د. آمال بوحرب - ورقات أدبية: حين تخوننا الكلمات قبل أن نخونها

في غرفة يخترقها ضوء شاحب تشبه جسدي المنهك أفتح دفترًا بلا عنوان أوراق صفراء تتنفس غبار الزمن وقلم يئن كعجوز يحمل ذاكرته على ظهره كل يوم أعدو خلف كلمات جديدة أتوسل إلى الحروف أن تمنحني مخرجًا من وحشة التكرار أن تنجدني من هذا الواقع المتهالك الذي يلوح لي كسجان قاس لكن السنين تمر وأنا أُحاصر بأسئلة لا تنتهي هل الكتابة خائنة أم آلياتها المتعبة أم أن الأفكار ترفض أن تولد في عالم لا يسعها.

أوراق الصباح :في الصباح حين يكون الوقت رطبًا كندى الأيام الأولى أجلس أمام فراغ الصفحة كأني أستعد لمبارزة أحاول أن أسرق من الصمت شيئًا يشبه الكلام لكن الكلمات تتسلل كالأشباح تأتيني جمل ممزقة كشظايا مرآة تعكس أجزاء مني لا أعرفها أكتب عن الحب فيخرج كالمطر الذي يسقط على قبر أكتب عن الوحدة فتكون كصوت قدمي في غرفة فارغة أترك الصفحة كأني أدفن طفلًا لم يستكمل نطق اسمه.

أوراق الظهيرة:الواقع يدق باب النافذة بقوة الأصوات تتدافع والزمن يجرني كحذاء مهترئ أبحث عن كلمات تحميني من ضجيج العالم لكن القواميس تخونني كل مشاعري تبدو كأنها مقتبسة من كتاب قديم حتى دموعي لا تصلح لقصيدة فقد سبق أن نزفها شاعر مجهول قبل ألف عام
أتساءل هل الكتابة سجن نبنيه بأيدينا أم أنها محور ندور حوله بلا وجع.



أوراق المساء:عندما تغيب الشمس أتذكر أن الستين ربيعًا مرت كأنها ومضة أوراق كثيرة مزقتها وقصائد نزفتها كدم في ثلج أقرأ ما كتبته فأجده كشخص غريب يرتدي ملابسي الأفكار التي ظننتها براقة تبدو كشموع منطفئة في مسرح خاو
أتساءل لماذا ترفض الكلمات أن تحمل ما لا أستطيع قوله لماذا تتحول إلى حطام كلما اقتربت من صلب الأسئلة.

خيانة الكتابة أم خيانتنا لها:ربما ليست الكتابة هي الخائنة بل نحن الذين نحملها أكثر مما تستطيع نريدها أن تكون مخلصًا فنحن من نجعلها سجانًا الأفكار ليست ناقصة لكننا نطلب منها أن تكون بلا جدران كالهواء
ننسى أن الكلمات وُلدت من ألم البشر ومن ضعفهم ومن عجزهم عن فهم هذا الوجود المعقد
الكتابة ليست هروبًا بل وعيٌ بالقيد كلما أردناها أن تحملنا إلى عالم آخر ذكرتنا بثقل أجنحتها
ورقة الوداع: قبل أن يأتيني الموت كضيف متأخر سأترك هذه الأوراق شاهدة لعلها تقول ما عجزت عن قوله لعل كلمات مشتتة تجد معنى في عيون قارئ غريب الكتابة لم تخني لكنها كالماء لا تستطيع أن تحمل شكلنا إلا إذا انكسرت
لعلني كنت أخونها حين ظننت أنها تملك إجابات بينما هي محور للأسئلة الأبدية

السطور الأخيرة:حين أغمض عيني أسمع ورقاتي تتساقط كأوراق خريف كل واحدة منها تشبه دقيقة من عمر ضاع
لكنني أعرف أن الكتابة حتى وهي تخوننا تبقى الوحيدة التي تسمح لنا بأن نُغمض أعيننا… هي الخِيانةُ الوَحيدةُ التي تَستحقُّ أنْ نُمارسَها؛ لأنَّها تَمنحُنا غُموضًا أجمَلَ مِنَ اليقينِ.

الكاتبة والباحثة د/آمال بوحرب
تونس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى