خالد والشهيد أبو حسن سلامة. استشهد والد الأول، وكان يقاتل مع عز الدين القسام، وخالد طفل لم يتجاوز العامين، فقعدت عليه أمه وربته، حتى إذا ما كبر التحق بالثورة، وارتقى والد الثاني، وهو يقاوم في عام النكبة، فلما كبر ابنه المولود في ١٩٤٠ التحق بالمقاومة واستشهد في ٢٢/ ١/ ١٩٧٩.
في الحرب الأخيرة «طوفان الأقصى»، ارتقى آلاف الأطفال فبكاهم أهلهم، وفقد آلاف آخرون أهاليهم، فتكفل بهم إخوتهم الأكبر منهم سنا - وأحيانا كانوا أيضا أطفالا - أو أعمامهم أو أخوالهم، وأحيانا تكفل بهم معارفهم أو من كانوا قريبين من موقع القتل، ومن أغرب أشرطة الفيديو التي شاهدتها شريط عثور رجل، في مركز إيواء قصف، على طفل رضيع أخذه معه ورباه مدة عام، وحين عقدت هدنة بحث عن أهله من خلال إيراد معلومات عن العثور عليه: المكان واليوم، فعرف والد الطفل وذهب ليستلمه.
وموضوع الأطفال الذين ارتقى أهاليهم والعناية بهم موضوع حضر حضورا لافتا في الأدبيات الفلسطينية وحضر أيضا في الأغنية الشعبية الفلسطينية، وكل من أصغى إلى مغني الثورة «أبو عرب» ردد معه، وهو يغني، أغنية «يا يمة في دقة ع بابنا»:
- يا يمة ما بنربى يتامى
يا يمة سلامة شبابنا.
معولا على الشباب الفلسطينيين في تربية أبناء الشهداء كأنهم أبناؤهم أو إخوتهم الكبار، فالأخ الكبير هو الأب الثاني في العائلة الفلسطينية، وهذا لافت أيضا في الأدبيات الفلسطينية وكتب عنه مريد البرغوثي في كتابه «رأيت رام الله».
في الهجوم الإسرائيلي الأخير، في الأسبوع الماضي، ارتقى ما لا يقل عن ١٥٦ طفلا، وفيه أيضا ارتقى آباء وأمهات مخلفين وراءهم أطفالا يحتاجون إلى من يرعاهم ويعتني بهم.
ولست متأكدا من عدد الأطفال الذين فقدوا أهاليهم، وان قرأت أنهم قاربوا الـ ١٨ ألفا. التفكير بمن سيربي هؤلاء ويعتني بهم أعادني إلى بعض الأدبيات الفلسطينية التي قاربت الموضوع، وأبرزها رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» ١٩٦٩ والروايات التي بنيت عليها وروايات أخرى عانى فيها الأطفال الفلسطينيون مثل رواية رضوى عاشور «الطنطورية» ٢٠١٠ ورواية سعاد العامري «بدلة إنجليزية وبقرة يهودية» ٢٠٢٣.
في رواية كنفاني، تترك الأم في أثناء الفوضى التي دبت في حيفا، طفلها الرضيع على أمل أن تعثر على زوجها ويعودا إليه وإلى المنزل ولا يعودان إلا بعد تسعة عشر عاما، تكفلت بالطفل خلالها ورعته أسرة يهودية قادمة من بولندا وربته على أنه ابنها، فنشأ صهيونيا يقاتل في الجيش الإسرائيلي، وحين عرف القصة والتقى بوالديه البيولوجيين لامهما لتركهما طفلا رضيعا في الفراش لم يعملا على استعادته، ورفض العودة معهما مختارا الوالدين اللذين ربياه.
وصارت هذه الفكرة/ الثيمة تتكرر في الأدب الفلسطيني والإسرائيلي أيضا، فقد بنى عليها الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل روايته «سامي ميخائيل يلبي نداءنا». الأيام الفلسطينية ٢٥/ ٤/ ٢٠٠٥، وواصلها إياد شماسنة في روايته «الرقص الوثني»، ولم تبتعد عنها سوزان أبو الهوى في روايتها «بينما ينام العالم» وفيها تكتب عن جندي يهودي عقيم يختطف، في حرب العام ١٩٤٨، طفلا فلسطينيا من يد أمه ليربيه.
في رواية رضوى عاشور يدمر في الحرب الأهلية في لبنان منزل فلسطيني على رؤوس ساكنيه فيرتقون جميعا إلا الطفلة مريم، وحين يفحصها الدكتور الفلسطيني أمين يقرر تبنيها، وما لبثت زوجته رقية التي ترددت ابتداء حتى وافقت، وصارت لهما الطفلة ابنة إلى جانب أبنائهم البيولوجيين. اهتموا بها وعلموها ولما درست الطب في مصر ذهبت رقية لتقيم معها وتحرص عليها. العائلة الفلسطينية هنا هي التي ربت الطفلة الفلسطينية الناجية من مجزرة.
في رواية سعاد العامري، يختلف الأمر قليلا ويبدو معقدا، فالطفلة شمس وأختاها نوال ونظيرة ضاعت، في الحرب، أمهن عائشة وأخوهن وسجن أبوهن لسرقة بقرة يهودية وأبعد لاحقا إلى الأردن، فتبناهن المصري المسلم الشيوعي عبد المتزوج من اليهودية الشيوعية رفقة، وهو ما ترفضه الأوقاف الإسلامية، فلا يجوز أن يربي زوجان علمانيان أطفالا مسلمين، بخاصة أن الزوجة يهودية، وفي الشريعة اليهودية ينسب الطفل إلى أمه. تنتزع الأوقاف الإسلامية الطفلات وتضعهن لدى مريم المسلمة التي تجمع الخردة ولا تهتم ببيتها وبهن، فيشعرن كأنهن «سقطن من الجنة اليهودية إلى جهنم المسلمة»، ولسوء حياتهن يهربهن عبد ورفقة من اللد إلى يافا ويربيانهن حتى يلتقين بأبيهن بعد سنوات طويلة من بحثه عنهن.
هل سنقرأ لاحقا ١٨ ألف قصة على غرار القصص السابقة أم سنقرأ بضع روايات تمثل حالتهم؟
***
[76- هوامش من وحي ما يجري في غزة: العيد في غزة وبعض مخيمات الضفة الغربية
منذ فجر الثامن عشر من آذار الذي افتتح بمجزرة في قطاع غزة، وتحديداً في خان يونس وشمال القطاع، حيث استؤنفت الحرب، وأنا غير قادر على فعل شيء سوى متابعة الأخبار.
لا رغبة في القراءة ولا رغبة في تهيئة أجواء عيد ولا رغبة في.. ولا رغبة في.. وحتى القصة القصيرة التي تذكرتها «العيد من النافذة الغربية»، لإعادة قراءتها، قرأتها على دفعات، علماً أنها لا تزيد على ست صفحات.
ما إن أبدأ القراءة حتى أشعر بالملل وتدفعني حرب الإبادة إلى معرفة آخر مستجداتها، وأحمد الله أن جهاز الهاتف هذا، والنت أيضاً، لم يكونا مخترعين يوم أنجزت رسالتي الماجستير والدكتوراه وبعض كتبي اللاحقة حتى العام ٢٠١٠، ومرة استعرت قول المتنبي «على قلق كأن الريح تحتي» لأكتب تحت العنوان.
القصة الوارد ذكرها هي لسميرة عزام الفلسطينية التي توفيت في آب ١٩٦٧ وقد حملت عنوان المجموعة أيضاً، وتعالج فيها قصة امرأة لم يمر على زواجها أكثر من عامين، ثم قضى زوجها على السرير نفسه الذي تزوجا عليه، وقد أثمر زواجهما طفلاً.
ارتدت الزوجة الملابس سوداء اللون وأغلقت، في فصلي الخريف والشتاء، على نفسها، نافذتها الغربية التي تطل على الحديقة، كأنما أرادت أن تجعل العام كله خريفاً لا ربيع فيه.
كانت المرأة ترى في وجه طفلها صورة أبيه، وأحياناً ترى في قدومه فأل شؤم، بخاصة كلما نظرت في وجوه النسوة اللاتي يشاركنها أحزانها، كأنهن كن يوحين لها بما خطر ببالها، فتكاد تكرهه قاتلة الأمومة فيها، إلا أنها سرعان ما تلوم نفسها.
ذات نهار ربيعي تفتح النافذة فترى شجرة التين أينعت واخضرت أوراقها، وترى أشجار اللوز أزهرت وفاح عطرها، فتنبعث فيها الحياة، وهكذا ترى طفلها بذرة تجددت «نحن حياة لا تموت إلا جزئياً لأن في قلبها بذرة التجدد».
تتساءل الساردة/ الكاتبة في نهاية القصة:
«هل كان يجب أن تنتظر العيد لتحس بهذه الحقيقة.. أم أن فكرة العيد هي التي أشعرتها بشكل عجيب كيف تتململ الحياة في أحشاء العدم، كيف يتضاءل الموت وينكمش حتى ليستطيع صغير كصغيرها أن يصرخ فيه: أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا هاوية؟»
وتنهي القصة:
«لأول مرة لا تشرب أفراح العيد ولكنها تشعر بالمعنى الذي يجسده يتدفق عليها من نافذة غربية، ومن نظرة الصغير الذي يلتصق بعنقها، ومن أصوات الصغار المعيدين في الطريق».
هل ستشعر زوجة الصحافي أيمن الجدي الذي ارتقى مع أربعة من زملائه، وهم ينتظرون أمام المشفى ليحتفلوا بابنه الوليد الأول، هل ستشعر بما شعرت به، لوهلة، شخصية قصة سميرة عزام؟
في انتفاضة الأقصى اصطحب زوج ميسون الحايك وأبوه ميسون للمشفى في نابلس لتضع مولودها، فقتله الجنود الإسرائيليون على الحاجز وأصيب أبوه ووضعت ميسون طفلتها.
لا أعرف المشاعر التي انتابت الأم وابنتها خلال الاثنتين وعشرين سنة الأخيرة. الكتابة عن المشاعر يجب أن تصدر عنهما.
ما من متابع لأحداث الحرب في غزة لم يصغ إلى الطفل طليق اللسان ابن الخامسة والنصف فيصل الخالدي.
في ٩ آذار ٢٠٢٤ روى فيصل كيف قتل المحتلون، بلا رحمة، أمامه وأمام إخوته، أمه الحامل وأباه، وشريط الفيديو ما زال متداولاً.
كيف قضى فيصل وإخوته العيدين المنصرمين وكيف سيقضون عيد الفطر هذا؟ لعل الناشطين في غزة يتحرون الموضوع!
من الصفحات التي أتابعها صفحة Muhammad Al attar (محمد العطار) وفيها قرأت عن ارتقاء أخيه الممرض مصطفى.
لقد ترك مصطفى وراءه ثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم السادسة من العمر.
أي طفولة سيعيش هؤلاء وكيف يمكن أن يحتفلوا بعيد ما دون أبيهم؟ ومثل هؤلاء مئات وآلاف.
في أيلول من العام ١٩٨٢ ارتكبت قوات الكتائب اللبنانية تحت حماية قوات الجيش الإسرائيلي مجزرة صبرا وشاتيلا، وكانت مناسبة العيد اقتربت، وأذكر أننا يومها ترددنا بالاحتفال بالعيد وتقديم الحلويات وصناعة كعك العيد.
وعلى الرغم من أن سيدات غزاويات في العيدين الماضيين أصررن على صناعة المعمول، فالحياة لا بد تمشي «ونرقص بين شهيدين» على قول محمود درويش، إلا أن صفحات التواصل الاجتماعي لم تخلُ من كتابات تهاجم من يصنعون الكعك احتفالاً بالعيد.
في صفحتها كتبت الدكتورة هيا فريج عما تعلمته من أمها قبل ٧ أكتوبر.
كانت أمها - إن كان لأحد الجيران فقد ما، عزاء ما - ترفض صناعة كعك العيد، حتى لا تصل رائحته إلى بيت الجيران مشاركة لهم بكربهم. ومع ذلك، فقد أدرجت بعض المواقع صوراً لنسوة غزاويات يصنعن كعك العيد لتوزيعه صدقة على الفقراء.
خلال ٧٢ ساعة في غزة في الأسبوع الماضي ارتقى أكثر من ٢١٠ أطفال، وأغلب الظن أن قدوم العيد في نهاية شهر آذار كان في صميم تفكير أهلهم، على الرغم من أوضاع الحرب التي بدت حرب إبادة. الآن لن يفكر من نجا من الأهالي بالعيد إطلاقاً.
لا ملابس ولا مأوى ولا آباء ولا أمهات ولا عيديات ولا طعام ولا زيارات ولا ولا ولا ولا....
- إن كانت فدوى طوفان أنهت قصيدتها «مع لاجئة في العيد» بقولها:
« أختاه، هذا العيد عيد المترفين الهانئين
عيد الألى بقصورهم وبروجهم متنعمين!»
فلنا أن نكرر أبياتها فيما يتعلق بمن هم خارج فلسطين، وأما في قطاع غزة كله فلا أخمن أن هناك الآن مترفين. هناك بائسون فقط.
***
77- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «لقد أعييت لو ناديت حياً»
في وصف علاقة العالم كله بغزة يكتب الشاعر يوسف القدرة المقيم هناك، يكتب في ٤/ ٤/ ٢٠٢٥ القصيدة الآتية:
«أعادوا تشكيل الحواس:
العين ترى ولا تعترض،
اليد تلمس ولا ترتجف،
والقلب...
أقفل كصدفة ميتة على شاطئ مهمل.
الإبادة الآن طبق يومي،
معلبة، جاهزة،
تقدم بملعقة إعلامية
وبقليل من كلمات «الأسف العميق».
صار الدم «خلفية» للمشهد،
وصوت الطائرات «نغمة» في لحن البقاء،
ونحن...؟
نحن نحاول...
أهذا ما أرادوه؟
أن يفسدوا البداهة؟
أن تصبح الحياة مجرد احتمال إحصائي؟»
وليس هناك خلاف في تأويل بعض الأسطر في القصيدة السابقة، وإن سيختلف قراء عديدون في تحديد هوية الضمائر في الأفعال «أعادوا» و»أهذا ما أرادوه» و»أن يفسدوا البداهة»، فمن هم هؤلاء الذين أعادوا تشكيل الحواس؟ ومن هم هؤلاء الذين أرادوا الإبادة لتصبح طبقاً يومياً؟ ومن هم هؤلاء الذين أفسدوا البداهة: أن ترى العين ولا تعترض وأن تلمس اليد ولا ترتجف فأقفل القلب كصدفة ميتة على شاطئ مهمل؟.
حقاً لقد صارت الإبادة طبقاً يومياً وصارت معلبة جاهزة يقدمها الإعلام بقليل من كلمات «الأسف العميق»، وحقاً صار الدم «خلفية» للمشهد، وصار صوت الطائرات «نغمة» في لحن البقاء، وهو - أي البقاء - ما يحاوله أهل غزة. لقد فسدت البداهة وأصبحت الحياة مجرد احتمال إحصائي.
وليس ما كتبته مريم قوش، وهي تعيش في غزة، ليل ٤/ ٤/ ٢٠٢٥ بمختلف أيضاً. اقرؤوا:
«معقول الناس برا غزة عايشين؟ بيشربوا قهوة الصبح؟ وبيسمعوا فيروز؟ وبيروحوا يتمشوا أو بيروحوا ع الجيم؟ وبيحضروا مسلسلات؟ وبيحكوا لأولادهم قصص؟ ويطلعوا يتنزهوا؟ ويطلعوا ويسافروا؟ معقول برا غزة في حياة طبيعية مكتملة؟ معقول احنا انخلقنا بس للموت والحروب؟ معقول احنا ولا على بال حدا؟ يا الله قديه هاد الشعور بيقهر؟!».
تحيل قصيدة يوسف القدرة إلى الأدبيات الفلسطينية التي كتبها شعراء فلسطينيون فيما مر به الفلسطينيون منذ دير ياسين في العام ١٩٤٨، حتى يومنا هذا، في فلسطين وفي العالم العربي، حتى أن الشعر الفلسطيني والنثر الفلسطيني صارا مدونة قبل أن تكثر كتابة اليوميات منذ شيوع وسائل التواصل الاجتماعي؛ اليوميات التي هي أكثر تفصيلاً ومتابعة، عدا أن قسماً منها يحفل باقتباسات وتضمينات شعرية ونثرية كأنها احتوت الشعر والنثر فيها.
منذ ثورة ١٩٣٦ ونحن نقرأ عمن يرى ولا يعترض ويلمس ولا يرتجف. منذ كتب أبو سلمى قصيدته:
«انشر على لهب القصيد»
بل وقبل قصيدته كتب الثائر النابلسي عوض قصيدته على جدران زنزانته:
«يا ليل خلي الأسير تايكمل نواحه».
وسيكتب توفيق زياد «عمان في أيلول» ومعين بسيسو «الآن خذي جسدي كيساً من رمل» ومحمود درويش «أحمد الزعتر» و»مديح الظل العالي» ومريد البرغوثي «طال الشتات» وسيكتب كثيرون أيضاً، وهكذا تغدو القصائد الفلسطينية في الموضوع الوطني قصيدة واحدة تتكرر فيها الثنائيات نفسها وإن اختلف الشكل وطريقة البناء، وهذا ولا شك يشعر المرء بالملل من قراءة الأدب الفلسطيني ويجعله يكرر سطر محمود درويش الذي تأثر فيه بالأدب العبري «صرنا أقل ذكاء».
حقاً من هم الذين أرادوا ومن هم الذين أعادوا ومن هم الذين أفسدوا لتصبح الحياة مجرد احتمال إحصائي.
في الأسبوعين الأخيرين توحش الإسرائيليون أكثر وأكثر، وفي الأسبوعين الأخيرين خرجت في غزة مظاهرات تطالب بوقف الحرب وخروج حماس من قطاع غزة، فالناس تنشد الهدوء والاستقرار وعدم فقدان الأحبة ولقد ملت من النزوح الذي صار عادة، وقسم منهم هاجر أربع عشرة مرة.
في الأسبوعين الأخيرين شاهد من يتابع الأخبار مشاهد مرعبة مخيفة. جثث بلا رؤوس وجثث بلا أيدٍ وجثث بلا أرجل وجثث مجهولة الهوية صار يعرف بها من لون الملابس أو نوع الحذاء الذي في القدم.
وفي الأسبوعين الأخيرين قتل رجال الإسعاف ومثل بجثثهم ودفنوا معاً، وفي الأسبوعين الأخيرين تخلى بعض رجال الإسعاف عن إنقاذ الجريح في الأنقاض وغطوه بلوح زينكو قائلين له:
- سنعود إليك، فثمة إنذار بإخلاء المكان خلال ثلاث دقائق.
هل كان ما سبق خيالاً؟ أفلاماً هوليوودية؟ سينما خيال علمي؟
في الأسبوعين الأخيرين تظاهر مئات من المصريين وقوفاً مع غزة ومر ذلك مرور الكرام، ويوم الخميس المنصرم ٣/ ٤/ ٢٠٢٥ تظاهر آلاف المصريين محتفلين بفوز برشلونة على اتلتيكو مدريد في مباراة كأس ملك إسبانيا، وعندما نشرت قناة الجزيرة صورة للاحتفال نال المقطع، خلال يوم واحد، ٦١ ألف إعجاب وحظي بـ ٤٦ ألف تعليق وستة آلاف مشاركة. (ارتفعت بعد أربع ساعات إلى ٧٢ ألفاً و٥٥ ألفاً و ٨ آلاف على التوالي).
هل نتذكر ما حدث في صيف ١٩٨٢ أيضاً وهو ما كتب عنه محمود درويش في كتابه «ذاكرة للنسيان»؟
«ولأني أحب كرة القدم، لم أغضب كما غضب غيري من المفارقة. لا مظاهرة واحدة يثيرها حصار بيروت، بينما تثير كرة القدم هذه المظاهرات أثناء حصار بيروت. لم لا؟ إن كرة القدم هي ساحة التعبير التي يوفرها تواطؤ الحاكم والمحكوم في زنزانة الديموقراطية العربية المهددة بخنق سجنائها وسجانيها معاً».
ليست الأمور سهلة إنها معقدة أكثر مما نتصور و... و... و حالة تعبانة يا ليلى!
***
78- هوامش من وحي ما يجري في غزة من يشتري مني العرب؟
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ برزت في الأدب العربي نزعة مازوخية. تلذذ الشعراء، باستثناء شعراء الأرض المحتلة، بشتم الذات القومية والتقليل من شأنها والمبالغة في احتقارها. كتب نزار قباني «هوامش على دفتر النكسة» ومظفر النواب «وتريات ليلية» وعبد الرحمن منيف روايته «حين تركنا الجسر».
لازمت النزعة المازوخية قباني في كثير مما كتبه وبلغت ذروتها قبل وفاته بسنوات قليلة حين كتب قصيدته «متى يعلنون وفاة العرب؟»، وتراجعت لدى النواب حيث لم يعد يلجأ إلى التعميم «ما أوسخنا لا استثني أحدا»، وصار يميز بين المقاوم والحاكم ولم يتبرأ أبدا من عروبته، إذ ظل منتميا إليها، معتزا بها، وهو ما بدا في قصيدته «المسلخ الدولي: باب بوابة الأبجدية»: «ولم يعد بنخلة أهله الدنيا فنخلة أهله الأزل».
وواصل منيف كتابته عن الديمقراطية والحريات وعالم السجون، ذاهبا إلى أن العرب لن ينهضوا إلا إذا شاعت الديمقراطية وانتشرت الحريات وتخلصوا من عار السجن السياسي.
اللافت هو أن أكثر شعراء المقاومة اختلفت نغمة كتابتهم، وأخص هنا درويش والقاسم ويمكن أن أضيف إليهما مريد البرغوثي، فنزعة التفاؤل التي طغت على أشعار الأولين بعد ١٩٦٧ تراجعت وحل محلها التشاؤم والشعور بالخذلان وتخلي العالم العربي عن الفلسطينيين. بدت هذه في مطولة درويش «مديح الظل العالي» التي صرخ فيها: «كم كنت وحدك!» و»عرب وباعوا روحهم عرب وضاعوا» و»لغة تفتش عن بنيها تموت ككل من فيها وترمى في المعاجم».
ولخص عنوان سربية القاسم موقفه «خذلتني الصحارى»، فيما كتب مريد في مطولته «طال الشتات» عن تخلي العرب في حرب ١٩٨٢ عن الفلسطينيين وخذلانهم «أهذا صوتك المخذول نادى أم أنك قد يئست من المنادى؟!».
في حروب غزة المتلاحقة منذ ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩ علا صوت الغزيين باستمرار، معبرين عن عدم مناصرة العرب لهم، فما من حرب لم تتكرر فيها مقاطع من «مديح الظل العالي».
على أن شعور الغزيين بالخذلان وتخلي العرب والفلسطينيين غير المقيمين في غزة عنهم، لم يشبهه أي شعور سابق، وإذا أردت التأكد من هذا فما عليك إلا أن تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو أن تشاهد أشرطة الفيديو التي تبث من هناك.
تعبير الغزيين عن معاناتهم وشعورهم بأنهم وحيدون في هذا العالم دفع قسما منهم إلى المطالبة باستقلال غزة وتعريف هويتهم بأنهم غزاويون، لا مسلمون ولا عرب ولا فلسطينيون. ولم تخل كتابتهم من الانتقاص من الآخرين ونعتهم بأنهم موتى بلا قلوب، وهذا استفز بعض العرب، بل وبعض الفلسطينيين، فأخذوا في تعليقاتهم يسألون أصحابها عما فعلوه إبان حصار العراق، وإبان ما تعرض له الشعب السوري منذ العام ٢٠١١. لقد حوصر العراقيون وجاعوا، وحوصر السوريون وتشردوا، فلجؤوا وأقاموا في المخيمات في الدول المجاورة كالأردن واحتقروا في لبنان، فيما واصل الغزيون حياتهم وشربوا قهوتهم الصباحية ولم ينتحروا ولم يتظاهروا.
كل ما سبق لا يعني أن هناك عربا كثرا لم يشعروا مع أهل غزة ولم يتعاطفوا معهم ولم يرفعوا أصواتهم هاجين ناقمين ساخطين شاتمين، ولعل أبرز قصيدتين تكرر نشرهما وقراءتهما، بل وحفظهما، هما قصيدة الشاعر اليمني فتحي مسعود «سنبيعكم! لكن لمن؟!» وقصيدة الشاعر فايز أبو جيش «من يشتري مني العرب؟» (آخر إدراج لها في ٧/ ٤/ ٢٠٢٥ في موقع الإمام حقق خلال ١٨ ساعة ٤٩٠٠ إعجاب و٧٠٠ تعليق و٢١٠٠ مشاركة وسيرتفع العدد خلال ٤٨ ساعة إلى ٢٧٢، ٤٤ إعجاب و٥٦٠٠ تعليق و١٦٢٠٠ مشاركة، وهذا له دلالته).
كلتا القصيدتين كتبت قبل الحرب الأخيرة بسنوات قليلة. كتبت الأولى في العام ٢٠١١ ونشرت في العام ٢٠١٩، وكما قرأت فقد كتبت الثانية بوحي من الأولى.
يقول مسعود:
«سنبيعكم لكن لمن؟! من يشتري منا العفن؟!/ من يشتري منا النجاسة والقذارة والفتن؟!/ من يشتري منا صراصير النذالة والوهن؟!/ من يشتري منا الكوارث والمصائب والحزن؟!/ من يشتري منا اللصوص المستغلين الخون؟!/ من يشتري العملاء والجبناء والأوساخ من؟!».
وحين نتمعن في القصيدة كاملة نعرف أنها كتبت في زعماء بلاده، ولكنها حين نشرت صارت تقرأ على أنها في العرب قاطبة.
أما أبو جيش المولود في دير علا في الأردن، فيكتب:
«من يشتري الأعراب مني، والعروبة والعرب؟/ من يشتريهم كلهم جمعا، بحمل من حطب؟/ من يشتري أشرافهم بحذاء طفل من حلب؟/ من يشتري أذقانهم؟ وله إذا ما شاء الشنب؟/ ما قد سمعنا عاقلا يبتاع من تيس ذنب؟»
وأعتقد أن ما قرأناه في القصيدتين يستحق المساءلة والمناقشة لا التسليم به على أنه قول فصل، وأننا في المقابل يجب أن ننظر إلى الجهات الأخرى التي قد يتمنى الشاعران أن يكون المهجوون مثلها حتى لا يعرضوا للبيع.
هل أميركا وإسرائيل والغرب، فيما ارتكبوه في ماضيهم ويرتكبونه في حاضرهم، لا يستحقون ما يستحقه العرب أيضا؟
في ستينيات القرن العشرين كتب درويش «سجل أنا عربي» وفيها صرخ: «نعم عرب ولا نخجل»، وبعد سنوات صرخ مظفر: «إن كنتم عربا بشرا حيوانات»، وبعده بثلاثة عقود تساءل قباني «متى يعلنون وفاة العرب؟» وقبل عقد من الآن عرضنا أبو جيش للبيع، و... ولست أدري ما الصحيح!
حالة تعبانة!
***
79- هوامش من وحي ما يجري في غزة
جنون ما يجري - سيرة يوم: الزمان غزة، المكان ١٣ نيسان ٢٠٢٥
صباح الأحد الماضي ١٣/ ٤/ ٢٠٢٥ تصفحت، منذ ساعات الصباح الأولى أخبار ما يجري في غزة، وقرأت العديد منها. قسم منها تقرؤه وحسب، وقسم ثانٍ، مقترن بأشرطة فيديو، ترى فيه غزاويين وتسمع كلامهم، فيلامس هذا الوجدان ويحرق القلب - إن كان المشاهد ذا قلب، فثمة من لا قلب له، وإن كان له فينطبق عليه قول الشاعر إبراهيم طوقان:
«لا تلتمس يوما رجاء عند من جربته فوجدته لم يشعر»، لأن له قلبا كالقبور بلا شعور، قلوب أقسى من الصخر، فالصخر أحس رجاءنا فتصدع «لا تعجبوا، فمن الصخور نبع يفور».
وعبثا حاولت أن أتخلص من ذهول وصمت ألما بي. أقرأ فلا أركز. لا أفهم ولا استوعب ولا رغبة بي لفعل أي شيء، حتى لتنظيف الشقة التي أقدم على شطفها بنشاط لافت كما لو أن بي شغفا لهذا الفعل.
أجلس أنهض أذهب أعود أغلي الشاي أتشمس على الرغم من الأجواء الباردة ولا أهدأ. أتصفح ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي وأمعن النظر فيما يدرجه النشيطون من أشرطة فيديو أو من أخبار مترجمة عن العبرية أو آراء تعبر عن رؤيتهم لما يجري، وأعيد إدراج بعض ما أدرجوا ممهدا له بعبارة «جنون ما يجري في غزة»، وأتذكر دال الجنون في قصيدة محمود درويش «مديح الظل العالي» وفي كتابه «ذاكرة للنسيان: المكان آب. الزمان بيروت. سيرة يوم». هل ننسى ما عاناه أهل بيروت في ١٢ آب ١٩٨٢؟ إن نسيناه فالأدب يذكرنا به، ولست متأكدا من أن أحدا ممن عاش في بيروت في ذلك اليوم يعيش الآن في غزة ويشهد يوم الثالث عشر من نيسان ٢٠٢٥، ليصف لنا هول ما لقي هنا وهناك ويوازن - إن استطاع، مع فارق أنه قبل ٤٣ عاما كان شابا يحتمل وهو الآن عجوز ستيني أو سبعيني غير قادر على الاحتمال. كم من فلسطيني عاش تجربة حصار بيروت وعاد مع العائدين في ١٩٩٤ ليشهد في العام ٢٠٠٢ اجتياح مدن الضفة الغربية؟! ولا أعرف كم من قارئ قرأ الجزء الثالث من رواية إلياس خوري «أولاد الغيتو: رجل يشبهني» والتفت إلى من عاشوا الحصارين: ١٩٨٢ و٢٠٠٢. إن قسما من شخصيات رواية «باب الشمس» ممن شهدوا حرب بيروت ١٩٨٢ عاد إلى جنين ونابلس ورام الله والخليل ليعيش الحصار والاجتياح.
في الثالث عشر من نيسان ٢٠٢٥ تشاهد شريط فيديو تودع فيه والدة الشهيد نعيم حماد نعيما الذي تم استهدافه قرب مدخل البصة في دير البلح، وتعرف أنها فقدت ١٣ شخصا من عائلتها. بكت الأم التي لم تغادر ابنها سوى لدقيقة ثم عادت تبكيه وتخاطبه «خذني معك يمه.. مين عندي يمه». ثمة بكاء ولا زغاريد.
وفي الثالث عشر من نيسان يفقد أبو إبراهيم مهادي أبناءه الستة في غارة جوية على سيارة وسط قطاع غزة/ غرب سوق دير البلح. كان الأبناء يعدون الطعام لتوزيعه على الأهالي فقتلهم صاروخ، وفي اليوم نفسه، صلى الأب على أبنائه. وقف ثابتا ثباتا أدهشنا، إذ كيف احتمل هذا؟ ثلاثة منهم متزوجون ولهم أبناء، وأصغرهم ذهب مع إخوته ليشتغل حتى يشتري هاتفا جديدا.
وفي الثالث عشر من نيسان، نقرأ القصيدة الآتية للشاعر يوسف القدرة:
«آمل أن يتوقف هذا الجنون/ الجنون ريح تكسر الأبواب، ولا تترك خلفها غير الصدى/ قط حديدي شرس، يقفز من سطح إلى/ آخر، ينهش الهواء، ويلعق الدم/ المدن تتحول إلى غبار وصراخ/ الناس يسلخون من جلودهم، يسحبون/ من أسرتهم كجثث ويرمون في العراء دون ظل، دون جدار، دون رغيف/ معلق عند باب خيمة بالية/ العقلاء يغيبون/ يتوارون خلف شاشات تمضغ الحروف/ وتمتد كظل لا روح فيه/ الخريطة تنبح. القصيدة تخرس/ المربعات تقضم زقاقا زقاقا، نافذة/ نافذة، حلما حلما/ البيوت تنخر/ الأسرة تصلب/ والصوت يصعد من التراب، لا من/ الحنجرة/ الذين يموتون لا يودعون/ الذين ينجون يتحولون إلى أطياف/ تمشي بأقدام لا تعرف لمن تنتمي:/ للحي أم للمقبرة/ آمل أن يتوقف هذا الجنون../ الجنون هو اللغة/ وما تبقى منا: صمت بحجم المجزرة/ ودمعة لا تجد خدا تنزل عليه».
وفي اليوم نفسه، تشاهد في صفحة مؤمن مقداد شريط فيديو لإخراج المرضى من مشفى المعمداني، بعد أن أمهل الإسرائيليون القائمين عليه ٢٠ دقيقة لإخلائه. في الشريط تسمع الصراخ وترى الجرحى على الأسرة يجرون إلى العراء.
وفي اليوم نفسه، تهنئ سفارة الإمارات في تل أبيب المستوطنين بعيد الفصح اليهودي، متمنية لهم عيدا مليئا بالازدهار والسلام).
- وماذا عن خنساوات غزة؟ تساءل قسم من النشطاء وفي ذهنه ربما الشاعرة آلاء القطراوي التي فقدت أبناءها الأربعة معا.
ولا أعرف لماذا لم أقرأ تساؤلات عن أبي ذؤيب الهذلي الذي فقد أولاده الخمسة معا. هل سيكتب لنا أبو إبراهيم مهادي قصيدة على غرار قصيدة «أبو ذؤيب»؟ وما جدوى القصيدة؟!
حالة تعبانة؟!
***
80- هوامش من وحي ما يجري في غزة: عرس فلسطيني، عرسان غزازوة
في صفحته يكتب إيهاب الحلو يوم الجمعة ١٨/ ٤/ ٢٠٢٥ الآتي:
«قبل قليل قصف صالون حلاقة وسط مدينة خان يونس، فسقط ستة شهداء بينهم ثلاثة إخوة..
لكن الخبر لم ينته هنا.
من بين الشهداء الستة كان هناك عريس. شاب يستعد لزفافه غدا. يتهيأ بشكله وقصة شعره لليلة العمر، ليلة الفرح التي حلم بها طويلا. لكنه الآن زف لا إلى عروسه، بل إلى الجنة.
انتهى الزفاف
وانتهى الخبر..
لكن الحرب لم تنته.
أوقفوا الحرب».
وأدرج إيهاب نفسه بعد كتابة منشوره شريط فيديو لأم العريس تنعى أولادها الثلاثة وتخاطب ربها بأن يرضى، فقد أرسلت له أبناءها الثلاثة وهم فادي عثمان شبير، وهو العريس، وأخواه حذيفة وسعيد. زغردت الأم وهاهت ولكنها لم تنجح في إخفاء دمعتها وما تحمله فيها من ألم وحسرة. كما لو أنها كانت تزغرد زغرودة حزينة مبكية! هل سمعتم من قبل عن زغاريد بكاء؟ كنا نقرن الزغرودة بالفرح ومناسباته، ولكن زغرودة المرأة عبرت عن لوعة وحسرة وفقدان غير متوقع. هل كانت أقسمت أن تزغرد في عرس كل منهم؟ وجاء يوم العرس في يوم الفقدان.
وفي ساعة متأخرة من يوم الأحد ٢٠/ ٤/ ٢٠٢٥ يكتب الناشط حسن القطراوي الآتي:
«يقتلون كل شيء حتى الأحلام. قبل زفافها بساعات سرقت الحرب عريسها، فتحول الفرح إلى مأتم، والحلم إلى كابوس» فتعقب بثينة رشدي اشتيوي. متابعة «ابنة أختي خطبت وثاني يوم العريس استشهد وهذا العريس الثاني يستشهد خلال الإبادة. الأول نهاية أكتوبر، والثاني قبل شهر. الله يفرجها عليكم يا أهل غزة».
وقصة المصورة الصحافية فاطمة حسونة شاعت كما لم تشع قصة أخرى. خطبت منذ ثلاثة أشهر وكانت تستعد لزفافها فماتت ميتة رجت الله أن تكون تليق بها. بعد يوم من اختيار فيلمها الوثائقي: « Put Your Soul On Your Hand And Walk « لقيت فاطمة، مع تسعة من أفراد أسرتها بينهم شقيقتها الحامل، حتفها في غارة جوية استهدفت منزلها في غزة.
وكلما قرأنا أخباراً مثل هذه وجدنا أنفسنا نكرر أسطر محمود درويش التي افتتح بها قصيدته «طوبى لشيء لم يصل» التي كتبها في رثاء شهداء عملية فردان في بيروت ١٩٧٣؛ كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار:
«هذا هو العرس الذي لا ينتهي/ في ساحة لا تنتهي/ في ليلة لا تنتهي/ هذا هو العرس الفلسطيني/ لا يصل الحبيب إلى الحبيب/ إلا شهيدا أو شريدا».
المقطع السابق كنت ضمنته مقالي «تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: عرس فلسطيني الذي شرعت في كتابته في ١٣/ ٦/ ٢٠٢٤ ونشرته في هذه الزاوية في ٢٨/ ٧/ ٢٠٢٤، وفي المقال توقفت أمام رواية الكاتب السوري أديب نحو «عرس فلسطيني» وقصتي «العريس» ١٩٧٩، وأتيت على ظاهرة أعراس أهل غزة إبان الحرب التي تُجودِل حولها كثيراً. كما لو أن الحكاية نفسها تتكرر باستمرار، فالأحداث التي دفعتني في حينه للكتابة عنها نقرأ، في هذه الأيام، عن أحداث وحكايات وقصص مشابهة لها.
في مقالي الأول أوردت ما كتبه يوسف فارس المراسل التلفزيوني المقيم في قطاع غزة. كتب يوسف عن فرح روان شقيقة زميله عبد القادر صالح التي استُشهد يوم فرحها زوج أختها إيمان التي كانت تهيئها للعرس، فأخفوا الخبر عن الزوجة ليتم العرس.
ما كتبه إيهاب الحلو لا يختلف إلا في التفاصيل عما كتبه يوسف فارس. مجرد تغيير في الأسماء وتعديل في بعض الأحداث.
هل يختلف ما نكتبه نحن هنا وفي غزة عما كتبه من عاش تجربة بيروت؟
لنقرأ ما كتبه يسري الغول ونقارنه بما كتبه محمود درويش. كتب يسري في ١٨/ ٤/ ٢٠٢٥:
«صدقاً، بت أشعر بتقزز من كلمة عربي أو مسلم. لم يعد لدينا أي إيمان بأحد. ولو قدر لي العيش لاحقا، سأكفر بكل ما دون غزة، حتى وان سالت دماء الأمة في النيل أو الفرات».
الكتابة هذه تذكرنا بدرويش في «مديح الظل العالي»: «كم كنت وحدك» و «عرب وباعوا روحهم عرب وضاعوا» و»يا وحدنا» و «يدعو لأندلس إن حوصرت حلب» وبما كان قاله من قبل في «أحمد الزعتر»: «كم كنت وحدي!»، بل وبما كتبه في رثاء ماجد أبو شرار: «عشرون مملكة ونيف كوليرا وطاعون ونيف».
كتابة يسري دفعتني لأن أكتب خربشة حولها تحت عنوان «سؤال الهوية في غزة» وكنت كتبت في هذه الزاوية تحت عنوانين: «هل تصرخ غزة: يا وحدنا؟ « وغزة تصارع دولة عظمى» ( ٢٥/ ٨ و ١/ ٩/ ٢٠٢٤ ).
الأحداث منذ عقود تتكرر وتتشابه، فهل نستغرب تشابه الصرخات وتشابه الكتابة؟ ولسوف أجد نفسي، وأنا أتابع ما يجري، سوف أجد نفسي أكتب:
«أحفاد الناجين يقتلون أحفاد اللاجئين».
كما لو أن الأبناء سر الآباء والآباء سر الأجداد.
في سبعينيات القرن العشرين كتب القاص الغزي حمدي الكحلوت قصة جديدة عنوانها «غرفة جديدة للعريس» أتى فيها على احتفال أهل غزة بشبابهم. يبيع الأب والأم مصاغهما ليبنيا لابنهما العريس غرفة يقيم فيها، والآن؟! ماذا الآن؟! الآن يسألون عن خيمة يتزوج فيها العريس، وهذه إحدى بركات الصهيونية و... و.....
حالة تعبانة.
***
81- هوامش من وحي ما يجري في غزة : "القبر رقم 49" عاطف ابوسيف يكتب رواية الحرب
في قصيدته «حفار القبور» كتب بدر شاكر السياب عن حفار ينتظر أن تأتي جنازة، ليأخذ أجرته، فيعود إلى بيته وبيده ما يسد به رمقه وزوجته. حين تقترب الجنازة يكون الميت زوجته.
قبل أن يرى النعش محمولاً كاد يفقد الأمل، فتمنى لو أن حرباً تقع يسقط فيها موتى كثيرون، ليجني الربح الوفير ويعيش برخاء.
في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (١٩٧٤) كتب إميل حبيبي عما انتشر من يقين في غزة، وفي بقية أنحاء المناطق المحتلة في أواخر أيلول العام ١٩٧٢، عن تحرك شواهد قبور شبان أربعة في مقبرة حي الشجاعية صرعهم رصاص الاحتلال.
ماذا كان السياب سيكتب عن حفار القبور لو امتد به العمر وتابع ما يجري في غزة؟
وماذا سيكتب إميل حبيبي عن الدفن الجماعي في المقتلة هناك، بل وعن الجثث التي نهشتها الكلاب؟
الروائي عاطف أبو سيف الذي عاش في الحرب هناك حوالى خمسة وثمانين يوماً كتب يومياته وأصدرها في كتابه «وقت مستقطع للنجاة» (٢٠٢٤) أصدر مؤخراً رواية «القبر رقم 49» التي أتت على الأشهر الخمسة من الحرب - منذ ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ إلى ٢٩/ ٢/ ٢٠٢٤.
تقع الرواية في ٣٠٩ صفحات موزعة على مدخل، وثلاثة كتب هي كتاب الحياة وكتاب الجنازة وكتاب الشاهد، ورسالة الكاتب، والكتابان الأولان يأتيان على موت الست حليمة ودفنها في مقبرة في رفح إلى جانب ثمانية وأربعين قبراً، ليكون قبرها القبر رقم 49.
ولدت حليمة في يافا في ١٩٤٠ وهاجرت مع والدها المختار في ١٩٤٨ لتقيم في سنوات الخمسينيات من القرن ٢٠ في خيمة قبل أن تمتلك بيتاً تدرج بناؤه ليغدو أربعة طوابق أقام معها فيه أبناؤها الثلاثة وأولادهم، ثم فقدته وفقدتهم في حرب طوفان الأقصى، ولم ينجُ سواها وحفيد واحد بلغ الخامسة والعشرين، وكانت نجاتهما بالصدفة، فقد غادرا البيت قبل نصف ساعة من قصفه، لتزور زوجة أخيها الصغير آخر من تبقى من إخوتها وزوجاتهم، واضطرت حليمة أن تنزح وحفيدها إلى رفح لتقيم من جديد في خيمة تموت فيها وتدفن في مقبرة يكون قبرها فيها القبر رقم ٤٩.
وفي الفصول الثلاثة نقرأ عن حياتها في يافا، وفي مخيم جباليا حتى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وعن موتها في رفح وجنازتها التي شارك فيها ثلاثة عشر رجلاً وامرأة يقص كل منهم، في كتاب الجنازة، صفحات من حياته، وبينهم قريبان لها أحدهما حفيدها الذي يتكفل بإجراء جنازة لها ودفنها بما يليق بها والبحث عن شاهد لقبرها.
لا يذكر عاطف أبو سيف أسماء شخصيات روايته باستثناء حليمة وينعت الآخرين بصفات مهنهم أو وضعهم الاجتماعي: الحفيد/ رفيقة العمر/ بائع الفواكه ذو الكرش البطيخة/ صاحبة الفرن/ الشيخ/ الشابة ممطوطة الطول مثل سقالة البناء/ بائع التحف والأنتيكا/ الشابة التي تركت زوجها في الشمال / الأستاذ الجامعي/ الفتاة الجامعية/ تاجر المساعدات / الحماة والكنة.
يروي الراوي الفصلين الأول والثالث بضمير الهو، فيم يترك الثلاثة عشر شخصاً في الكتاب الثاني يروون قصصهم وعلاقتهم بحليمة التي ساروا في جنازتها، وجلسوا معاً حول قبرها ما لا يقل عن ساعتين، غاب فيهما الحفيد ليحضر شاهداً للقبر، فقد تنتهي الحرب ويعود إلى الشمال ويزور القبر في المناسبات.
الرواية التي حضر دال القبر في عنوانها تحفل بدوال القتل ومشاهد الدمار والإذلال والإهانة والجوع والخيام وتنتهي نهاية سوداوية ليس بموت حليمة ودفنها وحسب، بل وفي ضياع مستقبل شخصياتها وشعورهم بالقلق من مستقبل غامض، وتركز على فكرة المؤقت الذي دام، وهي فكرة عبر عنها محمود درويش في قصيدته «نزل على بحر»:
« أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟»
كان الحلم في ٥٠ القرن ٢٠ هو العودة إلى يافا ومجدل عسقلان وصار بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ يتمثل بعودة أهل قطاع غزة الذين نزحوا من شمالها إلى جنوبها؛ عودتهم من جنوبها إلى شمالها، وبدلاً من أن تدفن حليمة في يافا أو حتى في شمال القطاع دفنت في جنوبه مبتعدة أكثر وأكثر عن يافا، تماماً مثل شخصيات رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» ١٩٦٣.
هل استوى عدم دق جدران الخزان مع دقه في ٧ أكتوبر؟
وأنا أقرأ في الرواية في ٢٧ نيسان ٢٠٢٥، وأقف أمام ارتقاء ٢٢ فرداً من عائلة حليمة، قرأت عن استشهاد ٢٢ فرداً من عائلة الخور جراء استهداف منزلهم بجوار مسجد عبد الله عزام في حي الصبرة جنوب غربي مدينة غزة فجر اليوم المذكور، وبعد يوم ارتقت عائلة الآغا المكونة من زوج وزوجته وابنه وبناته الثلاث.
تنتهي الرواية بتفرق المشيعين الثلاثة عشر واختفاء حديث الحبيبين/ الحفيد والفتاة الجامعية عن القصائد والحب والمقهى، فيما يظل القلق حديثهما مرة أخرى:
«حين افترقا سألها: ظايلين على موعدنا المسا عند محطة التحلية؟ لوحت له بيدها وهي تبتعد، ولم يفهم من تلويحتها شيئاً». وأما الكاتب فأنهى روايته برسالة منه:
«لست إلا رجلاً حزيناً يقف على تلة تشرف على المدينة، ينظر للخلف جنوباً نحو القبر ويبكي» .
وكل ما في غزة يبكي والرواية مشوقة.
***
82- هوامش من وحي ما يجري بغزة: غزة وسؤال الفلسطيني عن الفضيلة في زمن الحرب
في تتبع أحوال أهل قطاع غزة من خلال صفحاتهم أو بعض نصوصهم الأدبية التي نشروها في كتب، مثل رواية عاطف أبو سيف «القبر رقم 49»، تقرأ كتابات مختلفة تصور وجهات نظر متباينة ومختلفة تبايناً واختلافاً شديداً لافتاً، والسبب هو اختلاف المواقع التي تؤدي إلى اختلاف المواقف.
رصد أبو سيف ما ألمّ بثلاثة عشر رجلاً وامرأة لم يكن بينهم مقاتل واحد ممن شاركوا في أحداث ٧ أكتوبر، لنقرأ ما يجيش في نفسه من عواطف وأفكار ورؤى أو تصورات عن الحرب قبل وقوعها وفي يومها الأول والأيام التي تلته.
ربما لم يفعل أبو سيف ذلك لأنه لم يلتق بواحد من هؤلاء، علماً أن شخصية المقاتل وهو يتصدى للدبابات كانت لافتة، وهنا أشير إلى المقاتل الشبح الأنيق الذي شبهه قسم ممن كتبوا عنه بأنه (روبن هود) الغزاوي، وإلى المقاتل صاحب عبارة «حلل يا دويري» التي تنوقلت، ابتداء، جادة وتحولت، مع مرور الأيام، إلى عبارة تهكمية ساخرة من المحلل الأردني في قناة «الجزيرة» فايز الدويري.
ورواية أبو سيف الجديدة تختلف عن روايته «حياة معلقة» (٢٠١٤)، التي كتب فيها عن انتفاضة ١٩٨٧ التي عاشها وشارك فيها، بل وفقد أخاه وكتب عنه.
شيء طبيعي ألا يكتب أبو سيف عن مقاتل ما دام بعيداً عن المشاركين بـ ٧ أكتوبر وصلته بهم منعدمة وعملهم كان سرياً جداً، ولكنه عوّض عدم الكتابة بتصوير مشاعر أم مشارك وزوجته أيضاً، وقد يكون، في أثناء وجوده في مخيم جباليا في الأسابيع الأولى للحرب، أو في رفح في الشهر الأخير لوجوده - أي الشهر الثالث - قبل مغادرته، قد يكون التقى بأم مقاتل وزوجته، أو سمع حكايتهما، فكتب ما كتبه تحت عنوان «الحماة والكنة» ومن هذه الكتابة عرفنا القليل عن المقاتل وعلاقته بزوجته وحبهما لبعضهما، ثم أقل القليل عن مشاعره إزاء ما جرى.
وأنت تقرأ روايته وما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي ومنها «فيسبوك»، تتذكر قصيدة محمود درويش «مطار أثينا» التي يقول فيها:
«مطار أثينا يوزعنا للمطارات. قال المقاتل: أين أقاتل؟ صاحت به/ حامل: أين أهديك طفلك؟ قال الموظف: أين أوظف مالي؟ قال/ المثقف: مالي ومالك؟ قال رجال الجمارك: من أين جئتم؟ أجبنا: من/ البحر. قالوا: إلى أين تمضون؟ قلنا: إلى البحر. قالوا: وأين عناوينكم؟/ قالت امرأة من جماعتنا: بقجتي قريتي. .....».
تتذكر أسطر درويش السابقة لأنها تعبر عن شرائح اجتماعية فلسطينية مختلفة تختلف همومها، فهم المقاتل الذي يضغط عليه غير هم المرأة الحامل، ويختلف هم الموظف عن همهما، كما يختلف هم المثقف عن هموم الثلاثة، ويكون هم رجال الجمارك متعلقاً بوظيفتهم وسؤالهم التقليدي: من أين جئتم؟
هذا الاختلاف في النظر إلى الأمور نجد شبيهاً له الآن في كتابات أبناء غزة وفي كلامهم في أشرطة الفيديو التي يتحدثون فيها عن معاناتهم.
يعرض المقاتلون أشرطة فيديو للمعارك التي يخوضونها تصور بطولاتهم وما أوقعوه في قوات الجيش الإسرائيلي، فيم يبحث النازحون عن خيمة والجائعون عن طعام والراغبون في السفر عن سمسار، وإذا كان المقاتل يضع الوطن في سلّم أولوياته، فيبذل روحه في سبيله، تجد أن أكثر المواطنين يبحثون عن مأوى ومطعم، وستجد بين هؤلاء من يبحث عما هو أكثر، كأن يثرى ويجمع المال غير مهتم بالفضيلة على الإطلاق. كل من لا يحمل السلاح ويقاتل يبحث عما يبقيه حياً، وتصبح الفضيلة لديه أن يبقى على قيد الحياة.
كان غسان كنفاني في قصته القصيرة «الصغير يذهب إلى المخيم» أتى على الفضيلة في زمن الاشتباك:
«نتشاجر عصام وأنا من جهة مع بقية الأطفال أو أصحاب الدكاكين أو السائقين أو رجال الشرطة أحياناً، ثم أتشاجر مع عصام فيما تبقى من الوقت.
كان ذلك زمن الاشتباك. أقول هذا لأنك لا تعرف: إن العالم وقتئذ يقف على رأسه، لا أحد يطالبه بالفضيلة.. سيبدو مضحكاً من يفعل.. أن تعيش كيفما كان وبأي وسيلة هو انتصار مرموق للفضيلة. حسناً. حين يموت المرء تموت الفضيلة أيضاً». إن الفضيلة الأولى أن تحتفظ بنفسك حياً.
وأغلب أهل قطاع غزة، باستثناء المقاتلين، يعيشون زمن الاشتباك.. الاشتباك مع الحياة، ولعل ما يفسر هذا هو ما نقرؤه في هذه الأيام عن الاستغلال والسرقات والفوضى وارتفاع الأسعار واحتكار السلع، وهذه المزاحمات في الطوابير أمام التكايا وهذا ما نقرؤه في رواية أبو سيف على لسان الشابة التي تركت، مع ولديها، زوجها في الشمال، بناء على طلبه ليرعى والديه:
«قلت للست حليمة، أنت لا تخرجين للشارع فترينَ كيف تأكل الناس بعضها بعضاً، وكيف ينهشون أجساد بعضهم بعضاً. استغلال وجشع وسرقة وبلطجة. الحياة قاسية. الناس لا تعرف كيف تعيش ولا كيف تتدبر أمورها. كل شيء صار مباحاً. ما نفع الأخلاق والقيم حين لا تساعدنا على الحياة. لا تقولي لي إن الأساس أن نموت من أجل أخلاقنا وقيمنا. الأساس أن كل شيء وجد من أجل أن نعيش ونحيا، لا من أجل أن نموت في سبيل الموت».
وثمة سطر في الرواية يتكرر هو أن الحياة في زمن الحرب تختلف.
هل ثمة وجود للأخلاق والفضيلة في زمن الحرب؟ انه سؤال أثاره كنفاني قبل ستين عاماً ويثيره أبو سيف بعد ستين عاماً على إثارته.
***
83- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «استعادات مقلقة: يوميات غزة»
على مدى حوالى ثمانية عشر شهراً تابعت نزوح الخريف والشتاء والربيع والصيف لأهالي قطاع غزة.
شاهدت أشرطة فيديو للنزوح والإقامة في مدارس الإيواء أولاً، ثم في الخيام التي اقتلعت الرياح الشديدة قسماً منها وأغرقت الأمطار الشديدة قسماً آخر ثانياً، فنام سكانها في العراء وعلى قارعة الطريق، وتابعت أخبار الأعراس في ظل الحرب والجدل الدائر بين ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي حول الظاهرة، وهو ما دفعني للكتابة تحت عنوان «خيمة للعزلة... خيمة للخلوة» (الأيام الفلسطينية ١٥/ ٩/ ٢٠٢٤).
ثم جاء وقت صارت الخيام تحترق بالصواريخ والمسيرات الإسرائيلية بمن فيها.
وعندما قرأت رواية عاطف أبو سيف «القبر رقم 49» وشهادات كتاب آخرين نشرها الروائي نفسه في كتاب. من جزأين. وقع في ٦٠٠ صفحة وصدر هذا العام. عنوانه «استعادات مقلقة: يوميات غزة. مائة كاتب وفنان من غزة يكتبون عن الحرب». عرفت أكثر وأكثر عن حياة الخيام وسكانها؛ رجالها وأطفالها ونسائها وعواجيزها، وفجأة وجدتني أتذكر تجربة مررت بها وأخرى شاهدتها.
في العام ١٩٦٧ كنا نقيم في مخيم عسكر القديم، وعندما اندلعت الحرب رأى أبي أن نذهب للإقامة في بيت خالتي في البلدة القديمة في نابلس. فبيوتها أمتن من بيوت الصفيح في المخيم.
كان لخالتي أم عارف يعيش، في حوش آل يعيش، في سوق الحدادة بيت يتكون من غرفتين واسعتين جداً أقدر مساحة الغرفة بما لا يقل عن ٦ × ٨ م٢، وكان بينهما صالة بحجم ٤×٤ م٢ ومطبخ صغير ومرحاض واحد، وأذكر أن الرجال باتوا في غرفة والنساء في غرفة، وضمت كل واحدة ما لا يقل عن ٦٠ شخصاً.
أذكر أننا كنا ننام إلى جانب بعضنا وكنا نجد صعوبة في التنقل - إن أردنا ليلاً الذهاب إلى الحمام، ولم أعد أتذكر كيف كنا نتدبر طعامنا.
عندما احتلت المدينة وسلم قسم من أهلها السلاح وسمح لهم بالتنقل والخروج من بيوتهم غادرنا عائدين إلى المخيم.
كنت وأمي وإخوتي نمشي في شارع فيصل، مارين بسوق الخضار فيه، ومواصلين السير في شارع عمان الذي كانت الدبابات الإسرائيلية تقف فيه والجنود حولها شاهرون سلاحهم.
يومها قرب مصنع الجفت شاهدنا جثث ثلاثة جنود أردنيين على الشارع تمت مواراتهم التراب لاحقاً.
ويومها شاهدنا معسكر الجيش الأردني الملاصق للمخيم وقد نهب.
في العام ١٩٧٦ زرت سورية وأقمت في بيت خالتي أم محمد الطيان.
الخالة نابلسية والزوج سوري كان يزور نابلس ويافا ويعمل منجداً مثل سيدي والد أمي، خلال زمن المهنة تعارفا وتناسبا.
كان البيت في منطقة ركن الدين، ولما كان عمي محمود المولود في يافا واللاجئ إلى سورية يقيم في دمشق. في بناية قريبة من حارة اليهود، فقد زرته أيضاً وبت ليلة في شقته الصغيرة التي يقيم فيها هو وابنه محمد المتزوج، ولما أصر ابناه عماد ومازن على أن أبيت عندهم، ولو ليلة، لبيت طلبهم، ونمت.
كان الشابان الصغيران يبيتان، لضيق البيت، على سدة الحمام. وليس هذا هو المهم.
في تلك الفترة كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد اشتعلت، ما أجبر جزءا من لاجئي لبنان إلى مغادرة مخيماتهم إلى سورية والأردن، وفي شقة عمي رأيت نفراً منهم.
كانوا من عائلة الأسطة التي استقرت بعد نكبة ١٩٤٨ في لبنان. لقد نزحت مرة ثانية. ولما كان لها أقارب في الشام فقد ذهبت إليهم. علّ النزوح يكون مؤقتاً أو علهم يجدون مأوى حتى يتدبروا أوضاعهم. لقد رأيتهم في شقة عمي الصغيرة الضيقة التي بالكاد تتسع لأفرادها.
من ضمن اليوميات/ الشهادات التي كتبها أبناء غزة كتابة أمنية مسعود «محرر الأخبار إذ ينقطع عن الأخبار».
وأمنية من مواليد ١٩٨٩ تحمل بكالوريوس في اللغة العربية والإعلام من جامعة الأزهر بغزة في العام ٢٠١١.
تكتب أمنية عما ألم بها وبأسرتها في بداية الحرب ونزوحهم المتكرر من منطقة سكنهم القريبة من الحدود شرق مدينة جباليا شمال قطاع غزة.
عندما وصلوا إلى خان يونس توجهت إلى عمارة فيها مكتب صحافي كانت تعمل فيه ومعها مفتاحه، ولكن صاحب العقار رفض أن يفتح لهم الباب الرئيس. فقد يشكلون خطراً على العمارة، ولم يشفع لها أنها تملك مفتاح المكتب.
واستقر بهم المقام في بيت صديق أخيها في مخيم النصيرات. لقد أصر الصديق الأصيل على استضافتهم في منزله إلى حين انتهاء الحرب، ولأنهم فضلوا الذهاب إلى أناس يعرفونهم. فقد استقروا في مخيم النصيرات الجديد. ثم سرعان ما غادروه، مع اشتداد القصف، إلى مدينة دير البلح واستطاعوا الحصول على شقة فارغة لا أثاث فيها بسعر فلكي، ولم يمكثوا فيها فصاحبها أجرها لمن دفعوا له أكثر «ولم يكن أمامنا إلا أن نفترق، فلا مكان يستوعب هذا العدد الكبير من الأفراد».
وهكذا توجه شقيقها الأكبر إلى رفح وشقيقتها الصغرى مع أسرة زوجها إلى منزل «أشبه بحوش قديم» في دير البلح.
ما قرأناه في شهادة أمنية مسعود نقرأ ما لا يختلف عنه إلا في التفاصيل في شهادة الروائي محمد نصار «على دروب المجهول». وفي شهادات أخرى أيضاً، والشيء بالشيء يذكر، ولهذا وجدتني في يومياتي وأسبوعياتي عن طوفان الأقصى استحضر نصوص الأدب الفلسطيني منذ العام ١٩٢٩، وعندما قرأت رواية أبو سيف لاحظت أن النكبة تستحضر النكبة والخيمة تذكر بالخيمة.
إنها استعادات مقلقة حقاً!
حالة تعبانة!!
***
84- هوامش من وحي ما يجري في غزة: على هذه الأرض ما يستحق / ما لا يستحق
في تتبعي لروايات ثلاث صدرت في ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥، هي: «نص اشكنازي» لعارف الحسيني و»منزل الذكريات» لمحمود شقير و»القبر رقم 49» لعاطف أبو سيف، التفت إلى نهاياتها.
لم يقم الأولان في حرب طوفان الأقصى في قطاع غزة وأما الثالث فعاش أجواء الحرب قبل أن يخرج من غزة في اليوم الـ ٨٦ منها.
كتب الأولان عن القدس وأشارت إحدى شخصيات شقير إلى الحرب إشارات عابرة، وكلاهما كتب عن بيئته وعن هموم تخص زمنه والمرحلة العمرية التي يعيشها في زمن الكتابة، فيم كتب أبو سيف عن الحرب التي عاش جزءا من وقائعها. ولقد أتيت في مقالات سابقة على نهايات الروايات الثلاث.
الفارق في نهايات الروايات له، ولا شك، علاقة بالمكان الذي يقيم فيه الروائيون والحالة التي هم عليها، علما أن القدس وغزة جزء من بلد واحد هو فلسطين، وكلاهما يعاني من ويلات الاحتلال، وإن بدرجات بدت منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ واسعة ولا مجال فيها للمقارنة.
ما الذي أعادني إلى نهايات الروايات ثانية، مع أن كتابتي عنها قريبة العهد؟
ما من صباح لم أصغ فيه إلى بعض الإذاعات المحلية يردد مذيعوها أو مقدمو برامجها سطري محمود درويش:
«ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا» و»على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، ونادراً ما كرر هؤلاء سطره: «تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير»، والذين كرروا السطر الأخير ولم يكرروا، في الحرب، السطرين الأولين هم أكثر سكان غزة، فحياتهم صارت جحيماً لا يطاق، وقد عززت النصوص والشهادات التي قرأتها للكتاب المقيمين هناك، وما زالوا.
هذا الرأي غير المبالغ فيه صادر عن قسوة اللحظة التي يعيشون - فثمة نزوح متواصل بلغ لدى قسم منهم النزوح الخامس عشر، وثمة فقدان لبعض أفراد العائلة، وثمة فقدان للبيت وافتقاد لطقوس الحياة اليومية، وثمة رعب يومي وقلق لا نهاية له على ما يبدو، وثمة جوع ونقص في العلاج، وثمة وثمة وثمة الكثير مما يعرفه كل من يتابع حياة الغزيين يوماً يوماً وساعة ساعة، بل ويلاحظه من يتابع وجوه أصحابه ومعارفه من خلال صورهم قبل الحرب وفي أثنائها.
لم ألتقِ شخصياً بالكاتب طلعت قديح الخمسيني، ولكني عرفته من صوره قبل الحرب وبعدها.
لقد كان بضاً ممتلئاً وسيماً، وخلال أشهر الحرب بدا شبحاً، ولو كنت شاعراً يجيد الوصف لكتبت فيه شعراً على غرار الشعر الذي كتبه الشنفرى في الصعاليك الذين لفظتهم قبائلهم فجاعوا وهاموا في الصحراء ملاحقين مطاردين يبحثون عن الطعام فلا يجدونه، فآلوا هياكل يستنجد بعضهم ببعض وكلهم نظائر نحل.
هل خلت كتابات الغزيين في الحرب من أسطر درويش؟ هل كرروها كما هي، لأنهم يحفظونها؟ هل عارضوها؟ هل سخروا ممن يردد قسماً منها؟
لقد غدا السطران الأولان لازمة تتكرر على ألسنة فلسطينيين كثر، بمناسبة ودون مناسبة، ولم يتكرر السطر الثالث إلا في فترات الضيق الناجم عن حصار، أو على لسان متشائم يضيق ذرعاً بهذه الحياة. وممن التفتوا إلى الظاهرة الروائي عباد يحيى في روايته «رام الله الشقراء» حين كتب تحت عنوان «في استغلال الغياب»:
«قد أتغاضى عن التعامل مع درويش كمشاع للجميع....
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
أرى هذه العبارة بمثابة لوغو/ شعار لرام الله ومشاريع السلطة. كأن نظام الكون سيختل إن لم تحضر هذه العبارة في كل شيء هنا، بدءا بخطابات الساسة وانتهاء بالإعلانات التجارية لأي متجر تافه.
في كثير من الأحيان أرى العبارة أصلح ما تكون شعاراً لحملة للحد من حالات الانتحار». (صفحة ٤٢).
في ٣١/ ٥/ ٢٠٢٤ كتب طلعت قديح شهادة عن الحرب نشرها عاطف أبو سيف في كتابه «استعادات مقلقة: يوميات غزة» (٢٠٢٥) عنوانها «حياة لاجئ بين المعاناة والتأمل» أتى فيها على الحرب والكرامة والطوابير وتساءل إن كان ما حدث في ٧ أكتوبر يستحق أن يحدث ما بعده. كما تساءل: إلى أين؟
انعدمت الخصوصية وقصف بشر يسكنون الخيام وصار المرء يتوقع أن يدفع حياته ثمناً لزيارة عابرة لبيته وينهي شهادته، وهذا هو بيت القصيد، بالسطر الآتي:
«وأنا مطرق رأسي نحو الأرض، يسألني أحدهم: ما رأيك فيما قلنا؟ أجبت متنهداً:
هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟!».
في ٢٣ شباط ٢٠٢٤ كتب شجاع الصفدي المقيم في غزة الفقرة الآتية:
«»على هذه الأرض ما يستحق الحياة» كتبها درويش بينما كان يجلس في مقهى باريسي هادئ. لا تصدقوا أحداً غير الذي يكتوي بالنار، أما الباقي محض خرافة».
على نقيض كتابة طلعت وشجاع تكتب الروائية إيمان الناطور في ١٥/ ٩/ ٢٠٢٤ تحت عنوان «وردة من أجل النجاة».
تتذكر الكاتبة الفتى بائع الورد وتتذكر منظر شاب يقدم لأمه التي فقدت أولادها، ولم يبقَ لها سواه، الوردة، وتستغرب «كيف أن الناس ما زالوا يحاولون أن يفرحوا بإصرار، ما زالوا يبحثون عن الحب بإصرار، ما زالوا يبقون تحت الأنقاض وتوابيت الموتى عن أي بهجة».
وتنهي شهادتها التي وصفت فيها قسوة الحياة في الخيام بحب زوجها ممدوح لها، إذ يحضر لها القهوة رغم ندرتها: «صمت، فارتميت في حضنه، وصوت محمود درويش يتردد صداه في جنبات روحي.. ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا».
***
=============
68- هوامش من وحي ما جرى في غزة... تزاحم الأحداث وضياع بعض الأفكار
69- هواجس من وحي ما جرى في غزة... هوامش أدبية في زمن الحرب
70- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (1من2)
71- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (2 من 2)
72- هوامش من وحي ما جرى في غزة... صــدى لــلــصــدى
73- هوامش من وحي ما جرى في غزة، كما لو أن الشاعر كتب قصائده في وصف ما يجري
74- هوامش من وحي ما جرى في غزة... الأحداث الكبرى تستحضر أعمالاً أدبيـة وتلقـي الضـوء علـى أخرى
75- هوامش من وحي ما يجري في غزة: أطــفــالــنــا الآتــون
76- هوامش من وحي ما يجري في غزة: العيد في غزة وبعض مخيمات الضفة الغربية
77- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «لقد أعييت لو ناديت حياً»
78- هوامش من وحي ما يجري في غزة من يشتري مني العرب؟
79- - هوامش من وحي ما يجري في غزة: جنون ما يجري - سيرة يوم: الزمان غزة، المكان ١٣ نيسان ٢٠٢٥
80- هوامش من وحي ما يجري في غزة: عرس فلسطيني، عرسان غزازوة
81- هوامش من وحي ما يجري في غزة : " القبر رقم 49 " عاطف ابوسيف يكتب رواية الحرب
82- هوامش من وحي ما يجري بغزة: غزة وسؤال الفلسطيني عن الفضيلة في زمن الحرب
83- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «استعادات مقلقة: يوميات غزة»
84- هوامش من وحي ما يجري في غزة: على هذه الأرض ما يستحق / ما لا يستحق
68- هوامش من وحي ما جرى في غزة: تزاحم الأحداث وضياع بعض الأفكار
في الحرب أردت أن أكتب عن رواية «ما تبقى لكم» (١٩٦٦) فما قرأته فيها شاهدته في أشرطة الفيديو التي تبث. كأن المشهد الذي أشاهده تجسيد لما كتبه غسان في روايته، والمشهد ليس من فيلم سينمائي أخذ عنها. إنه مشهد مما يجري في غزة في الحرب.
مئات الشبان الغزيين مجردون من ملابسهم، إلا ملابسهم الداخلية. يجلسون على الأرض، في أجواء شتوية شديدة البرودة، وأيديهم موثقة خلف ظهورهم، يحيط بهم جنود ويخاطبهم أحدهم بالعربية:
- ألم نطلب منكم مغادرة شمال قطاع غزة إلى الجنوب؟ لماذا لم تغادروا؟
يجيبه أحدهم:
- لقد حاولت، ولكنكم لم تسمحوا لنا.
- هذا غير صحيح، فالناس غادرت عبر شارع صلاح الدين.
بم يجيب الضعيف القوي؟
وعندما يسألهم عن رأيهم فيما جرى وعن حماس ويحيى السنوار وعدم الاحتجاج على ما فعلوه، يشتم الرجل السنوار ويقلل من قيمته.
في «ما تبقى لكم» التي تجري أحداثها في ١٩٥٦- أي فترة العدوان الثلاثي على مصر؛ الفرنسي والبريطاني والإسرائيلي، وفيه احتل قطاع غزة - نقرأ عن حدث مشابه وشخصية مشابهة.
كان الجيش الإسرائيلي يبحث عن فدائي اسمه سالم، ولأجل إلقاء القبض عليه، فقد جمع عشرات الشبان وطلب منهم أن يدلوه على سالم، وهددهم بأنه سيقتلهم إن لم يعترفوا على مكانه، وكان سالم بينهم. رفض الشبان الاعتراف حتى ضعف زكريا خوفاً من القتل، فصاح:
- أنا أدلكم على سالم.
ولكن سالم فوت عليه فرصة أن يكون خائناً حقيقياً. «أقدم سالم من تلقاء نفسه ووقف أمامنا مباشرة، وقد رأيناه يغسلنا بنظرة الامتنان التي لا تنسى فيما كانوا يقتادونه أمامهم. إلا أنه عاد والتفت إلى زكريا وشيعه بنظرات رجل ميت: باردة وقاسية وتعلن عن ولادة شبح.... «وسيغيب سالم وراء الجدار هنيهة» ثم جاء صوت طلقة واحدة فيما أخذنا ننظر إلى زكريا وكأننا جميعاً متفقون على ذلك. زكريا. زكريا».
وأنا أنظر في شريط الفيديو وأصغي إلى المتكلم فيه تساءلت إن كان زكريا بعث من جديد، وتساءلت أيضاً عما كان المعتقلون يشعرون به في تلك اللحظات وبم كانوا يفكرون.
ليس زكريا وحسب هو من استحضرته من روايات كنفاني وقصصه. لقد استحضرت أيضاً نادية في قصة «ثلاث أوراق من فلسطين: ورقة من غزة».
لم يمر يوم من أيام المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة، إلا في أيام الهدن القليلة، دون أن نشاهد شريط فيديو يظهر فيه جريح غير مبتور عضو من أعضائه. بعض الأشرطة عرضت لحالات مرعبة لن يشفى من أثرها أصحابها إلا ساعة موتهم. خمسون عاماً. ستون. سبعون. الله أعلم. وسيظل هؤلاء يعانون ويتذكرون ويستحضرون مشاهد الحرب.
في قصة «ورقة من غزة» كتب كنفاني عن نادية. عما قصه عنها عمها المدرس في الكويت العائد في الإجازة لزيارة غزة.
يزورها عمها في المشفى وقد أحضر لها معه هدية هي بنطال أحمر:
« - قولي يا نادية.. ألا تحبين البنطال الأحمر؟
ورفعت بصرها نحوي، وهمت أن تتكلم، لكنها كفت، وشدت على أسنانها، وسمعت صوتها مرة أخرى من بعيد:
- يا عمي!
ومدت كفها، فرفعت بأصابعها الغطاء الأبيض، وأشارت إلى ساق مبتورة من أعلى الفخذ».
نادية في إحدى غارات ١٩٥٦ صارت، في الـ ٤٧١ يوماً للحرب، مائتي ألف حالة.
هل انتهت الحرب؟
من قصص كنفاني التي ألحت، في الحرب وقبلها، على ذاكرتي «الصغير يذهب إلى المخيم».
كلما كتب كتاب غزة عن مشاكل أهلهم التي ستبدأ بعد انتهاء الحرب وجدتني أستعين بالقصة التي ميز فيها كاتبها بين زمن الحرب وزمن الاشتباك، ووجدتني أكتب لهم:
- ستنتقلون من زمن الحرب إلى زمن الاشتباك.
وصرت أكرر نفسي. صرت أشعر بأن كثيراً مما أكتبه ليس سوى تكرار، وغالباً ما كنت آخذ برأي إميل حبيبي في رده على من هاجموه بأن روايته «المتشائل» ليست إلا تقليداً لرواية (فولتير) «كنديد»:
- إنها الحياة التي تتكرر أحداثها أو تتشابه. تتكرر على شكل مأساة أو على شكل ملهاة.
يميز غسان في قصته بين زمن الحرب وزمن الاشتباك. في الأول هناك هدنة يلتقط فيها المحارب أنفاسه، وفي الثاني أنت تشتبك يومياً مع الحياة والناس، وفيه «كان الجوع - الذي تسمع عنه - همنا اليومي. ذلك اسميه زمن الاشتباك. أنت تعلم. لا فرق على الإطلاق. كنا نقاتل من أجل الأكل، ثم نتقاتل لنوزعه فيما بيننا، ثم نتقاتل بعد ذلك».
كم من كاتب في غزة كتب عن مشاكل الناس أمام الطوابير والتكايا؟!
عبد الكريم عاشور «يحدث في غزة الآن» وشجاع الصفدي ومريم قوش و... و... وهل ننسى الطفل عبد الرحمن نبهان الذي سقط، في ٩/ ١/ ٢٠٢٥، في طنجرة الطبيخ ومات. هذا هو زمن الاشتباك الذي سيستمر عقوداً من الزمان. كما لو أن غسان كنفاني تنبأ به. وللكتابة بقية.
***
69- هواجس من وحي ما جرى في غزة... هوامش أدبية في زمن الحرب
في فترة الحرب تنظر في أعمال أدبية سابقة تحكي قصصاً تشبه اللحظة التي نمر بها.
إن قرأت عن احتمالية تهجير أهل قطاع غزة - فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في يوم الطوفان الثاني أنه سيخوض حرب وجود - تتذكر معين بسيسو وما كتبه عن مظاهرات غزة في ١٩٥٥ التي رفع فيها على الأكتاف يهتف:
«لا توطين ولا إسكان
يا عملاء الأمريكان».
وتمعن النظر في المفردات التي استخدمها الكتاب في خمسينيات وستينيات القرن ٢٠. هل كانوا يستخدمون دوال «إسرائيل» و»إسرائيلي» و»دولة إسرائيلية» و»جيش إسرائيلي»؟
ولأنني ركزت على كتابات كنفاني أكثر من غيره، فقد أخذت، وأنا أقرأ بعض قصصه، ألتفت إلى الدوال التي يستخدمها، فلم ألحظ ورود الدوال السابقة. الدال الذي استخدمه، وغالباً على لسان الشخوص، هو دال «اليهود».
عندما قرأت رواية إبراهيم نصر الله «زمن الخيول البيضاء» التي يقف زمنها الروائي عند العام ١٩٤٨ كنت أقرأ الدوال المذكورة لا دال يهود، فأدركت أنه من تأثير الزمن الروائي على الزمن الكتابي، وأن الكاتب حين يكتب عن زمن لم يعش فيه لا ينجو من الكتابة عن زمنه هو. بمعنى آخر: إنه يسقط ما في زمنه - دون وعي غالبا - على الزمن الذي يستحضره.
في أثناء جدلي حول الرواية المذكورة قلت ما سبق، وأتيت بأدلة أخرى، ففي صفحتين متقابلتين كان الشخوص يستخدمون عملة الجنيه الفلسطيني وعملة الدينار الأردني الذي صك في العام ١٩٥١.
ولأن إبراهيم أدرج غير مرة فقرة من روايته «أعراس آمنة» (٢٠٠٩/ط٢) وأشار إلى أنه كتبها عن غزة، فقد عدت إليها أبحث عن غزة فيها، فقد أقتبس منها فقرة أدرجها في يومياتي، وعبثاً وجدت، ما جعلني أكتب أنك لو استبدلت اسمي أي مدينتين فلسطينيتين بغزة ورفح اللتين ورد ذكرهما لما ترك ذلك أي أثر على الرواية.
وحين عدت إلى شهادة إبراهيم التي ألقاها في مؤتمر القدس السابع الذي عقدته جامعة البتراء في ٢٠١٩ قرأت ما يدعم وجهة نظري.
لم ير إبراهيم القدس. إن مدينته هي عمان التي كتب عنها في عدد من رواياته ومنها «حارس المدينة الضائعة» و «طفولتي حتى الآن».
وعندما قرأت رواية محمود شقير «منزل الذكريات» التي دار موضوعها حول الشيخوخة وأتى فيها على ما يجري في غزة لاحظت أن ما كتبه كان ملامسة خفيفة، بل ولاحظت أنه لم يتعمق في الكتابة عن الشيخوخة.
هل اقتصر الأمر على ما سبق؟
في الحرب دار جدل بين الكتاب الفلسطينيين حول الترشح لجائزة الرواية العربية (بوكر). ترشح لها كتاب فلسطينيون ورفض آخرون، بل إن ربعي المدهون الذي كان حصل عليها لروايته «مصائر» التي أثارت جدلاً واسعاً، أعلن عن تخليه عن الجائزة، فالدول التي تمنحها تقيم علاقات تطبيع مع دولة الاحتلال، بل وتمدها بمواد غذائية تحتاج إليها.
وفي المقابل فقد ترشح إليها الأسير باسم الخندقجي المحكوم بالمؤبد وأكثر، فعقبت بعبارة واحدة فقط «فلسطين تعيد الجائزة.. فلسطين تتسلم الجائزة» وهات نقاشات في الموضوع الذي آثرت عدم الخوض فيه والانصراف إلى كتابة يوميات الحرب.
ومثل الجدل السابق الجدل حول رواية السنوار «الشوك والقرنفل» التي خصصتها منذ أسبوع الحرب الأول بـ ٣٦ خربشة وغير مقال. لقد سخرت كاتبة أردنية ممن عدها رواية، ولما قرأت فقرتها والتعليقات عليها أعدت إدراج كتابتها وطلبت من القراء أن يقرؤوا التعليقات التي تبعث على الضحك، فعقب قرائي وسخروا من الكاتبة التي عدت الكتابة تعرضاً لشخصها، ما دفعها لأن تهددني برفع قضية جرائم إلكترونية في بلدها الأردن ضدي.
هل سأقدم إن زرت الأردن إلى المحكمة، فأسجن عدة أشهر وأدفع غرامة مالية مقدارها عشرون ألف دينار!!
يا للفضيحة!
لم تكن اللحظة الآنية تستحضر مثيلتها في النصوص الأدبية في خمسينيات وستينيات القرن ٢٠ وحسب، فالجيل الذي ولد في النصف الأول من خمسينيات ق ٢٠ عاش في الخيام وعانى معاناة شديدة من ثلج تلك الأعوام وبردها وقرصه الجوع وعضه الفقر وأقام في مدارس وجوامع قبل أن يقيم في الخيمة حتى ١٩٥٨.
عندما قرأت رواية السنوار وكتبت عنها توقفت أمام الطفولة الفقيرة المعذبة وأمام احتلال غزة في العام ١٩٦٧ ومعاناة أهلها وفقدان كثيرين من أبنائها، ومن قبله كتب معين بسيسو وهارون هاشم رشيد عن احتلال غزة في ١٩٥٦ والمجازر التي ارتكبت بحق الجيش المصري والفدائيين الفلسطينيين.
استحضرت الحرب الدائرة حالياً الحروب السابقة واستحضرت مع استحضارها النصوص الأدبية التي كتبت فيها، فاكتنزت اليوميات بمعلومات تقول تاريخ قطاع غزة في القرنين ٢٠ و ٢١.
وللكتابة بقية.
***
70- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (1من2)
«لا يجدر بأحد إعطاء مواعيد في هذا الوطن» هذا الاقتباس من قصة أكرم هنية «لماذا لم أذهب لمقابلة صديقتي؟» هو ما خطر ببالي منذ غادرنا في ٦/ ٢/ ٢٠٢٥ الروائي والناقد الدكتور الجامعي الأستاذ أحمد حرب المولود في الظاهرية في الخليل في العام١٩٥١؛ أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة بيرزيت، وقد عرفناه نحن الأدباء الفلسطينيين من خلال إسهاماته النقدية أولاً والروائية ثانياً في الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية في الضفة الغربية. عرفناه أولاً من خلال قراءة مقالاته النقدية في الصحافة ثم من خلال المهرجانات الأدبية والندوات والمؤتمرات التي أسهم فيها منذ العام ١٩٨١ تقريباً.
قبل عامين تقريباً أرسلت إلى أحمد صورة تجمعنا أنا وهو والشاعر علي الخليلي الذي كان يحرر الصفحات الأدبية في جريدة «الفجر» الصفحات التي جعلها مجلة شهرية أسهمت، إلى جانب مجلات أخرى مثل «البيادر» و»الكاتب»، في تأسيس حركة أدبية في مناطق الاحتلال الثاني ١٩٦٧، وسرعان ما أدرجها في صفحته غير متذكر تاريخ التقاطها، وأغلب الظن أنه في سنوات الثمانينيات الأولى.
لم تنقطع في السنوات الثلاثين الأخيرة اللقاءات والزيارات فيما بيننا، فكلما زرت جامعة بير زيت التقينا وكلما عقدت الجامعة نفسها مؤتمراً وشاركت فيه التقينا أيضاً.
مؤتمر الأدب الفلسطيني في العام ١٩٩٧ وندوة ذكرى المرحوم الدكتور إحسان عباس ٢٠٠٥، وكلما اشتركنا في أحد المؤتمرات التي تعقدها جامعة بيت لحم - وما أكثرها! - أو جامعة الخليل، وآخر مؤتمر اشتركنا فيه معاً هو مؤتمر جامعة البتراء الأردنية عن رواية القدس، وقد عقد في تشرين الثاني من العام ٢٠١٩ ونزلنا فيه معاً في فندق الرويال والتقينا على وجبة الإفطار طيلة أيام المؤتمر.
آخر لقاء لي بـ «أبو فجر» كان - إن لم تخني الذاكرة - في رام الله. كنت يومها مدعواً للمشاركة في ندوة نقاش كتب الدكتور نبيل طنوس في متحف محمود درويش. جلسنا يومها في محل ركب للبوظة واعتذر عن حضور الأمسية لانشغاله.
في أكتوبر ٢٠٢٣ اتصل بي «أبو فجر» وبعد أن أعلمني عن إصابته بسرطان الحنجرة وعدته أن أزوره خلال أسابيع، وكان الوعد الذي لم ينفذ.
قبل شهر من رحيله تقريباً اتصل بي مرة أخرى. كان ثمة تشويش في الاتصال ما جعلني أتريث كثيراً وأنا أرد، وجددت وعدي بأن أزوره عندما تتحسن حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية قليلاً، وعندما تهدأ الأوضاع التي أخذت وتيرة تدهورها بالازدياد.
وكلما تذكرت الوعد الذي قطعته على نفسي بزيارته، هو الذي رحب باستمرار باستقبالي، تذكرت سطراً غالباً ما أوردته في مقالاتي وأنا أكتب عن حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية، وهو «لا يجدر بأحد إعطاء مواعيد في هذا الوطن».
لقد مر على الوعد خمسة عشر شهراً ولم يغب عن ذهني، وكلما هممت ترددت وتكاسلت وتراجعت، والسبب هو الحواجز.
قبل ثلاث سنوات تقريباً كانت إحدى طالبات الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية تتواصل معي بخصوص موضوع رسالتها المتعلق بالحواجز في الأدب الفلسطيني، والطالبة هي هديل كيال، وكانت تسألني عمن كتب عن الحواجز في الأدب الفلسطيني، وكلما تذكرت نصاً ما ذكرتها به، ابتداء من قصيدة فدوى طوقان المبكرة «آهات أمام شباك التصاريح» التي كتبتها عن تجربة مرت بها، في انتظارها في جسر دامية، في أثناء سفرها إلى عمان.
لقد كان الجسر بعد العام ١٩٦٧ هو الحاجز الأول بعد بوابة مندلباوم التي كتب عنها الأدباء منذ ١٩٤٨ حتى ١٩٦٧، ثم هدمت لحظة احتلال القدس في ١٩٦٧؛ البوابة التي كتب عنها إميل حبيبي وسميرة عزام وغسان كنفاني وآخرون، ولا يعرفها الآن إلا كبار السن في فلسطين ممن تجاوز السبعين أو قراء قصص الكتاب المذكورين.
ما أشبه موعد لقائي بأبي فجر بموعد لقاء شخصيتي قصة سميرة عزام «عام آخر».
كلما سافرت الأم من بيروت إلى القدس، فبوابة مندلباوم، لرؤية ابنتها المقيمة في الناصرة تعذر اللقاء.
وحكاياتنا مع الحواجز حكايات عديدة سببت لنا مشاكل ووجع رأس وأسفرت أحياناً عن شهداء عديدين، بخاصة منذ انتفاضة الأقصى ٢٨/ ٩/ ٢٠٠٠ ولعل منها ما ألم بالشابة ميسون الحايك التي كانت وزوجها وحموها في طريقهم إلى المشفى لتضع مولودها.
لقد أطلق الجنود النار على زوجها وحميها فارتقى الأول وأصيب الثاني ووضعت طفلتها ليكون عيد ميلادها وعيد استشهاد أبيها في اليوم نفسه.
***
71- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (2 من 2)
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة عنوانها «عند الحاجز». في تلك الأيام كنت معلماً بمدارس وكالة الغوث في النصارية، وكان عليّ وزملائي المعلمين أن نستقل الباص الوحيد من نابلس إلى أريحا. وقبل المدرسة، قرب معسكر النصارية، أقيم حاجز تفتيش غالباً ما عانينا منه وسبّب لنا مشاكل بسبب التأخر عن الدوام المدرسي. ومع ذلك، فإن معاناة تلك الأيام لم تكن تذكر إزاء معاناة الفلسطينيين منذ اجتياح المدن الفلسطينية في ربيع ٢٠٠٢ إبان انتفاضة الأقصى، وهي المعاناة التي أوحت للقاص أكرم هنية بكتابة قصة «زمن حسان» اللافتة التي ظهرت في مجموعة «دروب جميلة» (٢٠٠٧). لقد غدا الحاجز مكان بيع وشراء، بل مكان ولادة طارئاً أيضاً يشار إلى من يولد فيه: ولد على الحاجز. صارت حياة الفلسطينيين عليه أقرب إلى اللامعقول، ما دفع القاص إلى توظيف اللامعقول في بناء قصته. ولد حسان على الحاجز، فبنت أمّه بيتاً هناك، وتحول البيت إلى قرية... إلخ.
في أيامنا هذه، بعد «طوفان الأقصى»، احتل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة وقسمه إلى قسمين يفصل بينهما حاجز «نتساريم» الذي انسحب منه في ٩/ ٢/ ٢٠٢٥، وفي أيامنا هذه تحاصر مدن الضفة الغربية وتقام الحواجز على جميع مداخلها، وصار الحديث عنها ممتلئاً بالسخرية التي تعبّر عن واقع مر قاس وصعب، وصار المرء يفكر تفكيراً عميقاً إن أراد التنقل بين المدن - طبعاً إذا صرفنا النظر عن الحواجز التي تفصل بين المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ والمناطق المحتلة في العام ١٩٦٧. إن أردت أن تتنقل بين المدن، فعليك أن تتزود بالطعام والشراب، ولا بأس أن تأخذ معك نارجيلة وورق شدة لكي تتسلى. وإن أغلق الحاجز، فعليك أن تبيت في العراء أو تذهب إلى إحدى القرى المحيطة تنشد الضيافة.
في روايتها «الميراث» (١٩٩٧)، كتبت سحر خليفة صفحات عديدة عن معاناة الفلسطينيين على الحاجز، على الرغم من أن الزمن الذي تجري فيه الأحداث هو زمن السلم - أي زمن أوسلو الذي يفترض ضرباً من الاسترخاء. ما قرأناه في رواية سحر لم يخلُ منه كتاب سعاد العامري «شارون وحماتي» (٢٠٠٥)، وفيه كتبت كتابة ساخرة عن زيارة ابن رام الله مدينة القدس. أنت بحاجة إلى كلب يمتلك جواز سفر إسرائيلياً، لكي يسمح لك بالسفر كمرافق لمعالجة الكلب.
وليس لدي إحصائية بعناوين القصص والروايات التي اشتمل عنوانها على دوال مثل «حاجز» و»جسر» و»بوابة» و»معّاطة» أو ما شابه، غير أنني بالتأكيد لا أنسى عنوان رواية عزمي بشارة «الحاجز: شظايا رواية»، والمؤلف ولد في فلسطين التاريخية - ١٩٤٨، ومع ذلك فإن معاناته في التنقل أوحت له بالعنوان الدال.
في العام ٢٠٠٣ بدأت أكتب زاويتي الأسبوعية في جريدة الأيام الفلسطينية «دفاتر الأيام»، والجريدة تدفع لمن يكتب عموداً أسبوعياً مكافأة شهرية لم أستلمها مدة سبعة أشهر. مرة اتصل بي أحد محرري الجريدة، وطلب مني مقالاً عن إحدى الشخصيات الأدبية التي توفيت، وعندما استجبت سألني المحرر:
- على فكرة لك عندنا مكافآت. لماذا لا تأتي لاستلامها؟
كانت الحواجز العديدة بين نابلس ورام الله مزعجة جداً. وأظن أنني خلال سبع سنوات الانتفاضة تلك لم أغادر نابلس إلا مضطراً، فلم أزر رام الله أو القدس أو الخليل أو بيت لحم إلا مرات قليلة جداً.
في أثناء «طوفان الأقصى» - أي منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 - غادرت نابلس ثلاث مرات فقط لم تكن أي منها إلى رام الله. لقد اغتنمت فرصة عيدَي الفطر والأضحى لكي أزور أختي في قرية تقع في الوسط بين نابلس ورام الله، ومرة سافرت إلى عمّان لأطير منها إلى سلطنة عُمان، ولولا أن السلطنة سهّلت لي التأشيرة لما طرت، فالذهاب إلى رام الله لاستخراج التأشيرة سيكون العائق.
غادر الدكتور أحمد حرب ولم نلتقِ. تواعدنا واتفقنا ولكنها الحواجز بين المدن، لا الحواجز اللغوية بيننا وبين الإسرائيليين كما ذهبت مستشرقة ألمانية درست قصيدة محمود درويش «عابرون في كلام عابر» ورأت في اللغة سبباً لعدم تفاهم الفلسطينيين والإسرائيليين.
غادر أحمد حرب دون أن أشارك في جنازته. تماماً كما غادر من قبل شعراء عديدون مثل علي الخليلي وأحمد دحبور، ومن قبل محمود درويش وفدوى طوقان، على الرغم من أنني كنت في نابلس أحاضر في الجامعة. يومها كنا نغتنم يوم دوام لنعطي محاضراتنا المتعثرة في زمن انتفاضة الأقصى.
وأنا أنظر في موت «أبو فجر» وأتابع تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول تهجير الفلسطينيين، وأشاهد ما يلمّ بسكان مخيمات شمال الضفة الغربية الثلاثة (جنين وطولكرم والفارعة)، وتهجير سكانها، لم أتذكر سوى عبارة «أبو قيس» في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» (١٩٦٣) في موت الأستاذ سليم قبل سقوط قريته بليلة واحدة ودفنه في ترابها:
- «يا إلهي! أتوجد نعمة إلهية أكبر من هذه؟».
تذكرتها كما لو أن ما ألمّ بـ»أبو قيس» سيلمّ بي. تذكرتها لأخاطب بها «أبو فجر» الذي وجد من يدفنه في تراب رام الله التي أحبّ.
***
72- هوامش من وحي ما جرى في غزة... صــدى لــلــصــدى
إن كان أكثر ما كتبه الأدباء الفلسطينيون في وصف الواقع الفلسطيني، منذ بدأت المأساة الفلسطينية، هو صدى لها، فإن كثيراً مما كتبته منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ولمدة ٤٧١ يوماً لم يكن إلا صدى للصدى، ذلك أن مقالاتي ويومياتي لم تكن تخلو من اقتباس أو تضمين مما كتبه الشعراء الفلسطينيون قبل العام ١٩٤٨ وبعده، وأخص بالذكر هنا إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي أبو سلمى ومحمود درويش وأحمد دحبور ومريد البرغوثي وغيرهم.
«صدى للصدى» ولم يقل هذا لي أحد قرائي. لقد ألمح لي أنني صدى لمحمود درويش بالتحديد، ذلك أن أكثر إحالاتي خصت شعره.
مرة قال درويش:
- إنني لا أريد أن أكبر على جراح شعبي.
وأنا لا أريد أن أكبر على قصائده وعلى قصص كنفاني ورواياته وإبداعات كتابنا. لم أكن أخطط لهذا ولم يخطر ببالي أن أكتب يوميات تتكئ على ما أنجزوه. فجأة كان الطوفان. فوجئنا به ووجدت نفسي أكتب يومياته كما حدث معي حين كتبت يوميات جائحة كورونا. الأحداث الكبرى تفرض نفسها علينا ونجد أنفسنا نعبر عنها.
غالباً ما أرد على من يعبر عن دهشته من بعض كتاباتي بالقول:
- الحياة تكتبنا ونحن نصوغها.
وإن كانت فدوى طوقان، وقبل بروز محمود درويش شعرياً، نعتت أخاها إبراهيم بأنه شاعر الوطن، فإنه يصح أن نمنح هذا اللقب لدرويش الذي ظل يكتب الشعر الوطني منذ ١٩٦٠ إلى ٢٠٠٨ - أي مدة ٤٨ عاماً، وهي مدة تزيد ٧ سنوات على الفترة التي عاشها إبراهيم طوقان.
حتى درويش نفسه رأى في شعره هامشاً وسعه فيما كتبه سابقوه. غالباً ما لا تغيب عن ذهني قصيدته:
«تنسى كأنك لم تكن».
في القصيدة المشار إليها يعترف الشاعر بأن هناك من سبقت خطاه «خطاي» ومن أملى رؤاه على «رؤاي»، وأن هناك من نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية أو يضيء لمن سيأتي بعده أثراً غنائياً.. وحدساً. وهو لا يستبعد أن هناك من سيأتي بعده لتمشي خطاه على «خطاي» ومن سيتبعه إلى رؤياه... والقصيدة لافتة وقد وردت في ديوان «لا تعتذر عما فعلت».
الحكاية هي الحكاية. منذ ١٩٤٨، بل ومنذ بداية المشروع الصهيوني ونحن نتحدث عن التهجير والإبادة.
كان إبراهيم طوقان أول من كتب في هذا:
«أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة» و»يا قوم ليس عدوكم ممن يلين ويرحم».
وفي كل حرب من الحروب التي لا تنتهي تتكرر الأحداث والمواقف.
نحاصر ونهجر أو نباد أو نعذب. وفي كل مرة نستنجد بالعرب دون أن نتعلم، علماً بأن الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) كتب في العام ١٩٣٦ قصيدته الشهيرة:
«أنشر على لهب القصيد
شكوى العبيد إلى العبيد»
ولا نتعلم.
كلما استنجد الفلسطينيون بالعرب استحضرت القصيدة واستحضرت ما قاله الشعراء اللاحقون في الموضوع. خذلتنا الصحارى. كتب سميح القاسم. عرب وباعوا روحهم عرب وضاعوا. كتب محمود درويش وأضاف:
كم كنت وحدي!
ولم يختلف عنهما مريد البرغوثي في «طال الشتات»:
طال الشتات وعافت خطونا المدن
وأنت تمعن بعداً أيها الوطن.
وأفاض مريد في الكتابة عن الخذلان.
في طوفان الأقصى وحصار قطاع غزة حضر ديوان محمود درويش «حالة حصار» (٢٠٠٣) كما لم يحضر ديوان آخر.
في بداية الحرب استحضرت نصه النثري «صمت من أجل غزة» (١٩٧٣) واستحضرت بعض قصائد من ديوانيه «محاولة رقم ٧» (١٩٧٤) و»حصار لمدائح البحر» (١٩٨٣) ومع اشتداد الحصار وطول مدة الحرب صرت أكرر قصائد من «ورد أقل» (١٩٨٥) لكن أكثر الدواوين حضوراً هو «حالة حصار»، وثمة مجموعات عديدة لم تستحضر قصائدها. من قال إن الشعر الوطني قليل الأهمية؟!
ربما أعادت الحالة الفلسطينية لهذا اللون من الشعر الاعتبار! ربما!
في العام ٢٠٠٠ بدأت انتفاضة الأقصى وخلال عامين اجتيحت مدن الضفة الغربية واستبيحت.
كان محمود درويش يقيم في رام الله ويكتب ما يجيش به صدره. يتابع الأحداث اليومية ويرصد مفاصلها ويتأملها ثم يصوغ مقطوعاته التي تعبر عن رؤية إنسانية عميقة. يجلس في شقته محاصراً ويكتب.
في ٧ أكتوبر لم تتوفر هذه الفرصة لأبناء قطاع غزة إلا أقلهم. من نجا نزح ومن نزح فقد البيت وشروط الكتابة. وكان لا بد من كتابة.
أشرطة الفيديو والأخبار والمذياع وحديث الناس في الشارع وشاشات التلفاز في المقاهي والمطاعم و .. و ... . هذه كلها جعلتنا، من بعيد، نعيش الحرب ونكتب يومياتها.
ولأن الشعر أسهل للحفظ فإنه سرعان ما يستحضر، ولأنني قارئ جيد لأشعار محمود درويش، ولأنني كتبت غير مرة عن قصائد «حالة حصار» فقد أخذت تتسلل إلى يومياتي، لا كما حفظتها الذاكرة، بل من خلال نقلها من الديوان نفسه حتى لا يتم العبث بها، وللكتابة بقية.
***
73- هوامش من وحي ما جرى في غزة، كما لو أن الشاعر كتب قصائده في وصف ما يجري
عندما كنت أتابع بعض صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بأفراد، أو باعتبارها مواقع لغير شخص، كنت ألاحظ مدى إدراجها مقاطع شعرية مما كتبه محمود درويش، وفي كل حرب من حروب غزة منذ ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩ تكثر الاقتباسات مما كتبه سواء في غزة أو في بيروت. صمت من أجل غزة أو الخروج من ساحل الأبيض المتوسط أو البنت/ الصرخة في هدى أبو غالية أو أنت منذ الآن غيرك، والأكثر الكتاب النثري «ذاكرة للنسيان: الزمان بيروت والمكان آب» (١٩٨٦) و»مديح الظل العالي» المطولة التي كتبها في حرب لبنان ١٩٨٢.
وتستحق تلك الاستعادات وإعادة الإدراج الرصد والدراسة والتحليل، فما من شاعر آخر غيره حظي بما حظي به؛ ممن سبقوه أو ممن عاصروه أو ممن أتوا بعده أو من الشعراء الذين يعيشون الحدث. هل هذا حكم كاتب متعاطف مع الشاعر أم هو حقيقة؟
مرة، وجه الشاعر الغزي ناصر عطا الله لي لوما سببه كثرة كتابتي عن أشعار محمود درويش وقلة الالتفات إلى غيره وإهمال الكتابة عن الشعراء الجدد وهو أنني صحرت الشعر الفلسطيني، ولا أعرف إن كان محقا في لومه لي، فأنا لست الناقد الأدبي الوحيد في الساحة الأدبية الفلسطينية أو في الساحة الأدبية العربية التي كتب نقادها ودارسوها الكثير الكثير عن الشاعر وشعره.
كل ما في الأمر هو أنني نشأت على قراءة شعر شعراء المقاومة واقتربت ذائقتي الشعرية من الشعر الذي كتبه، وهذا لا يعني أنني لم أقرأ لغيره. لقد قرأت أشعار توفيق زياد ومعين بسيسو وسميح القاسم ومريد البرغوثي وقرأت نثر معين ومحمد القيسي وروايات إبراهيم نصر الله و.. و.... بل وكتبت عنها واقتبست منها ولكن حضور أعمالهم فيما كتبت ظل أقل.
في حرب الطوفان، أدرجت يوم ارتقاء حسن نصر الله ويوم ارتقاء يحيى السنوار مقاطع من «مديح الظل العالي» لاءمت ما ألم بهما، وبدا إدراجي لمقاطع كما لو أن محمود درويش كتبها فيهما، ما سبب جدلا واسعا بين محبي الرجلين وغير محبيهما، وذهب غير المحبين إلى اتهامي شخصيا بأنني أقول الشاعر ما لم يقله وأسيء إلى شعره.
عندما أدرجت المقاطع التي فيها تمجيد للمقاوم لم أكتب «كما لو أن محمود درويش كتب هذه المقاطع في نصر الله والسنوار». بدا الإدراج كما لو أن الشاعر كتبهما فيهما حقيقة، وهات نقاشا وجدالا.
في حروب غزة السابقة، كتب الشاعر خالد جمعة، إن ما يجري في غزة في الحرب لا يختلف عما ورد في «ذاكرة للنسيان». كما لو أن كاتبه يعيش في غزة ويصف ما يجري. ومن المؤكد أن ما جرى في هذه الحرب في غزة لم يحدث مثله من قبل، ولو عاش الشاعر هناك وامتد به العمر لكتب ربما ما نتخيله.
هل كان محمود درويش وهو يكتب عما يلم بالفلسطينيين يكتب من أجل المال؟
في بداية حرب الطوفان، سخر مني بعض متابعي كتاباتي واتهمني بأنني سأثرى. هم يموتون وأنا اكتب وأبيع.
كم من صحافي ارتقى في هذه الحرب؟ هل نفعهم المال وهم يؤدون رسالتهم ويغطون الأحداث؟
عندما طبع عاطف أبو سيف يومياته التي ترجمت إلى العديد من اللغات أخبرني أنه تبرع بعائدها إلى مساعدة أبناء قطاع غزة، وعندما اشترط علي ناشر أراد طباعة اليوميات أن يذهب ريعها إلى أبناء قطاع غزة لم أعارض، وهو ما حدث أيضا عندما طُبع قسم منها وصدر عن دار ميريت في القاهرة وأدرج على موقع أبجد. لقد أعيد نشر الكثير مما أكتب ولم يعد علي هذا بأي مردود مالي، ولا أظن أن المواقع والصحف التي تعيد نشر الكثير لأدباء فلسطينيين تدفع لهم؟
كما لو أن محمود درويش كتب قصائده في وصف ما يجري. حقا كما لو أنه كتبها في وصف ما يجري، والأهم هو مدى تغلغلها في وجدان القارئ الفلسطيني وتمثله لها.
بعد وفاة الشاعر، أراد الناقد فيصل دراج أن يصدر كتابا يحتفي به بذكرى رحيله، وطلب مني، من خلال متحف محمود درويش، أن أخص الكتاب بمقالة عنوانها «محمود درويش في الوعي الشعبي» وقد أنجزت المقالة ولكن الكتاب للأسف لم يصدر، ما دفعني لنشرها في جريدة الأيام الفلسطينية. في حينه لم تكن حروب غزة منذ ٢٠١٤ اندلعت، الحروب التي حضرت فيها أشعار الشاعر كما لم تحضر في الأوقات العادية. ماذا يمكن أن أكتب الآن عن حضور محمود درويش في الوعي الشعبي.
عندما غنت كارول سماحة أسطرا نسبت إلى الشاعر «ستنتهي الحرب» كتبت خمس مقالات في الأسطر. بدأ الأمر قبل الغناء، وتحديدا حين أدرج أشخاص الأسطر ونسبوها إلى الشاعر، فترجمها إلى العبرية الدكتور نبيل طنوس. يومها نبهت الدكتور إلى الأمر وكتبت مقالا في الموضوع. وفي الحرب في أيامها الأخيرة عاد النشيطون فيسبوكيا ليدرجوا الأسطر من جديد وينسبوها للشاعر.
***
74- هوامش من وحي ما جرى في غزة... الأحداث الكبرى تستحضر أعمالاً أدبيـة وتلقـي الضـوء علـى أخرى
لطالما استحضرت الأحداث الكبرى أعمالاً أدبية سابقة وتناصت معها أو عبرت من خلالها عن أحداث معاصرة.
هكذا حفل الأدب الفلسطيني بأساطير قديمة عالمية وعربية، بل وبنصوص أدبية معاصرة. إن قارئ مسرحيات غسان كنفاني وبعض رواياته والدراسات التي أنجزت حولها قرأ عن أساطير قديمة؛ عالمية وعربية، اتكأ عليها.
خذ مثلاً مسرحيته «الباب» التي بناها على أسطورة عربية قديمة، ولكنها في الوقت ذاته ذكرتنا بمسرح العبث.
ذكرتنا بأسطورة «سيزيف» و«طائر العنقاء»، وخذ أيضاً روايته «عائد إلى حيفا» التي استحضر دارسوها، وهم يدرسونها، مسرحية (برتولد بريخت) «دائرة الطباشير القوقازية» وقصة سيدنا سليمان التي بنيت عليها.
تماماً كما أن قارئ محمود درويش في أعماله المبكرة، مثل «عاشق من فلسطين»، يستحضر الأساطير الإغريقية ونشيد بنات طروادة فيه، بل وانتظار الفارس الغائب، ليعبر عن انتظار المرأة الفلسطينية زوجها أو أهلها في المنفى، وهذا غيض من فيض.
في الدراسات النقدية الحديثة شاعت مقولة (هانز روبرت ياوس) القائلة إن النصوص القديمة يمكن أن تقرأ، في ضوء المنعطفات التاريخية الكبرى، قراءة جديدة.
وقياسا عليها يمكن أن نقول إن الأحداث الكبرى/ المنعطفات التاريخية، تستحضر نصوصاً سابقة كتبت في ظروف مشابهة لما يجري في زمن لاحق، وكنت في أحد مقالاتي «تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤» أتيت على نصوص محمود درويش التي استحضرت في حروب غزة المتجددة منذ ٢٠٠٨ /٢٠٠٩ - أي بعد وفاته، لتبدو كما لو أنها كتبت في الأحداث الجديدة التي حدثت بعد وفاته.
ولكي لا أكرر الكتابة فإنني سوف أتوقف أمام كتاب «أثر الفراشة: يوميات» (٢٠٠٨) الذي لم تستحضر كثير من نصوصه كما استحضرت مثلاً قصيدته «مديح الظل العالي» (١٩٨٢) التي كتبت في حرب بيروت في حينه، أو كتابه «ذاكرة للنسيان» (١٩٨٦) الذي كتب عن الحرب نفسها.
لقد ربط كثيرون بين ما حدث في ١٩٨٢ وما حدث في ٧ أكتوبر - أي طوفان الأقصى. وهكذا استحضر الشبيه الشبيه.
وأنا أفكر في استحضار قصائد درويش أكثر من قصائد غيره ذهبت إلى أنه كتبها في أحداث كبرى مر بها الفلسطينيون وأخذت تتكرر، وغلبت عليها النزعة الغنائية، ما سهل حفظها، والغناء، كما قال الشاعر العربي القديم، مضمار للشعر:
«تغن بالشعر إما كنت قائله
إن الغناء لهذا الشعر مضمار».
وأنا استحضر نصوصاً قرأتها تساءلت: وماذا عن أشعار الشاعر الأخرى؟ ماذا عن دواوين كتبها في موضوع غير الموضوع الوطني مثل «سرير الغريبة»؟
لقد وجدت نفسي أقرأ يوميات «أثر الفراشة» لأرى إن كان بعضها يمكن تضمينه وأنا أكتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة.
قبل ٧ أكتوبر استحضرت من «أثر الفراشة» بعض قصائد دون غيرها مثل «البنت/ الصرخة» و»أنت، منذ الآن، غيرك» و»أنت، منذ الآن، أنت» و»اغتيال» و»إدمان الوحيد» في أم كلثوم و»إن أردنا» و»أثر الفراشة»، وعندما كتبت عن اليوميات كتبت عن «اغتيال» لأنها تأتي على علاقة الشاعر بالنقاد، وهذا موضوع يهمني شخصياً، واقتبست من القصائد الأخرى المذكورة، ومررت على بقية القصائد مرور الكرام، وحين سألني صديق عن قصيدة «ليل العراق الطويل: إلى سعدي يوسف» تغلبت في العثور عليها، لأن الناشر لم يدرج عنوانها في الفهرست.
قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، حيث خضعت الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية وخضع قطاع غزة لحكم حركة حماس، غالباً ما استحضرنا «أنت، منذ الآن، غيرك» لأنها كتبت في أحداث ٢٠٠٧ التي أسفرت عن الانفصال الذي استمر وما زال، وكلما فشل المتحاورون في إعادة اللحمة وتلاسنوا استحضرنا القصيدة، وكلما حوصر قطاع غزة واشتد الحصار استحضرنا «فكر بغيرك»، وكلما أمعن المتشددون منا في العيش بالماضي استحضرنا «إن أردنا»، وكلما زرت حيفا استحضرت «أنت، منذ الآن، أنت» وكلما استبد بي الطرب وسمعت أم كلثوم استحضرت «إدمان الوحيد».
في الحرب سأجبر نفسي على قراءة الكتاب والتوقف أمام قصائده لأدرج منها ما يتطابق وما يجري، وفوجئت بقصائد تقول حقاً ما يجري، وعندما أدرجتها تفاعل معها القراء تفاعلاً لافتاً ومدحوا اختيارها.
من هذه القصائد/ اليوميات «البيت قتيلاً» و»نيرون» و»العدو» و»ذباب أخضر» و»البعوضة» و»عدو مشترك» و»اللامبالي».
لاءمت «البيت قتيلاً» ما يجري في غزة كما لم تلائمه قصيدة أخرى، فالعدو لم يقتل البشر وحسب.
لقد دمر البيوت وسواها بالأرض فضاعت البيوت وقتلت فيها الذكريات، وعاش أهل غزة في الخيام فلسعهم البعوض وحط على جلدهم الذباب، فحضرت يوميتا «البعوضة» و»ذباب أخضر» كأن الشاعر كتبهما فيما يجري. وماذا عن (نيرون)؟
أليس تدمير غزة وتسوية بناياتها بالأرض صورة أخرى لما فعله المذكور في روما؟
هل يختلف (بنيامين نتنياهو) و(هيرتسي هليفي) و (يواف غالانت) عنه؟ لقد فعلوا ما فعلوا وهم ينظرون إلى نسف المباني وتفجيرها على سكانها.
عندما كنت أتابع ما ينشره بعض الكتاب الفلسطينيين المقيمين في المنفى تذكرت قصيدة «اللامبالي» وهنا أخص بالذكر الشاعر خالد درويش.
لقد نشر قصيدة «سيان» فأعدت إدراجها في صفحتي وإدراج قصيدة درويش المذكورة معها، متسائلاً: هل بلغ الأمر لدى بعض أدبائنا الوصول إلى هذه المرحلة؟.
***
75- هوامش من وحي ما يجري في غزة: أطــفــالــنــا الآتــون
في تتبع ما جرى في غزة، تتوقف أمام الطفولة الفلسطينية المنتهكة، وهي طفولة مستباحة منذ العام ١٩٤٨، إن لم يكن من قبل، فعوض النابلسي الذي كتب ليلة إعدامه على جدران زنزانته قصيدته الشهيرة «يا ليل خلي الأسير تايكمل نواحه» خاف على وطنه وزوجته وأطفاله «كمشة زغاليل في البيت جوعانة»، ولا نعرف كيف تربى أبناؤه، وماذا فعلت بهم الأيام، وان كنا عرفنا حالات شبيهة، مثل حالة الشاعر خالد أبو خالد والشهيد أبو حسن سلامة. استشهد والد الأول، وكان يقاتل مع عز الدين القسام، وخالد طفل لم يتجاوز العامين، فقعدت عليه أمه وربته، حتى إذا ما كبر التحق بالثورة، وارتقى والد الثاني، وهو يقاوم في عام النكبة، فلما كبر ابنه المولود في ١٩٤٠ التحق بالمقاومة واستشهد في ٢٢/ ١/ ١٩٧٩.
في الحرب الأخيرة «طوفان الأقصى»، ارتقى آلاف الأطفال فبكاهم أهلهم، وفقد آلاف آخرون أهاليهم، فتكفل بهم إخوتهم الأكبر منهم سنا - وأحيانا كانوا أيضا أطفالا - أو أعمامهم أو أخوالهم، وأحيانا تكفل بهم معارفهم أو من كانوا قريبين من موقع القتل، ومن أغرب أشرطة الفيديو التي شاهدتها شريط عثور رجل، في مركز إيواء قصف، على طفل رضيع أخذه معه ورباه مدة عام، وحين عقدت هدنة بحث عن أهله من خلال إيراد معلومات عن العثور عليه: المكان واليوم، فعرف والد الطفل وذهب ليستلمه.
وموضوع الأطفال الذين ارتقى أهاليهم والعناية بهم موضوع حضر حضورا لافتا في الأدبيات الفلسطينية وحضر أيضا في الأغنية الشعبية الفلسطينية، وكل من أصغى إلى مغني الثورة «أبو عرب» ردد معه، وهو يغني، أغنية «يا يمة في دقة ع بابنا»:
- يا يمة ما بنربى يتامى
يا يمة سلامة شبابنا.
معولا على الشباب الفلسطينيين في تربية أبناء الشهداء كأنهم أبناؤهم أو إخوتهم الكبار، فالأخ الكبير هو الأب الثاني في العائلة الفلسطينية، وهذا لافت أيضا في الأدبيات الفلسطينية وكتب عنه مريد البرغوثي في كتابه «رأيت رام الله».
في الهجوم الإسرائيلي الأخير، في الأسبوع الماضي، ارتقى ما لا يقل عن ١٥٦ طفلا، وفيه أيضا ارتقى آباء وأمهات مخلفين وراءهم أطفالا يحتاجون إلى من يرعاهم ويعتني بهم.
ولست متأكدا من عدد الأطفال الذين فقدوا أهاليهم، وان قرأت أنهم قاربوا الـ ١٨ ألفا. التفكير بمن سيربي هؤلاء ويعتني بهم أعادني إلى بعض الأدبيات الفلسطينية التي قاربت الموضوع، وأبرزها رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» ١٩٦٩ والروايات التي بنيت عليها وروايات أخرى عانى فيها الأطفال الفلسطينيون مثل رواية رضوى عاشور «الطنطورية» ٢٠١٠ ورواية سعاد العامري «بدلة إنجليزية وبقرة يهودية» ٢٠٢٣.
في رواية كنفاني، تترك الأم في أثناء الفوضى التي دبت في حيفا، طفلها الرضيع على أمل أن تعثر على زوجها ويعودا إليه وإلى المنزل ولا يعودان إلا بعد تسعة عشر عاما، تكفلت بالطفل خلالها ورعته أسرة يهودية قادمة من بولندا وربته على أنه ابنها، فنشأ صهيونيا يقاتل في الجيش الإسرائيلي، وحين عرف القصة والتقى بوالديه البيولوجيين لامهما لتركهما طفلا رضيعا في الفراش لم يعملا على استعادته، ورفض العودة معهما مختارا الوالدين اللذين ربياه.
وصارت هذه الفكرة/ الثيمة تتكرر في الأدب الفلسطيني والإسرائيلي أيضا، فقد بنى عليها الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل روايته «سامي ميخائيل يلبي نداءنا». الأيام الفلسطينية ٢٥/ ٤/ ٢٠٠٥، وواصلها إياد شماسنة في روايته «الرقص الوثني»، ولم تبتعد عنها سوزان أبو الهوى في روايتها «بينما ينام العالم» وفيها تكتب عن جندي يهودي عقيم يختطف، في حرب العام ١٩٤٨، طفلا فلسطينيا من يد أمه ليربيه.
في رواية رضوى عاشور يدمر في الحرب الأهلية في لبنان منزل فلسطيني على رؤوس ساكنيه فيرتقون جميعا إلا الطفلة مريم، وحين يفحصها الدكتور الفلسطيني أمين يقرر تبنيها، وما لبثت زوجته رقية التي ترددت ابتداء حتى وافقت، وصارت لهما الطفلة ابنة إلى جانب أبنائهم البيولوجيين. اهتموا بها وعلموها ولما درست الطب في مصر ذهبت رقية لتقيم معها وتحرص عليها. العائلة الفلسطينية هنا هي التي ربت الطفلة الفلسطينية الناجية من مجزرة.
في رواية سعاد العامري، يختلف الأمر قليلا ويبدو معقدا، فالطفلة شمس وأختاها نوال ونظيرة ضاعت، في الحرب، أمهن عائشة وأخوهن وسجن أبوهن لسرقة بقرة يهودية وأبعد لاحقا إلى الأردن، فتبناهن المصري المسلم الشيوعي عبد المتزوج من اليهودية الشيوعية رفقة، وهو ما ترفضه الأوقاف الإسلامية، فلا يجوز أن يربي زوجان علمانيان أطفالا مسلمين، بخاصة أن الزوجة يهودية، وفي الشريعة اليهودية ينسب الطفل إلى أمه. تنتزع الأوقاف الإسلامية الطفلات وتضعهن لدى مريم المسلمة التي تجمع الخردة ولا تهتم ببيتها وبهن، فيشعرن كأنهن «سقطن من الجنة اليهودية إلى جهنم المسلمة»، ولسوء حياتهن يهربهن عبد ورفقة من اللد إلى يافا ويربيانهن حتى يلتقين بأبيهن بعد سنوات طويلة من بحثه عنهن.
هل سنقرأ لاحقا ١٨ ألف قصة على غرار القصص السابقة أم سنقرأ بضع روايات تمثل حالتهم؟
***
[76- هوامش من وحي ما يجري في غزة: العيد في غزة وبعض مخيمات الضفة الغربية
منذ فجر الثامن عشر من آذار الذي افتتح بمجزرة في قطاع غزة، وتحديداً في خان يونس وشمال القطاع، حيث استؤنفت الحرب، وأنا غير قادر على فعل شيء سوى متابعة الأخبار.
لا رغبة في القراءة ولا رغبة في تهيئة أجواء عيد ولا رغبة في.. ولا رغبة في.. وحتى القصة القصيرة التي تذكرتها «العيد من النافذة الغربية»، لإعادة قراءتها، قرأتها على دفعات، علماً أنها لا تزيد على ست صفحات.
ما إن أبدأ القراءة حتى أشعر بالملل وتدفعني حرب الإبادة إلى معرفة آخر مستجداتها، وأحمد الله أن جهاز الهاتف هذا، والنت أيضاً، لم يكونا مخترعين يوم أنجزت رسالتي الماجستير والدكتوراه وبعض كتبي اللاحقة حتى العام ٢٠١٠، ومرة استعرت قول المتنبي «على قلق كأن الريح تحتي» لأكتب تحت العنوان.
القصة الوارد ذكرها هي لسميرة عزام الفلسطينية التي توفيت في آب ١٩٦٧ وقد حملت عنوان المجموعة أيضاً، وتعالج فيها قصة امرأة لم يمر على زواجها أكثر من عامين، ثم قضى زوجها على السرير نفسه الذي تزوجا عليه، وقد أثمر زواجهما طفلاً.
ارتدت الزوجة الملابس سوداء اللون وأغلقت، في فصلي الخريف والشتاء، على نفسها، نافذتها الغربية التي تطل على الحديقة، كأنما أرادت أن تجعل العام كله خريفاً لا ربيع فيه.
كانت المرأة ترى في وجه طفلها صورة أبيه، وأحياناً ترى في قدومه فأل شؤم، بخاصة كلما نظرت في وجوه النسوة اللاتي يشاركنها أحزانها، كأنهن كن يوحين لها بما خطر ببالها، فتكاد تكرهه قاتلة الأمومة فيها، إلا أنها سرعان ما تلوم نفسها.
ذات نهار ربيعي تفتح النافذة فترى شجرة التين أينعت واخضرت أوراقها، وترى أشجار اللوز أزهرت وفاح عطرها، فتنبعث فيها الحياة، وهكذا ترى طفلها بذرة تجددت «نحن حياة لا تموت إلا جزئياً لأن في قلبها بذرة التجدد».
تتساءل الساردة/ الكاتبة في نهاية القصة:
«هل كان يجب أن تنتظر العيد لتحس بهذه الحقيقة.. أم أن فكرة العيد هي التي أشعرتها بشكل عجيب كيف تتململ الحياة في أحشاء العدم، كيف يتضاءل الموت وينكمش حتى ليستطيع صغير كصغيرها أن يصرخ فيه: أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا هاوية؟»
وتنهي القصة:
«لأول مرة لا تشرب أفراح العيد ولكنها تشعر بالمعنى الذي يجسده يتدفق عليها من نافذة غربية، ومن نظرة الصغير الذي يلتصق بعنقها، ومن أصوات الصغار المعيدين في الطريق».
هل ستشعر زوجة الصحافي أيمن الجدي الذي ارتقى مع أربعة من زملائه، وهم ينتظرون أمام المشفى ليحتفلوا بابنه الوليد الأول، هل ستشعر بما شعرت به، لوهلة، شخصية قصة سميرة عزام؟
في انتفاضة الأقصى اصطحب زوج ميسون الحايك وأبوه ميسون للمشفى في نابلس لتضع مولودها، فقتله الجنود الإسرائيليون على الحاجز وأصيب أبوه ووضعت ميسون طفلتها.
لا أعرف المشاعر التي انتابت الأم وابنتها خلال الاثنتين وعشرين سنة الأخيرة. الكتابة عن المشاعر يجب أن تصدر عنهما.
ما من متابع لأحداث الحرب في غزة لم يصغ إلى الطفل طليق اللسان ابن الخامسة والنصف فيصل الخالدي.
في ٩ آذار ٢٠٢٤ روى فيصل كيف قتل المحتلون، بلا رحمة، أمامه وأمام إخوته، أمه الحامل وأباه، وشريط الفيديو ما زال متداولاً.
كيف قضى فيصل وإخوته العيدين المنصرمين وكيف سيقضون عيد الفطر هذا؟ لعل الناشطين في غزة يتحرون الموضوع!
من الصفحات التي أتابعها صفحة Muhammad Al attar (محمد العطار) وفيها قرأت عن ارتقاء أخيه الممرض مصطفى.
لقد ترك مصطفى وراءه ثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم السادسة من العمر.
أي طفولة سيعيش هؤلاء وكيف يمكن أن يحتفلوا بعيد ما دون أبيهم؟ ومثل هؤلاء مئات وآلاف.
في أيلول من العام ١٩٨٢ ارتكبت قوات الكتائب اللبنانية تحت حماية قوات الجيش الإسرائيلي مجزرة صبرا وشاتيلا، وكانت مناسبة العيد اقتربت، وأذكر أننا يومها ترددنا بالاحتفال بالعيد وتقديم الحلويات وصناعة كعك العيد.
وعلى الرغم من أن سيدات غزاويات في العيدين الماضيين أصررن على صناعة المعمول، فالحياة لا بد تمشي «ونرقص بين شهيدين» على قول محمود درويش، إلا أن صفحات التواصل الاجتماعي لم تخلُ من كتابات تهاجم من يصنعون الكعك احتفالاً بالعيد.
في صفحتها كتبت الدكتورة هيا فريج عما تعلمته من أمها قبل ٧ أكتوبر.
كانت أمها - إن كان لأحد الجيران فقد ما، عزاء ما - ترفض صناعة كعك العيد، حتى لا تصل رائحته إلى بيت الجيران مشاركة لهم بكربهم. ومع ذلك، فقد أدرجت بعض المواقع صوراً لنسوة غزاويات يصنعن كعك العيد لتوزيعه صدقة على الفقراء.
خلال ٧٢ ساعة في غزة في الأسبوع الماضي ارتقى أكثر من ٢١٠ أطفال، وأغلب الظن أن قدوم العيد في نهاية شهر آذار كان في صميم تفكير أهلهم، على الرغم من أوضاع الحرب التي بدت حرب إبادة. الآن لن يفكر من نجا من الأهالي بالعيد إطلاقاً.
لا ملابس ولا مأوى ولا آباء ولا أمهات ولا عيديات ولا طعام ولا زيارات ولا ولا ولا ولا....
- إن كانت فدوى طوفان أنهت قصيدتها «مع لاجئة في العيد» بقولها:
« أختاه، هذا العيد عيد المترفين الهانئين
عيد الألى بقصورهم وبروجهم متنعمين!»
فلنا أن نكرر أبياتها فيما يتعلق بمن هم خارج فلسطين، وأما في قطاع غزة كله فلا أخمن أن هناك الآن مترفين. هناك بائسون فقط.
***
77- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «لقد أعييت لو ناديت حياً»
في وصف علاقة العالم كله بغزة يكتب الشاعر يوسف القدرة المقيم هناك، يكتب في ٤/ ٤/ ٢٠٢٥ القصيدة الآتية:
«أعادوا تشكيل الحواس:
العين ترى ولا تعترض،
اليد تلمس ولا ترتجف،
والقلب...
أقفل كصدفة ميتة على شاطئ مهمل.
الإبادة الآن طبق يومي،
معلبة، جاهزة،
تقدم بملعقة إعلامية
وبقليل من كلمات «الأسف العميق».
صار الدم «خلفية» للمشهد،
وصوت الطائرات «نغمة» في لحن البقاء،
ونحن...؟
نحن نحاول...
أهذا ما أرادوه؟
أن يفسدوا البداهة؟
أن تصبح الحياة مجرد احتمال إحصائي؟»
وليس هناك خلاف في تأويل بعض الأسطر في القصيدة السابقة، وإن سيختلف قراء عديدون في تحديد هوية الضمائر في الأفعال «أعادوا» و»أهذا ما أرادوه» و»أن يفسدوا البداهة»، فمن هم هؤلاء الذين أعادوا تشكيل الحواس؟ ومن هم هؤلاء الذين أرادوا الإبادة لتصبح طبقاً يومياً؟ ومن هم هؤلاء الذين أفسدوا البداهة: أن ترى العين ولا تعترض وأن تلمس اليد ولا ترتجف فأقفل القلب كصدفة ميتة على شاطئ مهمل؟.
حقاً لقد صارت الإبادة طبقاً يومياً وصارت معلبة جاهزة يقدمها الإعلام بقليل من كلمات «الأسف العميق»، وحقاً صار الدم «خلفية» للمشهد، وصار صوت الطائرات «نغمة» في لحن البقاء، وهو - أي البقاء - ما يحاوله أهل غزة. لقد فسدت البداهة وأصبحت الحياة مجرد احتمال إحصائي.
وليس ما كتبته مريم قوش، وهي تعيش في غزة، ليل ٤/ ٤/ ٢٠٢٥ بمختلف أيضاً. اقرؤوا:
«معقول الناس برا غزة عايشين؟ بيشربوا قهوة الصبح؟ وبيسمعوا فيروز؟ وبيروحوا يتمشوا أو بيروحوا ع الجيم؟ وبيحضروا مسلسلات؟ وبيحكوا لأولادهم قصص؟ ويطلعوا يتنزهوا؟ ويطلعوا ويسافروا؟ معقول برا غزة في حياة طبيعية مكتملة؟ معقول احنا انخلقنا بس للموت والحروب؟ معقول احنا ولا على بال حدا؟ يا الله قديه هاد الشعور بيقهر؟!».
تحيل قصيدة يوسف القدرة إلى الأدبيات الفلسطينية التي كتبها شعراء فلسطينيون فيما مر به الفلسطينيون منذ دير ياسين في العام ١٩٤٨، حتى يومنا هذا، في فلسطين وفي العالم العربي، حتى أن الشعر الفلسطيني والنثر الفلسطيني صارا مدونة قبل أن تكثر كتابة اليوميات منذ شيوع وسائل التواصل الاجتماعي؛ اليوميات التي هي أكثر تفصيلاً ومتابعة، عدا أن قسماً منها يحفل باقتباسات وتضمينات شعرية ونثرية كأنها احتوت الشعر والنثر فيها.
منذ ثورة ١٩٣٦ ونحن نقرأ عمن يرى ولا يعترض ويلمس ولا يرتجف. منذ كتب أبو سلمى قصيدته:
«انشر على لهب القصيد»
بل وقبل قصيدته كتب الثائر النابلسي عوض قصيدته على جدران زنزانته:
«يا ليل خلي الأسير تايكمل نواحه».
وسيكتب توفيق زياد «عمان في أيلول» ومعين بسيسو «الآن خذي جسدي كيساً من رمل» ومحمود درويش «أحمد الزعتر» و»مديح الظل العالي» ومريد البرغوثي «طال الشتات» وسيكتب كثيرون أيضاً، وهكذا تغدو القصائد الفلسطينية في الموضوع الوطني قصيدة واحدة تتكرر فيها الثنائيات نفسها وإن اختلف الشكل وطريقة البناء، وهذا ولا شك يشعر المرء بالملل من قراءة الأدب الفلسطيني ويجعله يكرر سطر محمود درويش الذي تأثر فيه بالأدب العبري «صرنا أقل ذكاء».
حقاً من هم الذين أرادوا ومن هم الذين أعادوا ومن هم الذين أفسدوا لتصبح الحياة مجرد احتمال إحصائي.
في الأسبوعين الأخيرين توحش الإسرائيليون أكثر وأكثر، وفي الأسبوعين الأخيرين خرجت في غزة مظاهرات تطالب بوقف الحرب وخروج حماس من قطاع غزة، فالناس تنشد الهدوء والاستقرار وعدم فقدان الأحبة ولقد ملت من النزوح الذي صار عادة، وقسم منهم هاجر أربع عشرة مرة.
في الأسبوعين الأخيرين شاهد من يتابع الأخبار مشاهد مرعبة مخيفة. جثث بلا رؤوس وجثث بلا أيدٍ وجثث بلا أرجل وجثث مجهولة الهوية صار يعرف بها من لون الملابس أو نوع الحذاء الذي في القدم.
وفي الأسبوعين الأخيرين قتل رجال الإسعاف ومثل بجثثهم ودفنوا معاً، وفي الأسبوعين الأخيرين تخلى بعض رجال الإسعاف عن إنقاذ الجريح في الأنقاض وغطوه بلوح زينكو قائلين له:
- سنعود إليك، فثمة إنذار بإخلاء المكان خلال ثلاث دقائق.
هل كان ما سبق خيالاً؟ أفلاماً هوليوودية؟ سينما خيال علمي؟
في الأسبوعين الأخيرين تظاهر مئات من المصريين وقوفاً مع غزة ومر ذلك مرور الكرام، ويوم الخميس المنصرم ٣/ ٤/ ٢٠٢٥ تظاهر آلاف المصريين محتفلين بفوز برشلونة على اتلتيكو مدريد في مباراة كأس ملك إسبانيا، وعندما نشرت قناة الجزيرة صورة للاحتفال نال المقطع، خلال يوم واحد، ٦١ ألف إعجاب وحظي بـ ٤٦ ألف تعليق وستة آلاف مشاركة. (ارتفعت بعد أربع ساعات إلى ٧٢ ألفاً و٥٥ ألفاً و ٨ آلاف على التوالي).
هل نتذكر ما حدث في صيف ١٩٨٢ أيضاً وهو ما كتب عنه محمود درويش في كتابه «ذاكرة للنسيان»؟
«ولأني أحب كرة القدم، لم أغضب كما غضب غيري من المفارقة. لا مظاهرة واحدة يثيرها حصار بيروت، بينما تثير كرة القدم هذه المظاهرات أثناء حصار بيروت. لم لا؟ إن كرة القدم هي ساحة التعبير التي يوفرها تواطؤ الحاكم والمحكوم في زنزانة الديموقراطية العربية المهددة بخنق سجنائها وسجانيها معاً».
ليست الأمور سهلة إنها معقدة أكثر مما نتصور و... و... و حالة تعبانة يا ليلى!
***
78- هوامش من وحي ما يجري في غزة من يشتري مني العرب؟
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ برزت في الأدب العربي نزعة مازوخية. تلذذ الشعراء، باستثناء شعراء الأرض المحتلة، بشتم الذات القومية والتقليل من شأنها والمبالغة في احتقارها. كتب نزار قباني «هوامش على دفتر النكسة» ومظفر النواب «وتريات ليلية» وعبد الرحمن منيف روايته «حين تركنا الجسر».
لازمت النزعة المازوخية قباني في كثير مما كتبه وبلغت ذروتها قبل وفاته بسنوات قليلة حين كتب قصيدته «متى يعلنون وفاة العرب؟»، وتراجعت لدى النواب حيث لم يعد يلجأ إلى التعميم «ما أوسخنا لا استثني أحدا»، وصار يميز بين المقاوم والحاكم ولم يتبرأ أبدا من عروبته، إذ ظل منتميا إليها، معتزا بها، وهو ما بدا في قصيدته «المسلخ الدولي: باب بوابة الأبجدية»: «ولم يعد بنخلة أهله الدنيا فنخلة أهله الأزل».
وواصل منيف كتابته عن الديمقراطية والحريات وعالم السجون، ذاهبا إلى أن العرب لن ينهضوا إلا إذا شاعت الديمقراطية وانتشرت الحريات وتخلصوا من عار السجن السياسي.
اللافت هو أن أكثر شعراء المقاومة اختلفت نغمة كتابتهم، وأخص هنا درويش والقاسم ويمكن أن أضيف إليهما مريد البرغوثي، فنزعة التفاؤل التي طغت على أشعار الأولين بعد ١٩٦٧ تراجعت وحل محلها التشاؤم والشعور بالخذلان وتخلي العالم العربي عن الفلسطينيين. بدت هذه في مطولة درويش «مديح الظل العالي» التي صرخ فيها: «كم كنت وحدك!» و»عرب وباعوا روحهم عرب وضاعوا» و»لغة تفتش عن بنيها تموت ككل من فيها وترمى في المعاجم».
ولخص عنوان سربية القاسم موقفه «خذلتني الصحارى»، فيما كتب مريد في مطولته «طال الشتات» عن تخلي العرب في حرب ١٩٨٢ عن الفلسطينيين وخذلانهم «أهذا صوتك المخذول نادى أم أنك قد يئست من المنادى؟!».
في حروب غزة المتلاحقة منذ ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩ علا صوت الغزيين باستمرار، معبرين عن عدم مناصرة العرب لهم، فما من حرب لم تتكرر فيها مقاطع من «مديح الظل العالي».
على أن شعور الغزيين بالخذلان وتخلي العرب والفلسطينيين غير المقيمين في غزة عنهم، لم يشبهه أي شعور سابق، وإذا أردت التأكد من هذا فما عليك إلا أن تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو أن تشاهد أشرطة الفيديو التي تبث من هناك.
تعبير الغزيين عن معاناتهم وشعورهم بأنهم وحيدون في هذا العالم دفع قسما منهم إلى المطالبة باستقلال غزة وتعريف هويتهم بأنهم غزاويون، لا مسلمون ولا عرب ولا فلسطينيون. ولم تخل كتابتهم من الانتقاص من الآخرين ونعتهم بأنهم موتى بلا قلوب، وهذا استفز بعض العرب، بل وبعض الفلسطينيين، فأخذوا في تعليقاتهم يسألون أصحابها عما فعلوه إبان حصار العراق، وإبان ما تعرض له الشعب السوري منذ العام ٢٠١١. لقد حوصر العراقيون وجاعوا، وحوصر السوريون وتشردوا، فلجؤوا وأقاموا في المخيمات في الدول المجاورة كالأردن واحتقروا في لبنان، فيما واصل الغزيون حياتهم وشربوا قهوتهم الصباحية ولم ينتحروا ولم يتظاهروا.
كل ما سبق لا يعني أن هناك عربا كثرا لم يشعروا مع أهل غزة ولم يتعاطفوا معهم ولم يرفعوا أصواتهم هاجين ناقمين ساخطين شاتمين، ولعل أبرز قصيدتين تكرر نشرهما وقراءتهما، بل وحفظهما، هما قصيدة الشاعر اليمني فتحي مسعود «سنبيعكم! لكن لمن؟!» وقصيدة الشاعر فايز أبو جيش «من يشتري مني العرب؟» (آخر إدراج لها في ٧/ ٤/ ٢٠٢٥ في موقع الإمام حقق خلال ١٨ ساعة ٤٩٠٠ إعجاب و٧٠٠ تعليق و٢١٠٠ مشاركة وسيرتفع العدد خلال ٤٨ ساعة إلى ٢٧٢، ٤٤ إعجاب و٥٦٠٠ تعليق و١٦٢٠٠ مشاركة، وهذا له دلالته).
كلتا القصيدتين كتبت قبل الحرب الأخيرة بسنوات قليلة. كتبت الأولى في العام ٢٠١١ ونشرت في العام ٢٠١٩، وكما قرأت فقد كتبت الثانية بوحي من الأولى.
يقول مسعود:
«سنبيعكم لكن لمن؟! من يشتري منا العفن؟!/ من يشتري منا النجاسة والقذارة والفتن؟!/ من يشتري منا صراصير النذالة والوهن؟!/ من يشتري منا الكوارث والمصائب والحزن؟!/ من يشتري منا اللصوص المستغلين الخون؟!/ من يشتري العملاء والجبناء والأوساخ من؟!».
وحين نتمعن في القصيدة كاملة نعرف أنها كتبت في زعماء بلاده، ولكنها حين نشرت صارت تقرأ على أنها في العرب قاطبة.
أما أبو جيش المولود في دير علا في الأردن، فيكتب:
«من يشتري الأعراب مني، والعروبة والعرب؟/ من يشتريهم كلهم جمعا، بحمل من حطب؟/ من يشتري أشرافهم بحذاء طفل من حلب؟/ من يشتري أذقانهم؟ وله إذا ما شاء الشنب؟/ ما قد سمعنا عاقلا يبتاع من تيس ذنب؟»
وأعتقد أن ما قرأناه في القصيدتين يستحق المساءلة والمناقشة لا التسليم به على أنه قول فصل، وأننا في المقابل يجب أن ننظر إلى الجهات الأخرى التي قد يتمنى الشاعران أن يكون المهجوون مثلها حتى لا يعرضوا للبيع.
هل أميركا وإسرائيل والغرب، فيما ارتكبوه في ماضيهم ويرتكبونه في حاضرهم، لا يستحقون ما يستحقه العرب أيضا؟
في ستينيات القرن العشرين كتب درويش «سجل أنا عربي» وفيها صرخ: «نعم عرب ولا نخجل»، وبعد سنوات صرخ مظفر: «إن كنتم عربا بشرا حيوانات»، وبعده بثلاثة عقود تساءل قباني «متى يعلنون وفاة العرب؟» وقبل عقد من الآن عرضنا أبو جيش للبيع، و... ولست أدري ما الصحيح!
حالة تعبانة!
***
79- هوامش من وحي ما يجري في غزة
جنون ما يجري - سيرة يوم: الزمان غزة، المكان ١٣ نيسان ٢٠٢٥
صباح الأحد الماضي ١٣/ ٤/ ٢٠٢٥ تصفحت، منذ ساعات الصباح الأولى أخبار ما يجري في غزة، وقرأت العديد منها. قسم منها تقرؤه وحسب، وقسم ثانٍ، مقترن بأشرطة فيديو، ترى فيه غزاويين وتسمع كلامهم، فيلامس هذا الوجدان ويحرق القلب - إن كان المشاهد ذا قلب، فثمة من لا قلب له، وإن كان له فينطبق عليه قول الشاعر إبراهيم طوقان:
«لا تلتمس يوما رجاء عند من جربته فوجدته لم يشعر»، لأن له قلبا كالقبور بلا شعور، قلوب أقسى من الصخر، فالصخر أحس رجاءنا فتصدع «لا تعجبوا، فمن الصخور نبع يفور».
وعبثا حاولت أن أتخلص من ذهول وصمت ألما بي. أقرأ فلا أركز. لا أفهم ولا استوعب ولا رغبة بي لفعل أي شيء، حتى لتنظيف الشقة التي أقدم على شطفها بنشاط لافت كما لو أن بي شغفا لهذا الفعل.
أجلس أنهض أذهب أعود أغلي الشاي أتشمس على الرغم من الأجواء الباردة ولا أهدأ. أتصفح ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي وأمعن النظر فيما يدرجه النشيطون من أشرطة فيديو أو من أخبار مترجمة عن العبرية أو آراء تعبر عن رؤيتهم لما يجري، وأعيد إدراج بعض ما أدرجوا ممهدا له بعبارة «جنون ما يجري في غزة»، وأتذكر دال الجنون في قصيدة محمود درويش «مديح الظل العالي» وفي كتابه «ذاكرة للنسيان: المكان آب. الزمان بيروت. سيرة يوم». هل ننسى ما عاناه أهل بيروت في ١٢ آب ١٩٨٢؟ إن نسيناه فالأدب يذكرنا به، ولست متأكدا من أن أحدا ممن عاش في بيروت في ذلك اليوم يعيش الآن في غزة ويشهد يوم الثالث عشر من نيسان ٢٠٢٥، ليصف لنا هول ما لقي هنا وهناك ويوازن - إن استطاع، مع فارق أنه قبل ٤٣ عاما كان شابا يحتمل وهو الآن عجوز ستيني أو سبعيني غير قادر على الاحتمال. كم من فلسطيني عاش تجربة حصار بيروت وعاد مع العائدين في ١٩٩٤ ليشهد في العام ٢٠٠٢ اجتياح مدن الضفة الغربية؟! ولا أعرف كم من قارئ قرأ الجزء الثالث من رواية إلياس خوري «أولاد الغيتو: رجل يشبهني» والتفت إلى من عاشوا الحصارين: ١٩٨٢ و٢٠٠٢. إن قسما من شخصيات رواية «باب الشمس» ممن شهدوا حرب بيروت ١٩٨٢ عاد إلى جنين ونابلس ورام الله والخليل ليعيش الحصار والاجتياح.
في الثالث عشر من نيسان ٢٠٢٥ تشاهد شريط فيديو تودع فيه والدة الشهيد نعيم حماد نعيما الذي تم استهدافه قرب مدخل البصة في دير البلح، وتعرف أنها فقدت ١٣ شخصا من عائلتها. بكت الأم التي لم تغادر ابنها سوى لدقيقة ثم عادت تبكيه وتخاطبه «خذني معك يمه.. مين عندي يمه». ثمة بكاء ولا زغاريد.
وفي الثالث عشر من نيسان يفقد أبو إبراهيم مهادي أبناءه الستة في غارة جوية على سيارة وسط قطاع غزة/ غرب سوق دير البلح. كان الأبناء يعدون الطعام لتوزيعه على الأهالي فقتلهم صاروخ، وفي اليوم نفسه، صلى الأب على أبنائه. وقف ثابتا ثباتا أدهشنا، إذ كيف احتمل هذا؟ ثلاثة منهم متزوجون ولهم أبناء، وأصغرهم ذهب مع إخوته ليشتغل حتى يشتري هاتفا جديدا.
وفي الثالث عشر من نيسان، نقرأ القصيدة الآتية للشاعر يوسف القدرة:
«آمل أن يتوقف هذا الجنون/ الجنون ريح تكسر الأبواب، ولا تترك خلفها غير الصدى/ قط حديدي شرس، يقفز من سطح إلى/ آخر، ينهش الهواء، ويلعق الدم/ المدن تتحول إلى غبار وصراخ/ الناس يسلخون من جلودهم، يسحبون/ من أسرتهم كجثث ويرمون في العراء دون ظل، دون جدار، دون رغيف/ معلق عند باب خيمة بالية/ العقلاء يغيبون/ يتوارون خلف شاشات تمضغ الحروف/ وتمتد كظل لا روح فيه/ الخريطة تنبح. القصيدة تخرس/ المربعات تقضم زقاقا زقاقا، نافذة/ نافذة، حلما حلما/ البيوت تنخر/ الأسرة تصلب/ والصوت يصعد من التراب، لا من/ الحنجرة/ الذين يموتون لا يودعون/ الذين ينجون يتحولون إلى أطياف/ تمشي بأقدام لا تعرف لمن تنتمي:/ للحي أم للمقبرة/ آمل أن يتوقف هذا الجنون../ الجنون هو اللغة/ وما تبقى منا: صمت بحجم المجزرة/ ودمعة لا تجد خدا تنزل عليه».
وفي اليوم نفسه، تشاهد في صفحة مؤمن مقداد شريط فيديو لإخراج المرضى من مشفى المعمداني، بعد أن أمهل الإسرائيليون القائمين عليه ٢٠ دقيقة لإخلائه. في الشريط تسمع الصراخ وترى الجرحى على الأسرة يجرون إلى العراء.
وفي اليوم نفسه، تهنئ سفارة الإمارات في تل أبيب المستوطنين بعيد الفصح اليهودي، متمنية لهم عيدا مليئا بالازدهار والسلام).
- وماذا عن خنساوات غزة؟ تساءل قسم من النشطاء وفي ذهنه ربما الشاعرة آلاء القطراوي التي فقدت أبناءها الأربعة معا.
ولا أعرف لماذا لم أقرأ تساؤلات عن أبي ذؤيب الهذلي الذي فقد أولاده الخمسة معا. هل سيكتب لنا أبو إبراهيم مهادي قصيدة على غرار قصيدة «أبو ذؤيب»؟ وما جدوى القصيدة؟!
حالة تعبانة؟!
***
80- هوامش من وحي ما يجري في غزة: عرس فلسطيني، عرسان غزازوة
في صفحته يكتب إيهاب الحلو يوم الجمعة ١٨/ ٤/ ٢٠٢٥ الآتي:
«قبل قليل قصف صالون حلاقة وسط مدينة خان يونس، فسقط ستة شهداء بينهم ثلاثة إخوة..
لكن الخبر لم ينته هنا.
من بين الشهداء الستة كان هناك عريس. شاب يستعد لزفافه غدا. يتهيأ بشكله وقصة شعره لليلة العمر، ليلة الفرح التي حلم بها طويلا. لكنه الآن زف لا إلى عروسه، بل إلى الجنة.
انتهى الزفاف
وانتهى الخبر..
لكن الحرب لم تنته.
أوقفوا الحرب».
وأدرج إيهاب نفسه بعد كتابة منشوره شريط فيديو لأم العريس تنعى أولادها الثلاثة وتخاطب ربها بأن يرضى، فقد أرسلت له أبناءها الثلاثة وهم فادي عثمان شبير، وهو العريس، وأخواه حذيفة وسعيد. زغردت الأم وهاهت ولكنها لم تنجح في إخفاء دمعتها وما تحمله فيها من ألم وحسرة. كما لو أنها كانت تزغرد زغرودة حزينة مبكية! هل سمعتم من قبل عن زغاريد بكاء؟ كنا نقرن الزغرودة بالفرح ومناسباته، ولكن زغرودة المرأة عبرت عن لوعة وحسرة وفقدان غير متوقع. هل كانت أقسمت أن تزغرد في عرس كل منهم؟ وجاء يوم العرس في يوم الفقدان.
وفي ساعة متأخرة من يوم الأحد ٢٠/ ٤/ ٢٠٢٥ يكتب الناشط حسن القطراوي الآتي:
«يقتلون كل شيء حتى الأحلام. قبل زفافها بساعات سرقت الحرب عريسها، فتحول الفرح إلى مأتم، والحلم إلى كابوس» فتعقب بثينة رشدي اشتيوي. متابعة «ابنة أختي خطبت وثاني يوم العريس استشهد وهذا العريس الثاني يستشهد خلال الإبادة. الأول نهاية أكتوبر، والثاني قبل شهر. الله يفرجها عليكم يا أهل غزة».
وقصة المصورة الصحافية فاطمة حسونة شاعت كما لم تشع قصة أخرى. خطبت منذ ثلاثة أشهر وكانت تستعد لزفافها فماتت ميتة رجت الله أن تكون تليق بها. بعد يوم من اختيار فيلمها الوثائقي: « Put Your Soul On Your Hand And Walk « لقيت فاطمة، مع تسعة من أفراد أسرتها بينهم شقيقتها الحامل، حتفها في غارة جوية استهدفت منزلها في غزة.
وكلما قرأنا أخباراً مثل هذه وجدنا أنفسنا نكرر أسطر محمود درويش التي افتتح بها قصيدته «طوبى لشيء لم يصل» التي كتبها في رثاء شهداء عملية فردان في بيروت ١٩٧٣؛ كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار:
«هذا هو العرس الذي لا ينتهي/ في ساحة لا تنتهي/ في ليلة لا تنتهي/ هذا هو العرس الفلسطيني/ لا يصل الحبيب إلى الحبيب/ إلا شهيدا أو شريدا».
المقطع السابق كنت ضمنته مقالي «تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: عرس فلسطيني الذي شرعت في كتابته في ١٣/ ٦/ ٢٠٢٤ ونشرته في هذه الزاوية في ٢٨/ ٧/ ٢٠٢٤، وفي المقال توقفت أمام رواية الكاتب السوري أديب نحو «عرس فلسطيني» وقصتي «العريس» ١٩٧٩، وأتيت على ظاهرة أعراس أهل غزة إبان الحرب التي تُجودِل حولها كثيراً. كما لو أن الحكاية نفسها تتكرر باستمرار، فالأحداث التي دفعتني في حينه للكتابة عنها نقرأ، في هذه الأيام، عن أحداث وحكايات وقصص مشابهة لها.
في مقالي الأول أوردت ما كتبه يوسف فارس المراسل التلفزيوني المقيم في قطاع غزة. كتب يوسف عن فرح روان شقيقة زميله عبد القادر صالح التي استُشهد يوم فرحها زوج أختها إيمان التي كانت تهيئها للعرس، فأخفوا الخبر عن الزوجة ليتم العرس.
ما كتبه إيهاب الحلو لا يختلف إلا في التفاصيل عما كتبه يوسف فارس. مجرد تغيير في الأسماء وتعديل في بعض الأحداث.
هل يختلف ما نكتبه نحن هنا وفي غزة عما كتبه من عاش تجربة بيروت؟
لنقرأ ما كتبه يسري الغول ونقارنه بما كتبه محمود درويش. كتب يسري في ١٨/ ٤/ ٢٠٢٥:
«صدقاً، بت أشعر بتقزز من كلمة عربي أو مسلم. لم يعد لدينا أي إيمان بأحد. ولو قدر لي العيش لاحقا، سأكفر بكل ما دون غزة، حتى وان سالت دماء الأمة في النيل أو الفرات».
الكتابة هذه تذكرنا بدرويش في «مديح الظل العالي»: «كم كنت وحدك» و «عرب وباعوا روحهم عرب وضاعوا» و»يا وحدنا» و «يدعو لأندلس إن حوصرت حلب» وبما كان قاله من قبل في «أحمد الزعتر»: «كم كنت وحدي!»، بل وبما كتبه في رثاء ماجد أبو شرار: «عشرون مملكة ونيف كوليرا وطاعون ونيف».
كتابة يسري دفعتني لأن أكتب خربشة حولها تحت عنوان «سؤال الهوية في غزة» وكنت كتبت في هذه الزاوية تحت عنوانين: «هل تصرخ غزة: يا وحدنا؟ « وغزة تصارع دولة عظمى» ( ٢٥/ ٨ و ١/ ٩/ ٢٠٢٤ ).
الأحداث منذ عقود تتكرر وتتشابه، فهل نستغرب تشابه الصرخات وتشابه الكتابة؟ ولسوف أجد نفسي، وأنا أتابع ما يجري، سوف أجد نفسي أكتب:
«أحفاد الناجين يقتلون أحفاد اللاجئين».
كما لو أن الأبناء سر الآباء والآباء سر الأجداد.
في سبعينيات القرن العشرين كتب القاص الغزي حمدي الكحلوت قصة جديدة عنوانها «غرفة جديدة للعريس» أتى فيها على احتفال أهل غزة بشبابهم. يبيع الأب والأم مصاغهما ليبنيا لابنهما العريس غرفة يقيم فيها، والآن؟! ماذا الآن؟! الآن يسألون عن خيمة يتزوج فيها العريس، وهذه إحدى بركات الصهيونية و... و.....
حالة تعبانة.
***
81- هوامش من وحي ما يجري في غزة : "القبر رقم 49" عاطف ابوسيف يكتب رواية الحرب
في قصيدته «حفار القبور» كتب بدر شاكر السياب عن حفار ينتظر أن تأتي جنازة، ليأخذ أجرته، فيعود إلى بيته وبيده ما يسد به رمقه وزوجته. حين تقترب الجنازة يكون الميت زوجته.
قبل أن يرى النعش محمولاً كاد يفقد الأمل، فتمنى لو أن حرباً تقع يسقط فيها موتى كثيرون، ليجني الربح الوفير ويعيش برخاء.
في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (١٩٧٤) كتب إميل حبيبي عما انتشر من يقين في غزة، وفي بقية أنحاء المناطق المحتلة في أواخر أيلول العام ١٩٧٢، عن تحرك شواهد قبور شبان أربعة في مقبرة حي الشجاعية صرعهم رصاص الاحتلال.
ماذا كان السياب سيكتب عن حفار القبور لو امتد به العمر وتابع ما يجري في غزة؟
وماذا سيكتب إميل حبيبي عن الدفن الجماعي في المقتلة هناك، بل وعن الجثث التي نهشتها الكلاب؟
الروائي عاطف أبو سيف الذي عاش في الحرب هناك حوالى خمسة وثمانين يوماً كتب يومياته وأصدرها في كتابه «وقت مستقطع للنجاة» (٢٠٢٤) أصدر مؤخراً رواية «القبر رقم 49» التي أتت على الأشهر الخمسة من الحرب - منذ ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ إلى ٢٩/ ٢/ ٢٠٢٤.
تقع الرواية في ٣٠٩ صفحات موزعة على مدخل، وثلاثة كتب هي كتاب الحياة وكتاب الجنازة وكتاب الشاهد، ورسالة الكاتب، والكتابان الأولان يأتيان على موت الست حليمة ودفنها في مقبرة في رفح إلى جانب ثمانية وأربعين قبراً، ليكون قبرها القبر رقم 49.
ولدت حليمة في يافا في ١٩٤٠ وهاجرت مع والدها المختار في ١٩٤٨ لتقيم في سنوات الخمسينيات من القرن ٢٠ في خيمة قبل أن تمتلك بيتاً تدرج بناؤه ليغدو أربعة طوابق أقام معها فيه أبناؤها الثلاثة وأولادهم، ثم فقدته وفقدتهم في حرب طوفان الأقصى، ولم ينجُ سواها وحفيد واحد بلغ الخامسة والعشرين، وكانت نجاتهما بالصدفة، فقد غادرا البيت قبل نصف ساعة من قصفه، لتزور زوجة أخيها الصغير آخر من تبقى من إخوتها وزوجاتهم، واضطرت حليمة أن تنزح وحفيدها إلى رفح لتقيم من جديد في خيمة تموت فيها وتدفن في مقبرة يكون قبرها فيها القبر رقم ٤٩.
وفي الفصول الثلاثة نقرأ عن حياتها في يافا، وفي مخيم جباليا حتى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وعن موتها في رفح وجنازتها التي شارك فيها ثلاثة عشر رجلاً وامرأة يقص كل منهم، في كتاب الجنازة، صفحات من حياته، وبينهم قريبان لها أحدهما حفيدها الذي يتكفل بإجراء جنازة لها ودفنها بما يليق بها والبحث عن شاهد لقبرها.
لا يذكر عاطف أبو سيف أسماء شخصيات روايته باستثناء حليمة وينعت الآخرين بصفات مهنهم أو وضعهم الاجتماعي: الحفيد/ رفيقة العمر/ بائع الفواكه ذو الكرش البطيخة/ صاحبة الفرن/ الشيخ/ الشابة ممطوطة الطول مثل سقالة البناء/ بائع التحف والأنتيكا/ الشابة التي تركت زوجها في الشمال / الأستاذ الجامعي/ الفتاة الجامعية/ تاجر المساعدات / الحماة والكنة.
يروي الراوي الفصلين الأول والثالث بضمير الهو، فيم يترك الثلاثة عشر شخصاً في الكتاب الثاني يروون قصصهم وعلاقتهم بحليمة التي ساروا في جنازتها، وجلسوا معاً حول قبرها ما لا يقل عن ساعتين، غاب فيهما الحفيد ليحضر شاهداً للقبر، فقد تنتهي الحرب ويعود إلى الشمال ويزور القبر في المناسبات.
الرواية التي حضر دال القبر في عنوانها تحفل بدوال القتل ومشاهد الدمار والإذلال والإهانة والجوع والخيام وتنتهي نهاية سوداوية ليس بموت حليمة ودفنها وحسب، بل وفي ضياع مستقبل شخصياتها وشعورهم بالقلق من مستقبل غامض، وتركز على فكرة المؤقت الذي دام، وهي فكرة عبر عنها محمود درويش في قصيدته «نزل على بحر»:
« أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟»
كان الحلم في ٥٠ القرن ٢٠ هو العودة إلى يافا ومجدل عسقلان وصار بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ يتمثل بعودة أهل قطاع غزة الذين نزحوا من شمالها إلى جنوبها؛ عودتهم من جنوبها إلى شمالها، وبدلاً من أن تدفن حليمة في يافا أو حتى في شمال القطاع دفنت في جنوبه مبتعدة أكثر وأكثر عن يافا، تماماً مثل شخصيات رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» ١٩٦٣.
هل استوى عدم دق جدران الخزان مع دقه في ٧ أكتوبر؟
وأنا أقرأ في الرواية في ٢٧ نيسان ٢٠٢٥، وأقف أمام ارتقاء ٢٢ فرداً من عائلة حليمة، قرأت عن استشهاد ٢٢ فرداً من عائلة الخور جراء استهداف منزلهم بجوار مسجد عبد الله عزام في حي الصبرة جنوب غربي مدينة غزة فجر اليوم المذكور، وبعد يوم ارتقت عائلة الآغا المكونة من زوج وزوجته وابنه وبناته الثلاث.
تنتهي الرواية بتفرق المشيعين الثلاثة عشر واختفاء حديث الحبيبين/ الحفيد والفتاة الجامعية عن القصائد والحب والمقهى، فيما يظل القلق حديثهما مرة أخرى:
«حين افترقا سألها: ظايلين على موعدنا المسا عند محطة التحلية؟ لوحت له بيدها وهي تبتعد، ولم يفهم من تلويحتها شيئاً». وأما الكاتب فأنهى روايته برسالة منه:
«لست إلا رجلاً حزيناً يقف على تلة تشرف على المدينة، ينظر للخلف جنوباً نحو القبر ويبكي» .
وكل ما في غزة يبكي والرواية مشوقة.
***
82- هوامش من وحي ما يجري بغزة: غزة وسؤال الفلسطيني عن الفضيلة في زمن الحرب
في تتبع أحوال أهل قطاع غزة من خلال صفحاتهم أو بعض نصوصهم الأدبية التي نشروها في كتب، مثل رواية عاطف أبو سيف «القبر رقم 49»، تقرأ كتابات مختلفة تصور وجهات نظر متباينة ومختلفة تبايناً واختلافاً شديداً لافتاً، والسبب هو اختلاف المواقع التي تؤدي إلى اختلاف المواقف.
رصد أبو سيف ما ألمّ بثلاثة عشر رجلاً وامرأة لم يكن بينهم مقاتل واحد ممن شاركوا في أحداث ٧ أكتوبر، لنقرأ ما يجيش في نفسه من عواطف وأفكار ورؤى أو تصورات عن الحرب قبل وقوعها وفي يومها الأول والأيام التي تلته.
ربما لم يفعل أبو سيف ذلك لأنه لم يلتق بواحد من هؤلاء، علماً أن شخصية المقاتل وهو يتصدى للدبابات كانت لافتة، وهنا أشير إلى المقاتل الشبح الأنيق الذي شبهه قسم ممن كتبوا عنه بأنه (روبن هود) الغزاوي، وإلى المقاتل صاحب عبارة «حلل يا دويري» التي تنوقلت، ابتداء، جادة وتحولت، مع مرور الأيام، إلى عبارة تهكمية ساخرة من المحلل الأردني في قناة «الجزيرة» فايز الدويري.
ورواية أبو سيف الجديدة تختلف عن روايته «حياة معلقة» (٢٠١٤)، التي كتب فيها عن انتفاضة ١٩٨٧ التي عاشها وشارك فيها، بل وفقد أخاه وكتب عنه.
شيء طبيعي ألا يكتب أبو سيف عن مقاتل ما دام بعيداً عن المشاركين بـ ٧ أكتوبر وصلته بهم منعدمة وعملهم كان سرياً جداً، ولكنه عوّض عدم الكتابة بتصوير مشاعر أم مشارك وزوجته أيضاً، وقد يكون، في أثناء وجوده في مخيم جباليا في الأسابيع الأولى للحرب، أو في رفح في الشهر الأخير لوجوده - أي الشهر الثالث - قبل مغادرته، قد يكون التقى بأم مقاتل وزوجته، أو سمع حكايتهما، فكتب ما كتبه تحت عنوان «الحماة والكنة» ومن هذه الكتابة عرفنا القليل عن المقاتل وعلاقته بزوجته وحبهما لبعضهما، ثم أقل القليل عن مشاعره إزاء ما جرى.
وأنت تقرأ روايته وما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي ومنها «فيسبوك»، تتذكر قصيدة محمود درويش «مطار أثينا» التي يقول فيها:
«مطار أثينا يوزعنا للمطارات. قال المقاتل: أين أقاتل؟ صاحت به/ حامل: أين أهديك طفلك؟ قال الموظف: أين أوظف مالي؟ قال/ المثقف: مالي ومالك؟ قال رجال الجمارك: من أين جئتم؟ أجبنا: من/ البحر. قالوا: إلى أين تمضون؟ قلنا: إلى البحر. قالوا: وأين عناوينكم؟/ قالت امرأة من جماعتنا: بقجتي قريتي. .....».
تتذكر أسطر درويش السابقة لأنها تعبر عن شرائح اجتماعية فلسطينية مختلفة تختلف همومها، فهم المقاتل الذي يضغط عليه غير هم المرأة الحامل، ويختلف هم الموظف عن همهما، كما يختلف هم المثقف عن هموم الثلاثة، ويكون هم رجال الجمارك متعلقاً بوظيفتهم وسؤالهم التقليدي: من أين جئتم؟
هذا الاختلاف في النظر إلى الأمور نجد شبيهاً له الآن في كتابات أبناء غزة وفي كلامهم في أشرطة الفيديو التي يتحدثون فيها عن معاناتهم.
يعرض المقاتلون أشرطة فيديو للمعارك التي يخوضونها تصور بطولاتهم وما أوقعوه في قوات الجيش الإسرائيلي، فيم يبحث النازحون عن خيمة والجائعون عن طعام والراغبون في السفر عن سمسار، وإذا كان المقاتل يضع الوطن في سلّم أولوياته، فيبذل روحه في سبيله، تجد أن أكثر المواطنين يبحثون عن مأوى ومطعم، وستجد بين هؤلاء من يبحث عما هو أكثر، كأن يثرى ويجمع المال غير مهتم بالفضيلة على الإطلاق. كل من لا يحمل السلاح ويقاتل يبحث عما يبقيه حياً، وتصبح الفضيلة لديه أن يبقى على قيد الحياة.
كان غسان كنفاني في قصته القصيرة «الصغير يذهب إلى المخيم» أتى على الفضيلة في زمن الاشتباك:
«نتشاجر عصام وأنا من جهة مع بقية الأطفال أو أصحاب الدكاكين أو السائقين أو رجال الشرطة أحياناً، ثم أتشاجر مع عصام فيما تبقى من الوقت.
كان ذلك زمن الاشتباك. أقول هذا لأنك لا تعرف: إن العالم وقتئذ يقف على رأسه، لا أحد يطالبه بالفضيلة.. سيبدو مضحكاً من يفعل.. أن تعيش كيفما كان وبأي وسيلة هو انتصار مرموق للفضيلة. حسناً. حين يموت المرء تموت الفضيلة أيضاً». إن الفضيلة الأولى أن تحتفظ بنفسك حياً.
وأغلب أهل قطاع غزة، باستثناء المقاتلين، يعيشون زمن الاشتباك.. الاشتباك مع الحياة، ولعل ما يفسر هذا هو ما نقرؤه في هذه الأيام عن الاستغلال والسرقات والفوضى وارتفاع الأسعار واحتكار السلع، وهذه المزاحمات في الطوابير أمام التكايا وهذا ما نقرؤه في رواية أبو سيف على لسان الشابة التي تركت، مع ولديها، زوجها في الشمال، بناء على طلبه ليرعى والديه:
«قلت للست حليمة، أنت لا تخرجين للشارع فترينَ كيف تأكل الناس بعضها بعضاً، وكيف ينهشون أجساد بعضهم بعضاً. استغلال وجشع وسرقة وبلطجة. الحياة قاسية. الناس لا تعرف كيف تعيش ولا كيف تتدبر أمورها. كل شيء صار مباحاً. ما نفع الأخلاق والقيم حين لا تساعدنا على الحياة. لا تقولي لي إن الأساس أن نموت من أجل أخلاقنا وقيمنا. الأساس أن كل شيء وجد من أجل أن نعيش ونحيا، لا من أجل أن نموت في سبيل الموت».
وثمة سطر في الرواية يتكرر هو أن الحياة في زمن الحرب تختلف.
هل ثمة وجود للأخلاق والفضيلة في زمن الحرب؟ انه سؤال أثاره كنفاني قبل ستين عاماً ويثيره أبو سيف بعد ستين عاماً على إثارته.
***
83- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «استعادات مقلقة: يوميات غزة»
على مدى حوالى ثمانية عشر شهراً تابعت نزوح الخريف والشتاء والربيع والصيف لأهالي قطاع غزة.
شاهدت أشرطة فيديو للنزوح والإقامة في مدارس الإيواء أولاً، ثم في الخيام التي اقتلعت الرياح الشديدة قسماً منها وأغرقت الأمطار الشديدة قسماً آخر ثانياً، فنام سكانها في العراء وعلى قارعة الطريق، وتابعت أخبار الأعراس في ظل الحرب والجدل الدائر بين ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي حول الظاهرة، وهو ما دفعني للكتابة تحت عنوان «خيمة للعزلة... خيمة للخلوة» (الأيام الفلسطينية ١٥/ ٩/ ٢٠٢٤).
ثم جاء وقت صارت الخيام تحترق بالصواريخ والمسيرات الإسرائيلية بمن فيها.
وعندما قرأت رواية عاطف أبو سيف «القبر رقم 49» وشهادات كتاب آخرين نشرها الروائي نفسه في كتاب. من جزأين. وقع في ٦٠٠ صفحة وصدر هذا العام. عنوانه «استعادات مقلقة: يوميات غزة. مائة كاتب وفنان من غزة يكتبون عن الحرب». عرفت أكثر وأكثر عن حياة الخيام وسكانها؛ رجالها وأطفالها ونسائها وعواجيزها، وفجأة وجدتني أتذكر تجربة مررت بها وأخرى شاهدتها.
في العام ١٩٦٧ كنا نقيم في مخيم عسكر القديم، وعندما اندلعت الحرب رأى أبي أن نذهب للإقامة في بيت خالتي في البلدة القديمة في نابلس. فبيوتها أمتن من بيوت الصفيح في المخيم.
كان لخالتي أم عارف يعيش، في حوش آل يعيش، في سوق الحدادة بيت يتكون من غرفتين واسعتين جداً أقدر مساحة الغرفة بما لا يقل عن ٦ × ٨ م٢، وكان بينهما صالة بحجم ٤×٤ م٢ ومطبخ صغير ومرحاض واحد، وأذكر أن الرجال باتوا في غرفة والنساء في غرفة، وضمت كل واحدة ما لا يقل عن ٦٠ شخصاً.
أذكر أننا كنا ننام إلى جانب بعضنا وكنا نجد صعوبة في التنقل - إن أردنا ليلاً الذهاب إلى الحمام، ولم أعد أتذكر كيف كنا نتدبر طعامنا.
عندما احتلت المدينة وسلم قسم من أهلها السلاح وسمح لهم بالتنقل والخروج من بيوتهم غادرنا عائدين إلى المخيم.
كنت وأمي وإخوتي نمشي في شارع فيصل، مارين بسوق الخضار فيه، ومواصلين السير في شارع عمان الذي كانت الدبابات الإسرائيلية تقف فيه والجنود حولها شاهرون سلاحهم.
يومها قرب مصنع الجفت شاهدنا جثث ثلاثة جنود أردنيين على الشارع تمت مواراتهم التراب لاحقاً.
ويومها شاهدنا معسكر الجيش الأردني الملاصق للمخيم وقد نهب.
في العام ١٩٧٦ زرت سورية وأقمت في بيت خالتي أم محمد الطيان.
الخالة نابلسية والزوج سوري كان يزور نابلس ويافا ويعمل منجداً مثل سيدي والد أمي، خلال زمن المهنة تعارفا وتناسبا.
كان البيت في منطقة ركن الدين، ولما كان عمي محمود المولود في يافا واللاجئ إلى سورية يقيم في دمشق. في بناية قريبة من حارة اليهود، فقد زرته أيضاً وبت ليلة في شقته الصغيرة التي يقيم فيها هو وابنه محمد المتزوج، ولما أصر ابناه عماد ومازن على أن أبيت عندهم، ولو ليلة، لبيت طلبهم، ونمت.
كان الشابان الصغيران يبيتان، لضيق البيت، على سدة الحمام. وليس هذا هو المهم.
في تلك الفترة كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد اشتعلت، ما أجبر جزءا من لاجئي لبنان إلى مغادرة مخيماتهم إلى سورية والأردن، وفي شقة عمي رأيت نفراً منهم.
كانوا من عائلة الأسطة التي استقرت بعد نكبة ١٩٤٨ في لبنان. لقد نزحت مرة ثانية. ولما كان لها أقارب في الشام فقد ذهبت إليهم. علّ النزوح يكون مؤقتاً أو علهم يجدون مأوى حتى يتدبروا أوضاعهم. لقد رأيتهم في شقة عمي الصغيرة الضيقة التي بالكاد تتسع لأفرادها.
من ضمن اليوميات/ الشهادات التي كتبها أبناء غزة كتابة أمنية مسعود «محرر الأخبار إذ ينقطع عن الأخبار».
وأمنية من مواليد ١٩٨٩ تحمل بكالوريوس في اللغة العربية والإعلام من جامعة الأزهر بغزة في العام ٢٠١١.
تكتب أمنية عما ألم بها وبأسرتها في بداية الحرب ونزوحهم المتكرر من منطقة سكنهم القريبة من الحدود شرق مدينة جباليا شمال قطاع غزة.
عندما وصلوا إلى خان يونس توجهت إلى عمارة فيها مكتب صحافي كانت تعمل فيه ومعها مفتاحه، ولكن صاحب العقار رفض أن يفتح لهم الباب الرئيس. فقد يشكلون خطراً على العمارة، ولم يشفع لها أنها تملك مفتاح المكتب.
واستقر بهم المقام في بيت صديق أخيها في مخيم النصيرات. لقد أصر الصديق الأصيل على استضافتهم في منزله إلى حين انتهاء الحرب، ولأنهم فضلوا الذهاب إلى أناس يعرفونهم. فقد استقروا في مخيم النصيرات الجديد. ثم سرعان ما غادروه، مع اشتداد القصف، إلى مدينة دير البلح واستطاعوا الحصول على شقة فارغة لا أثاث فيها بسعر فلكي، ولم يمكثوا فيها فصاحبها أجرها لمن دفعوا له أكثر «ولم يكن أمامنا إلا أن نفترق، فلا مكان يستوعب هذا العدد الكبير من الأفراد».
وهكذا توجه شقيقها الأكبر إلى رفح وشقيقتها الصغرى مع أسرة زوجها إلى منزل «أشبه بحوش قديم» في دير البلح.
ما قرأناه في شهادة أمنية مسعود نقرأ ما لا يختلف عنه إلا في التفاصيل في شهادة الروائي محمد نصار «على دروب المجهول». وفي شهادات أخرى أيضاً، والشيء بالشيء يذكر، ولهذا وجدتني في يومياتي وأسبوعياتي عن طوفان الأقصى استحضر نصوص الأدب الفلسطيني منذ العام ١٩٢٩، وعندما قرأت رواية أبو سيف لاحظت أن النكبة تستحضر النكبة والخيمة تذكر بالخيمة.
إنها استعادات مقلقة حقاً!
حالة تعبانة!!
***
84- هوامش من وحي ما يجري في غزة: على هذه الأرض ما يستحق / ما لا يستحق
في تتبعي لروايات ثلاث صدرت في ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥، هي: «نص اشكنازي» لعارف الحسيني و»منزل الذكريات» لمحمود شقير و»القبر رقم 49» لعاطف أبو سيف، التفت إلى نهاياتها.
لم يقم الأولان في حرب طوفان الأقصى في قطاع غزة وأما الثالث فعاش أجواء الحرب قبل أن يخرج من غزة في اليوم الـ ٨٦ منها.
كتب الأولان عن القدس وأشارت إحدى شخصيات شقير إلى الحرب إشارات عابرة، وكلاهما كتب عن بيئته وعن هموم تخص زمنه والمرحلة العمرية التي يعيشها في زمن الكتابة، فيم كتب أبو سيف عن الحرب التي عاش جزءا من وقائعها. ولقد أتيت في مقالات سابقة على نهايات الروايات الثلاث.
الفارق في نهايات الروايات له، ولا شك، علاقة بالمكان الذي يقيم فيه الروائيون والحالة التي هم عليها، علما أن القدس وغزة جزء من بلد واحد هو فلسطين، وكلاهما يعاني من ويلات الاحتلال، وإن بدرجات بدت منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ واسعة ولا مجال فيها للمقارنة.
ما الذي أعادني إلى نهايات الروايات ثانية، مع أن كتابتي عنها قريبة العهد؟
ما من صباح لم أصغ فيه إلى بعض الإذاعات المحلية يردد مذيعوها أو مقدمو برامجها سطري محمود درويش:
«ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا» و»على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، ونادراً ما كرر هؤلاء سطره: «تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير»، والذين كرروا السطر الأخير ولم يكرروا، في الحرب، السطرين الأولين هم أكثر سكان غزة، فحياتهم صارت جحيماً لا يطاق، وقد عززت النصوص والشهادات التي قرأتها للكتاب المقيمين هناك، وما زالوا.
هذا الرأي غير المبالغ فيه صادر عن قسوة اللحظة التي يعيشون - فثمة نزوح متواصل بلغ لدى قسم منهم النزوح الخامس عشر، وثمة فقدان لبعض أفراد العائلة، وثمة فقدان للبيت وافتقاد لطقوس الحياة اليومية، وثمة رعب يومي وقلق لا نهاية له على ما يبدو، وثمة جوع ونقص في العلاج، وثمة وثمة وثمة الكثير مما يعرفه كل من يتابع حياة الغزيين يوماً يوماً وساعة ساعة، بل ويلاحظه من يتابع وجوه أصحابه ومعارفه من خلال صورهم قبل الحرب وفي أثنائها.
لم ألتقِ شخصياً بالكاتب طلعت قديح الخمسيني، ولكني عرفته من صوره قبل الحرب وبعدها.
لقد كان بضاً ممتلئاً وسيماً، وخلال أشهر الحرب بدا شبحاً، ولو كنت شاعراً يجيد الوصف لكتبت فيه شعراً على غرار الشعر الذي كتبه الشنفرى في الصعاليك الذين لفظتهم قبائلهم فجاعوا وهاموا في الصحراء ملاحقين مطاردين يبحثون عن الطعام فلا يجدونه، فآلوا هياكل يستنجد بعضهم ببعض وكلهم نظائر نحل.
هل خلت كتابات الغزيين في الحرب من أسطر درويش؟ هل كرروها كما هي، لأنهم يحفظونها؟ هل عارضوها؟ هل سخروا ممن يردد قسماً منها؟
لقد غدا السطران الأولان لازمة تتكرر على ألسنة فلسطينيين كثر، بمناسبة ودون مناسبة، ولم يتكرر السطر الثالث إلا في فترات الضيق الناجم عن حصار، أو على لسان متشائم يضيق ذرعاً بهذه الحياة. وممن التفتوا إلى الظاهرة الروائي عباد يحيى في روايته «رام الله الشقراء» حين كتب تحت عنوان «في استغلال الغياب»:
«قد أتغاضى عن التعامل مع درويش كمشاع للجميع....
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
أرى هذه العبارة بمثابة لوغو/ شعار لرام الله ومشاريع السلطة. كأن نظام الكون سيختل إن لم تحضر هذه العبارة في كل شيء هنا، بدءا بخطابات الساسة وانتهاء بالإعلانات التجارية لأي متجر تافه.
في كثير من الأحيان أرى العبارة أصلح ما تكون شعاراً لحملة للحد من حالات الانتحار». (صفحة ٤٢).
في ٣١/ ٥/ ٢٠٢٤ كتب طلعت قديح شهادة عن الحرب نشرها عاطف أبو سيف في كتابه «استعادات مقلقة: يوميات غزة» (٢٠٢٥) عنوانها «حياة لاجئ بين المعاناة والتأمل» أتى فيها على الحرب والكرامة والطوابير وتساءل إن كان ما حدث في ٧ أكتوبر يستحق أن يحدث ما بعده. كما تساءل: إلى أين؟
انعدمت الخصوصية وقصف بشر يسكنون الخيام وصار المرء يتوقع أن يدفع حياته ثمناً لزيارة عابرة لبيته وينهي شهادته، وهذا هو بيت القصيد، بالسطر الآتي:
«وأنا مطرق رأسي نحو الأرض، يسألني أحدهم: ما رأيك فيما قلنا؟ أجبت متنهداً:
هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟!».
في ٢٣ شباط ٢٠٢٤ كتب شجاع الصفدي المقيم في غزة الفقرة الآتية:
«»على هذه الأرض ما يستحق الحياة» كتبها درويش بينما كان يجلس في مقهى باريسي هادئ. لا تصدقوا أحداً غير الذي يكتوي بالنار، أما الباقي محض خرافة».
على نقيض كتابة طلعت وشجاع تكتب الروائية إيمان الناطور في ١٥/ ٩/ ٢٠٢٤ تحت عنوان «وردة من أجل النجاة».
تتذكر الكاتبة الفتى بائع الورد وتتذكر منظر شاب يقدم لأمه التي فقدت أولادها، ولم يبقَ لها سواه، الوردة، وتستغرب «كيف أن الناس ما زالوا يحاولون أن يفرحوا بإصرار، ما زالوا يبحثون عن الحب بإصرار، ما زالوا يبقون تحت الأنقاض وتوابيت الموتى عن أي بهجة».
وتنهي شهادتها التي وصفت فيها قسوة الحياة في الخيام بحب زوجها ممدوح لها، إذ يحضر لها القهوة رغم ندرتها: «صمت، فارتميت في حضنه، وصوت محمود درويش يتردد صداه في جنبات روحي.. ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا».
***
=============
68- هوامش من وحي ما جرى في غزة... تزاحم الأحداث وضياع بعض الأفكار
69- هواجس من وحي ما جرى في غزة... هوامش أدبية في زمن الحرب
70- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (1من2)
71- هواجس من وحي ما يجري في غزة «في وداع أحمد حرب» (2 من 2)
72- هوامش من وحي ما جرى في غزة... صــدى لــلــصــدى
73- هوامش من وحي ما جرى في غزة، كما لو أن الشاعر كتب قصائده في وصف ما يجري
74- هوامش من وحي ما جرى في غزة... الأحداث الكبرى تستحضر أعمالاً أدبيـة وتلقـي الضـوء علـى أخرى
75- هوامش من وحي ما يجري في غزة: أطــفــالــنــا الآتــون
76- هوامش من وحي ما يجري في غزة: العيد في غزة وبعض مخيمات الضفة الغربية
77- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «لقد أعييت لو ناديت حياً»
78- هوامش من وحي ما يجري في غزة من يشتري مني العرب؟
79- - هوامش من وحي ما يجري في غزة: جنون ما يجري - سيرة يوم: الزمان غزة، المكان ١٣ نيسان ٢٠٢٥
80- هوامش من وحي ما يجري في غزة: عرس فلسطيني، عرسان غزازوة
81- هوامش من وحي ما يجري في غزة : " القبر رقم 49 " عاطف ابوسيف يكتب رواية الحرب
82- هوامش من وحي ما يجري بغزة: غزة وسؤال الفلسطيني عن الفضيلة في زمن الحرب
83- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «استعادات مقلقة: يوميات غزة»
84- هوامش من وحي ما يجري في غزة: على هذه الأرض ما يستحق / ما لا يستحق