أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٧ تموز من كل عام

١
اليوم أرسلت للأيام مقالين ليوم غد وللثلاثاء
1- تخيل المتخيل و
2- اميل حبيبي و(ثيودور هرتسل).
أامل أن يروقا للقراء.
أنا مشغول هذه الأيام بجمع معلومات وملاحظات حول تلقي أشعار محمود درويش نقديا.ما الإشكالية التي تنجم عن قراءته قراءة نصية؟
هل يقرأ درويش بنيويا؟
هل يقرأ اجتماعيا ؟ ماركسيا؟
القراءات النصية مريحة للناقد ، ولكنها توقعه في مزالق وتؤدي إلى استنتاجات خاطئة .من د.علي الشرع إلى قراء آخرين أقل منه تمكنا من قراءة النص- أعني طلبة دكتوراه وماجستير إلى..إلى سيعثر المرء على استنتاجات كارثية سببها إهمال اللحظة التاريخية لكتابة القصيدة والشروط المحيطة؟
أ لهذا كتب محمود درويش قصيدة (اغتيال) ؟
حتى الناقد العربي الكبير د.جابر عصفور لم ينج من قراءاءت خاطئة للشاعر.
طبعا جل من لا يسهو ولكن...
أمل من انجاز هذا البحث الذي كانت نواته في مقال عنوانه " قراءات محمود درويش ملاحظات " وكنت نشرته في الأيام.
قبل سنوات أردت أن أشارك في مؤتمر في جامعة ابن زهر المغربية في الموضوع هذا ، ولكني لم أفعل لأنني لم أرغب في دفع كذا مائة دولار للمشاركة .
٢٠١٢

٢
صباح اﻷحد :

لا إحباط على مستوى شخصي .
نظفت الشبابيك لا احتفالا بالعيد ، فلن يزورني أحد في شقتي ، وإنما رغبة في فعل شيء ، وﻷن موعد التنظيف حان .
هذا الصباح وصباح أمس كنت سيد بيت ، رب بيت - haus man - كما يقول اﻷلمان الآن للرجل الذي ينظف منزله .
زوج ( انجيلا ميركل ) هو (هاوس مان ) وليست هي haus frau .
لا رغبة في فعل شيء في العيد سوى كتابة مقال لدحض الرواية الصهيونية التي تزعم أننا لا نجيد سوى الخراب .
سأواصل الكتابة في الموضوع الذي كتبت فيه دراسة لجامعة قفصة في تونس ولم تصلني منشورة في كتاب المؤتمر حيث نشرت .
٢٠١٤

٣
الشجاعية وخزاعة .... و مدينة ( دريسدن ) الألمانية :

الدمار الذي ألم بالشجاعية وخزاعة ذكرني بمدينة ( دريسدن ) اﻷلمانية وما ألم بها في الحرب العالمية الثانية على أيدي طياري الحلفاء . أراد الانجليز إنهاء الحرب ووضع حد ل (هتلر ) وهكذا قرر الحلفاء اختيار مدينتين ألمانيتين مهمتين ﻷبادتهما ومسحهما وتسويتهما باﻷرض - auf dem boeden gleichen - وقد تم للحلفاء ما أرادوا . شاهدت فيلما حول ذلك وكتبت عنه في اﻷيام في زاوية دفاتر .
هذا اليوم وأنا أرى ما ألم بالشجاعية وخزاعة تذكرت دريسدن . يا آلهي ها هو التاريخ يعيد نفسه ، فإسرائيل تريد تدمير قوة حماس حتى لو سوت القطاع كله باﻷرض .
كم من دم فلسطيني وعربي أريق من أجل عيون دولة أسرائيل ولسه .... لسه طويلة على رأي عبد الحليم حافظ في عاوز تفتكرني .. وليالي عشناها أبدا مش حنساها .
أفهموها ...إسرائيل لن تسمح ﻷحد أن يهزمها ، ﻷنها لحظتها ستنتهي ، وقد كتب أدباؤها هذا.... ولكن إلى متى ستظل قادرة على ذلك في محيط عربي إسلامي .
لا تتفاجأوا بهذا الدمار ...
وكل عام وعيد ونحن على قيد الحياة .
خربشات ليلة العيد ... يا ليلة العيد ..
٢٠١٤

٤
أرجو من الجميع عدم إلصاق تهان بالعيد على صفحتي.وكل عام وانتم بحال أفضل ولغزة المجد والصبر وكان الله في عون أهلها.

وكل عام وهم على قيد الحياة وأتمنى من الله أن يحقق ما نشدته الغزاوية التي دمر حيها:أن تبني بيتها في فلسطين المحتلة في العام 1948
٢٠١٤

٥
إن من يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما إذا الميزان
مال

توفيق زياد

٦
الكمنجاتي في جامعة النجاح الوطنية:

منذ زمن لم أشارك في نشاطات ثقافية تحييها الجامعة أو المركز الثقافي الفرنسي.ومنذ غادرت لوسيان التي كتبت فيها مقالة عنوانها " في وداع لوسيان " لم أذهب إلى فعاليات المركز إلا ثلاث مرات ، مع أن خليفة لوسيان السيدة ميريام ، إن لم تخني الذاكرة ، لطيفة وودودة مثل سابقتها . هل غدوت كائنا منزليا ؟
كان يمكن أن أكون كائنا خفيفا لا يحتمل لو ذهبت دون دعوة ، والدعوة لم تأت بالبريد العادي . جاءتني أليكترونيا ، ثم أكد السيد حكيم ،أمس ، على ضرورة حضوري . أحيانا كانت أم حسين التونسية الفلسطينية تتصل بي للذهاب إلى فعاليات تتطلب بطاقة دعوة ، وأنا أذهب هكذا بناء على اتصال ، فلا دعوة خطية رسمية . كأنني كائن غير محتمل .
المهم كانت أمسية فرقة الكمنجاتي أمسية جميلة . ولقد كان محمود درويش حاضرا فيها من خلال أشعاره :

على هذه أﻷرض ما يستحق الحياة

ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

انتظرها

و تضيق بنا الارض ،تحشرنا في الممر الاخير ... و ...
وأحببت القصيدة وهي تلقى باﻷنجليزية . كأن درويش شاعر انجليزي بالولادة ( اﻷرض تورث كاللغة ) و ماذا أيضا ؟
ثمة حب للفن ذكرني بعرب آخرين غير الذين نشاهدهم على شاشة الجزيرة يقتتلون : داعش والنصرة وبشار اﻷسد وصالح ونصرالله ، وثمة تصفيق للفرقة الموسيقية وعلى هذه اﻷرض ما يستحق الحياة .
الليلة كانت الكائنات محتملة والفرقة قادمة من مدينة ليل الفرنسية ومعها حكيم صباح وآخرون .
هل عدت بذاكرتي إلى برلين والفيلهارموني ؟
لقد تم هذا وأنا أتحدث عن الموسيقى هناك وعن جمهورها ومع ذلك كان الجمهور حاضرا وكان المدرج ممتلئا ، ويبدو أنني الوحيد المدعو دعوة شفاهية .
هل كنت كائنا غير محتمل ؟
٢٠١٥

٧
( حزيران الذي لا ينتهي ) 61 :

( الخروج من الجنة )

النكتة التي غالبا ما يرويها اللاجئون الفلسطينيون عما ألم بهم وما زال يلم بهم ، قبل أن تتعقد الأوضاع في العالم العربي وتصعب ، كانت تتعلق بمصيرهم يوم القيامة : أين سيذهب اللاجئون : إلى الجنة أم إلى النار ؟
هل كانت هذه النكتة حاضرة في ذهن كاتب الأغنية الثورية التي اذاعتها إذاعة الثورة بعد هزيمة حزيران واشتداد حركة المقاومة ؟ ( دبوا النار بهالخيام ،وارموا كروتة التموين ،لا صلح ولا استسلام ،إلا بتحريرك فلسطين ) وهل أدرك صاحب كلمات الأغنية أنه لا بديل أمام الفلسطينيين إلا العودة إلى البلاد التي طردوا منها ابتداء : فلسطين بمدنها وقراها وصحرائها أيضا ؟ وهل كان استوعب غسان كنفاني وأعماله الروائية والقصصية جيدا ؟
كان كنفاني قرأ الأدب الصهيوني ولاحظ أن الأدباء الصهيونيين ، شأن الساسة الصهيونيين ، رأوا أنه لا حل للمشكلة اليهودية إلا بالعودة إلى فلسطين ، فهل أيقن كنفاني أيضا أن لا حل للمشكلة الفلسطينية إلا بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم ؟
في العام 1978 ، وتحديدا في اليوم الأول من آذار رحلنا عن المخيم ، وبعنا بيتنا فيه ، واقمنا في حي جديد بدأ يتشكل . اشترينا الأرض في نهاية 1977 وأقمنا بيتنا الجديد ورحلنا ، وكان لا بد من الرحيل ، فالعائلة بحاجة إلى مزيد من الشقق للأبناء الذين كبروا ، عدا أن الإقامة في المخيم بدأت تبدو غير محتملة .
أذكر بيتنا في المخيم وتشكله وتوسعه غرفة غرفة . بدأ بغرفة بنتها لنا وكالة غوث اللاجئين ومنحتنا إياها في العام 1958 بعد أن طال انتظار أهالينا للعودة . كانت الغرفة منفصلة وحولها مساحة تقدر بمائتي متر وأكثر ، تنازل أبي طوعا ، ومن باب الشعور مع لاجئين مثله ، عما لا يقل عن خمسين مترا منها لجيران جدد،حتى يقيموا بيتا لهم.وربما كان سبب تنازله عن الخمسين مترا أنه كان يرى في المخيم مكانا طارئا مؤقتا لن يدوم ( لما دام المخيم أربعين عاما تساءل محمود درويش في قصيدته " نزل على بحر" 1986 : أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا ؟ ).
وطالت نباتات البعيد ، وطال ظل الرمل /المخيم فينا وانتشر ، وأيضا التعبير لدرويش ، وبدأ أبي يزرع الأشجار ويبني البيت غرفة غرفة . كلما تيسر له مبلغ من المال توسع في البناء ، وكان مهندسا ناجحا جدا ، كما لو أنه درس الهندسة المدنية في ( اكسفورد ) ، ولهذا غدا بيتنا ( من كل قطر أغنية ) وقصرا يروق للناظرين . غرفة هنا وغرفة هناك ، ومساحة تفصل بينهما ، وهي غير مسقوفة ، فإذا حل الشتاء كان لا بد من شادر ، وكانت رياح العطر الفرنسي الفاخر تهب علينا وتنتشر في بيتنا من مراحيض الجيران المحيطين بنا حائطا حائطا ،من الجهتين الغربية والجنوبية .
ولما كان الصيف يحل كان لا بد من نافذة تفتح ، حتى يتهوى البيت ويستمتع المرء بنسمات هواء عليلة . وكان العطر يهب ، ما جعل أبي يشعر بالمرارة والندم ، لأنه كان سخيا كريما منح جيراننا مساحة احتاج إليها يوم كبرت عائلته وامتدت ، ولأن جيراننا أقاموا مرحاضهم قرب نافذة غرفتنا الغربية .( في البداية كانت المراحيض في المخيم مشتركة وبعيدة عن البيوت ، بل وكان هناك حمام مشترك لأهل المخيم ، كما المدن القديمة ومنها نابلس . وكانت المراحيض العمومية بائسة جدا )
في المخيم كنا واللاجئين نتقاتل على كل شيء . نتقاتل على الحصول على المياه من عين المخيم ، ونتقاتل في الفرن ، مع الفران إن فضل أحد معارفه علينا وقدمه وخبز له عجينه دون مراعاة الدور ، وكنا نتقاتل يوم توزيع المؤن ، وتوزيع البقج . وأحيانا كان بعض الناس يتقاتلون مع بعضهم بعضا لأنهم أقارب بعضهم بعضا . كما لو أن روح قابيل حلت فينا ، وكما لو أن الاقارب إخوة يوسف أيضا ، وأتذكر معارك بين أقارب ، كان الدم فيها يسيل ، وكنا نتفرج على فريد شوقي ومحمود المليجي متجسدين في بعض الأهالي الذين يستخدمون اسياخ الحديد وأواني يستخدمها الفوالون لتحريك جرة الفول .( وأنا أقرأ قصة غسان كنفاني " زمن الاشتباك " ( الصغير يذهب الى المخيم ) أربط بين ما ورد فيها وبين ما عشناه )
في العام 1976 عينت معلما في مدارس الحكومة لمدة عام وثلاثة أشهر ، انتقلت بعدها إلى مدارس الوكالة في العقربانية ، بسبب الراتب الأعلى الذي تمنحه الوكالة . وكنت أعود إلى بيتنا في المخيم ، حتى أتناول طعام الغداء واسترخي قليلا ، من عناء التدريس والوقوف لمدة أربع خمس ساعات ، وكانت الغرفة التي استرخي فيها ، وهي غرفة أبي وأمي اللذين تخليا لي عنها كوني مدرسا يحتاج إلى غرفة يحضر فيها دروسه و .. و .. ، كانت الغرفة تقع على شارع سفلت حديثا ، وهو شارع رئيس تقريبا .
أحاول الاسترخاء فلا أتمكن ، ذلك أن أبناء المخيم كانوا يلعبون على الشارع بعربايات خشب ذات عجلات موبيليا ، وكانت هذه تزحك الشارع ، وتخرج صوتا يضرب في الرأس مباشرة ، أين منه صوت الكعب العالي في شوارع لندن ، صوت الكعب العالي الذي أتى عليه الشاعر توفيق صايغ في " المعلقة .ك " . ويومها كان لا بد من الرحيل عن المخيم والخروج من الجنة .
كان الناس ، مع مرور الأيام ، ومنهم أهلي ، قد يئسوا من إمكانية العودة ، فقد طال الانتظار ، والأسابيع والأشهر التي قيل لهم عنها ، لتحرير فلسطين ، طالت وغدت سنوات ، بل عقودا ، وبدأ بعض سكان المخيم يشترون أراضي قربه ليقيموا عليها بيوتا خاصة بهم.منهم من اشترى أراضي بعيدة ، ومنهم من استاجر في المدينة ، وهؤلاء قلة ،ومنهم من اشترى أرضا قريبة من المخيم ، ليظل قريبا من أهله ومعارفه وأصدقائه ( أحيانا يراودني السؤال التالي ، بخاصة حين أرى أصدقاء من المخيم استمرت صداقتهم خمسين عاما ، وما زالوا معا : " ماذا سيفعل هؤلاء لو عادوا إلى فلسطين ؟ هل سيعود كل إلى مدينته وقريته ، تاركا أصدقاء العمر ، متخليا عنهم ، أم ترى أن هؤلاء سيفضلون السكن قريبين من بعضهم ؟ .سؤال بسيط ، وربما ساذج ) .
في 1/3/1978 خرجنا من جنتنا : المخيم ، ومع ذلك بقينا نكرر الدعابة حول مصيرنا يوم القيامة : أين سيذهب اللاجئون : إلى الجنة أم إلى النار ؟
وتقول الدعابة ، ونوينا التزهزه ، على راي الشيوخ : في يوم القيامة وزع الناس على الجنة والنار ، وبقي اللاجئون الفلسطينيون ينتظرون ، ولما امتلأت الجنة ، ومثلها النار التي كفت عن القول : هل من مزيد ، بقي اللاجئون ينتظرون البت في مصيرهم ، ولما لم يكن لهم متسع هنا أو هناك ، فقد جاء الاقتراح من الأعلى : ابنوا لهم مخيمات .
هل كان الذي اخترع الدعابة التي أخذت تشيع بعد الخروج الفلسطيني المستمر ، هل كان ذا نبوءة بما سيؤول إليه الفلسطينيون ؟ولطالما تذكرنا الدعابة وكررناها ؛ بعد الرحيل عن بيروت 1982، وبعد الخروج من الكويت1990/1991 وبعد الخروج من العراق 2003 و ..و ..
وأنا أقرأ رواية الكاتبة سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن" 2013 تذكرت الدعابة ، إذ حتى في الدولة الاسكندنافية لم يجد الفلسطينيون حلا .
في بيتنا الجديد ثمة حديقة وثمة أشجار وثمة مساحات ارتداد بيننا وبين الجيران ، وأما الأشجار فحدث ولا حرج ، وغالبا ما أتذكر كيف اضطر أبي وأمي إلى ترك غرفتهما لي ، بعد أن أصبحت معلم مدرسة ( قد الدنيا ) . وكان لا بد من الإحسان اليهما .
27/7/2016

٨
( حزيران الذي لا ينتهي ) 62 :

( أدخلوا الشاعر إلى الجنة فصاح : يا وطني ! )

خرجنا من المخيم ولم نخرج منه . هل ظل المخيم يسكن فينا ؟ هل كنا مثل ميسون زوجة الخليفة التي حنت إلى بيت تخفق الأرياح فيه ، لأنه أحب إليها من قصر منيف ؟ هل كنا مثل تلك البدوية المتسولة التي راقت للأمير فتزوجها وأسكنها قصرا ، ومع ذلك وقفت أمام الطاقة وقالت : يا طاقة أريد رقاقة ؟
كتب ناظم حكمت :
أدخلوا الشاعر إلى الجنة
فصاح : يا وطني !
وقد استعار محمود درويش منه هذه الصرخة وضمنها في إحدى قصائده من ديوان " محاولة رقم 7 " 1974 ، وكان أحمد شوقي قال :
وطني لو شغلت بالخلد عنه / نازعتني إليه ، بالخلد ، نفسي ،
وغالبا ما أتساءل ، وقد أتيت على هذا : ماذا لو عاد اللاجئون إلى مدنهم وقراهم ؟ هل سيعود كل واحد من هؤلاء إلى مدينة أبيه وجده ، أم أنه سيختار مدينة يقيم فيها أصدقاؤه من المخيم ؟
لقد أقام في المخيم الواحد فلسطينيون ينتمون إلى قرى مختلفة ، وإلى مدن مختلفة ، وتشكلت بين هؤلاء صداقات ، وغدوا مع الزمن أبناء مخيم واحد ، كما لو أنهم أبناء قرية واحدة أو أبناء مدينة واحدة .
في بدايات نشأة المخيم كان المرء يستطيع أن يميز ، من خلال اللهجة ، المكان الذي انحدر منه المتكلم ، فقد كان لليافاويين لهجتهم ، وكان لأهل اللد وحيفا أيضا لهجتهم ، وكان لعرب الجماسيين لهجتهم ، ومع مرور الأيام ، ومع دخول أبناء هؤلاء المدرسة انصهرت اللهجات في لغة واحدة وكادت تختفي ، بل إنها اقتصرت ، أي اللهجات ، على الآباء ، ومع اندثار هؤلاء ، مع الزمن ، تكاد لهجاتهم الأصلية تندثر ، ولم يبق في المخيمات ، الآن ، ممن هاجروا من فلسطين إلا قليلون .
رحل أجدادنا ورحل ، من بعد ، آباؤنا وأمهاتنا ، ونحن ، الباقين ، أكثرنا ولدنا في الخيام أو في غرف الوكالة ، ودرسنا في المدارس معا ، وتصادقنا ، وما عادت لهجات مدن وقرى آبائنا تجري على ألسنتنا .
خرجنا من المخيم ولم نخرج منه ، وظللنا لفترة نجد أنفسنا فيه . هل بقينا نقول : أنا من هناك ، ولي ذكريات ؟
مازال أصدقاؤنا يقيمون في المخيم ، والحي الذي أقمنا فيه حي جديد كان في طور التكوين ، فلا نادي فيه ولا مقهى ولا أصدقاء أيضا لنا فيه ، وهكذا وجدنا أنفسنا مثل ميسون زوجة معاوية ومثل المتسولة ومثل ناظم حكمت وأحمد شوقي .
لمخيم تكثر فيه الصداقات أحب إلينا من بناية منعزلة
ويا عمارة : نريد أصدقاء وناديا
وادخلونا إلى المدينة فصرخنا : يا مخيمنا .
وكان هذا في البداية .
سأجد نفسي يوميا في المخيم . أذهب لرؤية الأصدقاء ، وأجلس في النادي معهم نشرب الشاي أو نتحدث في شؤون المخيم والسياسة ، ولما بدأت الفصائل تنشط ثقافيا واجتماعيا وسياسيا ،ولم تعد ترى في حمل السلاح المجال الوحيد لتحرير الوطن ، فقد أخذت تلتفت إلى النقابات والأندية ولجان العمل التطوعي و .. و ..
ووجدت نفسي أنشط في نادي المخيم ، أخدم في مجال الثقافة ، باعتبار هذا ضربا من مقاومة الاحتلال ، فمن عاش تحت احتلال فليقاومه بالسلاح ، فإن لم يستطع فبالثقافة ، فإن لم يستطع فبمقاطعة بضائعه وعدم التعاون معه ، وذلك أضعف أشكال المقاومة ، وهكذا وجدت نفسي أقاوم من خلال الثقافة .
نشطت في نادي المخيم ، فأصدرت المجلة الأسبوعية ، وهي مجلة حائط ، وأصدرت مع لجان ثقافية في أندية أخرى مجلة الفجر المنبثق ، وأقمنا معرض كتاب ، بل وأخذنا نستدعي أدباء معروفين مثل الشاعر علي الخليلي والروائية سحر خليفة . أذكر أن سحر كانت قد أصدرت روايتها " الصبار " 1976، ولما كانت قريبة من اليسار ، وكان لهذا اليسار حضور في النادي ، فقد عقدنا لروايتها ندوة شاركت فيها ، وأخذت أتحدث عن اللغة والمرأة كما لو أنني ناقد كبير ، وأعتقد أنني لم أكن أعرف أبجديات النقد ، على الرغم من أنني درست الأدب العربي وكنت خريج الجامعة .
لم أكن قرأت من كتب النقد إلا أقلها ، ولم أكن قرأت من الروايات إلا ثلاثين أربعين رواية ، وكنت بدأت أعود أصابعي على الكتابة ، فنشرت مقالات في مجلة " البيادر " تحت عنوان " محاولة لقراءة رواية " ، وحين أنظر ، في هذه الأيام ، إلى ما كتبت تنتابني موجة من الضحك ، ولكن ما يواسيني أن محمود درويش تخلى عن ديوانه الشعري الأول " عصافير بلا أجنحة " 1960، وعد أشعاره الأولى مراهقة شعرية .
بقيت أنشط في نادي المخيم ، وفي اللجنة الثقافية تحديدا إلى أن فشلت في الانتخابات ونجح عباس محمود العقاد ، فحل محلي . أما كيف تم هذا ؟ فالأمر يعود إلى جناية الفصيلية على الشعب الفلسطيني ، ولعل ما يحتاج ، حقا ، إلى دراسة هو : هل خدمت الفصائل الشعب الفلسطيني أم أنها اساءت إليه ؟ ثم أيها كان أكثر : ضرر هذه الفصائل على الشعب أم نفعها ؟
كل ما في الأمر يا سادة أن الاتجاه الديني وحركة فتح أخذا يهتمان ، منذ نهاية 70 ق 20 ، بالنوادي والنقابات والجمعيات ، فأخذت تجرى الانتخابات ، ولما كان اليسار قليلا عديده ، مع أن الكرام قليل ، فإن من دعمني كان القليل الكرام الذي ما عاد ، مع الأيام ، من الكرام ، أو أنني أنا ما عدت كريما .
أخذت الانتخابات تجري ، وأخذ كل فصيل ينشط ويعد ويستعد ويدعو أنصاره لكي يفوز باللجنة الثقافية ، فتحرير فلسطين سيتم من خلال الوعي والثقافة ، وكان أن فاز عباس محمود العقاد وفشلت أنا ، فآثرت الانزواء .
كان المرشح المقابل لي عاملا لم ينه الصف الخامس الابتدائي ، وليس له من الثقافة نصيب ، ولكن نصيبه كان في كثرة عديد اتجاهه من ناحية ، وفي عباس محمود العقاد من ناحية ثانية ، فلقد كان العقاد صنوا لطه حسين ، وما كنت طه حسين الذي كنت أهاجمه دون أن أقرأه ، وإنما اهاجمه لهجوم أستاذي التحريري المرحوم د.عبد المجيد المحتسب عليه ، وأيضا لهجوم اليسار على طه حسين .
أحيانا شر البلية ما يضحك ، وما جرى كان شر بلية ، لا لفوز العقاد علي ، فقد كنت أعدني مثقفا ، وإذا بي ، مع الأيام ، أكتشف أنني كنت مثل ببغاء يكرر أفكار غيره دون أن يسائلها ، ولعل ما خفف الأمر علي ، لاحقا ، أن أكثر اليساريين تحولوا ، واكتشفوا أيضا أنهم كانوا ببغاوات يكررون الشعارات والعبارات ، ومثلهم أبناء حركة فتح : نفذ ثم ناقش .
كان فشلي في الانتخابات سببا أساسيا في انسحابي من النادي ، وكون لدي قناعة أن التغيير في المجتمع ليس بالأمر السهل ، وأنه ليس لكل مجتهد نصيب ، إلا إذا كانت له واسطة ، وكان وراءه فصيل كثير العدد . ومع مرور الأيام ، ومع تحولي إلى شخصية إشكالية أخذت أزور المخيم في المناسبات السياسية والاجتماعية ، وربما يكون لعملي الأكاديمي ، ولصيرورتي كاتبا وباحثا يحتاج إلى وقت للقراءة ، ربما يكون لهذا دور في الأمر
27/7/2016

٩
كنت أجلس في المقعد الخلفي وكان إلى جانب السائق رجل ستيني اندفع في كلامه ، حين قطع مواطن الشارع معرضا نفسه للخطر .
ظل الراكب يتكلم دون توقف .
قال الراكب المجاور للسائق :
- هناك شركات تأمين تدفع إلى الرجل الذي فقد زوجته وأطفاله منها / أطفالها ذهب إلى شركة التامين ومضى الشيك وأخذ المستحقات .
عمي وراء موت المرأة فرحة . كل امرأة تموت يأتي وراء موتها فرح . لقد أخذ الرجل المال وذهب إلى زوجته الثانية . عقليتنا عقلية جاهلية . نحن نحن منذ 1400 عام . نثأر ونقتل لخلاف شخصي . نحن لم نصلح منذ الحجاج . إنه عصر الماديات . لا تقل لي اخلاق ومباديء . في مال . القتيلان أمس في عمان اتصل نتنياهو بالملك وقال له :
- يكفي مليون دولار أم اكثر ؟
أم القتيل تأخذ حصتها وتنسى
واهله كذلك .
عمي هذا عصر مادة .
صدام حاول أن يكون الحجاج . هذا الشعب يحتاج إلى صدام .إلى الحجاج . انظر ماذا يجري في العراق بعد موته . دون حجاج لن نصلح . الغرب دفع في الحرب العالمية الثانية 50 مليون . ونحن بحاجة إلى من يقتل نصفنا . نحن ما زلنا في الجاهلية . عقلية جاهلية ولن نصبح آمة إلا إذا تطهرنا بالدم . هذه الجامعات كان الله في عونهم . اسم جامعات مجرد أسماء .
- هل قال الراكب كلاما آخر؟
هبطت من الحافلة وهبط معي طالبان ، وظل الراكب المجاور للسائق في مقعده ، ولعله واصل حديثه للسائق الذي كان ، مثلنا ، يصغي .
كان هذا أمس في العاشرة صباحا .
27/ 7 /2017

١٠
الشاعر فاروق مواسي:

الشاعر فاروق مواسي علق على كتابتي عن محمود درويش بما معناه: كفى كتابة عن محمود درويش واميل حبيبي فما زاد عن حده انقلب إلى...
مع الشاعر الحق ولكنني لا اكتب عن الكاتبين فقط. إنني اكتب عن كتاب كثر. ثم إن تفاعل القراء مع ما أكتبه لافت.
أتمنى أن يكتب ناقد عن أسماء جديدة تحجب القراء عن قراءة ما أكتبه عن درويش وحبيبي.
درويش لي كالمتنبي لقراء الشعر العربي.
27 تموز 2018

١١
فنتزة / سرحان:

هل من صلة بين قصة سميرة عزام "دموع للبيع" من مجموعة "الظل الكبير" وقصيدة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب "حفار القبور ".؟
تذكرت قصة سميرة عزام وأنا أتصفح رواية الكاتبة التركية (اليف شافاك )"لقيطة اسطنبول "
وتذكرت قصيدة السياب وأنا أحلق ذقني.
اليوم الجمعة.
لا تزعل يا شاعرنا فاروق مواسي فسوف أكتب عن عزام والسياب وشافاك.
أنت كتبت عن لغة الشعر لدى السياب وأصدرت كتابك في غير طبعة.مزبوط!
هل من علاقة تناصية بين القصة والقصيدة؟
27 تموز 2018

١٢
سعد الله ونوس :

في ١٩٩٨ كتب الروائي عبد الرحمن منيف مقدمة لطبعة جديدة من روايته " شرق المتوسط " أتى فيها على عالم السجن في العالم العربي واعتبره أكبر عار عربي معاصر .
اليوم تصفحت صفحات من مسرحية سعد الله ونوس " الاغتصاب " ١٩٩٠ . فماذا كتب ؟
كنت أبحث عن موضوع الاغتصاب في الرواية الفلسطينية لأكتب عن رواية أكرم مسلم "بنت من شاتيلا " . وقد عدت إلى رواية ( ايثيل مانين ) "الطريق إلى بئر السبع " ١٩٦٣ .
وتذكرت كتاب ( ايلان بابيه ) " التطهير العرقي " .
في ذهني أيضا رواية سهيل كيوان " بلد المنحوس " .
ماذا قال مظفر النواب ومن قبل شاعر عراقي عن سقوط القدس في ١٩٦٧ ؟
"فإذا أجن الليل تطق الأكواب " .
والآن أجن الليل !
بعين الله
٢٧تموز ٢٠١٩

١٣
الست كورونا : ضاقت أخلاق الرجال فانطلق الرصاص ودبت الفوضى ( ٣٤ )

منذ أيام احتفل أهالي بلاطة البلد بنتائج امتحان التوجيهي . هنأ المواطنون أهالي الناجحين غير عابئين بالكورونا والتحذيرات من الآثار الجانبية للتقارب الجسدي ، فباغتتهم الكورونا في عقر دارهم وأصابت عددا لا بأس به منهم ، ما أدى إلى إغلاق القرية .
ضاقت أخلاق الرجال - أو أنها الضرورة - فأراد بعض أصحاب المحلات فتحها ، وتم الاتفاق مع محافظ المدينة وحدثت بلبلة فأطلق عنصر من عناصر الأمن الوطني النار على أمين سر حركة فتح السجين السابق في سجون الاحتلال والقابع فبها كما عرفت ثلاثة عشر عاما ، فأصابت الرصاصة فخذه وظل الدم ينزف حتى فارق ابن الرابعة والخمسين الحياة ، ولم تهدأ الأحوال .
أمس مساء ، وأنا أريد العودة إلى بيتي ، كان الشارع الرئيس المؤدي إليها ، مثل شوارع أخرى رئيسة في الاتجاه نفسه ، مغلقا ، ما جعلني أظل في المدينة أبيت فيها .
ثمة فوضى وثمة مواطنون كثر كانوا في حيص بيص والساعة تقترب من الثامنة مساء ، وهذا هو موعد الإغلاق الليلي .
كما عرفت فإن سبب إغلاق الشوارع كان طعن عنصر من عناصر الأمن الوطني الفلسطيني ، ودبت النار " في الخيام ، وارموا كروتة التموين ، فلا صلح ولا استسلام إلا بتحريرك فلسطين " ، وهذا هو نص أغنية من أغاني الثورة الفلسطينية في أيام انطلاقها ، قبل مشروع الجبهة الديموقراطية في العام ١٩٧٤ بحل الدولتين ، وقبل ( أوسلو ) ١٩٩٣ و .. و .. انتفاضة الأقصى و .. إلخ .. إلخ .
الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية ليست على ما يرام ، وعندما قرأت ما كتبه الصحفي Mohammed Daraghmeh قبل أيام قليلة عن حوادث إطلاق النار والشجارات لأسباب تافهة قررت أن أتسامح في أمور وقضايا ما كنت لأتسامح فيها .
الجو حار جدا وتموز هو تموز وأكثر والدم العربي في هذه الأيام يغلي ، والأسباب كثيرة ، ويبدو أن العاقل هو من يقلل من الاختلاط ويؤثر العزلة والوحدة ، لا بسبب الكورونا وحدها .
هل صحيح أن " الجنة بلا ناس ما بتنداس " كما يقول المثل .
سبحانه وتعالى ، فهو في ملكوته وحيد لا شريك له ، ومن يشرك به فالنار مثواه ، أما " إذا آمن بالحزب الواحد فالجنة مأواه " والكلام الأخير للشاعر مظفر النواب .
الأجواء حارة وبعض معارفي يكررون على مسامعي كلمة " شوب " فأسمعها " شو أب " وأتذكر زيارتي لبراغ .
٢٧ تموز ٢٠٢٠

١٤
في زيارة الجامعة :

أول أمس الأحد زرت المبنى القديم لجامعة النجاح الوطنية حيث أنفقت في العمل فيه سبعة وثلاثين عاما - تحديدا من بداية تشرين الأول ١٩٨٢ إلى نهاية أيلول ٢٠١٩ .
كان المبنى فارغا خاويا إلا من بعض موظفين وقلة قليلة جدا من الطلاب . إنه من آذار ٢٠٢٠ وهو كذلك . كما لو أنه مدينة النحاس في ألف ليلة وليلة تصفر فيها الريح ، فلا أنيس ولا ونيس .
كان سبب الزيارة التوقيع على أوراق تخرج إحدى طالباتي في الماجستير ، ففي حزيران وتموز ناقشت طالبتان واصلت الإشراف عليهما رسالتهما ، وثمة عودة مرة أخرى وربما مرات قليلة للتوقيع على أوراق الطالبة الثانية ولاستلام مكافآت متأخرة أيضا ، أللهم إلا إذا نصبت الجامعة علي فيها ، وهذا نادرا ما يحدث .
غالبا ما يذهب تفكير بعض معارفي ، حين أزور الجامعة ، إلى أن السبب الأساسي هو رغبتي في العودة إلى التدريس ، وهذا ما لا يخطر على بالي مطلقا ، علما بأن برنامج الدكتوراه في القسم فقير ويحتاج إلى متخصص في الأدب العربي الحديث والنقد الحديث والأدب المقارن ، وليس في القسم أستاذ واحد متخصص في هذه الفروع ، ولكن " إن خليت بليت " كما يقول المثل ، علما بأنني أعرف " البير وغطاه " والفقر المعرفي والمنهجي لكثير من أساتذة أقسام اللغة العربية في جامعاتنا .
وأنا أتحدث مع زميلين أتينا على أوجاعنا الجسدية واشتكى الزميلان من بداية أوجاع في القدمين ، فتحدثت معهما عن تجربتي ومعاناتي حديث طبيب متخصص وصرت أقدم لهما النصائح ( ما شاء الله عني ويخزي العين شو صاير أبو العريف !!) .
كان حديثنا حول الصحة والعافية أكثر من حديثنا في الأدب والتخصص وما شابه ، ومما قلته لهما إنني كنت أود الاستقالة من الجامعة وأنا في الستين من عمري - أي قبل خمس سنوات من سن التقاعد ، ويعود سبب ذلك إلى أوجاع القدمين التي كنت أعاني - وما زلت - منها .
بعد أن تركت الجامعة بأشهر حلت الست كورونا ، فصارت مباني الجامعة " أقفر من أهله ملحوب ، فالقطبيات فالذنوب " و" أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم " و " لخولة أطلال ببرقة ثهمد " ولم أبك الديار ف" فصفة الطلول بلاغة القدم " وأنا " لا أبكي لمنزلة حلت بها هند وأسماء " بخاصة إن كانت جهات أرسلتهما وغيرهما إلي للإيقاع بي وفصلي من عملي .
مرة قالت لي زميلة أرادت أن تتعين ، وهي الدكتورة نور ، إنها سمعت في مجلس عزاء ، من زوجة دكتور ، عن نية الإدارة فصلي ، ما دفعني لأن أكتب عن مسرحية الكاتب الألماني ( هاينريش بول ) " نساء على ضفاف نهر الراين " ، فنسوة السياسيين في عاصمة ألمانيا الغربية ( بون ) كان لهن دور كبير في سياسة بلادهن . أي والله !!
وأنا جالس في مكتب رئيس القسم تحدث أحد الزوار عن موقف الدكتور خالد الكركي في الجامعة الأردنية ، حين صار رئيسها ، من الجيل المؤسس ، ولام المتحدث إدارة جامعة النجاح في تعاملها مع الجيل المؤسس فيها ، وطلب رأيي في الموضوع ، وكان رأيي أن ثمة عقدا بيني وبين الجامعة انتهى . أنا قدمت ما لدي وهم أعطوني بموجبه حقوقي وانتهى الأمر .
هل خطرت أشعار " أبو نواس " في ذهني وأنا أغادر الجامعة ؟

" دع الربع ، ما للربع فيك نصيب
وما إن سبتني زينب وكعوب

ولكن سبتني البابلية إنها ،
لمثلي في طول الزمان سلوب " .

وليست الخمر هي ما سباني في طول الزمان ، فما سباني هو التسكع في الشوارع والأسواق وكتابة الخربشات . وكما قال عمر الخيام :
" لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع الزمان الأمان "

هل سأعود للكتابة عن الجامعة والحقوق ؟ ربما !!
٢٧ تموز ٢٠٢١ .

١٥
الفلسطيني في الرواية العربية :
واسيني الأعرج في " سوناتا لأشباح القدس " :
ضحية الصهيونية وأشباحها

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

لم أقرأ لواسيني الأعرج الكاتب الجزائري رواياته كلها لأعرف مقدار حضور الموضوع الفلسطيني فيها ، ولا أدري إن كانت روايته " مي ، ليالي ايزيس كوبيا " ٢٠١٨ يمكن أن تدرس تحت موضوع " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " ، فابنة الناصرة التي درست في لبنان واستقرت في مصر ، وفيهما قضت الشطر الأكبر من حياتها ، عدت أديبة عربية أكثر منها أديبة فلسطينية ، وواسيني نظر إليها باعتبارها كاتبة عربية بالدرجة الأولى ، ولذلك لم يعالج في روايته الموضوع الفلسطيني كما عالجه في روايته " سوناتا لأشباح القدس " التي أتى فيها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، بحيث تعد من حيث موضوعها رواية فلسطينية ، شخصياتها المختلفة المتعددة المتنوعة ؛ العربية واليهودية ، يؤرقها الصراع وتعاني منه وتدفع حياتها ثمنا له ؛ في الوطن وفي الشتات ، فلا هي في الوطن بخير ولا هي في المنفى أيضا بخير .
لا ينحاز واسيني للفلسطيني لكونه فلسطينيا ولا يكره اليهودي لكونه يهوديا ، وهذا ما توقفت أمامه وأنا أكتب عن اليهود في " سونا لأشباح القدس " ( جريدة الأيام الفلسطينية ١٩ / ١/ ٢٠١٤ ) ولذلك تتعدد الشخصيات الفلسطينية وتتنوع وإن كانت في أكثرها مقدسية الأصول .
يكتب واسيني عن الفلسطيني الذي ولد في القدس واستشهد فيها ، ويكتب عن الذي غادرها متخفيا ، خوفا على حياته من التصفية على أيدي العصابات الصهيونية ، ويكتب عن ابنته الطفلة التي هاجرت ، خوفا عليها من الانتقام ، ويكتب عن ابنها الذي ولد في المنفى وما عادت القدس وفلسطين تعني له الكثير ، وعن الحاج أمين الحسيني وعلاقته بالفوهرر الألماني ( ادولف هتلر ) ووقوفه إلى جانبه ضد الإنجليز الذين أصدروا وعد بلفور وسهلوا هجرة اليهود وغضوا النظر عن تهريبهم السلاح ، فيما حاصروا الثوار الفلسطينيين وأعدموا عددا منهم .
ببساطة يكتب واسيني عن الفلسطيني الذي أصبح ضحية الصهيونية فعانى من مشروعها الويلات .
الشخصية الرئيسة في الرواية هي مي ، فمن مذكراتها نقرأ قصتها منذ خروجها طفلة من القدس في ١٩٤٨ ، متخفية خوفا عليها من العصابات الصهيونية التي قتلت أمها الحامل وطاردت أباها المطلوب لليهود ، لكونه على علاقة ب ( إيفا موهلر ) الألمانية المتهمة بالنازية . كانت ( إيفا ) ألمانية الأم يهودية الأب ولم يشفع لها كون أبيها يهوديا ، فالديانة اليهودية تنظر إلى اليهودي من حيث الأم .
لم يكن حسن والد مي نازيا ، فطبيب عائلته يهودي ( هرمون سيمون ) وهو رجل طيب متعايش بإنسانية عالية ، ولكنه كان مصابا بالرعب خوفا من سيطرة الألمان على فلسطين ، ولذلك عرض عليه حسن الإقامة في بيته ، فلقد كان بينهما ملح وخبز ومحبة كبيرة ، ولم يكن حسن يكره اليهود وإنما كان يمقت الصهيونية لأنها سرقت منه أرضه وذبحت أهله ، ولم يكن نازيا إلا بالقدر الذي يساعده على استرداد ما سرق منه ، ولسوف نقرأ هذا أيضا عن المفتي الحاج أمين الحسيني في رسائل إيفا " لم يكن المفتي ، الشيخ الحسيني نازيا إلا بالقدر الذي يقربه من رجل يعرف جيدا ما معنى أن يذل إنسان ويسحل على الأرض ككيس زبالة " ( ص ٥٤١ ) .
تكبر مي في أميركا وتدرس الفنون الجميلة ، وتساعد خالتها دينا في مطعمها وتتزوج وتنجب يوبا ، وتعاني من مرض السرطان ، وفي أثناء مرضها لا تكل ولا تمل ، فتواصل الرسم والإعداد لمعارض فنية خاصة بها تبيع لوحاتها وترصد ريعها لمرضى السرطان الذي فتك بخالتها أيضا من قبل ، وتموت في المنفى دون أن تتخلص من الماضي الذي ظلت أشباحه تلاحقها ، وتكون وصيتها أن تدفن في القدس ، ولأن الأمر يبدو غير ممكن التحقيق ، فإنها تطلب من ابنها ( يوبا ) أن يحرق جثتها ويجمع رمادها في زجاجة لينثره في القدس ، ما يدل على ارتباط الفلسطيني ، حتى بعد موته ، بفلسطين .
وإذا كانت مي هي الشخصية الفلسطينية الرئيسة ، فإن هناك شخصيات أخرى حضورها أقل ، وعدا الشخصيات التي ذكرتها ابتداء ، هناك أيضا شخصيات بعض أقارب مي وشخصية ( يوبا ) ، وهي شخصيات دالة عانت من المحرقة التي ألمت بالفلسطينيين - كلمة محرقة استخدمت في الرواية لوصف مأساة الفلسطينيين أيضا - .
خال مي مثلا ، يوسف ، هرب إلى الأردن والتحق بمنظمة سبتمبر الأسود ، ولم تعرف مي عنه شيئا إلا بعد سنوات ، فقد " سمعت باسمه من ضمن قائمة الذين خططوا لعملية تحويل إحدى طائرات العال الإسرائيلية ، في السبعينات ، وتفجيرها بعد اخلائها . قيل لها إن الشرطة الأردنية اعتبرت غسان الرأس المدبر بعد أن عثروا معه على وثائق كثيرة تدينه " وعرفت لاحقا عن اغتياله " لا أحد يعرف الظروف الغامضة التي أحاطت بهذا الاغتيال . بعض الأخبار قالت إنه اغتيل في السجن بعد محاولة الهرب مع مجموعة من رفاقه . بعضها الآخر أكد أنه تم تسليمه ، في صفقة تبادل أسرى ، بين الأردن وإسرائيل وهناك مات تحت التعذيب . وأخبار غير مؤسسة تقول انه قتل مع مجموعة كانت برفقته في مداهمة بيتيه قامت بها القوات الأمنية الأردنية ، مدعمة بالمخابرات الإسرائيلية . كل الأخبار أجمعت على اغتياله ولا أحد يعرف إلى اليوم ، قبره " ( ص ١٢٢ و ١٢٣ ) .
يأتي واسيني أيضا على خال مي أبو شادي مساح الأرض الذي رباها على حب الأرض ومع ذلك فقد قتل بتهمة بيع الأرض وتسريبها ، والقتلة ، لا خالها ، هم من باعوا الأرض وسربوها للوكالة اليهودية والمرابين الإنجليز (؟) :
" وبعدها قتلوه . أية ثورة هذه ، تنتحر بغباء وهي لا تدري ؟ وأي حق يقتل فيه المدافع عن الحق ؟ .. " ( ١٢٣ )
ومن الشخصيات اللافتة الدالة يوبا .
يوبا هو ابن مي الحسيني ، ولد في أميركا ونشأ فيها ولم يعرف القدس وفلسطين إلا من خلال حديث أمه . وهو يمثل الجيل الذي ولد في المنافي ، وهذا الجيل كثير الحضور في الروايتين الفلسطينية والعربية التي صورت الفلسطيني ، وغالبا ما تكون علاقته بفلسطين محكومة بالمكان الذي يقيم فيه ؛ قربا من فلسطين أو بعدا عنها ، وقربا من حضور نشاط فلسطيني سياسي واجتماعي أو عدم حضوره ، وغالبا ما تكون علاقته أيضا محكومة بوعي أهله السياسي .
يوبا في بداية " سوناتا .. " يعبر بصراحة عما تعنيه القدس له :
" أرض لم أعرفها من قبل ولم تعرفني إلا من خلال روايات جدي وأمي "
ولا يعود إليها لزيارتها إلا لينثر ثلاث جرات رخامية صغيرة مليئة برماد أمه المعجون بنوار البنفسج كما اشتهت أمه - أي أن يدفن رماد جسدها المحروق وينثر في مدينتها .
يوبا لا يختلف عنه جيل المنفى الذي كتبت عنه زينب حفني في " سيقان ملتوية " وجنى فواز الحسن في " طابق ٩٩ " . إنه جيل صار ينظر إلى فلسطين باعتبارها ماضيا وذكريات سببت لأهله الألم والوجع ، عدا أن صلتهم بها تتكيء على ذكريات الآباء والأجداد .
في نهاية رواية " سوناتا .. " نقرأ صفحات كتبتها الألمانية ( إيفا موهلر ) عن علاقتها بحسن والد مي .
سنعرف أن حسن وايفا خلفا طفلة اسمياها يارا ، وسنعرف مقدار حب إيفا لحسن وهو ما يلخصه السطر الآتي :
" امرأة مصابة بجنون رجل لم تعش معه إلا ليلة واحدة تساوي اليوم عمرا بكامله " ( ٥٣٨ ) .
ويبدو أن ايفا كانت مسرورة في القدس . لقد غيرت اسمها لاحقا وصارت ( هيلين شميث ) . وهي ترى أنها ماتت منذ أن غادرت مدينة الله .

( مقالي اليوم الأحد ١ / ٨ / ٢٠٢١ في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه )
الثلاثاء إلى السبت
٢٧ إلى ٣١ تموز ٢٠٢١

١٦
لا رغبة في الكتابة :

قبل شهرين تقريبا رأيت نور الدين تيسير العارضة . أطلق مركز يافا في مخيم بلاطة حفل إشهار ديوان أخيه الأسير أحمد العارضة ، وشاركت بمداخلة وكان نور حاضرا . تبادلنا عبارات قصيرة ثم افترقنا .
لم أكن أعرف عنه الكثير أمس قرأت رسالته الأخيرة التي كتبها إلى أسرته قبل ارتقائه وصديقيه منتصر بهجت سلامة وسعد ماهر الخراز .
عرفت أنه متزوج وله طفلة وزوجة شابة . ترحمت عليه وفكرت كثيرا في أمر كثير من الشهد؛ء في هذا العام . أكثرهم أزواج وآباء ، وكنت من قبل خربشت حول هذا .
اليوم في الثالثة فجرا صحوت وخربشت ثم تجاهلت المنشور ، فأغلب الظن أنه كان سيثير عاصفة ويسبب لي مشاكل كثيرة .
أعتقد أن ظاهرة إقبال الشباب المتزوجين الآباء في الوقت نفسه يجب أن تأخذها الفصائل بالحسبان جيدا ، فهناك آلاف الشباب العازبون المستعدون أيضا للتضحية .
أهو جبننا نحن الذين في السبعين من أعمارنا ؟ أهو ما يدفعنا للتفكير بهذا ؟
في أوروبا ، في الثمانينيات ، صار الطلبة الثوريون الذين أسهموا في انتفاضة الطلبة في ١٩٦٨ ، في أوروبا صار هؤلاء الطلبة الثوريون يسخرون من الأجيال الشابة الجديدة التي تدعو إلى الثورة . يومها قال الجيل الجديد " لا تثق بمن هم فوق الأربعين " ، وأنا في السبعين .
في روايته " الجهة السابعة " يكتب كميل ابو حنيش عن زميل جامعي له رفض الانضمام إلى التنظيمات والمشاركة في النشاط السياسي ؛ لأنه يحب الحياة ، فمات في حادث سير ، وكثير من ضحايا شاتيلا وصبرا وغيرها من المخيمات الفلسطينية قتلوا دون أن يشاركوا في أي نشاط .
شخصيا أنا حزين ، علما بأنني أكرر البيتين :
مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت بأرض سواها

ونسيبنا عدنان بعارة استشهد في نابلس عن اثنين وسبعين عاما لمجرد وجوده في المكان ، فلم يكن يحمل السلاح .
البقاء في فلسطين أيضا مقاومة .
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٣

١٧
شوفوا تخبيصات سحر خليفة في روايتها الأخيرة " الجسر " ٢٠٢١ :

الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية هو السنوات القليلة بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ - تقريبا في العام ١٩٦٩.
الشاب الفلسطيني نبيل الذي درس في الجامعة الأردنية وانتمى لفصائل الثورة وقام بعملية فدائية يريد أن يتسلل إلى الأردن عبر النهر فيتخفى ويعمل ممرضا لدافيد في مزرعته في بيسان .
دافيد هذا شارك في حرب فيتنام وأصيب وقرر الهجرة إلى إسرائيل وصار يكتب في الجروزالم بوست كما كان يكتب من قبل في الواشنطون بوست . كتب ضد العنصرية وحرب فيتنام فاثار غضب اليهود " وحين بدأت تصله طرود متفجرات شبيهة بما كان يصل المحامية التقدمية فيليتسيا لانجر " والمفكر الإنساني إيلان بابيه قرر أن يعتزل الصحافة والسياسة ويعيش بعيدا منفردا في منطقة نائية بين بيسان وطبرية " .
عندنا مثل يقول " مش زادها وبس . حرق بنها " وسحر خليفة حرقت دين بنها . كيف ولماذا ؟
في العام ١٩٦٩ كان عمر إيلان بابيه ١٥ عاما ، فهو من مواليد ١٩٥٤ . كيف كان يومها مفكرا إنسانيا ؟ هل وصلته يومها طرود مفخخة ؟ أصلا يومها كان يمينيا متطرفا ، فلم يتغير تفكيره إلا حين درس الدكتوراه مع مشرف فلسطيني .
أرجو من كتابنا أن يرأفوا بنا ويحترموا عقولنا . حرام عليك يا سحر !!
وأنا أقرأ رواية كميل ابو حنيش أبو حنيش قرأت أن إحدى شخصياتها زار قبل ١٩٦٧ مخيم البقعة وان الكهرباء وصلت مخيم الفارعة في ٥٠ القرن ٢٠ ولهذا لا بد من كتابة وهو ما قلته أمس في المنتدى التنويري في حفل إشهار رواية " تعويذة الجليلة " .
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٣

١٨
غزة ( ٢٩٥ ) :
أشباح غزة

عندما جاء ( ايفرات كوشين ) من بولندا إلى فلسطين ، في آذار من العام ١٩٤٨ ، كان معبأ بفكرة زرعتها في ذهنه الحركة الصهيونية ، وهي أنه ذاهب إلى " أرض بلا شعب " . ولذلك بدت له المعارك التي يسمع أصواتها ثم يقرأ أخبارها في " بالستاين بوست " كل صباح - ما بين مجيئه وتنظيف حيفا من سكانها العرب - بدت له " إنما تجري بين بشر وبين أشباح ، ليس إلا " ( غسان كنفاني " عائد إلى حيفا ) .
هل مر في قطاع غزة يوم ، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ حتى اليوم ، دون أن نقرأ عن قتل جنود أو جرحهم أو عن حدث أمني خطير هناك .
ما زالت أشباح غزة هناك ، وفي بداية الحرب تحدث جنود إسرائيليون ، عندما عادوا من أرض المعركة إلى حيث يقيمون ، عن أشباح تقاتلهم بجنون .
هل فلسطين هي أرض الأشباح منذ الفلسطن الأوائل ومنذ دليلة الفلسطينية الأولى ؟
تعب مدنيو غزة وصاروا يعدون الوقت بالشهر والأسبوع والساعة والدقيقة ، ولطالما رددوا في المساء شكواهم من " ليل غزة الطويل الطويل " الأطول بملايين المسافات من ليل امريء القيس الذي شدت نجومه بكل مغار الفتل بيذبل .
صار أهل غزة يشتاقون إلى هدوء الليل ، ليذهبوا فيه إلى شط البحر ، ونهار الجمعة لتجتمع العائلة على طاولة واحدة تأكل الفتة والمقلوبة .
أمس كانت جثث الشباب في الشوارع فكتب من أدرج الصورة " غزة تباد " وأما النزوح المتواصل فحدث عنه ولا حرج ، فخلال الأيام الأربعة الأخيرة نزح ١٨٠ ألف مواطن من قرب خان يونس .
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٤

١٩
غزة ٢٩٥ عصرا

نابلس بعيدا عن غزة :

في اليوم ال ٢٩٥ لمقتلة غزة ومهلكتها وحرب إبادتها أتابع أخبار النهار التي يتكرر مضمونها ويختلف شهداؤها وأرقام أعدادهم .
الطائرات تقصف المساجد والمرتقون بالعشرات والطفل يحمل فرش العجين ملقى جثمانه قرب الأرغفة ، ويؤرقني ما كتبه اليوم شجاع الصفدي عن الأوضاع وموقف أهل الضفة الغربية منها ، ومثله رياض عواد Riyad Awad الذي يرى في قناة الجزيرة غرابا ينعق ويقود الضفة إلى مستقبل يشبه ما آلت إليه غزة .
نابلس في الثالثة عصرا هادئة والحركة فيها أيضا كذلك . الأسواق تعاني من كساد والباعة ينادون على بضائعهم ومنهم من هو منشغل بجهاز الهاتف يتابع ما يجري في مخيم بلاطة .
- هل هناك شهداء ؟
- ليس واضحا حتى الآن !
وفي صفحة الصحفي مجدي محسن أقرأ أن طائرتين هاجمتا شبابا في حارة الجماسين في المخيم .
أجلس على مقهى رصيف وصوت مقريء القرآن لصلاة العصر يقرأ ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) .
إلى أين نحن في الضفة الغربية ذاهبون ؟
منذ أشهر لم أستمع إلى أغنية محمد عبد الوهاب ( من غير ليه ) . يبدو أننا من حيث ندري ولا ندري سنكرر :
- جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين .
هل هناك منكم من لديه إجابة ؟
الجالس قربي في مقهى الرصيف قال إن هناك شهيدا في مخيم بلاطة اغلب الظن أنه مسعف ، ثم عدل في الرواية : هناك شهيدان .
القتل في غزة بالجملة وفي الضفة الغربية بالمفرق . ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الله المستعان .
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٤

٢٠
غزة 660 :
العرس الفلسطيني

هي الرواية التي ، منذ بداية الحرب ، لا نمل من الكتابة فيها ؛ لأنه يتكرر حدوثها
وهو مقطع محمود درويش الذي كتبه في العام ١٩٧٣ في رثاء شهداء عملية فردان حيث تم اغتيال القادة الثلاثة ؛ كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار .
" هذا هو العرس الفلسطيني
هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
وتشابهت كل الشهور
لا يصل الحبيب إلى الحبيب إلا شهيدا أو شريدا " .
نص لافت عن مدينة اغتيل كل من فيها وكل ما فيها . عن غزة حيث لا مكان للفرح منذ عامين .
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

٢١
جهاد الرنتيسي " شامة سوداء أسفل العنق "

آخر الروايات التي قرأتها هي رواية الكاتب الفلسطيني المقيم الآن في الأردن جهاد الرنتيسي وعنوانها " شامة سوداء أسفل العنق " وقد صدرت في القاهرة عن " المرايا للثقافة والفنون " في العام ٢٠٢٤ ، وهي جزء ثالث متمم ل " بقايا رغوة " الصادرة عن دار البيروني في العام ٢٠٢١ و ل " خبايا الرماد " الصادرة أيضا عن دار البيروني في العام ٢٠٢٣ .
في الجزء الثالث يحكي السارد عن الفلسطيني جواد الديك الذي درس الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة الكويت وكان ناشطا سياسيا له علاقة بحركة فتح التي انشقت عن نفسها في العام ١٩٨٣ ، فرموز الانشقاق في الرواية تحضر بأسمائها الحقيقية ومنها أبو صالح وأبو موسى وبعض المفكرين الذين نظروا لها مثل إلياس شوفاني .
ولأن جواد الديك درس في الكويت في ثمانينيات القرن العشرين فإنه تعرف إلى رموز ثقافية مصرية كانت هناك في حينه وكان لها حضور مميز في الحركة الثقافية وابرزهم فؤاد زكريا ، فيذكر بعض كتبهم وترجماتهم ، كما يأتي على رموز فنية وأدبية عالمية أبرزها الممثلة العالمية ( فانيسيا ريديغريف ) التي زارت الكويت وتعاطفت مع القضية الفلسطينية ، ويأتي أيضا على الفيلسوف ( برتراند رسل ) والكاتبين المسرحيين ( آرثر ميللر ) و ( تنيسي وليامز ) .
تحفل الرواية بأسماء يعرفها القاريء المثقف وقد يجد القاريء العادي لفن الرواية فيها عبئا عليه لفهمه الرواية ، ما يجعلنا نقول مطمئنين إن جهاد الرنتيسي يكتب لقاريء مثقف مسيس بالدرجة الأولى وفلسطيني أولا ، فالكتابة عن انشقاق حركة فتح وانعكاسه على الفلسطينيين الناشطين سياسيا في الكويت يصعب إدراكه واستيعابه على من لا يلم بتلك الفترة ، بخاصة أن الكاتب لا يضيء تلك الشخوص بما يعطي القاريء فكرة عنها . إنها مكتملة وواضحة لدى المؤلف والذين شاركوا في الانشقاق وتابعوه ، ولكنها ليست كذلك لدى القاريء .
ما من شك في أن الكاتب يمتلك قدرة كبيرة على السرد وأنه ملم بعالمه الذي يكتب عنه إلماما واسعا ، ولهذا يتنقل بين الأمكنة التي عاش فيها وعرفها ، وهذا يتطلب من القاريء قدرة على التركيز . لقد ذكرني أسلوب الكاتب برواية غالب هلسا " البكاء على الأطلال " حيث يركز الكاتب على التفاصيل الدقيقة لشخصيته في حركاتها .
يتطلب قراءة الجزء الثالث " شامة سوداء أسفل العنق " أن يكون قارئها قرأ الجزأين الأول والثاني ، فالشخصيات نفسها تحضر في الأجزاء الثلاثة ، وأن يكون أيضا ذا ذاكرة حديدية أو أن يعود إلى ملاحظاته على الأجزاء الأولى .
غير مرة تساءلت إن كان هناك أدب فصيلي في الأدب الفلسطيني ؟
الشيوعيون مجدوا في كتاباتهم الحزب ، والقوميون انطلقوا من رؤى قومية ، ثم عرفنا أدباء انتموا لفصائل بعينها وبدا انحيازهم لها لافتا في نصوصهم .
هل كتب روائي فلسطيني رواية عن الانشقاق في حركة فتح ؟
في العام ١٩٨٣ كتب يحيى يخلف روايته " نشيد الحياة " وفيها إرهاصات للانشقاق ، ولكنه لم يكتب عن رموزه كما هو الحال لدى الرنتيسي .
هل ترك الانشقاق أثرا على الرواية ؟ هل مجد الكاتب جهة وذم أخرى ؟ كيف بدت صورة الطرفين في الرواية ؟
في " شامة سوداء أسفل العنق " تقرأ عن قيادات تخونها زوجاتها ، فالقيادات مشغولة والنساء شبقات . يحضر أبو الخيزران في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " ( ١٩٦٣ ) ويشبهه أبو عامر الذي تقيم زوجته علاقة جنسية شبقة مع جواد الديك الذي يبدو في الرواية ، وهو الميال لحركة الانشقاق ، شبقا وزير نساء . تطعمه أم عامر وتصب له الويسكي ، بل وترسل له المال أيضا . مثل أم عامر زوجة ضابط كبير يقيم أهلها في بيروت وتشعر بالندم بعد زواجها ، فتقيم علاقة مع جواد وتنجب منه طفلهما غيث .
هل كتب جهاد الرنتيسي عن الجانب المسكوت عنه ؟
هل ستثير رواياته ضجة مثل تلك الضجة التي أثارتها رواية سامية عيسى " حليب التين "؟ وماذا ستقول عنها الروائية مايا أبو الحيات التي كتبت رواية " لا أحد يعرف زمرة دمه " التي حكت عن أب في الثورة تقيم زوجته اللبنانية علاقة مع لبناني ، أب ثوري استغل الثورة لخدمة مصالحه ؟
كما عرفت فإن هناك جزءا رابعا سيصدر لاحقا ، ويبدو أن جانبا كبيرا من الرواية ليس ببعيد عن حياة الكاتب أو شخصيات كان مقربا منها .
إن قرئت الرواية مع حياة كاتبها ، وهذا يحتاج إلى برهنة وتقص وأدلة ، فهو ليس سهلا والمجازفة فيه خطيرة ، فقد نتذكر ما كتبه الكاتب سليم بركات عن محمود درويش والسر الذي أفشاه الأخير له .
أعتقد أن الرواية ستشهد جدلا أدبيا سياسيا معا ؛ ففي جانبها الأدبي تبدو صعبة القراءة وتحتاج إلى تركيز ، وفي جانبها السياسي تقارب أحد المحرمات ( تابو ) ، بل وأيضا تقارب تابو الجنس وانفتاح العلاقات و. ...

( راجع كتابتي : جهاد الرنتيسي : اختلاط الأزمنة والأمكنة : هل يربك القاريء ؟ ، بتاريخ ١٧ / ٩ / ٢٠٢٣ )


Jehad Ranteesy ٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

٢٢
غزة 660 :
تكاثر الهموم وتضاعف الحسرات

الحمد لله أن الجبهة الداخلية في مدينة نابلس كانت هادئة في هذا الصباح ، خلافا لسنوات سابقة تشهدها في يوم إعلان نتائج امتحان الثانوية العامة . ويبدو أن أهل المدينة يشعرون شعورا حزينا عميقا مع أهل قطاع غزة ويتعاطفون معهم بما يمرون به ويصعب على الجبال تحمله ، فكيف إذا أضيف اليوم لأهل قطاع غزة حسرة جديدة إضافية تتمثل في خسران أبنائهم عامين دراسيين لم يتقدموا فيهما للامتحان ، عدا أن ناجحي العام ٢٠٢٣ لم يلتحقوا بالجامعات ، فقد دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي الجامعات الفلسطينية في غزة ، عدا مسحه ثمانين بالمائة من المباني السكنية والصحية ودور العبادة .
تكاثرت الهموم في غزة حتى لتصبح شكوى الشاعر العربي القديم من همومه لا تذكر إطلاقا ، وتضاعفت الحسرات ، وسم الحسرات كلها . أذكرها وعددها ولا تترك واحدة منها لترى أنها كلها تلم بالشعب الفلسطيني هناك .
أمس تم إسقاط مساعدات إنسانية من خلال الجو ، فتدافع الغزيون كما لو أنهم يخوضون حربا في أزمنة قديمة حين يلتقي الجيشان . هل أراد الإسرائيليون إذلالنا ؟ ( في صفحة يسري الغول أن عملية الإنزال أسفرت عن إحدى عشرة إصابة بينها سبع إصابات خطيرة ) .
الإجابة لا تحتاج إلى اجتهاد ، فمن طردك من أرضك في العام ١٩٤٨ وظل يصر على تهجير أهل قطاع غزة ، منذ العام ١٩٥٤ ، إلى سيناء ، لا يرضى بالإذلال وحسب . إنه يرمي إلى الإبادة ، وهذا ما تنبه إليه شاعر الوطن الفلسطيني إبراهيم طوقان في ثلاثينيات القرن العشرين حين قال ،:
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة " .
و
" يا قوم ! ليس عدوكم ممن يلين ويرحم " .
وكلما فكرت أن أصمت أجدني أصهل مرددا قول محمود درويش في قصيدته " صهيل على السفح " :
فإما الصعود وإما الصعود " .
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

٢٣
غزة 660 / 2
إلى الكاتب زياد عبد الفتاح
Ziad Abdel Fattah Haijar

عدني الكاتب الصديق زياد عبد الفتاح ( أبو طارق ) مؤرخ المرحلة - يعني طوفان الأقصى .
ذكر أبو طارق العدد 570 فعلقت في الهامش 660 إلا إذا خصمنا أيام الهدن المتقطعة .
أبدى أبو طارق ملاحظة كما لو أنها زفرة مثل زفرة العربي الأخيرة في الأندلس التي كتب عنها الشاعر محمود درويش مقطعا من مقاطع " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " " أنا زفرة العربي الأخيرة " .
كتبت ل " أبو طارق " أن علينا مواصلة الطريق إلى آخره وذكرته بصاحبه الشاعر الذي خصه بكتاب " صاقل الماس " .
أول قصيدة من قصائد الشاعر في ديوان " ورد أقل " ( ١٩٨٥ ) عنوانها " سأقطع هذا الطريق الطويل " ونصها :
" سأقطع هذا الطريق الطويل ، وهذا الطريق الطويل ، إلى آخره ،
إلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل الطويل الطويل ،
فما عدت أخسر غير هذا الغبار وما مات مني ، وصف النخيل
يدل على ما يغيب . سأعبر صف النخيل . أيحتاج جرح إلى شاعره
ليرسم رمانة للغياب ؟ سأبني لكم فوق سقف الصهيل
ثلاثين نافذة للكتابة ، فلتخرجوا من رحيل لكي تدخلوا في رحيل .
تضيق بنا الأرض أو لا تضيق . سنقطع هذا الطريق الطويل
إلى آخر القوس . فلتتوتر خطانا سهاما . أكنا هنا منذ وقت قليل
وعما قليل سنبلغ سهم البداية ؟ دارت بنا الريح دارت ، فماذا تقول ؟

أقول : سأقطع هذا الطريق الطويل إلى آخري .. وإلى آخره " .

غالبا يا " أبو طارق " ما أردد :
- يجب أن أتوقف عن الكتابة ، ثم ... ثم أجدني أعزف .
- هل تعبت ؟
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

٢٤
غزة 660 / 3 :
حول المساعدات

من خلال متابعة صفحات ناشطي التواصل الاجتماعي في غزة ، مثل مؤمن مقداد و أبو أحمد سمور ، فإن المساعدات ، عبر البر ، لم تصل حتى اللحظة إلى القطاع .
لسان أهل غزة يقول إن المساعدات تصل من خلال الفيس بوك والواتس اب ووسائل الإعلام فقط .
كل ما وصل هو ٢٧ طن عبر التنزيل من الجو ، وهي لا تسمن ولا تغني من جوع .
أهل غزة يرددون المقولة الفلسطينية / المثل :
" عشمتني ب الحلق
خرمت أنا وذاني
لا خرم وذني انسد
ولا الحلق جاني "
٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى