ضحى أحمد الباسوسي - "اقتربي، خذي مكاني إن غبت!"

رايتك يا أبي... لم أختر يوماً أن أكون وريثتها ووريثة حروفها، لم أكن على إستعداد لحمل الشعلة التي سقطت منك فجأة وعلى غفلة، دون أن تهمس لي بكلمة وداعٍ أخيرة، دون أن تضع يدك على كتفي وتقول: "اقتربي، خذي مكاني إن غبت!"
وها أنت ذا رحلت... وغبت واخذت معك أمان الروح، وأنا استيقظت على وقع الأسماء التي أحبّتك، وجدتها تطرق بابي، تسأل عنك، فلا تجدك، وجدتني كأنك سلمتني العالم، وأنت تعلم أنني ما زلت أتعلم النطق باسمك دون أن أبكي...
صفحتك... صارت صفحتي
أصدقاؤك وقراؤك ومحبيك... صاروا اليوم أهلي
عالمك... صار عالمي
كلماتك... صارت مرآتي
لكن، كيف أكتب يا أبي، ويدي ما زالت ترتجف من برد الفقد؟ كيف أبدأ، وقد انطفأت نجمة الدليل؟
لم تخبرني أن الورق قد يصير كفناً، وأن الحبر قد يصبح مراثي، وأن الراية تُسلَّم أحياناً دون وداع
أصدقاؤك، قراؤك، وعشّاق حرفك، حين غاب وجهك يكتبون لي وكأنهم يكتبون لك، يشدّون على يدي وكأنهم يحتضنونك من خلالي، أتعلم بأنهم قالوا لي: "نحن نراه فيكِ، وكأن صوته يسكنك، وكأن حرفه يتكئ على كتفك."
لكنهم لا يعلمون أنني كلما هممت بالكتابة، وجدت الدمع يسبقني، وأنني حين أُمسك بالقلم، يُمسكني الحنين!
نعم يا أبي، كنتَ ظلي، وها أنا صرت ظلّك، أمشي في خطاك بخطى مُ بعثرة ومتعثّرة، أبحث عنك بين السطور وفي وجوه من يحبونك؛ اله يا أبي كم كنت غنيًا بهم، وكم أنا اليوم فقيرة إلا من حضورك فيهم، ولكنك تركتهم لي أمانة، يسندونني حين تتهاوى المعاني تحت ثقل الحزن لأجدهم يُنادون عليِّ "أنتي خليفته!" لكنهم لا يعلمون أنني أؤمن بأن لا خليفة لك من بعدك وأنني لا أراك إلا بين سطورك، ولا أراك إلا في صمتك الأخير...
كيف أكتب، وأنت لم تعلمني كيف أتنفس من بعدك؟
كيف أبدأ من حيث انتهيت، وأنا انتهيت يوم رحلت؟
لكنك أبي، وسأحاول أن أكون صوتك وإن غاب...
فها أنا ذا، أكتب، لا لأنني أقدر، بل لأنك تستحق أن يُكمَل الطريق، حتى وإن خفتت الأقدام وتاهت الخطوات، سأكمل يا أبي مُرغمة، سأمضي وأخبرهم كل يوم أنك كنت هنا، وأنك ما زلت، في كل نبضة حرف...
أعدك يا أبي، أنني سأسير على خطواتك، لا لأنني قوية، بل لأنك زرعت فيّ بذور الحرف إلقاء الكلمة، وسقيتها من صدقك فيِّ وإيمانك بيِّ، سأكتب، لا لأني أريد، بل لأني مدينة لك، ولهم، ولكل من قال لي: "لا تدعي النور ينطفئ!"
فيا غائبي الحاضر... يا من رحلت دون أن تُريني كيف تُكمل القصيدة بعد أن يموت الشاعر، أعدك أن أكتب، حتى لو كانت كل كلمة وجعاً، وكل سطر نحيباً...
أعدك أن أكون صدى صوتك، ما دمتُ أتنفس!

ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى