حين تصبح الصهيونية موضع مساءلة أوروبية: هل بدأ التحول السياسي تجاه إسرائيل؟
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد النقاش الأوروبي حول إسرائيل وفلسطين محصورًا في حدود انتقاد السياسات الحكومية الإسرائيلية أو المطالبة بوقف الحرب في غزة؛ فقد دخل النقاش مرحلة أكثر حساسية بعدما صوّت حزب الخضر البريطاني في مؤتمره السنوي في برايتون، في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813، على اعتماد سياسة تعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، وتصفها بأنها مشروع سياسي إثني قومي، مع تأكيد دعم إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية.
ولا يعني هذا القرار، من الناحية الدستورية أو القانونية، أنه أصبح موقفًا رسميًا للمملكة المتحدة أو أن بريطانيا أعادت تبني الموقف الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975. فالقرار الأممي 3379 الذي وصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية أُلغي رسميًا بموجب القرار 46/86 الصادر عام 1991. لكن أهمية التطور البريطاني تكمن في دلالته السياسية داخل واحدة من أقدم الديمقراطيات الأوروبية، وفي توقيته، وفي قدرته على فتح نقاش أوسع داخل الأحزاب والمجتمعات الأوروبية.
من قرار حزبي إلى أزمة سردية
الخطورة السياسية على إسرائيل لا تتمثل في عدد مقاعد حزب الخضر في مجلس العموم، وهي خمسة مقاعد فقط، وإنما في انتقال مفهوم كان يُنظر إليه تقليديًا باعتباره جزءًا من الثوابت السياسية الغربية إلى موضوع مفتوح للنقاش والمساءلة.
والأهم أن القرار لم يأت منفصلًا عن تحولات الرأي العام الأوروبي تجاه الحرب في غزة. فقد أظهر استطلاع لمركز «بيو» في ربيع 2026 أن النظرة إلى إسرائيل أصبحت سلبية في معظم الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع، وأن الوسيط العالمي للآراء السلبية تجاه إسرائيل بلغ 67% مقابل 25% إيجابية.
وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية: إذا انتقل الاعتراض من سياسات حكومة إسرائيل إلى مساءلة الأساس الأيديولوجي الذي قامت عليه الدولة، فإن طبيعة النقاش الأوروبي تصبح مختلفة جذريًا.
إسرائيل ستسعى، كما ظهر بالفعل، إلى ربط هذا الخطاب بمعاداة السامية وإنكار حق اليهود في تقرير المصير. وقد أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن قرار الخضر يتجاوز حدود النقاش السياسي المشروع، بينما وصف الرئيس إسحاق هرتسوغ القرار بأنه «وصمة عار». كما قررت إسرائيل منع زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر، من دخولها.
لكن في المقابل، يؤكد حزب الخضر أن قراره يستهدف الأيديولوجيا والممارسة السياسية للصهيونية وليس اليهود كجماعة دينية أو إثنية، وأن معاداة الصهيونية، وفق تعريفه، لا ينبغي مساواتها تلقائيًا بمعاداة السامية.
وهذه النقطة ستظل محور الصراع السياسي والقانوني في أوروبا: أين ينتهي انتقاد الصهيونية كأيديولوجيا سياسية، وأين تبدأ معاداة السامية؟ فتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست «معاداة السامية» هو تعريف عملي غير ملزم قانونيًا، وليس حكمًا قضائيًا أو قاعدة دولية ملزمة بذاتها.
التداعيات المحتملة على إسرائيل
أولًا، تآكل الحصانة السياسية. فإسرائيل اعتادت لسنوات أن يكون انتقاد سياساتها منفصلًا عن التشكيك في الصهيونية باعتبارها حركة قومية يهودية. دخول هذا المصطلح إلى برامج أحزاب أوروبية يمنح النقاش طبيعة أكثر عمقًا.
ثانيًا، توسيع النقاش حول الاحتلال والاستيطان والتمييز وحقوق الفلسطينيين، وربطها بمفهوم أوسع يتعلق بطبيعة الدولة والنظام السياسي، وليس فقط بإدارة الصراع.
ثالثًا، زيادة الضغوط على الحكومات الأوروبية في ملفات السلاح والتجارة والاستيطان والعلاقات الدبلوماسية. وقد تبنى حزب الخضر بالفعل الدعوة إلى وقف تجارة السلاح مع إسرائيل، ودعم المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
رابعًا، قد تجد إسرائيل نفسها أمام معركة مزدوجة: الدفاع عن شرعية الدولة من جهة، والدفاع عن تعريف الصهيونية ومشروعها السياسي من جهة أخرى. وهذا يفرض عليها جهدًا دبلوماسيًا وإعلاميًا أكبر في أوروبا.
لكن هناك جانبًا معاكسًا يجب عدم تجاهله؛ فصياغة القرار الأحادية حول الدولة الواحدة أثارت اعتراضات داخل حزب الخضر نفسه، حيث عارضها أربعة من نوابه الخمسة، وحذرت قيادات حزبية من أنها قد تعمق الانقسام وتُبعد قطاعات من الناخبين واليهود البريطانيين.
هل نحن أمام تحول أوروبي؟
من المبكر القول إن أوروبا تتجه ككتلة سياسية إلى تبني موقف حزب الخضر البريطاني. لكن من الممكن رصد تحول في البيئة السياسية الأوروبية: اتساع الانتقادات للحكومة الإسرائيلية، ارتفاع حساسية الرأي العام تجاه الوضع الإنساني في غزة، وتزايد حضور القضية الفلسطينية في النقاشات الانتخابية والحزبية البريطانية.
والسيناريو الأكثر أهمية ليس أن تتبنى الأحزاب الأوروبية شعار «الصهيونية عنصرية» حرفيًا، وإنما أن تتجه تدريجيًا إلى الفصل بين الاعتراف بإسرائيل كدولة وبين تأييد كل مرتكزات المشروع الصهيوني أو سياسات حكوماتها، وأن يصبح الاعتراف بالحقوق الفلسطينية شرطًا متزايد الحضور في العلاقات الأوروبية مع إسرائيل.
كما أن التجربة التاريخية تقدم درسًا مهمًا: قرار الجمعية العامة لعام 1975 كان موقفًا أمميًا واسعًا، لكنه أُلغي عام 1991 في سياق التحولات الدولية التي أعقبت الحرب الباردة. ولذلك فإن إعادة طرح المفهوم اليوم لا تعني عودة تلقائية إلى الماضي، بل تعكس تغيرًا في البيئة السياسية التي يُناقش فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الخلاصة
قرار حزب الخضر البريطاني ليس زلزالًا قانونيًا يغير وضع إسرائيل الدولي، لكنه مؤشر سياسي يستحق القراءة بجدية. أهميته تكمن في أنه يفتح بابًا كان مغلقًا نسبيًا: إخضاع الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا سياسية، للنقاش والنقد داخل الحياة الحزبية الأوروبية.
والسؤال الاستراتيجي الذي تواجهه إسرائيل لم يعد فقط: كيف تمنع الحكومات الأوروبية من الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو فرض العقوبات عليها؟ بل أصبح أيضًا: كيف تحافظ على شرعية روايتها التاريخية والسياسية لدى جيل أوروبي جديد بات أكثر استعدادًا للفصل بين اليهودية والصهيونية، وبين الاعتراف بإسرائيل وتأييد سياساتها؟
وفي المقابل، فإن مستقبل هذا التحول لن تحدده الشعارات وحدها، بل قدرة الأحزاب الأوروبية على إنتاج سياسات متوازنة تجمع بين رفض معاداة السامية والعنصرية من جهة، والاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني وتطبيق قواعد القانون الدولي من جهة أخرى.
إن ما جرى في مؤتمر حزب الخضر البريطاني قد يكون حالة حزبية محدودة، وقد يتحول إلى جزء من إعادة تشكيل أوسع للنقاش الأوروبي. والفارق بين الاحتمالين ستحدده الانتخابات الأوروبية المقبلة، ومواقف الأحزاب الرئيسية، وتطور الحرب في غزة والضفة الغربية، ومدى استمرار الفجوة بين السياسات الحكومية ومزاج الرأي العام الأوروبي.
