١
يا وجه جدي يا نبيا ما ابتسم " محمود درويش" :
("حلم 14\5\2013 أو منامها " زرت بيت جدي ولم أره - جدي لأمي الذي استشهد حفيده حامد الذي حمل اسمه / ابن خالي عمر ) .
أتذكر جدي وأحاول أن أرسم صورة له فلا أستطيع - جدي حامد .
كان جدي منجدا وناسب منجدا من الشام وماتت خالتي قبل أعوام .
ما الذي يذكرني بجدي هذه الأيام ؟
ذكرى النكبة مثلا؟
هاجر جدي النابلسي الأصل من يافا إلى نابلس في العام 1948 بشاحنة أبي ، وقد أصيب كلاهما في أثناء الخروج من يافا هجرة/هربا/خوفا/بحثا عن نجاة ، وسيغدو جدي النابلسي لاجئا في نابلس مدينته ، وسيقيم في مخيم عسكر . وسيكون علي أحيانا أن أحمل له الماء في الصيف إلى منزله ؛ حتى ترضى علي أمي . هل رضيت؟
كان المخيم تلك الأيام أرحب من هذه الأيام .وكلما مرت الأيام اتسعت النكبة حجما ، فلا تتضاءل ولا تنسى .
وما زلنا نشعر أننا من هناك..من يافا ، ونحن إلى هناك .
هل نبالغ في هذا ؟
هل هذا مرض ؟
ربما أتذكر كتاب ( ابراهام بورغ ) " لننتصر على هتلر " ، فقد شخص صعوبة واقع اللاجئين الفلسطينيين ، وإن لم يرق لي حله لمأساتهم ، لأنه يطلب منا ان ننسى فكرة العودة.
في ذكرى النكبة يبدو أنه لا بد من تذكر وذكرى وذاكرة . هذه المخيمات . هنا وهناك . هذه المخيمات تذكرنا ب....
صباح الخير يا يافا
٢٠١٣
٢
أذكر أني كنت بيافا :
دائما أتذكر فيروز ونصري شمس الدين وأغنية "خبرنا خبر عن يافا " .
دائما أتذكر أني كنت بيافا " خبرنا خبر عن يافا " .
مات أبي ومات أعمامي وماتت أمي ومات أكثر من ولد بيافا من معارفي وأهلي ، فماذا أتذكر من يافا أنا الذي زرتها مرات عديدة وسمعت عنها من أهلها - أبي وأعمامي- أكثر مما أعرف عنها ، وماذا أخبر عن يافا؟
نحن الآن في الذكرى 64 للنكبة - الخروج من الوطن ومن المدينة الأم ومن البحر إلى مدينة جبلية لا بحر فيها .
لو كان ثمة بحر في نابلس ، فهل كنت أحن إلى يافا التي لم أنشأ فيها؟
ما زال اللاجئون الفلسطينيون حتى في مخيمات أقيمت على شواطيء البحر - ما زالوا يحنون إلى مدنهم وقراهم - حتى التي لا تقع على شاطيء البحر .
ماذا أعرف حقا عن يافا حتى تسكنني هذه المدينة ؟
هل كانت جنة الله على أرضه فطردت منها لأحن إليها حنين أحفاد آدم إلى جنة أبيهم ؟
في ذكرى النكبة لا أرى أبي ولا أرى أمي ولا أرى أحدا ممن هجر من يافا ، فلماذا أتذكر يافا ومقطعا لأغنية فيروز ونصري شمس الدين ؟؟
" أذكر أني كنت بيافا ..خبرنا خبر عن يافا ".
أحيانا يستبد بي الحنين إلى بحرها وإلى رصيف مينائها وإلى الساعة فيها وإلى مخبز أبي العافية - أقارب أمي - أحيانا أجدني على الشاطيء وحيدا على التلة المشرفة على البحر أمعن النظر في البعيد...البعيد..البعيد..
هل كان السياب سمع ذات نهار صراخ جدتي تسأل البحر عن عمي عبد القادر " يا بحر..يا بحر أين أخذت ابني " .
من قال لجدتي إن عمي غرق في البحر؟ .لقد كانت إشاعة
.أتذكر السياب يصيح بالخليج وأتذكر ذكريات أبي وعمي عن البحر والبابور والقارب . ما اسمه؟
لقد نسيت اسمه ، غير أني لم أنس حكاية صراخ جدتي تسأل البحر أن يعيد إليها ابنها - أي عمي .
مات عمي ولم يعد إلى يافا ومات أبي ولم يعد إلى يافا ، وماتت امي ولم تعد إلى يافا وقد اموت ولا أعود إلى بافا ايضا.( تلك قسمة ضيزى) تلك هي قسمة أبناء العمومة / أبناء شعب الله المختار في القرنين 20\21.
٢٠١٢
٣
أدب العائدين:هل هو أدب يستحق الدراسة؟ (الحلقة الرابعة الاخيرة ) :
سيسألني أنس العيلة حول أدب العائدين - هو قال إنه أدب العودة ، وأنا اخترت دال " أدب العائدين " -السؤال التالي :
نصوص أدب العودة التي قمت بدراستها في رسالتي تشترك في بعض السمات والخصائص ، فتبرز في هذه النصوص رؤية أو علاقة جديدة بواقع الوطن وإحساس مختلف به . وهناك إحساس عام بالخسارة والفقدان وشعور بالندم يمتزج مع شعور خفي ، وأحيانا ظاهر ، بالضياع.هل تستطيع أن تقر سمات محددة ﻷدب العودة ، كما هو الحال في أدب المنفى؟
ما تتميز به نصوص اﻷدباء العائدين أنها قائمة على أساس المقارنة والموازنة بين عالمين ينتميان إلى زمنين مختلفين ؛ الماضي والحاضر ، والطفولة والكهولة ، البراءة والتعقيد ، عدم الفقدان والفقدان ، البيت . وخسارة البيت ، البيت في الذاكرة والبيت في الواقع .
الشعور بالخسارة حاضر في هذه النصوص ولكن ما هو حاضر أيضا هو الإحساس بفرح عابر ، فرح قصير هو فرح العودة . إنه فرح ضئيل ، فرح خلف وراءه شعورا بالخيبة والمرارة وتاكيد الفقدان .
إحدى شخصيات يحيى يخلف في " نهر يستحم في البحيرة " عادت إلى طبرية وزارتها ، ولكنها زارتها فقط ، وحين انتهى التصريح وجب عليها العودة من حيث أتت .
ربما تجدر العودة إلى كتاب محمود درويش " حيرة العائد " (2007) وما ورد فيه من كتابة عن العودة . زار الشاعر كفر ياسيف ومدرسته فيها ، وأدرك أنه زائر لا عائد : " ولكن هل عدت ؟ وهل عاد أحد إلا مجازا ؟ " و" وهكذا أجد نفسي هنا . لم أذهب ولم أرجع ، لم أذهب إلا مجازا ولم أرجع إلا مجازا. "....
تقرؤون بقية المقال في اﻷيام الفلسطينية اﻷحد 17/5/2015 آملا أن أنتهي منه بعد قليل.
مقالات دفاتر اﻷيام
٤
كان يمكن أن يكونوا:
كان يمكن أن يكون اللاجئون الآن في مدنهم وقراهم .
كان يمكن أن يكونوا على شاطيء بحر بلادهم ، شاطيء يافا وحيفا وعكا .
وكان يمكن أن يكونوا يتسكعون في شوارع مدنهم وفي أزقة قراهم .
وكان يمكن أن يكونوا يصطادون السمك ، وقد يغرق أحدهم في البحر
وكان يمكن ألا يذهب كثيرون منهم إلى الجوامع لانشغالهم بشؤون الحياة :
كأن يواصلوا السباحة في البحر
وكأن يحرثوا أرضهم
أو كأن تهييء امرأة لابنها ملابسه للذهاب إلى مسجد ما ، مسجد حسن بك في يافا مثلا ،
وكان يمكن أن ينشغل التجار ببيع البطيخ والشمام وحراسة عريشة ما
وكان وكان وكان
كان يمكن ألايكون الآن ثمة لاجئون في لبنان والأردن والسويد وفنزويلا والدنمرك
وكان
كان يمكن أن يكون أبي تزوج من غير أمي وأنجب آخر غيري قد يكون أكثر مني سعادة
وقد
لكنه آيار
شهر
ابراهيم طوقان والبيجامات
٥
أمس مساء في الحافلة :
حضرت أمس أمسية الكاتب الجزائري واسيني الأعرج في مكتبة بلدية نابلس ، ولما كان الكاتب على موعد مع الرئيس الفلسطيني ، فقد اضطر للمغادرة مبكرا ، ما جعلني أقرر الذهاب الى المنزل علني أشاهد إحدى مباريات الدوري الإسباني .
لم أعرف أن هناك احتفالا قرب المقاطعة سيؤثر على حركة السير ، وسيعيق حركة المرور بشكل لافت . قلت : ربما يحيون ذكرى النكبة ، ولمت نفسي لأنني لم أشارك .
مئات ، لا بل آلاف ، من المواطنين يحتفلون ؛ رجال ونساء وأطفال من بيئات مختلفة ، وتذكرت اميل حبيبي وعباراته " فأيقنت أن هذا الشعب حي لا يموت ".
والحقيقة أنني لما رأيت الورود بأيدي الناس ذهبت مذهبا آخر ، فقلت : لعله عرس جماعي تقيمه جهة ما .
المظهر العام لا يوحي بأن الاحتفال احتفال بذكرى النكبة . هناك ورود وملابس أنيقة . لعله عرس جماعي .
ولما استبد بي الفضول ، وكانت حركة السير ابطات أكثر وأكثر وغدوت محشورا أكثر ، فقد وجدتني اسأل عن السر والسبب والمناسبة ، بخاصة وأن هناك حلقات دبكة .
الناس جاؤوا ليحتفلوا بمناسبة تخرج أبنائهم من جامعة القدس المفتوحة . وإذا عرف السبب بطل العجب ، وأما أخطاء الهمزات فساصححها بعد قليل على اللابتوب .
في ذكرى النكبة كان الناس يحتفلون بتخرج أبنائهم . " و ماله؟" قلت بالعامية .
صباح الخير
خربشات 15/5/2016
٦
د.فيصل دراج ويخيى يخلف 9 :
يتوقف د . دراج في كتابه "بؤس الثقافة " أمام رواية اسحق موسى الحسيني " مذكرات دجاجة " 1943 ، ويخلص إلى ما يلي :
"ومع ذلك ، فإن من يرجع إلى الرواية التي كتبها مثقف فلسطيني حديث ، يقف على خطاب أخلاقي بالغ السذاجة ، بل على حكاية سعيدة يرويها مثقف مستقر في بلد آمن ومطمئن ، كأن المثقف الملتزم الذي يمثل أخلاقية إيجابية أكيدة لا يشك لحظة في انتصار قضيته اﻷكيدة ما دام الحق الذي سورته الإرادة الطيبة يهزم كل ما عداه . " ص 53.
وما كتبه د . دراج جاء ممهدا لما سيكتبه عن روايات يخلف التي ينتصر فيها البطل الوهمي وتنتهي الحكاية نهاية سعيدة .
كان د . دراج كتب دراسته وهو في حالة خصام مع المؤسسة ، وكان يحيى جزءا منها ، بل وقريبا من قيادتها ، فقد تصالح معها وكتب تلك الليلة الطويلة ، وبدأ يكتب عن الماضي حتى يبتعد عن القضايا المعيشة الشائكة التي تناولها في " نشيد الحياة "يوم كان منشقا . هل بقيت روح الانشقاق هي الغالبة لديه ولكنه أراد أن يطعم أبناءه حتى لا يجوعوا ، وهكذا آثر العودة إلى الماضي ليجعله مادة لرواياته اللاحقة إلا واحدة هي " نهر يستحم في البحيرة " 1997 التي تنسجم في روحها مع روح رواياته اﻷولى ؟
ما من رواية كتبها يخلف بعد عودته إلى حضن المؤسسة إلا كانت بعيدة عن الواقع المعيش إلا " نهر.." . لم يكتب أية رواية عن واقع رام الله في ظل السلطة ، ولم يتلمس هموم شعب الضفة وغزة ولم يقارب موضوع الانقسام . كتب عن حصار 2002 كتابة تسجيلية باهتة . واطمان إلى واقعه الجديد وآثر السلامة وكتب عن النكبة .
ما الصلة بين مذكرات دجاجة الحسيني وراكب ريح يحيى يخلف ؟
في " مذكرات دجاجة " استسلام للواقع ودعوة إلى إصلاح العالم من خلال المثل العليا ، وهكذا يمكن أن تحل المشكلة . وفي " راكب الريح " يتخذ الحكيم دور الدجاجة الحكيمة ويحل محلها ويدعو إلى إرسال كتاب الحكمة إلى قادة الغرب علهم يقتنعون بحكمة الشرق ويتراجعون عن عدوانهم واستعمارهم . ثمة دعوة إلى التسامح وإحلال الحكمة والمعرفة محل القوة والتسلط . كأننا لا رحنا ولا جئنا منذ دجاجة الحسيني .
فيما قرأته أن د . الحسيني أمل أن يتوسط له مثقف يهودي لدى طه حسين لطباعة روايته في دار المعارف - ولعلني مخطيء - فهل يسعى يحيى يخلف إلى جائزة أوروبية أو إلى ترجمة روايته الجديدة إلى لغة عالمية حتى يصبح كاتبا عالميا وينال جائزة مثل جائزة اﻷديب اﻷلماني غوتة ؟
الجوائز تمنح هذه اﻷيام ، ومنذ زمن ، ﻷصحاب أفكار التسامح والحوار و..و..
ولا أريد أن أقول إن موقع د.دراج من السلطة هو ما حتم عليه كتابة مختلفة . كان في 1996 ضد السلطة ، وفي 2016 ما عاد كما كان . مرة أخرى أعود إلى المقولة الماركسية " الموقع والموقف " مع احترامي لكتابات د . دراج ومع تقديري له ناقدا بارزا ومهما في الحركة النقدية اﻷدبية العربية المعاصرة .
( ملاحظة :
بعد فترة من كتابة هذه المادة أصدر يحيى يخلف رواية "اليد الدافئة "وهي تروي قصة العائدين بعد 1993 )
15/5/2016
٧
بعض حملة الدكتوراه :
بعض حملة الدكتوراه لم ينجزوا بعد تخرجهم أي شيء.
الطريف أنهم يعينون ويفرضون من فوق وحجة من عينهم أن القسم الذي عينوا فيه بحاجة إلى تطوير .
الآن نحن في نهاية العام الدراسي وكل منا عليه تقديم كشف بإنجازاته .
هذا كتابي .
( آمل أن لا يتم حذف الكشف هذا العام كما حذف في 2018 أو أنني لن أقدم ) .
2017/ 5/15
٨
في ذكرى رحيل إميل حبيبي 21 :
لماذا ظلت هذه الأسماء ، بعد رحيلها ، الأكثر حضورا ؟
غسان كنفاني ومحمود درويش و اميل حبيبي ، وبدرجة أقل سميح القاسم ومعين بسيسو .
الأنها عاشت تجربة كبيرة امتزج فيها الهم العام بالخاص بالتثقيف العجيب؟
سؤال يراودني يا أدباءنا. الذين يكتبون ذاتهم فقط .
2017/ 5/15
٩
الأستاذ الجامعي :
هل هناك قيمة للأستاذ الجامعي إن لم يكن ذا حس نقدي؟
من هو الذي سيمارس النقد والنقد الذاتي إذن؟
طبعا هناك فرق كبير بين النقد والردح ، وأعتقد جازما أنني أنتقد وانقد وهذا من حقي ولسوف أقبل أية عقوبة يثبت فيها أنني ردحت أو شتمت .
صحيح أنني ألفت كتابا عن مظفر النواب وأنني أصغيت مؤخرا ل( سكلانص) ولكني لم أكرر عباراتهما إطلاقا .
هل تجاوزت الحدود؟
كلما قصدت القدس يوم سبت يعطيني المجند الإسرائيلي القابع في زنزانته إشارة باصبعه أن عد ، فأعود .
إنها تلقائية الاستجابة كما لو أنني " الحندي الطيب شفيك " بطل رواية الروائي ( ياروسلاف هاتشيك ) أو كما لو أنني سعيد أبو النحس المتشائل بطل رواية الكاتب إميل حبيبي ، وهل أنا إلا كذلك : أمرك سيدي .
2017/ 5/15
[ مساء الخير يا أبناء العمومة. اليوم عيد استقلالكم وذكرى نكبة شعبي من الجد إلى حفيد الحفيد.]
١٠
في حيفا 4:
وأنت على الكرمل تنظر إلى البحر الأبيض المتوسط فتعود بك الذاكرة إلى نهاية 60 القرن 20 حيث وقفت الوقفة نفسها ولم تعد تقفها وتظل عالقة في الذاكرة حتى يومك هذا ،وتظل تتمنى أن تقف الوقفة نفسها.
تتذكر أن العمر ليس بالسنوات ،وإنما هو باللحظات وتضحك. تضحك لأنك تتذكر نكتة جبر من (ك...) أمه للقبر ،النكتة التي أوحت لك في أوج حصار انتفاضة الأقصى بقصتك "يوميات جبر الفلسطيني في العيد".
"نحن نحيا لحظات قليلة جدا". تخاطب نفسك "ومنها الوقوف على الكرمل ورؤية البحر من هناك.".
أخذت تنظر إلى صفحة البحر ،إلى وجه البحر ،إلى سطحه ، والشمس تنعكس عليه ، بدهشة. كما لو أن سطح البحر ،وجهه، صفحته، مرآة. هل تذكرت "النزول عن الكرمل " ثانية؟
"أحب البحار التي سأحب
أحب الحقول التي سأحب
ولكن قطرة ماء بمنقار قبرة في حجارة حيفا
تعادل كل البحار
وتغسلني من ذنوبي التي سوف أرتكب "
وتمعن النظر في البحر والسفن و....و..."ليس العمر بالسنوات"
15/ 5/2018
١١
سحر خليفة: " روايتي لروايتي ج١ " 5 :
كما لو أن سحر خليفة تدحض مقولات نقدية يصر بعض النقاد عليها ،بخاصة البنيويون الذين يعزلون المؤلف عن نتاجه حين يأخذون بمقولة "موت المؤلف"( رولان بارت) ،وكما لو أنها تدحض مقولة (واين بوث) " المؤلف الضمني ".
في روايتها لروايتها تقول لنا سحر إنها هي مؤلفة رواياتها فلا تذهبوا بعيدا ولا تتعبوا أنفسكم وتشتطوا في اجتهادكم. "سحر خليفة هي مؤلفة رواياتها فلا مؤلفون ضمنيون لها".
من حيث تدري ولا تدري ،قدمت لي سحر خدمة كبرى ،أنا الذي يبحث عن المؤلف في نصه- على خطى العقاد وعلى خطى (ادموند ولسون) وآخرين.
في كتابتها عن رواية "الميراث " تأتي المؤلفة على حياتها في أميركا وتقص عن العرب هناك وعن الأستاذ الجامعي الشرقي الذي تحكمه ثقافته الشرقية ،على الرغم من أنه أقام في أميركا 20 عاما.
"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى/ حتى يراق على جوانبه الدم"..
(15/ 5/2018 )
١٢
خبز الفداء :
أبو صقر السائق من قرية سالم صباح الأربعاء 15 آيار 2019 العاشر من رمضان
حكاية استشهاد أبيه في الانتفاضة الأولى 1991.
أبوه موظف بلدية .حيرته بين طلب جنديين .اصعد لا تصعد. اطاع وخالف فاطلق الجندي الذي لم يطعه النار عليه وقتله .
أخوه استشهد في الانتفاضة الثانية ؛ انتفاضة الأقصى وكان عمره 26 عاما وكان في طريقه إلى العمل في فلسطين التاريخية الداخل .
أبو صقر حدثني عن رعايته ودراسته في مدارس رعاية الأيتام في القدس.
كان سبب فاتحة الحديث الأطفال في شارع عمان الذين يتراكضون بلا اكتراث وعزا الأمر إلى المدارس اليوم .
استشهاد الأخ العامل أعادني إلى رحلة عذاب العمال :
- عبد الرحيم محمود :"الحمال الميت ".
-إميل حبيبي المتشائل
-غريب عسقلاني :"الجوع "
-سحر خليفة الصبار وعباد الشمس .
- حادث عيون قارة وقتل 8 عمال من غزة .
-سعاد العامري :مراد
- قصص من مخيم عسكر
اولاد أم فايز .
عم نبيل سلمان وشخص من دار المصري من مخيم عسكر .
رحلات الصباح والعودة في المساء .
١٣
الست كورونا والنكبة الفلسطينية ٨٤ :
هل أرعبتنا ، نحن الفلسطينيين ، الست كورونا ؟
نحن ، الفلسطينيين ، نعيش وضعا أقسى وأصعب مما نعيشه في زمن الكورونا . خذوا مثلا الحجر الصحي . كان هذا الحجر مفروضا على الفلسطينيين في لبنان بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ ، فلم يكن يسمح لهم بحرية التنقل إلا بعد أخذ موافقة من مكتب وزارة الداخلية ، وهو ما كتبت عنه سميرة عزام في قصتها " فلسطيني " وفيها نقرأ عن الفلسطيني المقيم في لبنان الذي وصله خبر وفاة أبيه المقيم في عمان . يومها أراد السفر ليشارك في الجنازة فطلب منه الموظف اللبناني مراجعته للحصول على الإذن بعد أسبوع ، ما دفع الفلسطيني لأن يبرق لأهله في عمان البرقية الآتية:
" أجلوه أسبوعا أو فافدفنوه " .
وكانت البرقية أسمج نكتة سمعها موظف البريد .
عن الحجر في لبنان تحدث أيضا شفيق الحوت ، في مقابلة تلفزيونية مع فضائية الجزيرة ، ومما قاله إن اللاجيء إن تزوج من لاجئة من مخيم آخر غير مخيمه لم يكن يسمح له ولأهله الذهاب إلى مخيم العروس لاستلامها، فكان الحوت يذهب ، باعتباره ممثلا للفلسطينيين في لبنان ، لاستلام العروس من أهلها ويقوم بتسليمها إلى العريس . هل ما شاهدناه عن الزواج في زمن الكورونا كان جديدا ؟
ما لا ينبغي أن يغيب عن الذهن هو ما عاشه أهل الباقتين ؛ الغربية والشرقية ، والبرطعتين ؛ الشرقية والغربية ، من ١٩٤٨ إلى ١٩٦٧ ، وهو ما كتب عنه الكاتب الإسرائيلي ( دافيد غروسمان ) في كتابه " الزمن الأصفر " ، حيث كان الأهل يحتفلون بالأعراس أو يشاركون بالعزاء بواسطة مكبرات الصوت ، فثمة حدود تحول دون تنقل المواطنين . إنه حجر صحي أمني عسكري قومي .
وفي لبنان عاد الحجر وفرض على أهالي المخيمات بعد خروج المقاومة من بيروت في ١٩٨٢ ، وهو الآن في أقسى حالاته ، وكنت كتبت قبل أسبوع عن تعميم وزارة الداخلية في بيروت وسفارة لبنان في أبو ظبي .
فلسطينيو فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ فرض عليهم الحكم العسكري من ١٩٤٨ حتى ١٩٦٦ ، وأما أهل الضفة فلم يكن يسمح لهم بالسفر عبر المعابر إلا إذا كان معهم جواز سفر مناعي يثبت عدم حملهم فايروس حب الوطن وعدم الانتماء إلى فصيل فلسطيني ، وأما غزة فالحجر عليها قائم منذ سنوات ، وكان ( اريك شارون ) في سبعينيات القرن العشرين طبق القانون الذي أخذت حكومة بريطانيا تطبقه منذ ٢٧ نيسان ٢٠٢٠ ، وهو ما كتبت عنه قبل أسبوع تقريبا .
ما أخشاه هو أن يخرج علينا رئيس ما ، مثل ( دونالد ترامب ) ، ويقول إن فحص سلالة فايروس كوفيد ١٩ أثبت أنه فلسطيني .
منذ ١٩٤٨ ونحن نحيا على إيقاع الحجر ، وكما يرى الروائي الياس خوري Khoury Elias فإن النكبة مستمرة وما زال الفلسطينيون يعيشونها .
اليوم الذكرى ٧٢ للنكبة - الكورونا الفلسطينية .
١٥ أيار ٢٠٢٠
١٤
ذاكرة أمس ٦٠ :
والد الشهيد وأحفاد " العرب الصالحون "
ودع أحد سكان غزة ولديه شهيدين ، مباركا لهما ارتقاءهما إلى السماء ، فتذكرت ما كتبه محمود درويش في " حالة حصار " ( ٢٠٠٣ ) في الموضوع ، في انتفاضة الأقصى :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا :
كيف بدلت أدوارنا ، يا بني ،
وسرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا "
وكم من أب سار في جنازة ابنه ، لاستشهاده ، وكان الأصل ، لو كان موت الفلسطينيين طبيعيا ، أن يسير الابن في جنازة الأب ؟
"- أيها الفلسطينيون ! احذروا الموت الطبيعي ! " والتبس قائل العبارة في ذهني : أهو يوسف إدريس أم غسان كنفاني ؟
ويبدو أن فلسطينيي فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ملوا من الموت الطبيعي ، فأخذوا بالنصيحة ، وأسهموا بدورهم في الأحداث .
لطالما ليم الفلسطينيون الباقون ، بسبب وقوفهم على الحياد ، وفي العقود الثلاثة الأخيرة صاروا ينعتون من كثيرين ب " عرب إسرائيل " ، كما لو أنهم ليسوا فلسطينيين ، بخاصة بعد أن حيد قسم منهم أنفسهم باعتبارهم " لهم وضع مختلف " ، وبعد أن حيدتهم السلطة الفلسطينية حين ركزت على حل الدولة الفلسطينية المستقلة في المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ ، والكلام في هذا الأمر يطول .
انتفضت اللد وحيفا وعكا وقرى فلسطينية كثيرة وصارت بيوت الفلسطينيين في المدن المذكورة تعلم بالأحمر ، ما ذكر أصحابها بالهولوكست وما فعله ( ادولف هتلر ) باليهود حين صعدت النازية إلى الحكم . ولم يميز المستوطنون والمتطرفون بين العرب ، فكلهم عرب ؛ المسلم والمسيحي والدرزي والبدوي و .. ، ما ذكرني شخصيا بسؤال الهوية في قصيدة محمود درويش الشهيرة في ستينيات القرن العشرين :
" سجل أنا عربي !"
منذ أصدر الكاتب الإسرائيلي الشيوعي ( هلل كوهين ) كتابه " العرب الصالحون " عن الفلسطينيين الباقين في أرضهم ، وعن حياتهم بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ ، مركزا على المتعاونين منهم ، لا على المقاومين ، ومنذ انحسار قوة الشيوعيين الذين أسهموا في قيادة النضال الفلسطيني ضد الصهيونية ، راج عنوان كتاب ( هلل ) لنعت الفلسطينيين هناك ، لدرجة كاد كثيرون منا ينسون قصائد توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين المعتزة بالهوية الفلسطينية .
منذ بداية حصار الأقصى وأحداث الشيخ جراح وحرب غزة انتفض أحفاد " العرب الصالحون " فصاروا مثل حصان طروادة ، ولطالما راهنا عليهم على أنهم كذلك - أي " حصان طروادة " ، فلولا بقاؤهم في أرضهم لصارت فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ، على رأي إميل حبيبي ، أندلسا ثانية .
أمس صار الفلسطينيون كلا واحدا واستشهد عشرة فلسطينيين في مدن الضفة .
لا طعم للعيد ، ولا عيد في العيد ، على الرغم من احتفال بعض أطفال غزة به فوق أنقاض الأبراج المهدمة المدمرة . هل تذكرون قصيدة فدوى طوقان " مع لاجئة في العيد " ؟ ، وصرنا كلنا في العيد مثل تلك اللاجئة .
هل أقول إن الحق كل الحق على " أبو يائير " ؟ وأنه ما زبطها ، تماما كما لم يزبطها ( ديفيد بن غوريون ) و ( ليفي اشكول ) والفلسطينية ( جولدا مائير ) التي تراجعت عن فلسطينيتها وتساءلت :
- أين هو الشعب الفلسطيني ؟ لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني !
هي التي اعترفت مرة بأنها قبل العام ١٩٤٨ كانت تملك جواز سفر فلسطينيا . ( هل تذكرون رواية " العشيق الفلسطيني لجولدا مائير " ؟ )
لطالما كتبت إننا سائرون إلى جنوب أفريقيا !
نحن في ذكرى النكبة الثالثة والسبعين ، وأمس .. نعم أمس ، قبل الذكرى بيوم شاهدنا أفواج اللاجئين والعرب يعودون يجتازون الحدود ولو لبضعة أمتار .
١٥ أيار ٢٠٢١
١٥
الطفل الوحيد الناجي :
في عام النكبة خرج أهل حيفا والتبس الأمر على بعض الأمهات ، فحملن المخدة ظنا أنهن يحملن رضيعهن ، وتبنت عائلات من اليهود الأطفال المنسيين وربوهم على أنهم يهود قتل العرب أهلهم في المعارك ( غسان كنفاني في " عائد إلى حيفا " . صار خلدون دوف ) .
بعد ٧٣ في ذكرى النكبة تباد العائلة كلها وينجو طفل وحيد ، وهذه المرة سيربيه الفلسطينيون ، وسيحرصون على أن يحمل اسمه نفسه ، وسيوثقون المجزرة بالصور .
٧٣ عاما لم يتعلم اليهود الناجون من مجزرة ( الهولوكست ) ، إلا أقلهم ، أي درس .
صباح الخير يا أبو يائير ، ولن تتعلم ، فانتظر هذا الطفل الناجي ، فقد تعمر كما عمر أبوك ، وقد تتذكر يومها قصيدة ( تيريه فيجن ) ولكن لا تتوقع من الطفل أن يتذكرها .
بعد ٧٣ من استقلال دولتكم ، هل شعرتم حقا بالاستقلال والأمان ؟
رحم الله الشاعر توفيق زياد الذي قال :
" إن من يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما ، إذا الميزان مال ؟
"
١٥ أيار ١٩٤٨
١٥ أيار ٢٠٢١
قصيدة " تيريه فيجن " للشاعر ( هنريك ابسن ) وقد كتبت عن الفيلم الذي أنجز عنها مقالا .
١٦
في نقد القصة القصيرة الفلسطينية
طه محمد علي قاصا :
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
عرف قراء الأرض المحتلة طه محمد علي ابن قرية صفورية شاعر قصيدة نثر بالدرجة الأولى ، ومن كان من أنصار هذه القصيدة تابع الشاعر وأشعاره ، ومن لم يكن من أنصارها ، مثلي أنا ، فإنه قرأ الشاعر ولكنه لم يتابعه متابعة حثيثة ولم يكتب عن نصوصه ، وربما ظل ينظر إليه على أنه شاعر عادي ، علما بأن محبيه ، مثل المرحوم الشاعر فاروق مواسي ، أشاد به إشادة كبيرة وتحدث عن اهتمام بعض المستشرقين به اهتماما لافتا ، لدرجة أن اقترحوا اسمه للترشيح لجائزة نوبل - والكلام على ذمة فاروق .
أول ما قرأت من قصائد لطه محمد علي كان تلك القصيدة التي أدرجها له الشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل في ديوانه الثالث " هي ... أو الموت " الذي صدر في العام ١٩٧٣ ، وكان عنوانها " عبد الهادي يصارع دولة عظمى " وهي قصيدة قصيرة لا تتجاوز الثلاثة عشر سطرا ، ونصها :
" في حياته ما قرأ ولا كتب
في حياته ما قطع شجرة ، ولا طعن بقرة
في حياته ما جاب سيرة النيويورك تايمس بغيابها
في حياته ما رفع صوته على أحد ،
إلا بقوله " تفضل ... والله غير تتفضل " .
*
ومع ذلك
فهو يحيا قضية خاسرة
حالته ميؤوس منها
وحقه ذرة ملح سقطت في المحيط
*
أيها السادة
إن موكلي لا يعرف شيئا عن عدوه
وأوكد لكم أنه لو رأى بحارة الانتربرايز
لقدم لهم البيض المقلي ولبن الكيس " .
وظلت القصيدة وعنوانها عالقين في ذاكرتي ، كما لو أنهما طه محمد علي كله .
حين طلب مني الروائي سليم البيك أن أشارك في الكتابة لملف يعده عن الشاعر سألته إن كان أحد المشاركين سيكتب عنه قاصا ، وهكذا قررت أن أعرف بطه محمد علي قاصا ، لا شاعرا ، فقليلون من قرائه ومتابعيه يعرفونه كاتب قصة قصيرة .
في الأعمال الكاملة لطه محمد علي التي صدرت عن " دار راية للنشر " ٢٠١١ ووقعت في ٤٠٠ صفحة تقريبا نقرأ تسع قصص قصيرة تحت عنوان " سيمفونية الولد الحافي " ما يكون " وقصص أخرى " ، واحدة كتبت في العام ١٩٥٥ وبقيتها كتبت ما بين الأعوام ١٩٩٥ و ٢٠٠١ .
القصة التي كتبها في ١ /١١ / ١٩٥٥ " قناني فارغة " ذات دلالة مهمة ، فهي تقول لنا إن طه بدأ قاصا لا شاعرا ، وإذا ما قرأنا بعض قصائده مثل " مذبحة على شواطيء عكا " و"شرخ في الجمجمة " ، وهما من قصائده المبكرة ، وذواتا أسلوب قصصي ، تأكدنا من غلبة روح القاص عليه على روح الشاعر الغنائي .
وهنا قد يثير دارس نصوص الشاعر السؤال المهم وهو :
- لماذا عزف الشاعر عن كتابة القصة القصيرة ومال إلى كتابة قصيدة النثر التي تقترب في أسلوبها من أسلوب القص ؟
ويتبع السؤال السابق سؤال آخر متعلق به وهو :
- لماذا عاد في منتصف تسعينيات القرن العشرين ليكتب القصة القصيرة ؟
وما يلفت النظر في كثير من قصص طه محمد علي أن بيئتها المكانية تمتح من قريته صفورية في أزمنة مختلفة يعود بعضها إلى زمن الانتداب البريطاني أيام كان طه طفلا ، ولكنها لا تقتصر على قريته ، فقسم منها يقص عن حياة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان ، حيث أقاموا بعد تشريدهم من وطنهم في العام ١٩٤٨ .
وبعض القصص تبدو أقرب إلى سيرة قصصية ذاتية للكاتب نفسه ، حيث يتوحد أنا السارد مع أنا الكاتب .
بالإضافة إلى ما سبق فإن روح الدعابة والسخرية تشيع في قسم منها ، كما تشيع فيها الروح الشعبية .
ونظرا لأن قراء كثيرين لم تتح لهم الفرصة لقراءة هذه القصص فسوف أستعرض بعض قصصها مبتدئا بقصة " قناني فارغة " باعتبارها الأقدم ، مع أن ترتيبها هو السادس .
" قناني فارغة " :
يكتب طه محمد علي في هذه القصة عن حمال لم يطور نفسه وظل يضع السل على كتفه ولم يشتر حمارا ينقل البضاعة عليه ، ما جعل زبائنه يتركونه إلى حمالين آخرين .
يبحث الحمال عن عمل فلا يجد ، وبينما هو يمر بورشة بناء يسأل صاحبها المتجبر فيكلفه بإحضار قناني فارغة مقابل مبلغ من المال ، وحين ينجز المهمة يقع فتتكسر ما يشعره بالقلق ، إذ ماذا سيقول لصاحب الورشة؟
لحسن حظ الحمال أن المتجبر يريدها كذلك ، وهكذا ينقذه الحظ من ورطته وتغريمه .
تبدو القصة عادية وليست الأفضل بين القصص .
" جاي يا غلمان " :
تأتي هذه القصة على حياة الناس في قرية صفورية وعلاقتهم ببعضهم ، علاقة أهل القرية بأهل حي تل العيد ، وهو حي من أحيائها ، فيروي نكتا عن أهل الحي ونوادرهم وسلبياتهم ، ومع ذلك يتشابه أهل الحي مع باقي أهل القرية في جوانب إيجابية .
أطرف القصص قصة زوجين لم ينجبا فيتبنيان سخلة ماتت أمها في السيل ويحرصان عليها ويسميانها زهرة .
في يوم من الأيام تخرج زهرة مع قطيع أغنام وتعود ، فتحلم أم زهرة بأن سخلتها حملت بوليد ولكنه يموت في البئر ، فيذهب أهل حي تل العيد ليعزوها بالفقيد . القصة التي تنتهي بالآتي قصة ساخرة جدا :
" وبينما كان العرق الساخن كزجاجة القنديل ، يتفصد من جبين أم زهرة ووجنتيها وأبطن يديها ورجليها .. ارتفع نحيب النسوة الشابات ، وجلجل زعيق العجائز الطاعنات ، يحرضن " جدة الفقيد " على إعطاء العزاء حقه !
- صابري؟ قومي إمعدي يا مشحرة
- الله يكون بعونك وعون أبو زهرة !
- والله لو قتلت حالك يا أم زهرة ما حدا لامك!
كل ذلك وزهرة رابضة على بعد خطوات من المعزين تجتر بهدوء ودعة ، وترمق الجميع ، بين الحين والحين ، بنظرات وديعات صافيات ، تخلو تماما من أي معنى ، وأظهر ما يبدو عليها أنها لا تعي مما يدور حولها قط شيئا " .
" دق ، دق ، ظلك دق ... ! "
هذه القصة قصة ساخرة جدا ، وهي تصور حياة القرية الفلسطينية في زمن الانتداب البريطاني وتأتي على واقع اللجوء الفلسطيني في مخيمات لبنان .
يأتي السارد أسعد على حياة متعلم فلسطيني ، هو الشيخ الأبيض ، تعلم أولا في الكتاب ، ثم واصل تعليمه في القدس وعاد ليدرس في عكا ، وبعد أربعة عقود حن إلى بلدته ، فعاد إليها ورمم بيت أهله فيها واستقر فيه ، وصارت له بين أهل البلدة مكانة معتبرة وغدت كلمته مسموعة .
ذات نهار يزوره في مجلسه شخص اسمه صالح كنعان ويطلب منه أن يعمل له وصفة عله يتخلص من وجع رأسه الذي عجز عن شفائه الأطباء ، ووعد الشيخ الأبيض - إن شفي - أن يعطيه " اللي تأمره " .
يرفض الشيخ الأبيض أي اعطية ويكتب له الوصفة الآتية :
" حلبة ، قرفة ، يانسون ، كمون ، محلب ، ملح ليمون ، وزعفران ، ملعقة صغيرة من كل عنصر ثم تضع العناصر جميعا في هاون ، وتعالجها بالدق ، حتى تصهر صهرا جيدا . تطحن تماما !"
و
" حط الخلطة كلها في الهاون ، ودق دق ظلك دق تتنعم منيح "
و
" بعد صلاتك وقبل نومك تفتح شباكك ، وتدلق خلطتك على فضاء خرابتك " .
يصغي السارد أسعد مذهولا لكلام الشيخ ، وتكون حيرته الثانية أكبر من حيرته الأولى ، إذ ينفذ الوصية تماما ، فيزف الخبر إلى الشيخ حاملا له " ديكي دجاج مسنين ، وعشر بيضات " .
في حرب ١٩٤٨ يهاجر أسعد إلى لبنان ويعمل معلما في مخيم عين الحلوة ، وتتضاعف كارثته حين يتقاعد في ١٩٧٨ فيلم به وجع راس مشابه لما ألم بصالح كنعان ، وهنا يتذكر وصية الشيخ الأبيض ، فيلجأ إلى تنفيذها وعبثا يتخلص من وجع رأسه .
تنتهي القصة بالآتي :
" - اسمع مني يا أبو فوزي ، يرضى عليك ، روح الصبح عند الشيخ اللي عنا في المخيم ، خلي يقرأ على رأسك آية الكرسي ويعملك حجاب ، وتطيب ، وتتريح من هالعذاب !
وانبرى فوزي :
- لا لا يابا ، بكرة أروح معاك ، نراجع الدكتور الكندي !
صفعت الليبي - أي ابنه - وبصقت بوجه أمه . لعنت أبا جارنا القديم صالح كنعان ، وشتمت أجداده. حرقت دين الشيخ الأسود سبع ثمان حرقات ، وعدت إلى منديل ، برمته حتى اتخذ شكل الحبل . ربطته حول رأسي الذي يكاد أن ينفجر ... واستأنفت صراخي مرددا : ( يا راسي يا راسي )" .
والخاتمة تقول كل شيء . إنها تسخر من صالح كنعان والشيخ الأبيض والوصفات الشعبية وهوس بعض المؤمنين بها ، والطريف أن الطب نفسه لم يشف صالح في حين أنه زعم أنه تخلص من وجع رأسه بوصفة مضحكة .
" سيمفونية الولد الحافي " ما يكون " :
هذه قصة طريفة جدا . إنها أقرب إلى سيرة ذاتية لطفولة طه محمد علي البائسة الفقيرة في زمن الانتداب البريطاني . يبدأ السارد خالد القصة بالمقطع الآتي :
" العشر سنوات الأولى من حياتي سرتها حافي القدمين ، غير أن مرارة إحساسي بالحرمان من الحذاء ، وطغيان رغبتي في الحصول عليه ، يوم حادث حذاء المغربي وحده ، فاقا والله ، كل عذابات الحذاء التي كابدتها في سني العشر مجتمعة !" .
زمن الكتابة هو ١٩٩٦ والزمن القصصي هو زمن الانتداب - أي قبل ١٩٤٨ ، فالعملة المستخدمة هي الجنيه .
كان خالد في طفولته فقيرا معدما لا يملك ثمن حذاء ، وهكذا كان يسير حافيا ، ولنلاحظ العنوان " سيمفونية الولد الحافي " ، وذات مرة يأتي مواطن مغربي يبيع أحذية بأسعار زهيدة ، ومع ذلك لم يكن خالد يملك الثمن ، وحين يحصل على المال ويذهب ثانية إلى البائع يكون الأخير باع ما لديه ولم يتبق معه سوى فردتين متشابهتين ، فالفردتان يمينيتان :
- يميني يميني ، ما يكون يميني ، بيعني الفردتين وأنا حر فيهن !
- لكن بزوز ( جوز ) يميني ما تحسن والو تمشي .
- ما يكون ما أحسن ! إنت مالك؟
بيعني وخلاص !
- الزوز يميني..
- ما يكون ، بيعني وما خصكش ! "
ويحصل خالد على الحذاء ، وحين يلبسهما يمشي فيقع غير مرة :
" - خالد! قال والدي بحزم ، إشلح هاي الكندرة!
فقلت وأنا أرتجف:
- ما هو.. ليش يابا أشلحها ؟!
- الفردتين يمينيات ، إشلح! "
وحين يرفض يصرخ به والده ويبكي هو ، ويكون الحذاء أثر عليه .
تعيد أم خالد القروش التي استدانتها من جارتها أم قاسم ، وتخبرها :
" والله يا أم قاسم ، خالد الليلة عينيه ما غضو النوم ، طول الليل حامي مثل النار يا ضنا ، وكل شوية يجفل ويصيح :" ما يكون " ! وينام دقيقتين وبعدين يهب ويصرخ :
- " ما يكون ، ما يكون ، ما يكون!!" .
" يسلموا دياتك يا أبو مصطفى " :
هذه قصة شخصية ومكان بالدرجة الأولى . إنها قصة صفورية وما اشتهر به أهلها وما برعوا به منذ أيام أبو يوسف النجار قبل ألفي عام ، وهي قصة النجار خضر محمد النجار المعروف بأبي مصطفى الذي كان ماهرا في عمل مختلف الأدوات الزراعية المعروفة ، بخاصة صناعة " القادم " ، والقادم هو " هيكل من خشب وحبال ، يزيد علوه قليلا عن المتر ، وله شكل سلم السيبة . يضم إليه في الحقول ما يزيد على أربعة أضعاف حجمه ، من أغمار حصاد القمح أو الشعير أو الفول ، أو من أكداس العدس أو... ويسار ب " القوادم " محمولة على ظهور الجمال أو الخيول أو البغال أو الأحمرة إلى البيادر ، حيث تكوم الأحمال ، وتهيأ للدرس والتذرية " .
وكان أبو مصطفى الذي يجتمع في منحرته معارفه وأصدقاؤه ويتحدثون في شؤون الدنيا والسياسة وسياسة بريطانيا اللئيمة التي ضحكت علينا وسلمتنا لليهود .
أبو مصطفى في نهاية نيسان يجد ويجتهد ويبرع ويتفنن في صنع القوادم والرسم والكتابة عليها لدرجة يشهد له بما يصنعه حتى من يسخرون أحيانا منه ، ويستعد لتسليمها لمشتريها يفاجأ بخبر تنشره الجريدة يقرؤه له الشيخ إبراهيم :
" صرحت مصادر مطلعة أنه وصل إلى البلاد عن طريق البحر ، هذا الأسبوع ألفا قادم جديد !
- خرب بيتك يا أبومصطفى ! ( وضرب أبومصطفى كفا بكف ) .
ألفين قادم ؟ يا ويلك من الله يا بريطانيا ، ألفين قادم بتدفن صفورية وكفر مندا معاها ! خرب بيتك يا أبو قرد ، يا أبو مصطفى!" .
وليت الأمر في سياسة بريطانيا اقتصر على أبو مصطفى ! لقد خربت بريطانيا بيت الشعب الفلسطيني منذ مائة عام وأكثر ، وما زال الفلسطينيون يتجرعون ويلات سياستها وويلات وعد بلفور المشؤوم
السبت ١٥ أيار ٢٠٢١
١٧
" ويافا حقائب منسية في مطار " :
عادل الاسطة
في الأسبوعين الأخيرين قرأت ديوان شعر الأسير أحمد العارضة " خلل طفيف في السفرجل " وسئلت من سامي أبو سالم - أستاذ من غزة - عن حضور يافا في أدبنا ، وأصغيت إلى قصيدة الجواهري الشاعر العراقي في يافا بعد أن زارها قبل العام ١٩٤٨ ، وكنت كتبت عن رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " التي حضرت فيها يافا ، حتى لتعد رواية مدينة بامتياز ، وقبل أعوام كتبت عن زياراتي للمدينة ، مازجا بين ما رأيته منها وما بقي عالقا في ذاكرتي مما قرأته عنها في الشعر ، وكنت قرأت عنها في أشعار راشد حسين ومحمود درويش وسيرة سميح القاسم الذاتية " إنها مجرد منفضة " وقصة أكرم هنية " دروب جميلة " ، وروايات وفاء أبو شميس التي ولدت في بلاطة لأسرة لاجئة " من أجل عينيك الخضراوين " ، ورشاد أبو شاور الذي روى ما سمعه من أبيه عن زيارته يافا قبل ١٩٤٨ " وداعا يا زكرين " وعاطف أبو سيف الذي عرف المدينة " الحاجة كريستينا " و " حياة معلقة " و " الجنة المقفلة " ، وأنور حامد الذي زارها " يافا تعد قهوة الصباح " ، والمتوكل طه الذي سمع حكايات المدينة من ابنها أبو صبحي ( إسماعيل أبو شحادة ) " وريث يافا " ، ونوال حلاوة النابلسية التي عاشت طفولتها في يافا " الست زبيدة " و د. إبراهيم السعافين في " ظلال القطمون " ، واللبناني إلياس خوري الذي قرأ عنها وتجول فيها عبر مشاهدة أشرطة فيديو " أولاد الغيتو : نجمة البحر " و " كأنها نائمة " .
الأدباء الذين انحدروا من أسر يافاوية هم وفاء وسعاد وعاطف وأنا ، وأما البقية فهم من ريف فلسطين أو من لبنان ، وأما أحمد العارضة فجده من يازور التابعة ليافا ، ولا أعرف عن علاقته بها إن كان قبل أن يسجن في العام ٢٠٠٤ زارها أو عمل فيها ، ولكنها في الديوان تبدو مدينته المنظور إليها يتغنى بها كما لو أنه ولد فيها ونشأ بين أحضانها . إن حضور يافا في الديوان لافت ، ولكننا بالتأكيد لا نعرف عنها قدر ما نعرفه بعد قراءة رواية العامري التي حين تصغي إليها تتكلم ، وهي المولودة في المنفى ، تصغي إلى لهجة أهل يافا الذين نشأوا فيها وحملوا معهم لهجتها إلى الشتات . وأنا أصغي إلى سعاد كنت أصغي إلى يافاوي تماما ؛ أصغي إلى جدتي وأبي وأعمامي ، وبعض أقارب أمي ممن ظلوا بعد النكبة في يافا .
عندما قرأت رواية أنور حامد لم أعثر فيها على يافا ، بخلاف رواية سعاد ، وعندما طلب مني إخوة الأسير باسم الخندقجي المولود في نابلس أن أقرأ مخطوطته " أنفاس امرأة مخذولة " أفصحت عن رأيي دون مجاملة : هذه رواية صلتها بيافا ضعيفة ولهجة شخوصها اليافاويين ليست يافاوية ، ولم أقرأ الرواية بعد صدورها .
المتابعات السابقة عن يافا تنقصها إشارات وإشارات ، أهمها أنني حتى اللحظة لم أقرأ روايات أحمد عمر شاهين التي كتب فيها عن مدينته التي ولد فيها وعاش هناك طفولته حتى نكبة العام ١٩٤٨ ، ولطالما لفت نظري إلى هذا عاطف أبو سيف ، وأهمها أيضا أنني لم أكتب عن يافا في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ، وكان غسان الذي ولد في عكا قضى طفولته في يافا وتعلم في مدارسها .
الأسئلة التي صارت تراودني هي :
- ماذا تعني يافا لكل من كتب عنها ؟
- لماذا تكاثرت الكتابة عنها في الأعوام الأخيرة ؟
- هل ثمة ما هو مشترك في الكتابة عنها بين الكتاب ؟
- ما الصورة التي بدت لها في النصوص متعددة الأجناس الأدبية ؟
ولن يخفى على أحد أن الصورة التي في قصيدة راشد حسين " الحب والغيتو " ١٩٦٤ ، وفي التقرير الذي ألحقه القاسم بسيرته ، وكان كتبه في ١٩٦٦ ، هي صورة صادمة حزينة تبعث الأسى في النفس ، وهي مختلفة تماما عن الصورة التي تظهر في قصة هنية ورواية العامري ، إذ الصورة هنا جميلة ومشرقة تبعث الفرح .
كتب راشد وسميح عن يافا بعد أن هجر أهلها وصارت مدينة أشباح ، وكتب هنية والعامري عما كانت عليه المدينة قبل عام النكبة ؛ أيام كانت مدينة مهنتها تصدير برتقال ، لا مدينة توزع الحشيش والخدر ، وهو ما صارت عليه بعد النكبة ، والتعبير لراشد حسين في قصيدته ، وأما وريث يافا الذي عاش حياته كلها في المدينة ؛ قبل العام ١٩٤٨ وبعده ، فقد حكى عن الصورتين ، ولطالما أصغيت إليه يتكلم عبر أشرطة فيديو والحزن يقطر من كلامه ويكاد يبكي ، ولن أنسى قوله : اشتمني واشتم أبي فقد أسامحك ولكني إن شتمت يافا فلن أسامحك .
تحضر يافا إذن في ديوان أحمد ، فكيف حضرت ؟
يتكرر حضورها في غير قصيدة أبرزها " حبيبتي " حيث يتكرر ست مرات يخاطب فيها المدينة ويبين مكانتها في قلبه " قبلة القلب الطري " التي كانت موطنه ، ولأجلها يصعد إلى الأعالي في القصيدة ليرتجل شعرا جديدا " يرتقي لبكاء يافا " . إنها خبز المخيلة الفقيرة للنبيذ وللطحين وللتصور وهي ماء القصيدة ، ومع ذلك فهي ليست قصيدة أو إرهاصا لشعره وليست في نثره تمارين الكتابة والمخاض . إنه منذ راودته ليس أبدا بشاعر . إنه مهاجر غربوه وشردوه وشيدوا بدياره كل المقابر . إنه ليس شاعرا لأن يافا هي يافا وهي كأنما أكبر من الشعر كله .
في قصيدة " خلل طفيف في السفرجل " فإن ما قاد الشاعر للنزف دهرا هو أن يافا بدت في دائريتها سفرجلة صغيرة . هنا لا يكتب عن يافا وحسب كمدينة تركت أثرا عليه وإنما عن رفات قراها المهجرة الشريدة ومصير أهلها المعلقين المقهورين . أهي صورة الشمس وهي تغرب وتسقط في بحر يافا أم بيارات برتقالها هو ما أوحى له بالشبه ؟
:
" خلل طفيف
حين تحتلط القرى فيه
بشامات السفرجل
ترتخي الأغصان مثقلة
وتهصر ثم يلتحم المشبه بالشبيه " .
كتب محمود درويش قصيدة " عائد إلى يافا " يرثي فيها " أبو علي إياد " ، وفيها ورد " ويافا حقائب منسية في مطار " والسؤال هو :
هل استرجع الكتاب الفلسطينيون في نصوصهم تلك الحقائب ؟
سيقرأ المرء عن يافا باعتبارها مدينة مركز في رواية إياد برغوثي ابن عكا في روايته " بردقانة " ، ومؤخرا أصدر عبد الكريم السطل ابن يافا المولود فيها والذي ما زال مقيما فيها ويبث باستمرار فيديوهات عن أحيائها : كيف كانت وإلام آلت ؟ أصدر روايته الأولى " عاشق البيارة " ، وكان من قبل أصدر كتابا كاملا مصورا عن المدينة .
الاثنين والثلاثاء
١٥ و ١٦ / ٥ / ٢٠٢٣ .
أسماء المصادر :
- أحمد العارضة ، خلل طفيف في السفرجل ، ٢٠١٣ والصدور ٢٠٢٢ .
- أسماء ناصر أبو عياش ، يافا أم الغريب ، ٢٠١٩ .
- أكرم هنية ، دروب جميلة ، ٢٠٠٧ .
- أنور حامد ، يافا تعد قهوة الصباح ، ٢٠١٢.
- إبراهيم السعافين ، ظلال القطمون ، ٢٠٢٠.
- إلياس خوري ، أولاد الغيتو : نجمة البحر ، ٢٠١٨ ، و كأنها نائمة ٢٠٠٥ .
- باسم الخندقجي ، أنفاس امرأة مخذولة ، ٢٠٢٠ .
- جميل السلحوت ، أميرة ، ٢٠١٥ ( تأتي على يافا بإيجاز وتكتب عن القدس أكثر وعن ريف يافا - بيت دجن ) .
- راشد حسين ، الحب والغيتو ، ١٩٦٤ .
- رشاد ابوشاور ، وداعا يا زكرين ، ٢٠١٦ .
- سعاد العامري ، بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ، ٢٠٢٠ والترجمة العربية ٢٠٢٢ .
- سميح القاسم ، إنها مجرد منفضة ، ٢٠١١ .
- عاطف ابوسيف ، حياة معلقة ، ٢٠١٥ . الحاجة كريستينا ، ٢٠١٦ ، الجنة المقفلة ، ٢٠٢١ .
- عبد الكريم السطل ، عاشق البيارة ، ٢٠٢٣ .
غسان كنفاني ، عائد إلى حيفا ، ١٩٦٩ .
- محمود درويش ، أحبك أو لا أحبك ، ١٩٧٢
- المتوكل طه ، وريث يافا ، ٢٠١٨
- نوال حلاوة ، الست زبيدة ، ٢٠١٥ .
- وفاء أبو شميس ، من أجل عينيك الخضراوين ، ٢٠١٦ .
- يحيى يخلف ، راكب الريح ، ٢٠١٦ .
١٨
غزة ( ٢٢٢ ) :
من دفاتر الشعر الجاهلي :
ذكرى مختلفة تماما للنكبة 76
تزداد الحرب اتقادا وتتضاعف الخسائر والكل يشكو . ذهب تذاكي بعض مؤيدي اتفاقية أوسلو سدى . هل تتذكرون الرأي :
- ما لنا لنا ولكم ، وما لنا لنا وما لكم لكم وما لكم لنا ولكم و ...؟
هل هذا ما عناه محمود درويش في " سيناريو جاهز " :
" ولم نتحاور ،
تذكرت فقه الحوارات
في العبث المشترك
عندما قال لي سابقا :
كل ما صار لي هو لي
وما هو لك
هو لي ولك !
ومع الوقت ، والوقت رمل ورغوة صابونة
كسر الصمت ما بيننا والملل
قال لي : ما العمل ؟
هرب الوقت منا
وشذ المصير عن القاعدة
ههنا قاتل وقتيل ينامان في حفرة واحدة
... وعلى شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو
إلى آخره !! " ؟ .
غالبا ما يراودني السؤال :
- ما نماذج الشعر الجاهلي التي أراد الشاعر أن يعلمها لأعدائه ؟
في الحرب كتب زهير بن أبي سلمى :
" وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها
قرى بالعراق من قفير ودرهم "
ولقد بعثوها ذميمة فازدادت اتقادا وضراما واكتووا أيضا بنارها ، فحسب إحصائيات تكرر أمس وأول أمس الرقم ٧ ، وأقر الإسرائيليون بقتيل و ٩٥ جريحا ، وما بعد ٧ أكتوبر ليس كما قبله .
المعارك تزداد عنفا والمواجهات صار يقال عنها : وجها لوجه ، والمقاومون يغنون أغنية الثورة القديمة :
" طالع لك يا عدوي طالع
من كل بيت وحارة وشارع "
وأهل جباليا صامدون يرفضون الهجرة والرحيل .
مساء الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
١٥ / ٥ / ٢٠٢٤
١٩
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 2 :
نور الدين حجاج / روائي
فيما أورده عاطف ابوسيف فإن نور الدين حجاج ولد في ٣١ / ١ / ١٩٩٦ وارتقى في ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ - أي وهو في السابعة والعشرين من العمر .
لنور الدين روايتان هما " غريب وغريبة " و " أجنحة لا تطير " .
في يومياته التي نشرها له عاطف في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " يكتب عن قسوة الحياة في الحرب . عن الطوابير وضيق المكان والخوف من الصواريخ والموت في أية لحظة . في غزة تنعدم الاتجاهات " تهرب من صوت صاروخ خلفك فيتلقفك آخر أمامك . في غزة لم يعد هناك اتجاهات أربعة ، لأن جميعها أصبحت تطل على ذات المشهد وهو " الدمار " . " .
يفصح نور الدين عن حبه الحياة ما استطاع اليها سبيلا ، وينشد الحياة ليكتب ويوصل صوته للعالم " أرفض أن يكون خبر موتي عابرا " يكتب ، بخلاف فاطمة حسونة التي أرادت أن يكون موتها صاخبا . يكتب يومياته في الحرب معتقدا أن تكون رسالته الأخيرة التي تجوب العالم الحر [ لو امتد به العمر حتى اليوم لاقتنع أن هذا العالم ليس حرا على الإطلاق ] " تعبنا يا الله . لينته كل هذا عاجلا ليس آجلا .. يا رب " ولا جنازات في غزة فالعائلة كلها ترافق الميت معه إلى القبر .
فيما كتبه نور الدين في ٧ / ١١ / ٢٠٢٣ - قبل ٢٦ يوما من ارتقائه رأى أن غزة الآن تشبه رواية " العمى " ل ( جوزيه ساراماغو ) ، مع اختلاف طفيف هو أن " المرض المنتشر بيننا الآن هو الاحتلال وليس العمى . لكنها تتشابه بشكل كبير مع ... المجاعات ... الأمراض ... المكاره الصحية ... الكوارث ... نفاد المنتجات ... الخوف ... الدمار ... . ما كان خيالا صار الآن واقعا ... بفعل قوة قاهرة ... ومع كل هذا السوء ، الجميع يخشى أن تسوء الأمور أكثر " .٠
وما تنبأ به نور الدين وقع . ارتقى قبل أن تنتهي الحرب وساءت الأمور أكثر وأكثر وأكثر .
١٥ / ٥ / ٢٠٢٥
٢٠
15 / 5 / 2026
يا وجه جدي يا نبيا ما ابتسم " محمود درويش" :
("حلم 14\5\2013 أو منامها " زرت بيت جدي ولم أره - جدي لأمي الذي استشهد حفيده حامد الذي حمل اسمه / ابن خالي عمر ) .
أتذكر جدي وأحاول أن أرسم صورة له فلا أستطيع - جدي حامد .
كان جدي منجدا وناسب منجدا من الشام وماتت خالتي قبل أعوام .
ما الذي يذكرني بجدي هذه الأيام ؟
ذكرى النكبة مثلا؟
هاجر جدي النابلسي الأصل من يافا إلى نابلس في العام 1948 بشاحنة أبي ، وقد أصيب كلاهما في أثناء الخروج من يافا هجرة/هربا/خوفا/بحثا عن نجاة ، وسيغدو جدي النابلسي لاجئا في نابلس مدينته ، وسيقيم في مخيم عسكر . وسيكون علي أحيانا أن أحمل له الماء في الصيف إلى منزله ؛ حتى ترضى علي أمي . هل رضيت؟
كان المخيم تلك الأيام أرحب من هذه الأيام .وكلما مرت الأيام اتسعت النكبة حجما ، فلا تتضاءل ولا تنسى .
وما زلنا نشعر أننا من هناك..من يافا ، ونحن إلى هناك .
هل نبالغ في هذا ؟
هل هذا مرض ؟
ربما أتذكر كتاب ( ابراهام بورغ ) " لننتصر على هتلر " ، فقد شخص صعوبة واقع اللاجئين الفلسطينيين ، وإن لم يرق لي حله لمأساتهم ، لأنه يطلب منا ان ننسى فكرة العودة.
في ذكرى النكبة يبدو أنه لا بد من تذكر وذكرى وذاكرة . هذه المخيمات . هنا وهناك . هذه المخيمات تذكرنا ب....
صباح الخير يا يافا
٢٠١٣
٢
أذكر أني كنت بيافا :
دائما أتذكر فيروز ونصري شمس الدين وأغنية "خبرنا خبر عن يافا " .
دائما أتذكر أني كنت بيافا " خبرنا خبر عن يافا " .
مات أبي ومات أعمامي وماتت أمي ومات أكثر من ولد بيافا من معارفي وأهلي ، فماذا أتذكر من يافا أنا الذي زرتها مرات عديدة وسمعت عنها من أهلها - أبي وأعمامي- أكثر مما أعرف عنها ، وماذا أخبر عن يافا؟
نحن الآن في الذكرى 64 للنكبة - الخروج من الوطن ومن المدينة الأم ومن البحر إلى مدينة جبلية لا بحر فيها .
لو كان ثمة بحر في نابلس ، فهل كنت أحن إلى يافا التي لم أنشأ فيها؟
ما زال اللاجئون الفلسطينيون حتى في مخيمات أقيمت على شواطيء البحر - ما زالوا يحنون إلى مدنهم وقراهم - حتى التي لا تقع على شاطيء البحر .
ماذا أعرف حقا عن يافا حتى تسكنني هذه المدينة ؟
هل كانت جنة الله على أرضه فطردت منها لأحن إليها حنين أحفاد آدم إلى جنة أبيهم ؟
في ذكرى النكبة لا أرى أبي ولا أرى أمي ولا أرى أحدا ممن هجر من يافا ، فلماذا أتذكر يافا ومقطعا لأغنية فيروز ونصري شمس الدين ؟؟
" أذكر أني كنت بيافا ..خبرنا خبر عن يافا ".
أحيانا يستبد بي الحنين إلى بحرها وإلى رصيف مينائها وإلى الساعة فيها وإلى مخبز أبي العافية - أقارب أمي - أحيانا أجدني على الشاطيء وحيدا على التلة المشرفة على البحر أمعن النظر في البعيد...البعيد..البعيد..
هل كان السياب سمع ذات نهار صراخ جدتي تسأل البحر عن عمي عبد القادر " يا بحر..يا بحر أين أخذت ابني " .
من قال لجدتي إن عمي غرق في البحر؟ .لقد كانت إشاعة
.أتذكر السياب يصيح بالخليج وأتذكر ذكريات أبي وعمي عن البحر والبابور والقارب . ما اسمه؟
لقد نسيت اسمه ، غير أني لم أنس حكاية صراخ جدتي تسأل البحر أن يعيد إليها ابنها - أي عمي .
مات عمي ولم يعد إلى يافا ومات أبي ولم يعد إلى يافا ، وماتت امي ولم تعد إلى يافا وقد اموت ولا أعود إلى بافا ايضا.( تلك قسمة ضيزى) تلك هي قسمة أبناء العمومة / أبناء شعب الله المختار في القرنين 20\21.
٢٠١٢
٣
أدب العائدين:هل هو أدب يستحق الدراسة؟ (الحلقة الرابعة الاخيرة ) :
سيسألني أنس العيلة حول أدب العائدين - هو قال إنه أدب العودة ، وأنا اخترت دال " أدب العائدين " -السؤال التالي :
نصوص أدب العودة التي قمت بدراستها في رسالتي تشترك في بعض السمات والخصائص ، فتبرز في هذه النصوص رؤية أو علاقة جديدة بواقع الوطن وإحساس مختلف به . وهناك إحساس عام بالخسارة والفقدان وشعور بالندم يمتزج مع شعور خفي ، وأحيانا ظاهر ، بالضياع.هل تستطيع أن تقر سمات محددة ﻷدب العودة ، كما هو الحال في أدب المنفى؟
ما تتميز به نصوص اﻷدباء العائدين أنها قائمة على أساس المقارنة والموازنة بين عالمين ينتميان إلى زمنين مختلفين ؛ الماضي والحاضر ، والطفولة والكهولة ، البراءة والتعقيد ، عدم الفقدان والفقدان ، البيت . وخسارة البيت ، البيت في الذاكرة والبيت في الواقع .
الشعور بالخسارة حاضر في هذه النصوص ولكن ما هو حاضر أيضا هو الإحساس بفرح عابر ، فرح قصير هو فرح العودة . إنه فرح ضئيل ، فرح خلف وراءه شعورا بالخيبة والمرارة وتاكيد الفقدان .
إحدى شخصيات يحيى يخلف في " نهر يستحم في البحيرة " عادت إلى طبرية وزارتها ، ولكنها زارتها فقط ، وحين انتهى التصريح وجب عليها العودة من حيث أتت .
ربما تجدر العودة إلى كتاب محمود درويش " حيرة العائد " (2007) وما ورد فيه من كتابة عن العودة . زار الشاعر كفر ياسيف ومدرسته فيها ، وأدرك أنه زائر لا عائد : " ولكن هل عدت ؟ وهل عاد أحد إلا مجازا ؟ " و" وهكذا أجد نفسي هنا . لم أذهب ولم أرجع ، لم أذهب إلا مجازا ولم أرجع إلا مجازا. "....
تقرؤون بقية المقال في اﻷيام الفلسطينية اﻷحد 17/5/2015 آملا أن أنتهي منه بعد قليل.
مقالات دفاتر اﻷيام
٤
كان يمكن أن يكونوا:
كان يمكن أن يكون اللاجئون الآن في مدنهم وقراهم .
كان يمكن أن يكونوا على شاطيء بحر بلادهم ، شاطيء يافا وحيفا وعكا .
وكان يمكن أن يكونوا يتسكعون في شوارع مدنهم وفي أزقة قراهم .
وكان يمكن أن يكونوا يصطادون السمك ، وقد يغرق أحدهم في البحر
وكان يمكن ألا يذهب كثيرون منهم إلى الجوامع لانشغالهم بشؤون الحياة :
كأن يواصلوا السباحة في البحر
وكأن يحرثوا أرضهم
أو كأن تهييء امرأة لابنها ملابسه للذهاب إلى مسجد ما ، مسجد حسن بك في يافا مثلا ،
وكان يمكن أن ينشغل التجار ببيع البطيخ والشمام وحراسة عريشة ما
وكان وكان وكان
كان يمكن ألايكون الآن ثمة لاجئون في لبنان والأردن والسويد وفنزويلا والدنمرك
وكان
كان يمكن أن يكون أبي تزوج من غير أمي وأنجب آخر غيري قد يكون أكثر مني سعادة
وقد
لكنه آيار
شهر
ابراهيم طوقان والبيجامات
٥
أمس مساء في الحافلة :
حضرت أمس أمسية الكاتب الجزائري واسيني الأعرج في مكتبة بلدية نابلس ، ولما كان الكاتب على موعد مع الرئيس الفلسطيني ، فقد اضطر للمغادرة مبكرا ، ما جعلني أقرر الذهاب الى المنزل علني أشاهد إحدى مباريات الدوري الإسباني .
لم أعرف أن هناك احتفالا قرب المقاطعة سيؤثر على حركة السير ، وسيعيق حركة المرور بشكل لافت . قلت : ربما يحيون ذكرى النكبة ، ولمت نفسي لأنني لم أشارك .
مئات ، لا بل آلاف ، من المواطنين يحتفلون ؛ رجال ونساء وأطفال من بيئات مختلفة ، وتذكرت اميل حبيبي وعباراته " فأيقنت أن هذا الشعب حي لا يموت ".
والحقيقة أنني لما رأيت الورود بأيدي الناس ذهبت مذهبا آخر ، فقلت : لعله عرس جماعي تقيمه جهة ما .
المظهر العام لا يوحي بأن الاحتفال احتفال بذكرى النكبة . هناك ورود وملابس أنيقة . لعله عرس جماعي .
ولما استبد بي الفضول ، وكانت حركة السير ابطات أكثر وأكثر وغدوت محشورا أكثر ، فقد وجدتني اسأل عن السر والسبب والمناسبة ، بخاصة وأن هناك حلقات دبكة .
الناس جاؤوا ليحتفلوا بمناسبة تخرج أبنائهم من جامعة القدس المفتوحة . وإذا عرف السبب بطل العجب ، وأما أخطاء الهمزات فساصححها بعد قليل على اللابتوب .
في ذكرى النكبة كان الناس يحتفلون بتخرج أبنائهم . " و ماله؟" قلت بالعامية .
صباح الخير
خربشات 15/5/2016
٦
د.فيصل دراج ويخيى يخلف 9 :
يتوقف د . دراج في كتابه "بؤس الثقافة " أمام رواية اسحق موسى الحسيني " مذكرات دجاجة " 1943 ، ويخلص إلى ما يلي :
"ومع ذلك ، فإن من يرجع إلى الرواية التي كتبها مثقف فلسطيني حديث ، يقف على خطاب أخلاقي بالغ السذاجة ، بل على حكاية سعيدة يرويها مثقف مستقر في بلد آمن ومطمئن ، كأن المثقف الملتزم الذي يمثل أخلاقية إيجابية أكيدة لا يشك لحظة في انتصار قضيته اﻷكيدة ما دام الحق الذي سورته الإرادة الطيبة يهزم كل ما عداه . " ص 53.
وما كتبه د . دراج جاء ممهدا لما سيكتبه عن روايات يخلف التي ينتصر فيها البطل الوهمي وتنتهي الحكاية نهاية سعيدة .
كان د . دراج كتب دراسته وهو في حالة خصام مع المؤسسة ، وكان يحيى جزءا منها ، بل وقريبا من قيادتها ، فقد تصالح معها وكتب تلك الليلة الطويلة ، وبدأ يكتب عن الماضي حتى يبتعد عن القضايا المعيشة الشائكة التي تناولها في " نشيد الحياة "يوم كان منشقا . هل بقيت روح الانشقاق هي الغالبة لديه ولكنه أراد أن يطعم أبناءه حتى لا يجوعوا ، وهكذا آثر العودة إلى الماضي ليجعله مادة لرواياته اللاحقة إلا واحدة هي " نهر يستحم في البحيرة " 1997 التي تنسجم في روحها مع روح رواياته اﻷولى ؟
ما من رواية كتبها يخلف بعد عودته إلى حضن المؤسسة إلا كانت بعيدة عن الواقع المعيش إلا " نهر.." . لم يكتب أية رواية عن واقع رام الله في ظل السلطة ، ولم يتلمس هموم شعب الضفة وغزة ولم يقارب موضوع الانقسام . كتب عن حصار 2002 كتابة تسجيلية باهتة . واطمان إلى واقعه الجديد وآثر السلامة وكتب عن النكبة .
ما الصلة بين مذكرات دجاجة الحسيني وراكب ريح يحيى يخلف ؟
في " مذكرات دجاجة " استسلام للواقع ودعوة إلى إصلاح العالم من خلال المثل العليا ، وهكذا يمكن أن تحل المشكلة . وفي " راكب الريح " يتخذ الحكيم دور الدجاجة الحكيمة ويحل محلها ويدعو إلى إرسال كتاب الحكمة إلى قادة الغرب علهم يقتنعون بحكمة الشرق ويتراجعون عن عدوانهم واستعمارهم . ثمة دعوة إلى التسامح وإحلال الحكمة والمعرفة محل القوة والتسلط . كأننا لا رحنا ولا جئنا منذ دجاجة الحسيني .
فيما قرأته أن د . الحسيني أمل أن يتوسط له مثقف يهودي لدى طه حسين لطباعة روايته في دار المعارف - ولعلني مخطيء - فهل يسعى يحيى يخلف إلى جائزة أوروبية أو إلى ترجمة روايته الجديدة إلى لغة عالمية حتى يصبح كاتبا عالميا وينال جائزة مثل جائزة اﻷديب اﻷلماني غوتة ؟
الجوائز تمنح هذه اﻷيام ، ومنذ زمن ، ﻷصحاب أفكار التسامح والحوار و..و..
ولا أريد أن أقول إن موقع د.دراج من السلطة هو ما حتم عليه كتابة مختلفة . كان في 1996 ضد السلطة ، وفي 2016 ما عاد كما كان . مرة أخرى أعود إلى المقولة الماركسية " الموقع والموقف " مع احترامي لكتابات د . دراج ومع تقديري له ناقدا بارزا ومهما في الحركة النقدية اﻷدبية العربية المعاصرة .
( ملاحظة :
بعد فترة من كتابة هذه المادة أصدر يحيى يخلف رواية "اليد الدافئة "وهي تروي قصة العائدين بعد 1993 )
15/5/2016
٧
بعض حملة الدكتوراه :
بعض حملة الدكتوراه لم ينجزوا بعد تخرجهم أي شيء.
الطريف أنهم يعينون ويفرضون من فوق وحجة من عينهم أن القسم الذي عينوا فيه بحاجة إلى تطوير .
الآن نحن في نهاية العام الدراسي وكل منا عليه تقديم كشف بإنجازاته .
هذا كتابي .
( آمل أن لا يتم حذف الكشف هذا العام كما حذف في 2018 أو أنني لن أقدم ) .
2017/ 5/15
٨
في ذكرى رحيل إميل حبيبي 21 :
لماذا ظلت هذه الأسماء ، بعد رحيلها ، الأكثر حضورا ؟
غسان كنفاني ومحمود درويش و اميل حبيبي ، وبدرجة أقل سميح القاسم ومعين بسيسو .
الأنها عاشت تجربة كبيرة امتزج فيها الهم العام بالخاص بالتثقيف العجيب؟
سؤال يراودني يا أدباءنا. الذين يكتبون ذاتهم فقط .
2017/ 5/15
٩
الأستاذ الجامعي :
هل هناك قيمة للأستاذ الجامعي إن لم يكن ذا حس نقدي؟
من هو الذي سيمارس النقد والنقد الذاتي إذن؟
طبعا هناك فرق كبير بين النقد والردح ، وأعتقد جازما أنني أنتقد وانقد وهذا من حقي ولسوف أقبل أية عقوبة يثبت فيها أنني ردحت أو شتمت .
صحيح أنني ألفت كتابا عن مظفر النواب وأنني أصغيت مؤخرا ل( سكلانص) ولكني لم أكرر عباراتهما إطلاقا .
هل تجاوزت الحدود؟
كلما قصدت القدس يوم سبت يعطيني المجند الإسرائيلي القابع في زنزانته إشارة باصبعه أن عد ، فأعود .
إنها تلقائية الاستجابة كما لو أنني " الحندي الطيب شفيك " بطل رواية الروائي ( ياروسلاف هاتشيك ) أو كما لو أنني سعيد أبو النحس المتشائل بطل رواية الكاتب إميل حبيبي ، وهل أنا إلا كذلك : أمرك سيدي .
2017/ 5/15
[ مساء الخير يا أبناء العمومة. اليوم عيد استقلالكم وذكرى نكبة شعبي من الجد إلى حفيد الحفيد.]
١٠
في حيفا 4:
وأنت على الكرمل تنظر إلى البحر الأبيض المتوسط فتعود بك الذاكرة إلى نهاية 60 القرن 20 حيث وقفت الوقفة نفسها ولم تعد تقفها وتظل عالقة في الذاكرة حتى يومك هذا ،وتظل تتمنى أن تقف الوقفة نفسها.
تتذكر أن العمر ليس بالسنوات ،وإنما هو باللحظات وتضحك. تضحك لأنك تتذكر نكتة جبر من (ك...) أمه للقبر ،النكتة التي أوحت لك في أوج حصار انتفاضة الأقصى بقصتك "يوميات جبر الفلسطيني في العيد".
"نحن نحيا لحظات قليلة جدا". تخاطب نفسك "ومنها الوقوف على الكرمل ورؤية البحر من هناك.".
أخذت تنظر إلى صفحة البحر ،إلى وجه البحر ،إلى سطحه ، والشمس تنعكس عليه ، بدهشة. كما لو أن سطح البحر ،وجهه، صفحته، مرآة. هل تذكرت "النزول عن الكرمل " ثانية؟
"أحب البحار التي سأحب
أحب الحقول التي سأحب
ولكن قطرة ماء بمنقار قبرة في حجارة حيفا
تعادل كل البحار
وتغسلني من ذنوبي التي سوف أرتكب "
وتمعن النظر في البحر والسفن و....و..."ليس العمر بالسنوات"
15/ 5/2018
١١
سحر خليفة: " روايتي لروايتي ج١ " 5 :
كما لو أن سحر خليفة تدحض مقولات نقدية يصر بعض النقاد عليها ،بخاصة البنيويون الذين يعزلون المؤلف عن نتاجه حين يأخذون بمقولة "موت المؤلف"( رولان بارت) ،وكما لو أنها تدحض مقولة (واين بوث) " المؤلف الضمني ".
في روايتها لروايتها تقول لنا سحر إنها هي مؤلفة رواياتها فلا تذهبوا بعيدا ولا تتعبوا أنفسكم وتشتطوا في اجتهادكم. "سحر خليفة هي مؤلفة رواياتها فلا مؤلفون ضمنيون لها".
من حيث تدري ولا تدري ،قدمت لي سحر خدمة كبرى ،أنا الذي يبحث عن المؤلف في نصه- على خطى العقاد وعلى خطى (ادموند ولسون) وآخرين.
في كتابتها عن رواية "الميراث " تأتي المؤلفة على حياتها في أميركا وتقص عن العرب هناك وعن الأستاذ الجامعي الشرقي الذي تحكمه ثقافته الشرقية ،على الرغم من أنه أقام في أميركا 20 عاما.
"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى/ حتى يراق على جوانبه الدم"..
(15/ 5/2018 )
١٢
خبز الفداء :
أبو صقر السائق من قرية سالم صباح الأربعاء 15 آيار 2019 العاشر من رمضان
حكاية استشهاد أبيه في الانتفاضة الأولى 1991.
أبوه موظف بلدية .حيرته بين طلب جنديين .اصعد لا تصعد. اطاع وخالف فاطلق الجندي الذي لم يطعه النار عليه وقتله .
أخوه استشهد في الانتفاضة الثانية ؛ انتفاضة الأقصى وكان عمره 26 عاما وكان في طريقه إلى العمل في فلسطين التاريخية الداخل .
أبو صقر حدثني عن رعايته ودراسته في مدارس رعاية الأيتام في القدس.
كان سبب فاتحة الحديث الأطفال في شارع عمان الذين يتراكضون بلا اكتراث وعزا الأمر إلى المدارس اليوم .
استشهاد الأخ العامل أعادني إلى رحلة عذاب العمال :
- عبد الرحيم محمود :"الحمال الميت ".
-إميل حبيبي المتشائل
-غريب عسقلاني :"الجوع "
-سحر خليفة الصبار وعباد الشمس .
- حادث عيون قارة وقتل 8 عمال من غزة .
-سعاد العامري :مراد
- قصص من مخيم عسكر
اولاد أم فايز .
عم نبيل سلمان وشخص من دار المصري من مخيم عسكر .
رحلات الصباح والعودة في المساء .
١٣
الست كورونا والنكبة الفلسطينية ٨٤ :
هل أرعبتنا ، نحن الفلسطينيين ، الست كورونا ؟
نحن ، الفلسطينيين ، نعيش وضعا أقسى وأصعب مما نعيشه في زمن الكورونا . خذوا مثلا الحجر الصحي . كان هذا الحجر مفروضا على الفلسطينيين في لبنان بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ ، فلم يكن يسمح لهم بحرية التنقل إلا بعد أخذ موافقة من مكتب وزارة الداخلية ، وهو ما كتبت عنه سميرة عزام في قصتها " فلسطيني " وفيها نقرأ عن الفلسطيني المقيم في لبنان الذي وصله خبر وفاة أبيه المقيم في عمان . يومها أراد السفر ليشارك في الجنازة فطلب منه الموظف اللبناني مراجعته للحصول على الإذن بعد أسبوع ، ما دفع الفلسطيني لأن يبرق لأهله في عمان البرقية الآتية:
" أجلوه أسبوعا أو فافدفنوه " .
وكانت البرقية أسمج نكتة سمعها موظف البريد .
عن الحجر في لبنان تحدث أيضا شفيق الحوت ، في مقابلة تلفزيونية مع فضائية الجزيرة ، ومما قاله إن اللاجيء إن تزوج من لاجئة من مخيم آخر غير مخيمه لم يكن يسمح له ولأهله الذهاب إلى مخيم العروس لاستلامها، فكان الحوت يذهب ، باعتباره ممثلا للفلسطينيين في لبنان ، لاستلام العروس من أهلها ويقوم بتسليمها إلى العريس . هل ما شاهدناه عن الزواج في زمن الكورونا كان جديدا ؟
ما لا ينبغي أن يغيب عن الذهن هو ما عاشه أهل الباقتين ؛ الغربية والشرقية ، والبرطعتين ؛ الشرقية والغربية ، من ١٩٤٨ إلى ١٩٦٧ ، وهو ما كتب عنه الكاتب الإسرائيلي ( دافيد غروسمان ) في كتابه " الزمن الأصفر " ، حيث كان الأهل يحتفلون بالأعراس أو يشاركون بالعزاء بواسطة مكبرات الصوت ، فثمة حدود تحول دون تنقل المواطنين . إنه حجر صحي أمني عسكري قومي .
وفي لبنان عاد الحجر وفرض على أهالي المخيمات بعد خروج المقاومة من بيروت في ١٩٨٢ ، وهو الآن في أقسى حالاته ، وكنت كتبت قبل أسبوع عن تعميم وزارة الداخلية في بيروت وسفارة لبنان في أبو ظبي .
فلسطينيو فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ فرض عليهم الحكم العسكري من ١٩٤٨ حتى ١٩٦٦ ، وأما أهل الضفة فلم يكن يسمح لهم بالسفر عبر المعابر إلا إذا كان معهم جواز سفر مناعي يثبت عدم حملهم فايروس حب الوطن وعدم الانتماء إلى فصيل فلسطيني ، وأما غزة فالحجر عليها قائم منذ سنوات ، وكان ( اريك شارون ) في سبعينيات القرن العشرين طبق القانون الذي أخذت حكومة بريطانيا تطبقه منذ ٢٧ نيسان ٢٠٢٠ ، وهو ما كتبت عنه قبل أسبوع تقريبا .
ما أخشاه هو أن يخرج علينا رئيس ما ، مثل ( دونالد ترامب ) ، ويقول إن فحص سلالة فايروس كوفيد ١٩ أثبت أنه فلسطيني .
منذ ١٩٤٨ ونحن نحيا على إيقاع الحجر ، وكما يرى الروائي الياس خوري Khoury Elias فإن النكبة مستمرة وما زال الفلسطينيون يعيشونها .
اليوم الذكرى ٧٢ للنكبة - الكورونا الفلسطينية .
١٥ أيار ٢٠٢٠
١٤
ذاكرة أمس ٦٠ :
والد الشهيد وأحفاد " العرب الصالحون "
ودع أحد سكان غزة ولديه شهيدين ، مباركا لهما ارتقاءهما إلى السماء ، فتذكرت ما كتبه محمود درويش في " حالة حصار " ( ٢٠٠٣ ) في الموضوع ، في انتفاضة الأقصى :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا :
كيف بدلت أدوارنا ، يا بني ،
وسرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا "
وكم من أب سار في جنازة ابنه ، لاستشهاده ، وكان الأصل ، لو كان موت الفلسطينيين طبيعيا ، أن يسير الابن في جنازة الأب ؟
"- أيها الفلسطينيون ! احذروا الموت الطبيعي ! " والتبس قائل العبارة في ذهني : أهو يوسف إدريس أم غسان كنفاني ؟
ويبدو أن فلسطينيي فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ملوا من الموت الطبيعي ، فأخذوا بالنصيحة ، وأسهموا بدورهم في الأحداث .
لطالما ليم الفلسطينيون الباقون ، بسبب وقوفهم على الحياد ، وفي العقود الثلاثة الأخيرة صاروا ينعتون من كثيرين ب " عرب إسرائيل " ، كما لو أنهم ليسوا فلسطينيين ، بخاصة بعد أن حيد قسم منهم أنفسهم باعتبارهم " لهم وضع مختلف " ، وبعد أن حيدتهم السلطة الفلسطينية حين ركزت على حل الدولة الفلسطينية المستقلة في المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ ، والكلام في هذا الأمر يطول .
انتفضت اللد وحيفا وعكا وقرى فلسطينية كثيرة وصارت بيوت الفلسطينيين في المدن المذكورة تعلم بالأحمر ، ما ذكر أصحابها بالهولوكست وما فعله ( ادولف هتلر ) باليهود حين صعدت النازية إلى الحكم . ولم يميز المستوطنون والمتطرفون بين العرب ، فكلهم عرب ؛ المسلم والمسيحي والدرزي والبدوي و .. ، ما ذكرني شخصيا بسؤال الهوية في قصيدة محمود درويش الشهيرة في ستينيات القرن العشرين :
" سجل أنا عربي !"
منذ أصدر الكاتب الإسرائيلي الشيوعي ( هلل كوهين ) كتابه " العرب الصالحون " عن الفلسطينيين الباقين في أرضهم ، وعن حياتهم بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ ، مركزا على المتعاونين منهم ، لا على المقاومين ، ومنذ انحسار قوة الشيوعيين الذين أسهموا في قيادة النضال الفلسطيني ضد الصهيونية ، راج عنوان كتاب ( هلل ) لنعت الفلسطينيين هناك ، لدرجة كاد كثيرون منا ينسون قصائد توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين المعتزة بالهوية الفلسطينية .
منذ بداية حصار الأقصى وأحداث الشيخ جراح وحرب غزة انتفض أحفاد " العرب الصالحون " فصاروا مثل حصان طروادة ، ولطالما راهنا عليهم على أنهم كذلك - أي " حصان طروادة " ، فلولا بقاؤهم في أرضهم لصارت فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ، على رأي إميل حبيبي ، أندلسا ثانية .
أمس صار الفلسطينيون كلا واحدا واستشهد عشرة فلسطينيين في مدن الضفة .
لا طعم للعيد ، ولا عيد في العيد ، على الرغم من احتفال بعض أطفال غزة به فوق أنقاض الأبراج المهدمة المدمرة . هل تذكرون قصيدة فدوى طوقان " مع لاجئة في العيد " ؟ ، وصرنا كلنا في العيد مثل تلك اللاجئة .
هل أقول إن الحق كل الحق على " أبو يائير " ؟ وأنه ما زبطها ، تماما كما لم يزبطها ( ديفيد بن غوريون ) و ( ليفي اشكول ) والفلسطينية ( جولدا مائير ) التي تراجعت عن فلسطينيتها وتساءلت :
- أين هو الشعب الفلسطيني ؟ لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني !
هي التي اعترفت مرة بأنها قبل العام ١٩٤٨ كانت تملك جواز سفر فلسطينيا . ( هل تذكرون رواية " العشيق الفلسطيني لجولدا مائير " ؟ )
لطالما كتبت إننا سائرون إلى جنوب أفريقيا !
نحن في ذكرى النكبة الثالثة والسبعين ، وأمس .. نعم أمس ، قبل الذكرى بيوم شاهدنا أفواج اللاجئين والعرب يعودون يجتازون الحدود ولو لبضعة أمتار .
١٥ أيار ٢٠٢١
١٥
الطفل الوحيد الناجي :
في عام النكبة خرج أهل حيفا والتبس الأمر على بعض الأمهات ، فحملن المخدة ظنا أنهن يحملن رضيعهن ، وتبنت عائلات من اليهود الأطفال المنسيين وربوهم على أنهم يهود قتل العرب أهلهم في المعارك ( غسان كنفاني في " عائد إلى حيفا " . صار خلدون دوف ) .
بعد ٧٣ في ذكرى النكبة تباد العائلة كلها وينجو طفل وحيد ، وهذه المرة سيربيه الفلسطينيون ، وسيحرصون على أن يحمل اسمه نفسه ، وسيوثقون المجزرة بالصور .
٧٣ عاما لم يتعلم اليهود الناجون من مجزرة ( الهولوكست ) ، إلا أقلهم ، أي درس .
صباح الخير يا أبو يائير ، ولن تتعلم ، فانتظر هذا الطفل الناجي ، فقد تعمر كما عمر أبوك ، وقد تتذكر يومها قصيدة ( تيريه فيجن ) ولكن لا تتوقع من الطفل أن يتذكرها .
بعد ٧٣ من استقلال دولتكم ، هل شعرتم حقا بالاستقلال والأمان ؟
رحم الله الشاعر توفيق زياد الذي قال :
" إن من يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما ، إذا الميزان مال ؟
"
١٥ أيار ١٩٤٨
١٥ أيار ٢٠٢١
قصيدة " تيريه فيجن " للشاعر ( هنريك ابسن ) وقد كتبت عن الفيلم الذي أنجز عنها مقالا .
١٦
في نقد القصة القصيرة الفلسطينية
طه محمد علي قاصا :
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
عرف قراء الأرض المحتلة طه محمد علي ابن قرية صفورية شاعر قصيدة نثر بالدرجة الأولى ، ومن كان من أنصار هذه القصيدة تابع الشاعر وأشعاره ، ومن لم يكن من أنصارها ، مثلي أنا ، فإنه قرأ الشاعر ولكنه لم يتابعه متابعة حثيثة ولم يكتب عن نصوصه ، وربما ظل ينظر إليه على أنه شاعر عادي ، علما بأن محبيه ، مثل المرحوم الشاعر فاروق مواسي ، أشاد به إشادة كبيرة وتحدث عن اهتمام بعض المستشرقين به اهتماما لافتا ، لدرجة أن اقترحوا اسمه للترشيح لجائزة نوبل - والكلام على ذمة فاروق .
أول ما قرأت من قصائد لطه محمد علي كان تلك القصيدة التي أدرجها له الشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل في ديوانه الثالث " هي ... أو الموت " الذي صدر في العام ١٩٧٣ ، وكان عنوانها " عبد الهادي يصارع دولة عظمى " وهي قصيدة قصيرة لا تتجاوز الثلاثة عشر سطرا ، ونصها :
" في حياته ما قرأ ولا كتب
في حياته ما قطع شجرة ، ولا طعن بقرة
في حياته ما جاب سيرة النيويورك تايمس بغيابها
في حياته ما رفع صوته على أحد ،
إلا بقوله " تفضل ... والله غير تتفضل " .
*
ومع ذلك
فهو يحيا قضية خاسرة
حالته ميؤوس منها
وحقه ذرة ملح سقطت في المحيط
*
أيها السادة
إن موكلي لا يعرف شيئا عن عدوه
وأوكد لكم أنه لو رأى بحارة الانتربرايز
لقدم لهم البيض المقلي ولبن الكيس " .
وظلت القصيدة وعنوانها عالقين في ذاكرتي ، كما لو أنهما طه محمد علي كله .
حين طلب مني الروائي سليم البيك أن أشارك في الكتابة لملف يعده عن الشاعر سألته إن كان أحد المشاركين سيكتب عنه قاصا ، وهكذا قررت أن أعرف بطه محمد علي قاصا ، لا شاعرا ، فقليلون من قرائه ومتابعيه يعرفونه كاتب قصة قصيرة .
في الأعمال الكاملة لطه محمد علي التي صدرت عن " دار راية للنشر " ٢٠١١ ووقعت في ٤٠٠ صفحة تقريبا نقرأ تسع قصص قصيرة تحت عنوان " سيمفونية الولد الحافي " ما يكون " وقصص أخرى " ، واحدة كتبت في العام ١٩٥٥ وبقيتها كتبت ما بين الأعوام ١٩٩٥ و ٢٠٠١ .
القصة التي كتبها في ١ /١١ / ١٩٥٥ " قناني فارغة " ذات دلالة مهمة ، فهي تقول لنا إن طه بدأ قاصا لا شاعرا ، وإذا ما قرأنا بعض قصائده مثل " مذبحة على شواطيء عكا " و"شرخ في الجمجمة " ، وهما من قصائده المبكرة ، وذواتا أسلوب قصصي ، تأكدنا من غلبة روح القاص عليه على روح الشاعر الغنائي .
وهنا قد يثير دارس نصوص الشاعر السؤال المهم وهو :
- لماذا عزف الشاعر عن كتابة القصة القصيرة ومال إلى كتابة قصيدة النثر التي تقترب في أسلوبها من أسلوب القص ؟
ويتبع السؤال السابق سؤال آخر متعلق به وهو :
- لماذا عاد في منتصف تسعينيات القرن العشرين ليكتب القصة القصيرة ؟
وما يلفت النظر في كثير من قصص طه محمد علي أن بيئتها المكانية تمتح من قريته صفورية في أزمنة مختلفة يعود بعضها إلى زمن الانتداب البريطاني أيام كان طه طفلا ، ولكنها لا تقتصر على قريته ، فقسم منها يقص عن حياة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان ، حيث أقاموا بعد تشريدهم من وطنهم في العام ١٩٤٨ .
وبعض القصص تبدو أقرب إلى سيرة قصصية ذاتية للكاتب نفسه ، حيث يتوحد أنا السارد مع أنا الكاتب .
بالإضافة إلى ما سبق فإن روح الدعابة والسخرية تشيع في قسم منها ، كما تشيع فيها الروح الشعبية .
ونظرا لأن قراء كثيرين لم تتح لهم الفرصة لقراءة هذه القصص فسوف أستعرض بعض قصصها مبتدئا بقصة " قناني فارغة " باعتبارها الأقدم ، مع أن ترتيبها هو السادس .
" قناني فارغة " :
يكتب طه محمد علي في هذه القصة عن حمال لم يطور نفسه وظل يضع السل على كتفه ولم يشتر حمارا ينقل البضاعة عليه ، ما جعل زبائنه يتركونه إلى حمالين آخرين .
يبحث الحمال عن عمل فلا يجد ، وبينما هو يمر بورشة بناء يسأل صاحبها المتجبر فيكلفه بإحضار قناني فارغة مقابل مبلغ من المال ، وحين ينجز المهمة يقع فتتكسر ما يشعره بالقلق ، إذ ماذا سيقول لصاحب الورشة؟
لحسن حظ الحمال أن المتجبر يريدها كذلك ، وهكذا ينقذه الحظ من ورطته وتغريمه .
تبدو القصة عادية وليست الأفضل بين القصص .
" جاي يا غلمان " :
تأتي هذه القصة على حياة الناس في قرية صفورية وعلاقتهم ببعضهم ، علاقة أهل القرية بأهل حي تل العيد ، وهو حي من أحيائها ، فيروي نكتا عن أهل الحي ونوادرهم وسلبياتهم ، ومع ذلك يتشابه أهل الحي مع باقي أهل القرية في جوانب إيجابية .
أطرف القصص قصة زوجين لم ينجبا فيتبنيان سخلة ماتت أمها في السيل ويحرصان عليها ويسميانها زهرة .
في يوم من الأيام تخرج زهرة مع قطيع أغنام وتعود ، فتحلم أم زهرة بأن سخلتها حملت بوليد ولكنه يموت في البئر ، فيذهب أهل حي تل العيد ليعزوها بالفقيد . القصة التي تنتهي بالآتي قصة ساخرة جدا :
" وبينما كان العرق الساخن كزجاجة القنديل ، يتفصد من جبين أم زهرة ووجنتيها وأبطن يديها ورجليها .. ارتفع نحيب النسوة الشابات ، وجلجل زعيق العجائز الطاعنات ، يحرضن " جدة الفقيد " على إعطاء العزاء حقه !
- صابري؟ قومي إمعدي يا مشحرة
- الله يكون بعونك وعون أبو زهرة !
- والله لو قتلت حالك يا أم زهرة ما حدا لامك!
كل ذلك وزهرة رابضة على بعد خطوات من المعزين تجتر بهدوء ودعة ، وترمق الجميع ، بين الحين والحين ، بنظرات وديعات صافيات ، تخلو تماما من أي معنى ، وأظهر ما يبدو عليها أنها لا تعي مما يدور حولها قط شيئا " .
" دق ، دق ، ظلك دق ... ! "
هذه القصة قصة ساخرة جدا ، وهي تصور حياة القرية الفلسطينية في زمن الانتداب البريطاني وتأتي على واقع اللجوء الفلسطيني في مخيمات لبنان .
يأتي السارد أسعد على حياة متعلم فلسطيني ، هو الشيخ الأبيض ، تعلم أولا في الكتاب ، ثم واصل تعليمه في القدس وعاد ليدرس في عكا ، وبعد أربعة عقود حن إلى بلدته ، فعاد إليها ورمم بيت أهله فيها واستقر فيه ، وصارت له بين أهل البلدة مكانة معتبرة وغدت كلمته مسموعة .
ذات نهار يزوره في مجلسه شخص اسمه صالح كنعان ويطلب منه أن يعمل له وصفة عله يتخلص من وجع رأسه الذي عجز عن شفائه الأطباء ، ووعد الشيخ الأبيض - إن شفي - أن يعطيه " اللي تأمره " .
يرفض الشيخ الأبيض أي اعطية ويكتب له الوصفة الآتية :
" حلبة ، قرفة ، يانسون ، كمون ، محلب ، ملح ليمون ، وزعفران ، ملعقة صغيرة من كل عنصر ثم تضع العناصر جميعا في هاون ، وتعالجها بالدق ، حتى تصهر صهرا جيدا . تطحن تماما !"
و
" حط الخلطة كلها في الهاون ، ودق دق ظلك دق تتنعم منيح "
و
" بعد صلاتك وقبل نومك تفتح شباكك ، وتدلق خلطتك على فضاء خرابتك " .
يصغي السارد أسعد مذهولا لكلام الشيخ ، وتكون حيرته الثانية أكبر من حيرته الأولى ، إذ ينفذ الوصية تماما ، فيزف الخبر إلى الشيخ حاملا له " ديكي دجاج مسنين ، وعشر بيضات " .
في حرب ١٩٤٨ يهاجر أسعد إلى لبنان ويعمل معلما في مخيم عين الحلوة ، وتتضاعف كارثته حين يتقاعد في ١٩٧٨ فيلم به وجع راس مشابه لما ألم بصالح كنعان ، وهنا يتذكر وصية الشيخ الأبيض ، فيلجأ إلى تنفيذها وعبثا يتخلص من وجع رأسه .
تنتهي القصة بالآتي :
" - اسمع مني يا أبو فوزي ، يرضى عليك ، روح الصبح عند الشيخ اللي عنا في المخيم ، خلي يقرأ على رأسك آية الكرسي ويعملك حجاب ، وتطيب ، وتتريح من هالعذاب !
وانبرى فوزي :
- لا لا يابا ، بكرة أروح معاك ، نراجع الدكتور الكندي !
صفعت الليبي - أي ابنه - وبصقت بوجه أمه . لعنت أبا جارنا القديم صالح كنعان ، وشتمت أجداده. حرقت دين الشيخ الأسود سبع ثمان حرقات ، وعدت إلى منديل ، برمته حتى اتخذ شكل الحبل . ربطته حول رأسي الذي يكاد أن ينفجر ... واستأنفت صراخي مرددا : ( يا راسي يا راسي )" .
والخاتمة تقول كل شيء . إنها تسخر من صالح كنعان والشيخ الأبيض والوصفات الشعبية وهوس بعض المؤمنين بها ، والطريف أن الطب نفسه لم يشف صالح في حين أنه زعم أنه تخلص من وجع رأسه بوصفة مضحكة .
" سيمفونية الولد الحافي " ما يكون " :
هذه قصة طريفة جدا . إنها أقرب إلى سيرة ذاتية لطفولة طه محمد علي البائسة الفقيرة في زمن الانتداب البريطاني . يبدأ السارد خالد القصة بالمقطع الآتي :
" العشر سنوات الأولى من حياتي سرتها حافي القدمين ، غير أن مرارة إحساسي بالحرمان من الحذاء ، وطغيان رغبتي في الحصول عليه ، يوم حادث حذاء المغربي وحده ، فاقا والله ، كل عذابات الحذاء التي كابدتها في سني العشر مجتمعة !" .
زمن الكتابة هو ١٩٩٦ والزمن القصصي هو زمن الانتداب - أي قبل ١٩٤٨ ، فالعملة المستخدمة هي الجنيه .
كان خالد في طفولته فقيرا معدما لا يملك ثمن حذاء ، وهكذا كان يسير حافيا ، ولنلاحظ العنوان " سيمفونية الولد الحافي " ، وذات مرة يأتي مواطن مغربي يبيع أحذية بأسعار زهيدة ، ومع ذلك لم يكن خالد يملك الثمن ، وحين يحصل على المال ويذهب ثانية إلى البائع يكون الأخير باع ما لديه ولم يتبق معه سوى فردتين متشابهتين ، فالفردتان يمينيتان :
- يميني يميني ، ما يكون يميني ، بيعني الفردتين وأنا حر فيهن !
- لكن بزوز ( جوز ) يميني ما تحسن والو تمشي .
- ما يكون ما أحسن ! إنت مالك؟
بيعني وخلاص !
- الزوز يميني..
- ما يكون ، بيعني وما خصكش ! "
ويحصل خالد على الحذاء ، وحين يلبسهما يمشي فيقع غير مرة :
" - خالد! قال والدي بحزم ، إشلح هاي الكندرة!
فقلت وأنا أرتجف:
- ما هو.. ليش يابا أشلحها ؟!
- الفردتين يمينيات ، إشلح! "
وحين يرفض يصرخ به والده ويبكي هو ، ويكون الحذاء أثر عليه .
تعيد أم خالد القروش التي استدانتها من جارتها أم قاسم ، وتخبرها :
" والله يا أم قاسم ، خالد الليلة عينيه ما غضو النوم ، طول الليل حامي مثل النار يا ضنا ، وكل شوية يجفل ويصيح :" ما يكون " ! وينام دقيقتين وبعدين يهب ويصرخ :
- " ما يكون ، ما يكون ، ما يكون!!" .
" يسلموا دياتك يا أبو مصطفى " :
هذه قصة شخصية ومكان بالدرجة الأولى . إنها قصة صفورية وما اشتهر به أهلها وما برعوا به منذ أيام أبو يوسف النجار قبل ألفي عام ، وهي قصة النجار خضر محمد النجار المعروف بأبي مصطفى الذي كان ماهرا في عمل مختلف الأدوات الزراعية المعروفة ، بخاصة صناعة " القادم " ، والقادم هو " هيكل من خشب وحبال ، يزيد علوه قليلا عن المتر ، وله شكل سلم السيبة . يضم إليه في الحقول ما يزيد على أربعة أضعاف حجمه ، من أغمار حصاد القمح أو الشعير أو الفول ، أو من أكداس العدس أو... ويسار ب " القوادم " محمولة على ظهور الجمال أو الخيول أو البغال أو الأحمرة إلى البيادر ، حيث تكوم الأحمال ، وتهيأ للدرس والتذرية " .
وكان أبو مصطفى الذي يجتمع في منحرته معارفه وأصدقاؤه ويتحدثون في شؤون الدنيا والسياسة وسياسة بريطانيا اللئيمة التي ضحكت علينا وسلمتنا لليهود .
أبو مصطفى في نهاية نيسان يجد ويجتهد ويبرع ويتفنن في صنع القوادم والرسم والكتابة عليها لدرجة يشهد له بما يصنعه حتى من يسخرون أحيانا منه ، ويستعد لتسليمها لمشتريها يفاجأ بخبر تنشره الجريدة يقرؤه له الشيخ إبراهيم :
" صرحت مصادر مطلعة أنه وصل إلى البلاد عن طريق البحر ، هذا الأسبوع ألفا قادم جديد !
- خرب بيتك يا أبومصطفى ! ( وضرب أبومصطفى كفا بكف ) .
ألفين قادم ؟ يا ويلك من الله يا بريطانيا ، ألفين قادم بتدفن صفورية وكفر مندا معاها ! خرب بيتك يا أبو قرد ، يا أبو مصطفى!" .
وليت الأمر في سياسة بريطانيا اقتصر على أبو مصطفى ! لقد خربت بريطانيا بيت الشعب الفلسطيني منذ مائة عام وأكثر ، وما زال الفلسطينيون يتجرعون ويلات سياستها وويلات وعد بلفور المشؤوم
السبت ١٥ أيار ٢٠٢١
١٧
" ويافا حقائب منسية في مطار " :
عادل الاسطة
في الأسبوعين الأخيرين قرأت ديوان شعر الأسير أحمد العارضة " خلل طفيف في السفرجل " وسئلت من سامي أبو سالم - أستاذ من غزة - عن حضور يافا في أدبنا ، وأصغيت إلى قصيدة الجواهري الشاعر العراقي في يافا بعد أن زارها قبل العام ١٩٤٨ ، وكنت كتبت عن رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " التي حضرت فيها يافا ، حتى لتعد رواية مدينة بامتياز ، وقبل أعوام كتبت عن زياراتي للمدينة ، مازجا بين ما رأيته منها وما بقي عالقا في ذاكرتي مما قرأته عنها في الشعر ، وكنت قرأت عنها في أشعار راشد حسين ومحمود درويش وسيرة سميح القاسم الذاتية " إنها مجرد منفضة " وقصة أكرم هنية " دروب جميلة " ، وروايات وفاء أبو شميس التي ولدت في بلاطة لأسرة لاجئة " من أجل عينيك الخضراوين " ، ورشاد أبو شاور الذي روى ما سمعه من أبيه عن زيارته يافا قبل ١٩٤٨ " وداعا يا زكرين " وعاطف أبو سيف الذي عرف المدينة " الحاجة كريستينا " و " حياة معلقة " و " الجنة المقفلة " ، وأنور حامد الذي زارها " يافا تعد قهوة الصباح " ، والمتوكل طه الذي سمع حكايات المدينة من ابنها أبو صبحي ( إسماعيل أبو شحادة ) " وريث يافا " ، ونوال حلاوة النابلسية التي عاشت طفولتها في يافا " الست زبيدة " و د. إبراهيم السعافين في " ظلال القطمون " ، واللبناني إلياس خوري الذي قرأ عنها وتجول فيها عبر مشاهدة أشرطة فيديو " أولاد الغيتو : نجمة البحر " و " كأنها نائمة " .
الأدباء الذين انحدروا من أسر يافاوية هم وفاء وسعاد وعاطف وأنا ، وأما البقية فهم من ريف فلسطين أو من لبنان ، وأما أحمد العارضة فجده من يازور التابعة ليافا ، ولا أعرف عن علاقته بها إن كان قبل أن يسجن في العام ٢٠٠٤ زارها أو عمل فيها ، ولكنها في الديوان تبدو مدينته المنظور إليها يتغنى بها كما لو أنه ولد فيها ونشأ بين أحضانها . إن حضور يافا في الديوان لافت ، ولكننا بالتأكيد لا نعرف عنها قدر ما نعرفه بعد قراءة رواية العامري التي حين تصغي إليها تتكلم ، وهي المولودة في المنفى ، تصغي إلى لهجة أهل يافا الذين نشأوا فيها وحملوا معهم لهجتها إلى الشتات . وأنا أصغي إلى سعاد كنت أصغي إلى يافاوي تماما ؛ أصغي إلى جدتي وأبي وأعمامي ، وبعض أقارب أمي ممن ظلوا بعد النكبة في يافا .
عندما قرأت رواية أنور حامد لم أعثر فيها على يافا ، بخلاف رواية سعاد ، وعندما طلب مني إخوة الأسير باسم الخندقجي المولود في نابلس أن أقرأ مخطوطته " أنفاس امرأة مخذولة " أفصحت عن رأيي دون مجاملة : هذه رواية صلتها بيافا ضعيفة ولهجة شخوصها اليافاويين ليست يافاوية ، ولم أقرأ الرواية بعد صدورها .
المتابعات السابقة عن يافا تنقصها إشارات وإشارات ، أهمها أنني حتى اللحظة لم أقرأ روايات أحمد عمر شاهين التي كتب فيها عن مدينته التي ولد فيها وعاش هناك طفولته حتى نكبة العام ١٩٤٨ ، ولطالما لفت نظري إلى هذا عاطف أبو سيف ، وأهمها أيضا أنني لم أكتب عن يافا في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ، وكان غسان الذي ولد في عكا قضى طفولته في يافا وتعلم في مدارسها .
الأسئلة التي صارت تراودني هي :
- ماذا تعني يافا لكل من كتب عنها ؟
- لماذا تكاثرت الكتابة عنها في الأعوام الأخيرة ؟
- هل ثمة ما هو مشترك في الكتابة عنها بين الكتاب ؟
- ما الصورة التي بدت لها في النصوص متعددة الأجناس الأدبية ؟
ولن يخفى على أحد أن الصورة التي في قصيدة راشد حسين " الحب والغيتو " ١٩٦٤ ، وفي التقرير الذي ألحقه القاسم بسيرته ، وكان كتبه في ١٩٦٦ ، هي صورة صادمة حزينة تبعث الأسى في النفس ، وهي مختلفة تماما عن الصورة التي تظهر في قصة هنية ورواية العامري ، إذ الصورة هنا جميلة ومشرقة تبعث الفرح .
كتب راشد وسميح عن يافا بعد أن هجر أهلها وصارت مدينة أشباح ، وكتب هنية والعامري عما كانت عليه المدينة قبل عام النكبة ؛ أيام كانت مدينة مهنتها تصدير برتقال ، لا مدينة توزع الحشيش والخدر ، وهو ما صارت عليه بعد النكبة ، والتعبير لراشد حسين في قصيدته ، وأما وريث يافا الذي عاش حياته كلها في المدينة ؛ قبل العام ١٩٤٨ وبعده ، فقد حكى عن الصورتين ، ولطالما أصغيت إليه يتكلم عبر أشرطة فيديو والحزن يقطر من كلامه ويكاد يبكي ، ولن أنسى قوله : اشتمني واشتم أبي فقد أسامحك ولكني إن شتمت يافا فلن أسامحك .
تحضر يافا إذن في ديوان أحمد ، فكيف حضرت ؟
يتكرر حضورها في غير قصيدة أبرزها " حبيبتي " حيث يتكرر ست مرات يخاطب فيها المدينة ويبين مكانتها في قلبه " قبلة القلب الطري " التي كانت موطنه ، ولأجلها يصعد إلى الأعالي في القصيدة ليرتجل شعرا جديدا " يرتقي لبكاء يافا " . إنها خبز المخيلة الفقيرة للنبيذ وللطحين وللتصور وهي ماء القصيدة ، ومع ذلك فهي ليست قصيدة أو إرهاصا لشعره وليست في نثره تمارين الكتابة والمخاض . إنه منذ راودته ليس أبدا بشاعر . إنه مهاجر غربوه وشردوه وشيدوا بدياره كل المقابر . إنه ليس شاعرا لأن يافا هي يافا وهي كأنما أكبر من الشعر كله .
في قصيدة " خلل طفيف في السفرجل " فإن ما قاد الشاعر للنزف دهرا هو أن يافا بدت في دائريتها سفرجلة صغيرة . هنا لا يكتب عن يافا وحسب كمدينة تركت أثرا عليه وإنما عن رفات قراها المهجرة الشريدة ومصير أهلها المعلقين المقهورين . أهي صورة الشمس وهي تغرب وتسقط في بحر يافا أم بيارات برتقالها هو ما أوحى له بالشبه ؟
:
" خلل طفيف
حين تحتلط القرى فيه
بشامات السفرجل
ترتخي الأغصان مثقلة
وتهصر ثم يلتحم المشبه بالشبيه " .
كتب محمود درويش قصيدة " عائد إلى يافا " يرثي فيها " أبو علي إياد " ، وفيها ورد " ويافا حقائب منسية في مطار " والسؤال هو :
هل استرجع الكتاب الفلسطينيون في نصوصهم تلك الحقائب ؟
سيقرأ المرء عن يافا باعتبارها مدينة مركز في رواية إياد برغوثي ابن عكا في روايته " بردقانة " ، ومؤخرا أصدر عبد الكريم السطل ابن يافا المولود فيها والذي ما زال مقيما فيها ويبث باستمرار فيديوهات عن أحيائها : كيف كانت وإلام آلت ؟ أصدر روايته الأولى " عاشق البيارة " ، وكان من قبل أصدر كتابا كاملا مصورا عن المدينة .
الاثنين والثلاثاء
١٥ و ١٦ / ٥ / ٢٠٢٣ .
أسماء المصادر :
- أحمد العارضة ، خلل طفيف في السفرجل ، ٢٠١٣ والصدور ٢٠٢٢ .
- أسماء ناصر أبو عياش ، يافا أم الغريب ، ٢٠١٩ .
- أكرم هنية ، دروب جميلة ، ٢٠٠٧ .
- أنور حامد ، يافا تعد قهوة الصباح ، ٢٠١٢.
- إبراهيم السعافين ، ظلال القطمون ، ٢٠٢٠.
- إلياس خوري ، أولاد الغيتو : نجمة البحر ، ٢٠١٨ ، و كأنها نائمة ٢٠٠٥ .
- باسم الخندقجي ، أنفاس امرأة مخذولة ، ٢٠٢٠ .
- جميل السلحوت ، أميرة ، ٢٠١٥ ( تأتي على يافا بإيجاز وتكتب عن القدس أكثر وعن ريف يافا - بيت دجن ) .
- راشد حسين ، الحب والغيتو ، ١٩٦٤ .
- رشاد ابوشاور ، وداعا يا زكرين ، ٢٠١٦ .
- سعاد العامري ، بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ، ٢٠٢٠ والترجمة العربية ٢٠٢٢ .
- سميح القاسم ، إنها مجرد منفضة ، ٢٠١١ .
- عاطف ابوسيف ، حياة معلقة ، ٢٠١٥ . الحاجة كريستينا ، ٢٠١٦ ، الجنة المقفلة ، ٢٠٢١ .
- عبد الكريم السطل ، عاشق البيارة ، ٢٠٢٣ .
غسان كنفاني ، عائد إلى حيفا ، ١٩٦٩ .
- محمود درويش ، أحبك أو لا أحبك ، ١٩٧٢
- المتوكل طه ، وريث يافا ، ٢٠١٨
- نوال حلاوة ، الست زبيدة ، ٢٠١٥ .
- وفاء أبو شميس ، من أجل عينيك الخضراوين ، ٢٠١٦ .
- يحيى يخلف ، راكب الريح ، ٢٠١٦ .
١٨
غزة ( ٢٢٢ ) :
من دفاتر الشعر الجاهلي :
ذكرى مختلفة تماما للنكبة 76
تزداد الحرب اتقادا وتتضاعف الخسائر والكل يشكو . ذهب تذاكي بعض مؤيدي اتفاقية أوسلو سدى . هل تتذكرون الرأي :
- ما لنا لنا ولكم ، وما لنا لنا وما لكم لكم وما لكم لنا ولكم و ...؟
هل هذا ما عناه محمود درويش في " سيناريو جاهز " :
" ولم نتحاور ،
تذكرت فقه الحوارات
في العبث المشترك
عندما قال لي سابقا :
كل ما صار لي هو لي
وما هو لك
هو لي ولك !
ومع الوقت ، والوقت رمل ورغوة صابونة
كسر الصمت ما بيننا والملل
قال لي : ما العمل ؟
هرب الوقت منا
وشذ المصير عن القاعدة
ههنا قاتل وقتيل ينامان في حفرة واحدة
... وعلى شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو
إلى آخره !! " ؟ .
غالبا ما يراودني السؤال :
- ما نماذج الشعر الجاهلي التي أراد الشاعر أن يعلمها لأعدائه ؟
في الحرب كتب زهير بن أبي سلمى :
" وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها
قرى بالعراق من قفير ودرهم "
ولقد بعثوها ذميمة فازدادت اتقادا وضراما واكتووا أيضا بنارها ، فحسب إحصائيات تكرر أمس وأول أمس الرقم ٧ ، وأقر الإسرائيليون بقتيل و ٩٥ جريحا ، وما بعد ٧ أكتوبر ليس كما قبله .
المعارك تزداد عنفا والمواجهات صار يقال عنها : وجها لوجه ، والمقاومون يغنون أغنية الثورة القديمة :
" طالع لك يا عدوي طالع
من كل بيت وحارة وشارع "
وأهل جباليا صامدون يرفضون الهجرة والرحيل .
مساء الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
١٥ / ٥ / ٢٠٢٤
١٩
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 2 :
نور الدين حجاج / روائي
فيما أورده عاطف ابوسيف فإن نور الدين حجاج ولد في ٣١ / ١ / ١٩٩٦ وارتقى في ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ - أي وهو في السابعة والعشرين من العمر .
لنور الدين روايتان هما " غريب وغريبة " و " أجنحة لا تطير " .
في يومياته التي نشرها له عاطف في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " يكتب عن قسوة الحياة في الحرب . عن الطوابير وضيق المكان والخوف من الصواريخ والموت في أية لحظة . في غزة تنعدم الاتجاهات " تهرب من صوت صاروخ خلفك فيتلقفك آخر أمامك . في غزة لم يعد هناك اتجاهات أربعة ، لأن جميعها أصبحت تطل على ذات المشهد وهو " الدمار " . " .
يفصح نور الدين عن حبه الحياة ما استطاع اليها سبيلا ، وينشد الحياة ليكتب ويوصل صوته للعالم " أرفض أن يكون خبر موتي عابرا " يكتب ، بخلاف فاطمة حسونة التي أرادت أن يكون موتها صاخبا . يكتب يومياته في الحرب معتقدا أن تكون رسالته الأخيرة التي تجوب العالم الحر [ لو امتد به العمر حتى اليوم لاقتنع أن هذا العالم ليس حرا على الإطلاق ] " تعبنا يا الله . لينته كل هذا عاجلا ليس آجلا .. يا رب " ولا جنازات في غزة فالعائلة كلها ترافق الميت معه إلى القبر .
فيما كتبه نور الدين في ٧ / ١١ / ٢٠٢٣ - قبل ٢٦ يوما من ارتقائه رأى أن غزة الآن تشبه رواية " العمى " ل ( جوزيه ساراماغو ) ، مع اختلاف طفيف هو أن " المرض المنتشر بيننا الآن هو الاحتلال وليس العمى . لكنها تتشابه بشكل كبير مع ... المجاعات ... الأمراض ... المكاره الصحية ... الكوارث ... نفاد المنتجات ... الخوف ... الدمار ... . ما كان خيالا صار الآن واقعا ... بفعل قوة قاهرة ... ومع كل هذا السوء ، الجميع يخشى أن تسوء الأمور أكثر " .٠
وما تنبأ به نور الدين وقع . ارتقى قبل أن تنتهي الحرب وساءت الأمور أكثر وأكثر وأكثر .
١٥ / ٥ / ٢٠٢٥
٢٠
15 / 5 / 2026