حسَن الرّحيبي - فَريد الأطرَش.. أو (لو مَات فَريد لبقي العُود منفرد)..

هَذا الشّاب الجَميل الوَاعد في زمانه عاش مَآسي وانكسَارات واغترَاباً، ممّا جعل آهاته وأحزانه تطبع ألحانه وأنغامه وأغانيه الحزينة. خلال انتقالنا لمدينة سيدي بنّور عام 1967، توَافق هذا الانتقال الخَريفي الحزين مع مَوت أبي وإحسَاسي العميق باليُتم والغربة والفقر الشّديد، وتركي لقريتنا وبسَاتيننا وإخوَتنا وأصدقائنا ورَوابينا الغنّاء، وموَاشينا وقطعاننا وأفخَاخنا وأسراب عصَافيرنا الجميلة بسُهولنا الفيحاء المترَامية والشّاسعة، فغنّىٰ تلميذ نجيب وَسيم، وبلباس راق ولون أسمر..بمناسبة انتهاء الدّورة الدراسية الأولىٰ، اسمه النݣّاد عَبد الخالق ولد القزدار، توفي بدوْره في آخر تلك السنة، مما خلف أحزاناً لدىٰ أبويه باعتباره ابنهم الوَحيد الخلوق والرّاقي، كما كان عمّه قد وعدَه بتزويجه بابنته الوَحيدة أيضاً (كنت أعرفهم جَميعاً لأنهم كانوا جيراننا في السّكن).. غَنّىٰ أغنية:

حكاية غرَامي حكاية طَويلة
بدَايتها ذكريات اللّيالي الجَميلة
مرّت بنا الأيام تجري..

FB_IMG_1742680712334.jpg

كان الجوّ كئيباً ومكفهرّاً لدىٰ أبناء القرى الفقراء المغتربين والمضطرين للعيش بعيداً عن أسرهم، يعجنون ويطبخون ويتضَوّرون جوعاً وغربة وخصَاصاً، بعيدين عن أسرهم وإخوتهم وقراهم المهمّشة، مما جعل أغاني هذا العبقري الفذّ والمتميّز تتسرب لأعماق نفوسنا الهشّة، وتطبعها بطابع الكآبة والتراجيديا المستمرة في مَشاعرنا وأحاسيسنا الرقيقة إلى اليوم.. في نفس السّنة جاءت سوليما الأسواق المتنقلة عارضةً على شاشة عملاقة بإحدىٰ سَاحات سيدي بنّور الفسيحة فيلماً لفريد الأطرش أدى خلالها أغنية
(يَا خوفي بُعده لا يطوّل)، فزاد الجرح نكءًا وعمقاً وحفراً. وما خلّاتش عَدي لعقل.. كملت ذاك الشّي اللّي باقي..
بعد سَنوات انتقلنا للرباط فوجدنا مطعماً صَغيراً باسم فريد الأطرش يدرج أغانيه طول النهار ، مع صُور بأوضَاع وأشكال شتى، له ولأخته الرّاحلة آنذاك أسمَهان الرّائعة بأغانيها القليلة المُمزّقة لشغاف القلوب، بسبب جروح الماضي واليُتم والفقر:

ياللّي هَوَاك شاغل بالي
في غرَامك أنا يَا مَا قاسيت
ضَحّيت لك بحبّي الغالي …

وأين اللّيالي الّتي سَبّبت سَقمي
يَا ليلةً بعدها عينَايَ لم تَنَم
مَرّت كطيف خيال كان يسعدني
لو دَام لكنه وَيْلاهُ لم يدم

لم يعد اليوم موجوداً بالسّويقة بباب الأحد، لكن سيرة فريد الأطرش ظلت تلاحقني في كل مكان، وأطياف خياله تطاردني ليل نهار. وفي الحل والترحَال إلى اليوم. لا يمرّ يوم دون أن أستمتع بإحدى رَوائعه الخالدَة، حتى لما كنا ننام ونسهر بالبيادر وقرابيس تبن الدوّار وحناضيرها المرتفعة ، خلال ليالي الخريف والقمر الوديع يتلألأ بفضَاء قرانا الهادئة النائمة، نجتمع ونسهر مع أصدقاء لنا لم يكونوا يقلون عنا حزناً وكرباً وشغفاً بفريد ، وإحسَاساً بمهانة وذل الحاجة والفقر والحُݣرة وحرقة اليتم والخدمة عند الناس بريالات زهيدة، وزادت عليها خنشة. والقمع النفسي والجسدي بمغرب الستينات والسّبعينات.. واضطرارنا للعمل بأثمان رخيصَة ومزاولة أعمال شاقة لا زالت آثارها بادية بأعماق نفوسنا ووجداننا إلى اليوم..

كما ظلت مقولة سّي محمّد ولد سّي علي رَحمَه الله التي كان يردّدها بمناسبة وبغير مناسبة مَاثلة بذاكرتي:

لو مَات فريد لبقي العود منفرد...

كان ذلك في بدَاية السّتّينات .. لم أكن أعرف فريد الأطرش بعد ! كنت أعرف فقط :

ميلودَة بنت ادريس
شَدّوهَا لبّاليس
لبّاليس بخمسَة
كُلّ يعطيها طرشَة !

وكون سَاݣَت البَنت
كون قدّور افلَت
شرَاها وعَجبَاتو
في الدّورة قلبَاتو
وَا امّيمتي على قديدير
وَا اخّيتي على قديدير
وَا كان اللّه وقدّر
هَا البينُو كيغدَر
هَا ابّا مَا شَتّي وَالي !

إبدَاع حَقيقي..

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى