إسماعيل آل رجب - تلاشي الخط الفاصل بين الوعي والجنون

المقدّمة:

تُقدِّم كنانه عيسى في قصتها "زهايمر سياسي" عالماً سردياً مكثفاً، تُحيلُ مفارقاته إلى واقعٍ مرير، حيث يتشابكُ الجنونُ مع الحكمة، والوعيُ مع النسيان، والصراعُ الجيلي مع الانهيار الأخلاقي. من خلال شخصيتيْ أم سالم وسالم، تنسج الكاتبة نسيجاً من الرموز والدلالات التي تتعمق في قضايا السلطة، والرأسمالية، والاغتراب الإنساني.

صراع الواقع والنسيان في عالم مُفارِق

1. المفارقة كأداة سردية فاتنة:

أولاً. الجنونُ وَهْمٌ، والعقلُ وَهْمٌ: تَقلُب القصةُ التصورَ التقليديَّ للمرض العقلي رأساً على عقب. أم سالم، المُتهمة بالزهايمر، تبدو أكثرَ وعياً بالواقع السياسي من ابنها "العاقل".

ويبدو ذلك جليّا من خلال لعناتُها للمتحكّمين بالسلطة في العالَم والإرهابيين، وتهديداتُها لمجلس الأمن، ولا يُعتبر ذلك هذياناً، بل صرخةٌ ضدَّ عالمٍ يَستسهلُ نسيانَ جرائمه. بينما سالم، الذي يسعى إلى مصنع مواد تنظيف عبر علاقته مع "أبي نريمان" الرأسمالي، يُظهرُ جنوناً من نوعٍ آخر: جنونَ الانسلاخ عن الإنسانية لصالح المصلحة الفردية.

ثانياً. الزهايمر كاستعارة جماعية: الزهايمر هنا ليس مرضاً فردياً، بل مرآةً لمجتمعٍ يُمارسُ النسيانَ كآلية بقاء. الأم تُذكِّرُ بالحقائق المنسية (الحروب، الحصار، الدماء)، بينما الابنُ يُمثِّلُ جيلاً يغسلُ ذاكرته بماء الرأسمالية، مُفضِّلاً "تنظيف" الواقع بدلَ مواجهته.

2. تيار الوعي وعصف المشهد:

أولاً. السرد كصراخٍ من زنزانة: تُحاكي لغةُ القصة انفجارَ الوعي المكبوت. صوتُ أم سالم "العميق القديم" الذي يشبه "صراخاً من زنزانة أرضية" ليس مجرد وصفٍ لحالتها، بل رمزٌ لصوت المهمشين المُقيَّدين بأغلال النظام العالمي. تتدفقُ أفكارُها بلغةٍ حادةٍ (شتائم، لعنات، تهديدات) تعكسُ عنفَ الواقع الذي ترفضُ تخديره.

ثانياً. الابنُ والانهيار الداخلي: في المقابل، يُقدَّم سالم عبر سردٍ خارجي يُظهرُ تناقضاته. حواراتُه مع أمه تكشفُ انزياحه نحو تزييف الحقائق.

ثالثاً. الليبرالية الزائفة: "ليبراليته المستحدثة" التي تخدم مصلحته، بينما آراءُ الأم "المتطرفة" تُحرجُ وهمَ الاعتدال الذي يتخفى وراءه.

3. الرأسمالية والموت الرمزي:

أولاً. مصنع مواد التنظيف: استعارة سوداء: سعيُ سالم لامتلاك مصنع مواد تنظيف يكتسبُ دلالةً تهكمية. الموادُ التي يُنتجها ستُطهِّرُ السطحَ وتخفي الأوساخَ تحته، تماماً كما تفعل الرأسماليةُ في تنظيفها الواقعَ من الدماء. النهايةُ المأساوية لسالم (مهشَّمَ الرأس) تُشير إلى أن "التنظيف" الوحيد الذي سيحصل عليه هو تنظيفُ وجوده نفسه.

ثانياً. أبو نريمان: السلطة الخفية: شخصية أبي نريمان المتنفذة تُجسِّدُ تحالفَ السلطة والمال. تجاهلُ سالم لتحذيرات أمه منه يؤكدُ سذاجةَ من يظنُّ أن التحالف مع الوحوش لا يُفضي إلا إلى افتراسه.




4. المُفارِقة في النهاية هي انتصار الصوت المقهور:

في المشهد الأخير، تُقدَّمُ أم سالم وهي تستمع لبرنامج "عين على الشرق الأوسط"، بينما ابنُها يلفظُ أنفاسه. هزيمتُه الجسدية مقابل صمودُها الرمزي تُكرِّسُ انتصارَ الحقيقة المُتَّهمة بالجنون. عبارتُها الأخيرة: "اخرس يا مجرم، ابني سيأتي ويقوم باللازم" تُحمَّلُ بسخريةٍ مريرة: "اللازم" هنا هو موته هو نفسه، وكأنها تقول إن النظامَ الذي آمن به سيُجهز عليه.

5. تيار الوعي وتفكيك الزمن:

تخلعُ القصةُ الزمنَ الخطيَّ لصالح زمنٍ نفسي. ذاكرةُ أم سالم (المُتهمة بالزهايمر) تُعيدُ تركيبَ الأحداث السياسية بوعيٍ أعمق من "العقلاء"، بينما حاضرُ سالم المُنهار يُعلنُ فشلَ الزمن الرأسمالي المُتسارع. هذا التفكيكُ يُذكِّرُ بتقنيات **فرجينيا وولف ، حيثُ يصبحُ الوعيُ الفردي نافذةً على وعيٍ جمعي.

وأخيراً وليس آخراً:

"زهايمر سياسي" ليست مجرد قصة عن مرضٍ أو صراعٍ عائلي، بل هي نقدٌ لاذعٌ لعالمٍ يُحوِّلُ الحقيقةَ إلى جنون، واللامبالاةَ إلى عقلانية. الكاتبة تطرحُ سؤالاً وجودياً: منْ هو الأجنحُ إلى النسيانِ حقاً: المُتهمونَ بالزهايمر، أم منْ يغسلونَ أيديهم من دماء التاريخ؟ القصةُ تُعيدُ تعريفَ العقل والجنون في زمنٍ أصبحتْ فيه المواجهةُ مع الواقعِ أشبهَ بصراخٍ في زنزانة.

=================

**فرجينيا وولف :
أدالاين فيرجينيا وولف، كاتبة إنجليزية، ولدت في 25 يناير 1882 وتوفيت في 28 مارس 1941. تعتبر من أبرز أيقونات الأدب الحديث في القرن العشرين. كانت من أوائل الرواد في الأدب الحديث. اشتهرت بكتاباتها التي استكشفت أعماق النفس البشرية و استخدمت تقنيات سردية مبتكرة. أعمالها لا تزال تحظى بشعبية واسعة وتأثير كبير على الأدب والفكرالعالميين.

===========

زهايمر سياسي

قصة قصيرة


للكاتبة كنانه عيسى

لأم سالم حاجة ملحة في متابعة الأخبار بصوت عالٍ ،فهي لا تسمع جيدًا وترفض ارتداء سماعة مناسبة أيضًا، تحيطها الهلاوس من كل صوبٍ، و صوتها العميق القديم يشبه صراخًا من زنزانةٍ أرضيةٍ بعيدةٍ،ولا سيما وهي تلعن القادة و الإرهابيين ،وتسب الشعوب وتهدد مجلس الأمن الدولي بالعذاب و تلعن هيئة الأمم المتحدة كل يوم.


هكذا يهيء لسالم الذي لا يصدق حكاياها ويتّهمها بالخرف ،و رغم أنها تخبره بكل ما يجري في العالم برشاقة غريبة إلا أنه يزدري هوايتها ويشعر بالغبن لأنها يجب أن تموت منذ وقت طويل، وهي لا تفعل ذلك، إنّها مصرة على إفساد حياته بصراخها على الأقل كلما احتاجت كأس ماء أو كلما أوشكت على الانقلاب من على كرسيها المتحرك ،أو كلما انتهت نشرة إخبارية أخرى عن الشرق الأوسط، والأكثر مرارة هو آراؤها السياسية المتطرفة التي لا توائم ليبراليته المستحدثة والنابعة من أفكاره الرأسمالية المستحدثة أيضًا

-سيغدو لدي مصنع كبير لمواد التنظيف ،عندما أوطد علاقتي مع أبي ناريمان.


تضحك بصوت جهوري وتقول له:

-لكنك لا تحب هذه الغبية المسكينة التي لم تنجح حتى في الثانوية العامة!! يا لك...من أحمق!

يسد أذنيه وهي تمطره بوابل الشتائم التي تعوّد عليها والتي طالت ناريمان وأمها و والدها كذلك ،الخرف لا يرحم مرضاه.

قالت له أن أحدَا يتسسلل للمنزل في غيابه لكنه لم يصدقها كذلك.فأمّه امرأة مصابة بالزهايمر،و برامج الحوار السياسية زادت حالتها سوءًا.إنَّها في مراحله الأخيرة.

يفكر الآن وهو ملقى على أرضية غرفة الجلوس يلفظ أنفاسه الدامية من رأس مهشم و أمه تستمع لبرنامج

( عين على الشرق الأوسط) وهي تطرق جهاز التحكم على طاولة القهوة بحقدٍ، متضايقة من أنينه فتقول له :

دعني اسمع برنامجي المفضّل جيدًا ...اخرس يا مجرم، ابني سالم سيأتي عما قليل ويقوم باللازم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى