أ. د. عادل الأسطة - صوت ضائع في المهرجان : نابلس تتضامن مع غزة

عندما كنت في منتصف النهار أتجول في وسط مدينة نابلس ، تحديدا على دوار المدينة ، قرب المجمع التجاري ومحطة محروقات الشكعة ، مقابل البنك العربي ، لفت انتباهي رجل يحمل علم فلسطين وكرتونة بيضاء مكتوبا عليها باللون الأحمر " غزة " وأسفل من المفردة نقاط حمراء . غزة تنزف دما .
بدا الرجل بملابس عربية تقليدية يغطي رأسه بكوفية بيضاء وشماغ أسود ، وكان وحيدا لا أحد حوله ، وأغلب الظن أن أحدا من المارة لم يلتفت إليه أو ينتبه إلى وجوده ، وإن التفت إليه شخص ، أو انتبه ، فسرعان ما واصل مشيه نحو الجهة التي يسعى إليها ، وربما سخر بعض المارة من المشهد ، فماذا يقدم هذا اللون من التضامن للجوعى والعطشى هناك ، النازحين باستمرار
وقفت بالقرب منه صامتا ولم أتكلم معه . كنت أتأمل المشهد ، وما هي إلا بضع دقائق حتى توقف آخرون إناثا وذكورا ، ثم جاءت شابتان يبدو أنهما صحفيتان أرادتا أن تجريا معه مقابلة ، وهو ما كان ، وأخذت أصغي .
وجد الرجل الفرصة سانحة ليتكلم عن سبب وقفته ، وليعبر عن آرائه مما يجري في غزة ، وليحث الآخرين على التضامن مع أهل القطاع ، لما لذلك من تأثير قد يخدم القضية الفلسطينية . خاض الرجل في الحديث عن تحرر الشعوب وأفاض وكرر .
بدا لي الرجل يساري التوجه ، ولكن سرعان ما بدأ خطابه يمتزج فيه الخطابان اليساري والديني ، وهنا وجدت نفسي أسأله إن كان سجينا سابقا .
لم يبخل الرجل بتقديم نفسه والتعريف بشخصه . سأعرف أنه خرج من السجن في صفقة تبادل الأسرى في العام ١٩٨٥ ، وسأعرف أنه كان منتميا لحزب البعث ، وسأعرف أنه من عنبتا ، وعندما سألته إن كان بإمكاني الكتابة عن وقفته موردا المعلومات أجاب : نعم ، بل ولم يمانع في أن أذكر أيضا اسمه .
منذ بداية ٧ أكتوبر ، وتحديدا منذ بدأت ظاهرة الإخلاء والنزوح ونصب الخيام في جنوب قطاع غزة ، وأنا أحكي لبعض معارفي أنه من الضروري نصب خيمة على الدوار ، لكي نشعر مع أهلنا هناك . كنت أحكي . مجرد أحكي ، ومرة فكرت في أن أشتري خيمة انصبها في ساحة الدار ، لكي نتدرب على الإقامة في الخيام أو لكي نعود أنفسنا على حياتها .
أنا من مواليد الخيام وقد أنفقت فيها من عمري السنوات الأربعة الأولى ، ولكني لا أذكر منها شيئا . لا أتذكر حياة القر فيها ولا أيام الحر ، ولا أتذكر كيف كنت أقضي حاجتي في لياليها !
قال لي الرجل اسمه ولكي لا أنساه فقد ربطت بين اسمه واسم الكاتب الفلسطيني المرحوم خيري منصور ابن قرية دير الغصون .
مساء الخير يا خيري أبو ناصر ، وثمة يا أهل غزة ، من أبناء شعبكم ، من يشعر معكم ويتعاطف مع أطفالكم ولو كان واحدا ووحيدا .
خربسات ٩ / ٤ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى