كنت في السنة الاولى او الثانية من معرفتي باسم الراحل البريكان مترددا على فم الشاعر الراحل عبد الخالق محمود ، فقد حدثني عن كائن متوقد الروح متفرد في طباعه وفي دفقه الشعري المتميز .و قد روى لي عبد الخالق حكاية كتابة البريكان لقصيدة ( اغنية حب من معقل المنسيين ) وكيف أفضى حديث قسيم البريكان في الزنزانة عن اخته الى ان يعشق البريكان تلك الأخت دون ان يراها ! غير انني لم التقٍ البريكان الا حينما جمعتنا الصدف لأن نعمل في مبنى مدرسي واحد تحت اسمي ( الاعدادية المركزية ) و ( اعدادية العشار ) فقد كان يدرس مادة اللغة العربية في المركزية التي كانت تضم طلاب القسم العلمي بينما كنت مدرسا لمادة اللغة الانجليزية في اعدادية ( العشار ) حيث طلاب القسم الادبي .في ( الاعدادية المركزية ) كان المحمودان ( البريكان وعبد الوهاب ) زميلين ضمن الاعدادية نفسها .ومن ثم تعددت لقاءاتنا في مقهى ( ابي مضر ) المطلة على ضفة نهر العشار عند جسر ( الهنود ) او ( القنطرة الذهبية ) كما يحلو لبعضنا ان يسمي الجسر بها .وما زلت أتذكر واحدا من تلك اللقاءات التي جمعتني بالزميلين البريكان والراحل الاستاذ محمد جواد الموسوي فقد تجاذبنا أطراف حديث ثقافي متعدد الموضوعات . لقد ادهشني البريكان بدماثته وسعة اطلاعه واهتمامه بالمحاور مبدعا كان او إنسانا عاديا .واذكر انه ابدى اعجابه بقصتي الموسومة ( الانطفاء) التي سأضمها فيما بعد لمجموعتي القصصية الاولى والمسماة ( العين والشباك ) .
انقطعت عن البريكان بسبب رحيلي الى خارج العراق واقامتي وعملي في الكويت فندرت لقاءاتنا دون ان أنسى حديث الصديق الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف المتواصل عن فرادة البريكان وعن عزوفه لحد ( العناد ) عن فكرة النشر!وكنا معا ــ حسين عبد اللطيف وأنا ــ نزوره في بيته الكائن في احد ازقة العباسية . وما اذكره عن بيت الراحل البريكان ان غرفه كانت قليلة الأثاث . وهذا الانطباع كان ينطبق على غرفته في الطابق الفوقاني فربما تبصر مصطبة خشبية ( كرويتة ) او سريرا بسيطا وبلا تزويقات ومنضدة في الركن عليها كتابان وبضع مجلات ، وحين اتفرس في الجدران أبصر لوحة تشكيلية او لوحتين قد تكونا قد أهديتا اليه .
ولم يختلف انطباعي عن بساطة البيت وتوحده حتى ابان فترة التسعينيات حين كنت وعبد اللطيف نلحف عليه ان يسمعنا ما يراه مناسبا عبر الغرامافون الخاص به من موسيقى عالمية . واعتقد انه كان ميالا للاستماع لموسيقى ( باخ ) ان لم اكن مخطئا ، بيد انه عزف لنا مقطوعات عديدة لأكثر من موسيقار : البطولية والخامسة لبيتهوفن ، تشايكوفسكي ومقطوعات ( موتسارت ) وسواها .
ومن ضمن ذكرياتي السابقة مع الراحل انني اخبرته عام 1974 بعزمي على السفر الى لبنان لغرض معالجة ابنة شقيقتي العليلة ، فطلب مني ان احضر له كتاب ادغار ألن بو الموسوم (مغامرات واسرارـHistories Exraordinaries ) ترجمة خالدة سعيد ــ زوجة الشاعر ادونيس ــ فجلبت معي اثر عودتي نسختين أهديته احداهما اما نسختي الخاصة بي فقد فقدت مع تكرار تنقلاتي من بيت الى بيت ومن فندق الى فندق ومن بلد الى بلد !
عموما ، ثلاث خصال احببتها في البريكان : تواضعه وترفعه عن خشاش الأرض مع خلو أحاديثه من المقذع من المفردات المنافي للذوق ،واحتفائه بالآخر احتفاءً حميما ونزوعه الانساني وتبتله في محراب الابداع بحيث لايمكن لأي جليس ان يفصل بين الريكان انسانا والبريكان مبدعا .
انني ، اذ اكتب هذه السطور القليلة بحق هذا الكائن الغير القابل للنسيان ، وفي يوم المعلم هذا ــ الأول من آذار ــ لايسعني الا ان اهديه نصي القصصي( لمن تعزف السيمفونيات ؟ ) الذي تتمحور أحداثه حول معلم يسكن وحيدا في غرفة رثة لا يملك سوى جهاز غرامافون ذي ابرة منثلمة فيزوره واحد من طلابه او مريديه مبشرا اياه بالعثور على الإبرة المتوخاة ، فيشعر المعلم بالسرور ويثبت الإبرة في منتهى ذراع الجهاز لتتدفق سيمفونية ( بيتهوفن ) البطولية ( ايرويكا او الثالثة ) بعد ان كان يشكو من شاب مستأجر اعتاد ان يسرق اسطوانات المعلم ليهديها الى ضابط من العساكر طمعا في اجازة تبعده عن خطوط النار وهو بدوره يهديها الى احدى وزارات الحربية كي تعزف في قاعة الاحتفالات احتفالا بانتصارات لا تغني ولا تسمن من جوع!
محمد سهيل احمد
انقطعت عن البريكان بسبب رحيلي الى خارج العراق واقامتي وعملي في الكويت فندرت لقاءاتنا دون ان أنسى حديث الصديق الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف المتواصل عن فرادة البريكان وعن عزوفه لحد ( العناد ) عن فكرة النشر!وكنا معا ــ حسين عبد اللطيف وأنا ــ نزوره في بيته الكائن في احد ازقة العباسية . وما اذكره عن بيت الراحل البريكان ان غرفه كانت قليلة الأثاث . وهذا الانطباع كان ينطبق على غرفته في الطابق الفوقاني فربما تبصر مصطبة خشبية ( كرويتة ) او سريرا بسيطا وبلا تزويقات ومنضدة في الركن عليها كتابان وبضع مجلات ، وحين اتفرس في الجدران أبصر لوحة تشكيلية او لوحتين قد تكونا قد أهديتا اليه .
ولم يختلف انطباعي عن بساطة البيت وتوحده حتى ابان فترة التسعينيات حين كنت وعبد اللطيف نلحف عليه ان يسمعنا ما يراه مناسبا عبر الغرامافون الخاص به من موسيقى عالمية . واعتقد انه كان ميالا للاستماع لموسيقى ( باخ ) ان لم اكن مخطئا ، بيد انه عزف لنا مقطوعات عديدة لأكثر من موسيقار : البطولية والخامسة لبيتهوفن ، تشايكوفسكي ومقطوعات ( موتسارت ) وسواها .
ومن ضمن ذكرياتي السابقة مع الراحل انني اخبرته عام 1974 بعزمي على السفر الى لبنان لغرض معالجة ابنة شقيقتي العليلة ، فطلب مني ان احضر له كتاب ادغار ألن بو الموسوم (مغامرات واسرارـHistories Exraordinaries ) ترجمة خالدة سعيد ــ زوجة الشاعر ادونيس ــ فجلبت معي اثر عودتي نسختين أهديته احداهما اما نسختي الخاصة بي فقد فقدت مع تكرار تنقلاتي من بيت الى بيت ومن فندق الى فندق ومن بلد الى بلد !
عموما ، ثلاث خصال احببتها في البريكان : تواضعه وترفعه عن خشاش الأرض مع خلو أحاديثه من المقذع من المفردات المنافي للذوق ،واحتفائه بالآخر احتفاءً حميما ونزوعه الانساني وتبتله في محراب الابداع بحيث لايمكن لأي جليس ان يفصل بين الريكان انسانا والبريكان مبدعا .
انني ، اذ اكتب هذه السطور القليلة بحق هذا الكائن الغير القابل للنسيان ، وفي يوم المعلم هذا ــ الأول من آذار ــ لايسعني الا ان اهديه نصي القصصي( لمن تعزف السيمفونيات ؟ ) الذي تتمحور أحداثه حول معلم يسكن وحيدا في غرفة رثة لا يملك سوى جهاز غرامافون ذي ابرة منثلمة فيزوره واحد من طلابه او مريديه مبشرا اياه بالعثور على الإبرة المتوخاة ، فيشعر المعلم بالسرور ويثبت الإبرة في منتهى ذراع الجهاز لتتدفق سيمفونية ( بيتهوفن ) البطولية ( ايرويكا او الثالثة ) بعد ان كان يشكو من شاب مستأجر اعتاد ان يسرق اسطوانات المعلم ليهديها الى ضابط من العساكر طمعا في اجازة تبعده عن خطوط النار وهو بدوره يهديها الى احدى وزارات الحربية كي تعزف في قاعة الاحتفالات احتفالا بانتصارات لا تغني ولا تسمن من جوع!
محمد سهيل احمد