(1)
الشعر ميتافيزيقا فَوريّة. عليه أن يقدّم، في قصيدةِ قصيرة، سرّاً نفسيّاً، ورؤية للكون، أن يقدّم الكائن والأشياء في آن. إن كان مجرّد متابعةِ لزمن الحياة، يكون أقلّ منها، لا يقدر أن يكون أكثر منها إلاّ في تثبيتها، إلاّ أن يعيش جدليّة الأفراح والآلام، هنا والآن. إّنه آنذاك مبدأ تّزامُنِ جوهريّ، حيث يحظي الكائن الأكثر تبعثراً وتفككاً، بوحدته.
يرفض الشعر المقدّمات والمباديء والمناهج والبراهين، علي النقيض من جميع التجارب الميتافيزيقية الأخري التي تمهّد لها توطئات لا تنهي. إنه يرفض الشكّ. يحتاج، فوق ذلك، إلي بدايةِ من الصّمت وهو إذ يقرع، باديء بدء، كلماتِ جوفاء، فإنه يخُرس النثْر أو الدّندنات التي قد تترك في نفس القاريء استمراريّة فكرِ أو هَمْس. ثم، بعد الإرنَانَات الفارغة، يُنتج لحظته. فالشاعر، لكي ينشي لحظة مركبة، لكي يربط بهذه اللحظة تزامناتِ عديدة، يهدمُ الاستمرارية العاديّة للزّمن المتسلسل.
آنذاك، يمكن أن نجد، في كل قصيدة حقيقية، عناصر زمن ثابت، زمن لا يتبع القياس، زمن عمودي، لكي نميزه عن الزمن المشترك الذي ينسرب افقياً مع ماء النهر، مع الريح التي تمر. من هنا المفارقة التي يجب أن نعلنها بوضوح: زمن النظم أفقي، وزمن الشعر عموديّ. إن علم النظم لا ينظم إلا إرنانات متتابعة، إنه يضبطُ أوزانا، ويرتب اندفاعاتِِ وانفعالات في غير محلها، غالباً. وحين يقبل نتائج اللحظة الشعرية، فانه يسمح بالوصل بينها وبين النثر ، الفكر المشروح، الحب المختبر، الحياة الاجتماعية، الحياة الجارية، الحياة المنزلقة، الخيطية، المتصلة. غير أن جميع قواعد علم النظم ليست إلا وسائل، وسائل عتيقة. فالهدف هو العمودية، عمقاً أو علواً، أعني اللحظة الثابتة حيث تبرهن التزامناتُ بانتظامها علي أن للحظة الشعرية منظوراً ميتافيريقياً.
اللحظة الشعرية هي إذن، بالضرورة، لحظة مركبة: تُحرك ، تدل – تدعو، تؤاسي ـ فهي مُدهشة وأليفة. اللحظة الشعرية هي، جوهرياً، علاقة تناغمية بين متضادين. فهناك دائما شيء من العقل في لحظة الشاعر المشبوبة الانفعال. وهناك دائما شيء من الانفعال المشبوب في رفضه العقلانيّ. التناقضات المتوالية تلذّ للشاعر. لكن من أجل الافتتان، من أجل النشوة، لابد للتناقضات من أن تندغم في نوع من اجتماع الأضداد حينذاك تنبثق اللحظة الشعرية. اللحظة الشعرية هي، علي الأقل، وعي اجتماع الأضداد. إنما هي أكثر من ذلك، لأن اجتماع الأضداد هنا مستثارُ، فعالُ، حركيّ. اللحظة الشعرية تقسر الكائن علي أن يزيد القيمة أو يُنقصها. ففي اللحظة الشعرية، يصعد الكائن أو يهبط، دون أن يقبل زمن العالم الذي يجعل من اجتماع الضدين تناقضاً، ومن التزامن تتابعاً.
يمكن أن نتفحص بسهولة هذه العلاقة بين النقيض واجتماع النقيضين، إذا رغبنا في مشاركة الشاعر الذي يعيش، ببداهة تامة، في لحظة واحدة، طرفي تناقضاته. الطرف الثاني لا يستدعيه الطرف الأول. فالاثنان يولدان معاً. آنذاك نري اللحظات الشعرية الحقيقية لقصيدة ما في جميع الجهات حيث يقدر القلب البشري أن يقلب النقائض. وبحدسية أكثر، يتجلي اجتماع الضدين الشديد الترابط، بخاصيته الزمنية: بدلاً من الزمن الذكر والشجاع، الذي ينطلق ويحطم، وبدلاً من الزمن الوديع والخاضع، الذي يتحسر ويبكي، تنبثق اللحظة الخنثي. فالسر الشعري خنثوية.
(2)
لكن، أهو من الزمن، ذلك التعدد من الأحداث المتناقضة المسجونة في لحظة واحدة؟ أهو من الزمن ذلك المنظور العمودي الذي يُنيفُ علي اللحظة الشعرية؟ نعم، ذلك أن التزامنات المتراكمة تزامنات منظمة. إنها تعطي للحظة بعداً، لأنها تعطيها نظاماً داخلياً. الزمان إذن نظام ولا شيء آخر. وكل نظام زمان. إن نظام اجتماع الأضداد في اللحظة هو إذن زمان. وهذا الزمان العمودي هو ما يكتشفه الشاعر حين يرفض الزمان الأفقي، أي صيروة الآخرين، صيروة الحياة، صيروة العالم. هكذا تتجلّي الأنظمة الثلاثة للتجارب المتتابعة التي يتوجّب عليها أن تُطلق الكائنَ المقيد في الزمان الأفقي:
أ ـ الاعتياد علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الآخرين، أي كسر الأطر الاجتماعية للديمومة.
ب ـ الاعتياد علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الأشياء، أي كسر الأطر الظواهرية للديمومة.
ج ـ الاعتياد ـ وهذا مراسُ قاسِ ـ علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الحياة ـ التوقف عن معرفة ما إذا كان القلب يخفق، أو الفرح ينمو، أي كسر الأطر الحيوية للديمومة.
حينذاك وحسب، نبلغ لسند الذاتي التزامن، في مركز الذات، دون حياة محيطية. وفجأة تمحي الأفقية المسطحة كلها. لا يعود الزمان يجْري. ينبجسُ انبجاساً.
(3)
ثمة شعراء، كمثل مالارميه، يعاملون، بشكل شرسِِ ومباشر، الزّمان الأفقي، يعكسون تركيب الجملة، يوقفون نتائج اللحظة الشعرية أو يتنكّبونها، وذلك من أجل استبقاء هذه اللّحظة الشعرية الثابتة أو بالأحري العثور عليها. إن علم النظم المعقُد يرمي الحصَي في الجَدوْل لكي تسحق التموُجات الصَور التافهة، لكي تكسر الدوامات الانعكاسات. فحين نقرأ مالارميه، نشعر غالباً بوجود زمان مُنْثَنِِ إلي الوراء، يكمل لحظات مكتملة. آنذاك نعيش، متأخّرين، اللّحظات التي كان يجب أن نعيشها: إحساس هو من الغرابة بحيث أنه ليس من التحسّر، أو من النّدم، أو من الحنين. إنه مصنوعُ من زمان مُتقَن الصّنع يعرف أحياناً أن يضعَ الصّدي قبل الصّوت، والرّفض في الاعتراف.
ثمة شعراء آخرون، أوفي حظاً، يقبضون بشكل طبيعيّ علي اللحظة الثابتة. يري بودلير، كمثل الصينيين، الساعة في أعين القطط، الساعة الباردة حيث الانفعال المشبوبُ هو من الاكتمال بحيث يرفض أن يكتمل: " في عمق أعينها الفاتنة، أري دائماً الساعة بوضوح، هي نفسها، الساعة الفسيحة، الاحتفالية، الشاسعة كالفضاء، دون انقسام إلي دقائق أو ثوان ـ الساعة الثابتة غير المحدّدة في ساعات التوقيت ... " (1) ، القصيدة بالنسبة إلي هؤلاء الشعراء الذين يفهمون اللحظة بمثل هذا اليُسْر، لا تنبسطُ بل تنعقد وتنتسجُ عقدةً عقدة. إن مأساتهم لا تتم ّ. إن عذابهم زهرة هادئة...
في توازن منتصف الليل، دون انتظار أي شيء من تنهد الساعات، يتخفف الشاعر من كل حياة لا جدوي منها، يختبر اجتماع الأضداد المجرّد في الكائن واللاّكائن. يري، بشكل أفضل، في الظلمات ضوءه الخاص. توفّر له العزلة الفكر المنوحّد، وهو فكُر لا لهْو فيه، فكُر يعلو ويهدأ في نشوةِِ محضة.
يعلو الزمان العمودي. أحياناً يغْرقُ ايضاً. منتصف الليل، بالنسبة لمن يعرف أن يقرأ الغُراب، لا يعود يرنّ قطعاً بشكل أفقيّ. يرن في النفس، هابطاً، هابطاً.... نادرةُ هي الليالي التي واتتني فيها الشجاعة لأذهب الي العمق، حتي الرنة الثانية عشرة، الجرح الثاني عشر، الذكري الثانية عشرة... حينذاك أعود إلي الزمن المسطح، أقيد، أتقيد ثانية، أعود الي الأحياء، في الحياة. لابد لكي نحيا من أن نخون دائماً الأشباح...
علي الزمان العمودي ـ هابطاً ـ تتنضد أفدح الآلام، الألام التي ليس لها سبب زمانيّ، الآلام الحادة التي تخترق القلب للاشيء، دون أن يضني أبدا، وعلي الزمان العمودي ـ صاعداً ـ تتوطّد السلوي بلا رجاء، تلك السلوي الغريبة، الراسخة التي لا حامي لها. باختصار، كل ما يفصلنا عن السبب والمكافأة، كل ما ينفي التاريخ الحميم والرغبة ذاتها، كل ما ينقص قيمة الماضي والمستقبل معاً ، قائمُ في اللّحظة الشعرية.
هل ندرس جزءاً صغيراً من الزمان الشعري العمودي؟ لنأخذ اللحظة الشعرية في الحسرة الباسمة، لحظة يرقد الليل ويثبت الظلمات، حيث الساعات لا تكاد تتنفس، حيث العزلة وحدها ندم. إن أقطاب اجتماع الأضداد في الحسرة الباسمة تتلامس تقريباً. أقل اهتزاز يُحلّ الواحد محل الآخر. الحسرة الباسمة هي إذن أحد اجتماعات الأضداد الأكثر حساسية لقلب حساس. إنها ببداهة إذن تنمو في زمانِِ عموديّ، لأن أيا من اللحظتين: الابتسامة والحسرة، ليست سابقة. الوجدان هنا قابلُ للانعكاس، أو، بتعبير أفضل: قابلية انعكاس الكائن هي هنا مُوجدنة: الابتسامة تتحسّر، والحسرة تبتسم، الحسرة تؤاسي. ليس أي من الزمانين المعبُر عنهما هنا علي التوالي سبباً للآخر، وفي هذا برهانُ علي إساءة التعبير عنهما في الزمان المتتابع، الزمان الأفقي. لكن بين الواحد والآخر صيروة، لا نقدر أن نختبرها إلا عمودياً، صعوداً، مع الانطباع بأن الحسرة تخفّ، والنفس تعلو، والشبح يصفح. آنذاك يُزهر الشقاء حقاً. إن ميتافيزيقياً حساساً سيجد هكذا في الحسرة الباسمة الجمالي الشكلي للشقاء. وتبعاً للعلة الشكلية سيفهم قيمة تحويل المادة إلي طاقة حيثُ تتكشف اللحظة الشعرية. وهذا برهان جديد علي أن العلة الشكلية تحدث داخل اللحظة، في اتجاه زمان عمودي، بينما العلة الفاعلة تحدث في الحياة وفي الأشياء، أفقيّاً، جامعة لحظات ذات كثافات متنوعة.
طبعاً ، يمكن في منظور اللحظة اختبار اجتماع الأضداد علي مدي أطول: " في طفولتي، أحسست في قلبي بعاطفتين متناقضتين: الرعب من الحياة والهيامُ بالحياة " (2) . اللحظات التي تُختبر فيها هذه المشاعرُ معاً تُوقف الزمان ، ذلك أنها تُختبر معاً موصولةً بالاهتمام الفاتن بالحياة. إنها تختطف الكائن خارج الدّيمومة المشتركة. إن اجتماع أضداد كهذا لا يمكن وصفه في أزمنة متتابعة كمَسرَدِِ مُبتذل للأفراح والآلام العابرة. إن تناقضات بمثل هذه الحيوية وهذه الجوهرية تتعلق بميتافيزيقا مباشرة. فيها نعيش النوسان في لحظة واحدة بانتشاءات وهبوطات يمكن أن تكون في تعارض مع الأحداث: الاشمئزازُ من الحياة يستولي علينا بحتمية في الاستمتاع كما تستولي علينا الأنفةُ في الشقاء. إن الأمزجة الدورية التي تتوالي تبعاً للقمر، في الديمومة المألوفة للحالات المتناقضة، لا تمثل إلا محاكاة ساخرة لاجتماع الأضداد الأساسيّ. ولا يقدر أن يعطينا الخطاطات الضرورية لفهم المأساة الشعرية الجوهرية إلا التحليل النفسي المتعمق.
(4)
يُدهشنا، من جهة ثانية، أن يكون شاعر المطابقات واحداً من الشعراء الذين عرفوا اللّحظات الحاسمة في حياة الإنسان المعرفة الأقوي. ليس التطابق البودليري، كما يُعرض غالباً ، مجرد تنقيلِِ يوفر نظاماً من التماثلات الحسية. إنه مجموع الكائن المحسوس في لحظة واحدة. غير أن التزامنات المحسوسة التي تجمع العطور والألوان والأصوات لا تفعل إلا التمهيد لتزامنات أبعد وأعمق. في وحدتي الليل والضّوء هاتين، تكمن الأبدية المزدوجة للخير والشر. "الواسع" في الليل والضوء لا يجوز أن يوحي لنا برؤية فضائية. فلم يُذكر الليل والضوء لاتساعهما، للانهايتهما، بل لوحدتهما. ليس الليل فضاء. إنه نذيرُ أبدية. الليل والضوء لحظتان ثابتتان، سوداوان أو وضاءتان، فرحتان أو حزينتان ، سوداوان ووضاءتان، حزينتان وفرحتان. أبداً لم تكن اللحظة الشعرية أكثر اكتمالاً منها في هذا البيت الشعريّ حيث يمكن الجمعُ في آنِِ بين هوْل النهار والليل. أبداً ، لم نشعر في غيره هذا الشعور المادي، باجتماع المشاعر المتضادة ومانوية المبادئ.
إذ نتأمل في هذا الاتجاه، نصل فجأة إلي هذه النتيجة: كل أخلاقية إنما هي فورية. الأمر المُطلق للأخلاقية لا فعل له غير الديمومة. لا يستبقي أية علة محسوسة، لا ينظر أية نتيجة. يمضي قُدماً، عموديّاً، في زمن الأشكال والأشخاص. الشاعر آنذاك دليل طبيعي للميتافيزيقي الذي يريد أن يفهم جميع طاقات الوصْل الفْوريّة، وحماسة التضحية، دون أن يترك ذاته تنشطر بالثنائية الفلسفية المبتذلة، ثنائية الذات والموضوع، ودون أن توقفه ثنائية حبّ الآخر وحبّ الذات. الشاعر يبعث جدلية أكثرَ نَفاذاً. فهو يكشف معاً، في اللّحظة نفسها، عن ترابُط الشّكل والشّخص. يدلّل علي أنّ الشّكل شخصُ والشّخص شكل. هكذا يصبح الشعر لحظة علة شكلية، لحظة طاقة شخصية. وإذاك يهمل ما يحطم وما يمحو، يهمل الديمومة التي تبعثر أصداء. يبحث عن اللّحظة. لا يحتاج إلا إلي اللحظة. يخلق اللّحظة. خارج اللّحظة، لا يوجد غير النثر والأغنية. ففي الزمان العمودي للحظة ثابتة يجد الشعر فعاليته النوعية. ثمة فعالية محضة لشعرِِ محض. إنها تلك التي تنمو عمودياً في زمان الأشكال والأشخاص.
(1) بودلير: قصائد نثر قصيرة.
(2) بودلير: قلبي ، عارياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) هذا النص مأخوذ من كتاب :
(Le Droit de rêver,Paris 1970 , p.224-232)
المصدر : مجلة (مواقف) اللبنانية ، العدد رقم 44 ، 1 فبراير 1982.
الشعر ميتافيزيقا فَوريّة. عليه أن يقدّم، في قصيدةِ قصيرة، سرّاً نفسيّاً، ورؤية للكون، أن يقدّم الكائن والأشياء في آن. إن كان مجرّد متابعةِ لزمن الحياة، يكون أقلّ منها، لا يقدر أن يكون أكثر منها إلاّ في تثبيتها، إلاّ أن يعيش جدليّة الأفراح والآلام، هنا والآن. إّنه آنذاك مبدأ تّزامُنِ جوهريّ، حيث يحظي الكائن الأكثر تبعثراً وتفككاً، بوحدته.
يرفض الشعر المقدّمات والمباديء والمناهج والبراهين، علي النقيض من جميع التجارب الميتافيزيقية الأخري التي تمهّد لها توطئات لا تنهي. إنه يرفض الشكّ. يحتاج، فوق ذلك، إلي بدايةِ من الصّمت وهو إذ يقرع، باديء بدء، كلماتِ جوفاء، فإنه يخُرس النثْر أو الدّندنات التي قد تترك في نفس القاريء استمراريّة فكرِ أو هَمْس. ثم، بعد الإرنَانَات الفارغة، يُنتج لحظته. فالشاعر، لكي ينشي لحظة مركبة، لكي يربط بهذه اللحظة تزامناتِ عديدة، يهدمُ الاستمرارية العاديّة للزّمن المتسلسل.
آنذاك، يمكن أن نجد، في كل قصيدة حقيقية، عناصر زمن ثابت، زمن لا يتبع القياس، زمن عمودي، لكي نميزه عن الزمن المشترك الذي ينسرب افقياً مع ماء النهر، مع الريح التي تمر. من هنا المفارقة التي يجب أن نعلنها بوضوح: زمن النظم أفقي، وزمن الشعر عموديّ. إن علم النظم لا ينظم إلا إرنانات متتابعة، إنه يضبطُ أوزانا، ويرتب اندفاعاتِِ وانفعالات في غير محلها، غالباً. وحين يقبل نتائج اللحظة الشعرية، فانه يسمح بالوصل بينها وبين النثر ، الفكر المشروح، الحب المختبر، الحياة الاجتماعية، الحياة الجارية، الحياة المنزلقة، الخيطية، المتصلة. غير أن جميع قواعد علم النظم ليست إلا وسائل، وسائل عتيقة. فالهدف هو العمودية، عمقاً أو علواً، أعني اللحظة الثابتة حيث تبرهن التزامناتُ بانتظامها علي أن للحظة الشعرية منظوراً ميتافيريقياً.
اللحظة الشعرية هي إذن، بالضرورة، لحظة مركبة: تُحرك ، تدل – تدعو، تؤاسي ـ فهي مُدهشة وأليفة. اللحظة الشعرية هي، جوهرياً، علاقة تناغمية بين متضادين. فهناك دائما شيء من العقل في لحظة الشاعر المشبوبة الانفعال. وهناك دائما شيء من الانفعال المشبوب في رفضه العقلانيّ. التناقضات المتوالية تلذّ للشاعر. لكن من أجل الافتتان، من أجل النشوة، لابد للتناقضات من أن تندغم في نوع من اجتماع الأضداد حينذاك تنبثق اللحظة الشعرية. اللحظة الشعرية هي، علي الأقل، وعي اجتماع الأضداد. إنما هي أكثر من ذلك، لأن اجتماع الأضداد هنا مستثارُ، فعالُ، حركيّ. اللحظة الشعرية تقسر الكائن علي أن يزيد القيمة أو يُنقصها. ففي اللحظة الشعرية، يصعد الكائن أو يهبط، دون أن يقبل زمن العالم الذي يجعل من اجتماع الضدين تناقضاً، ومن التزامن تتابعاً.
يمكن أن نتفحص بسهولة هذه العلاقة بين النقيض واجتماع النقيضين، إذا رغبنا في مشاركة الشاعر الذي يعيش، ببداهة تامة، في لحظة واحدة، طرفي تناقضاته. الطرف الثاني لا يستدعيه الطرف الأول. فالاثنان يولدان معاً. آنذاك نري اللحظات الشعرية الحقيقية لقصيدة ما في جميع الجهات حيث يقدر القلب البشري أن يقلب النقائض. وبحدسية أكثر، يتجلي اجتماع الضدين الشديد الترابط، بخاصيته الزمنية: بدلاً من الزمن الذكر والشجاع، الذي ينطلق ويحطم، وبدلاً من الزمن الوديع والخاضع، الذي يتحسر ويبكي، تنبثق اللحظة الخنثي. فالسر الشعري خنثوية.
(2)
لكن، أهو من الزمن، ذلك التعدد من الأحداث المتناقضة المسجونة في لحظة واحدة؟ أهو من الزمن ذلك المنظور العمودي الذي يُنيفُ علي اللحظة الشعرية؟ نعم، ذلك أن التزامنات المتراكمة تزامنات منظمة. إنها تعطي للحظة بعداً، لأنها تعطيها نظاماً داخلياً. الزمان إذن نظام ولا شيء آخر. وكل نظام زمان. إن نظام اجتماع الأضداد في اللحظة هو إذن زمان. وهذا الزمان العمودي هو ما يكتشفه الشاعر حين يرفض الزمان الأفقي، أي صيروة الآخرين، صيروة الحياة، صيروة العالم. هكذا تتجلّي الأنظمة الثلاثة للتجارب المتتابعة التي يتوجّب عليها أن تُطلق الكائنَ المقيد في الزمان الأفقي:
أ ـ الاعتياد علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الآخرين، أي كسر الأطر الاجتماعية للديمومة.
ب ـ الاعتياد علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الأشياء، أي كسر الأطر الظواهرية للديمومة.
ج ـ الاعتياد ـ وهذا مراسُ قاسِ ـ علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الحياة ـ التوقف عن معرفة ما إذا كان القلب يخفق، أو الفرح ينمو، أي كسر الأطر الحيوية للديمومة.
حينذاك وحسب، نبلغ لسند الذاتي التزامن، في مركز الذات، دون حياة محيطية. وفجأة تمحي الأفقية المسطحة كلها. لا يعود الزمان يجْري. ينبجسُ انبجاساً.
(3)
ثمة شعراء، كمثل مالارميه، يعاملون، بشكل شرسِِ ومباشر، الزّمان الأفقي، يعكسون تركيب الجملة، يوقفون نتائج اللحظة الشعرية أو يتنكّبونها، وذلك من أجل استبقاء هذه اللّحظة الشعرية الثابتة أو بالأحري العثور عليها. إن علم النظم المعقُد يرمي الحصَي في الجَدوْل لكي تسحق التموُجات الصَور التافهة، لكي تكسر الدوامات الانعكاسات. فحين نقرأ مالارميه، نشعر غالباً بوجود زمان مُنْثَنِِ إلي الوراء، يكمل لحظات مكتملة. آنذاك نعيش، متأخّرين، اللّحظات التي كان يجب أن نعيشها: إحساس هو من الغرابة بحيث أنه ليس من التحسّر، أو من النّدم، أو من الحنين. إنه مصنوعُ من زمان مُتقَن الصّنع يعرف أحياناً أن يضعَ الصّدي قبل الصّوت، والرّفض في الاعتراف.
ثمة شعراء آخرون، أوفي حظاً، يقبضون بشكل طبيعيّ علي اللحظة الثابتة. يري بودلير، كمثل الصينيين، الساعة في أعين القطط، الساعة الباردة حيث الانفعال المشبوبُ هو من الاكتمال بحيث يرفض أن يكتمل: " في عمق أعينها الفاتنة، أري دائماً الساعة بوضوح، هي نفسها، الساعة الفسيحة، الاحتفالية، الشاسعة كالفضاء، دون انقسام إلي دقائق أو ثوان ـ الساعة الثابتة غير المحدّدة في ساعات التوقيت ... " (1) ، القصيدة بالنسبة إلي هؤلاء الشعراء الذين يفهمون اللحظة بمثل هذا اليُسْر، لا تنبسطُ بل تنعقد وتنتسجُ عقدةً عقدة. إن مأساتهم لا تتم ّ. إن عذابهم زهرة هادئة...
في توازن منتصف الليل، دون انتظار أي شيء من تنهد الساعات، يتخفف الشاعر من كل حياة لا جدوي منها، يختبر اجتماع الأضداد المجرّد في الكائن واللاّكائن. يري، بشكل أفضل، في الظلمات ضوءه الخاص. توفّر له العزلة الفكر المنوحّد، وهو فكُر لا لهْو فيه، فكُر يعلو ويهدأ في نشوةِِ محضة.
يعلو الزمان العمودي. أحياناً يغْرقُ ايضاً. منتصف الليل، بالنسبة لمن يعرف أن يقرأ الغُراب، لا يعود يرنّ قطعاً بشكل أفقيّ. يرن في النفس، هابطاً، هابطاً.... نادرةُ هي الليالي التي واتتني فيها الشجاعة لأذهب الي العمق، حتي الرنة الثانية عشرة، الجرح الثاني عشر، الذكري الثانية عشرة... حينذاك أعود إلي الزمن المسطح، أقيد، أتقيد ثانية، أعود الي الأحياء، في الحياة. لابد لكي نحيا من أن نخون دائماً الأشباح...
علي الزمان العمودي ـ هابطاً ـ تتنضد أفدح الآلام، الألام التي ليس لها سبب زمانيّ، الآلام الحادة التي تخترق القلب للاشيء، دون أن يضني أبدا، وعلي الزمان العمودي ـ صاعداً ـ تتوطّد السلوي بلا رجاء، تلك السلوي الغريبة، الراسخة التي لا حامي لها. باختصار، كل ما يفصلنا عن السبب والمكافأة، كل ما ينفي التاريخ الحميم والرغبة ذاتها، كل ما ينقص قيمة الماضي والمستقبل معاً ، قائمُ في اللّحظة الشعرية.
هل ندرس جزءاً صغيراً من الزمان الشعري العمودي؟ لنأخذ اللحظة الشعرية في الحسرة الباسمة، لحظة يرقد الليل ويثبت الظلمات، حيث الساعات لا تكاد تتنفس، حيث العزلة وحدها ندم. إن أقطاب اجتماع الأضداد في الحسرة الباسمة تتلامس تقريباً. أقل اهتزاز يُحلّ الواحد محل الآخر. الحسرة الباسمة هي إذن أحد اجتماعات الأضداد الأكثر حساسية لقلب حساس. إنها ببداهة إذن تنمو في زمانِِ عموديّ، لأن أيا من اللحظتين: الابتسامة والحسرة، ليست سابقة. الوجدان هنا قابلُ للانعكاس، أو، بتعبير أفضل: قابلية انعكاس الكائن هي هنا مُوجدنة: الابتسامة تتحسّر، والحسرة تبتسم، الحسرة تؤاسي. ليس أي من الزمانين المعبُر عنهما هنا علي التوالي سبباً للآخر، وفي هذا برهانُ علي إساءة التعبير عنهما في الزمان المتتابع، الزمان الأفقي. لكن بين الواحد والآخر صيروة، لا نقدر أن نختبرها إلا عمودياً، صعوداً، مع الانطباع بأن الحسرة تخفّ، والنفس تعلو، والشبح يصفح. آنذاك يُزهر الشقاء حقاً. إن ميتافيزيقياً حساساً سيجد هكذا في الحسرة الباسمة الجمالي الشكلي للشقاء. وتبعاً للعلة الشكلية سيفهم قيمة تحويل المادة إلي طاقة حيثُ تتكشف اللحظة الشعرية. وهذا برهان جديد علي أن العلة الشكلية تحدث داخل اللحظة، في اتجاه زمان عمودي، بينما العلة الفاعلة تحدث في الحياة وفي الأشياء، أفقيّاً، جامعة لحظات ذات كثافات متنوعة.
طبعاً ، يمكن في منظور اللحظة اختبار اجتماع الأضداد علي مدي أطول: " في طفولتي، أحسست في قلبي بعاطفتين متناقضتين: الرعب من الحياة والهيامُ بالحياة " (2) . اللحظات التي تُختبر فيها هذه المشاعرُ معاً تُوقف الزمان ، ذلك أنها تُختبر معاً موصولةً بالاهتمام الفاتن بالحياة. إنها تختطف الكائن خارج الدّيمومة المشتركة. إن اجتماع أضداد كهذا لا يمكن وصفه في أزمنة متتابعة كمَسرَدِِ مُبتذل للأفراح والآلام العابرة. إن تناقضات بمثل هذه الحيوية وهذه الجوهرية تتعلق بميتافيزيقا مباشرة. فيها نعيش النوسان في لحظة واحدة بانتشاءات وهبوطات يمكن أن تكون في تعارض مع الأحداث: الاشمئزازُ من الحياة يستولي علينا بحتمية في الاستمتاع كما تستولي علينا الأنفةُ في الشقاء. إن الأمزجة الدورية التي تتوالي تبعاً للقمر، في الديمومة المألوفة للحالات المتناقضة، لا تمثل إلا محاكاة ساخرة لاجتماع الأضداد الأساسيّ. ولا يقدر أن يعطينا الخطاطات الضرورية لفهم المأساة الشعرية الجوهرية إلا التحليل النفسي المتعمق.
(4)
يُدهشنا، من جهة ثانية، أن يكون شاعر المطابقات واحداً من الشعراء الذين عرفوا اللّحظات الحاسمة في حياة الإنسان المعرفة الأقوي. ليس التطابق البودليري، كما يُعرض غالباً ، مجرد تنقيلِِ يوفر نظاماً من التماثلات الحسية. إنه مجموع الكائن المحسوس في لحظة واحدة. غير أن التزامنات المحسوسة التي تجمع العطور والألوان والأصوات لا تفعل إلا التمهيد لتزامنات أبعد وأعمق. في وحدتي الليل والضّوء هاتين، تكمن الأبدية المزدوجة للخير والشر. "الواسع" في الليل والضوء لا يجوز أن يوحي لنا برؤية فضائية. فلم يُذكر الليل والضوء لاتساعهما، للانهايتهما، بل لوحدتهما. ليس الليل فضاء. إنه نذيرُ أبدية. الليل والضوء لحظتان ثابتتان، سوداوان أو وضاءتان، فرحتان أو حزينتان ، سوداوان ووضاءتان، حزينتان وفرحتان. أبداً لم تكن اللحظة الشعرية أكثر اكتمالاً منها في هذا البيت الشعريّ حيث يمكن الجمعُ في آنِِ بين هوْل النهار والليل. أبداً ، لم نشعر في غيره هذا الشعور المادي، باجتماع المشاعر المتضادة ومانوية المبادئ.
إذ نتأمل في هذا الاتجاه، نصل فجأة إلي هذه النتيجة: كل أخلاقية إنما هي فورية. الأمر المُطلق للأخلاقية لا فعل له غير الديمومة. لا يستبقي أية علة محسوسة، لا ينظر أية نتيجة. يمضي قُدماً، عموديّاً، في زمن الأشكال والأشخاص. الشاعر آنذاك دليل طبيعي للميتافيزيقي الذي يريد أن يفهم جميع طاقات الوصْل الفْوريّة، وحماسة التضحية، دون أن يترك ذاته تنشطر بالثنائية الفلسفية المبتذلة، ثنائية الذات والموضوع، ودون أن توقفه ثنائية حبّ الآخر وحبّ الذات. الشاعر يبعث جدلية أكثرَ نَفاذاً. فهو يكشف معاً، في اللّحظة نفسها، عن ترابُط الشّكل والشّخص. يدلّل علي أنّ الشّكل شخصُ والشّخص شكل. هكذا يصبح الشعر لحظة علة شكلية، لحظة طاقة شخصية. وإذاك يهمل ما يحطم وما يمحو، يهمل الديمومة التي تبعثر أصداء. يبحث عن اللّحظة. لا يحتاج إلا إلي اللحظة. يخلق اللّحظة. خارج اللّحظة، لا يوجد غير النثر والأغنية. ففي الزمان العمودي للحظة ثابتة يجد الشعر فعاليته النوعية. ثمة فعالية محضة لشعرِِ محض. إنها تلك التي تنمو عمودياً في زمان الأشكال والأشخاص.
(1) بودلير: قصائد نثر قصيرة.
(2) بودلير: قلبي ، عارياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) هذا النص مأخوذ من كتاب :
(Le Droit de rêver,Paris 1970 , p.224-232)
المصدر : مجلة (مواقف) اللبنانية ، العدد رقم 44 ، 1 فبراير 1982.