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد النقاش الأوروبي حول إسرائيل وفلسطين محصورًا في حدود انتقاد السياسات الحكومية الإسرائيلية أو المطالبة بوقف الحرب في غزة؛ فقد دخل النقاش مرحلة أكثر حساسية بعدما صوّت حزب الخضر البريطاني في مؤتمره السنوي في برايتون، في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813، على اعتماد سياسة تعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، وتصفها بأنها مشروع سياسي إثني قومي، مع تأكيد دعم إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية.
ولا يعني هذا القرار، من الناحية الدستورية أو القانونية، أنه أصبح موقفًا رسميًا للمملكة المتحدة أو أن بريطانيا أعادت تبني الموقف الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975. فالقرار الأممي 3379 الذي وصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية أُلغي رسميًا بموجب القرار 46/86 الصادر عام 1991. لكن أهمية التطور البريطاني تكمن في دلالته السياسية داخل واحدة من أقدم الديمقراطيات الأوروبية، وفي توقيته، وفي قدرته على فتح نقاش أوسع داخل الأحزاب والمجتمعات الأوروبية.
من قرار حزبي إلى أزمة سردية
الخطورة السياسية على إسرائيل لا تتمثل في عدد مقاعد حزب الخضر في مجلس العموم، وهي خمسة مقاعد فقط، وإنما في انتقال مفهوم كان يُنظر إليه تقليديًا باعتباره جزءًا من الثوابت السياسية الغربية إلى موضوع مفتوح للنقاش والمساءلة.
والأهم أن القرار لم يأت منفصلًا عن تحولات الرأي العام الأوروبي تجاه الحرب في غزة. فقد أظهر استطلاع لمركز «بيو» في ربيع 2026 أن النظرة إلى إسرائيل أصبحت سلبية في معظم الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع، وأن الوسيط العالمي للآراء السلبية تجاه إسرائيل بلغ 67% مقابل 25% إيجابية.
وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية: إذا انتقل الاعتراض من سياسات حكومة إسرائيل إلى مساءلة الأساس الأيديولوجي الذي قامت عليه الدولة، فإن طبيعة النقاش الأوروبي تصبح مختلفة جذريًا.
إسرائيل ستسعى، كما ظهر بالفعل، إلى ربط هذا الخطاب بمعاداة السامية وإنكار حق اليهود في تقرير المصير. وقد أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن قرار الخضر يتجاوز حدود النقاش السياسي المشروع، بينما وصف الرئيس إسحاق هرتسوغ القرار بأنه «وصمة عار». كما قررت إسرائيل منع زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر، من دخولها.
لكن في المقابل، يؤكد حزب الخضر أن قراره يستهدف الأيديولوجيا والممارسة السياسية للصهيونية وليس اليهود كجماعة دينية أو إثنية، وأن معاداة الصهيونية، وفق تعريفه، لا ينبغي مساواتها تلقائيًا بمعاداة السامية.
وهذه النقطة ستظل محور الصراع السياسي والقانوني في أوروبا: أين ينتهي انتقاد الصهيونية كأيديولوجيا سياسية، وأين تبدأ معاداة السامية؟ فتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست «معاداة السامية» هو تعريف عملي غير ملزم قانونيًا، وليس حكمًا قضائيًا أو قاعدة دولية ملزمة بذاتها.
التداعيات المحتملة على إسرائيل
أولًا، تآكل الحصانة السياسية. فإسرائيل اعتادت لسنوات أن يكون انتقاد سياساتها منفصلًا عن التشكيك في الصهيونية باعتبارها حركة قومية يهودية. دخول هذا المصطلح إلى برامج أحزاب أوروبية يمنح النقاش طبيعة أكثر عمقًا.
ثانيًا، توسيع النقاش حول الاحتلال والاستيطان والتمييز وحقوق الفلسطينيين، وربطها بمفهوم أوسع يتعلق بطبيعة الدولة والنظام السياسي، وليس فقط بإدارة الصراع.
ثالثًا، زيادة الضغوط على الحكومات الأوروبية في ملفات السلاح والتجارة والاستيطان والعلاقات الدبلوماسية. وقد تبنى حزب الخضر بالفعل الدعوة إلى وقف تجارة السلاح مع إسرائيل، ودعم المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
رابعًا، قد تجد إسرائيل نفسها أمام معركة مزدوجة: الدفاع عن شرعية الدولة من جهة، والدفاع عن تعريف الصهيونية ومشروعها السياسي من جهة أخرى. وهذا يفرض عليها جهدًا دبلوماسيًا وإعلاميًا أكبر في أوروبا.
لكن هناك جانبًا معاكسًا يجب عدم تجاهله؛ فصياغة القرار الأحادية حول الدولة الواحدة أثارت اعتراضات داخل حزب الخضر نفسه، حيث عارضها أربعة من نوابه الخمسة، وحذرت قيادات حزبية من أنها قد تعمق الانقسام وتُبعد قطاعات من الناخبين واليهود البريطانيين.
هل نحن أمام تحول أوروبي؟
من المبكر القول إن أوروبا تتجه ككتلة سياسية إلى تبني موقف حزب الخضر البريطاني. لكن من الممكن رصد تحول في البيئة السياسية الأوروبية: اتساع الانتقادات للحكومة الإسرائيلية، ارتفاع حساسية الرأي العام تجاه الوضع الإنساني في غزة، وتزايد حضور القضية الفلسطينية في النقاشات الانتخابية والحزبية البريطانية.
والسيناريو الأكثر أهمية ليس أن تتبنى الأحزاب الأوروبية شعار «الصهيونية عنصرية» حرفيًا، وإنما أن تتجه تدريجيًا إلى الفصل بين الاعتراف بإسرائيل كدولة وبين تأييد كل مرتكزات المشروع الصهيوني أو سياسات حكوماتها، وأن يصبح الاعتراف بالحقوق الفلسطينية شرطًا متزايد الحضور في العلاقات الأوروبية مع إسرائيل.
كما أن التجربة التاريخية تقدم درسًا مهمًا: قرار الجمعية العامة لعام 1975 كان موقفًا أمميًا واسعًا، لكنه أُلغي عام 1991 في سياق التحولات الدولية التي أعقبت الحرب الباردة. ولذلك فإن إعادة طرح المفهوم اليوم لا تعني عودة تلقائية إلى الماضي، بل تعكس تغيرًا في البيئة السياسية التي يُناقش فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الخلاصة
قرار حزب الخضر البريطاني ليس زلزالًا قانونيًا يغير وضع إسرائيل الدولي، لكنه مؤشر سياسي يستحق القراءة بجدية. أهميته تكمن في أنه يفتح بابًا كان مغلقًا نسبيًا: إخضاع الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا سياسية، للنقاش والنقد داخل الحياة الحزبية الأوروبية.
والسؤال الاستراتيجي الذي تواجهه إسرائيل لم يعد فقط: كيف تمنع الحكومات الأوروبية من الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو فرض العقوبات عليها؟ بل أصبح أيضًا: كيف تحافظ على شرعية روايتها التاريخية والسياسية لدى جيل أوروبي جديد بات أكثر استعدادًا للفصل بين اليهودية والصهيونية، وبين الاعتراف بإسرائيل وتأييد سياساتها؟
وفي المقابل، فإن مستقبل هذا التحول لن تحدده الشعارات وحدها، بل قدرة الأحزاب الأوروبية على إنتاج سياسات متوازنة تجمع بين رفض معاداة السامية والعنصرية من جهة، والاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني وتطبيق قواعد القانون الدولي من جهة أخرى.
إن ما جرى في مؤتمر حزب الخضر البريطاني قد يكون حالة حزبية محدودة، وقد يتحول إلى جزء من إعادة تشكيل أوسع للنقاش الأوروبي. والفارق بين الاحتمالين ستحدده الانتخابات الأوروبية المقبلة، ومواقف الأحزاب الرئيسية، وتطور الحرب في غزة والضفة الغربية، ومدى استمرار الفجوة بين السياسات الحكومية ومزاج الرأي العام الأوروبي.