أدب السجون أ. د. عادل الأسطة - موضوع أدب السجون: كميل أبو حنيش نموذجا -1-

-1-


في كتابه " الكتابة والسجن " يكتب الأسير كميل أبو حنيش الذي صدر له ، حتى اللحظة ، سبع روايات ، يكتب عن موضوعات رواياته من أين استمدها .
أنفق كميل من عمره ، حتى الآن ، في السجون ، ما يقارب العشرين عاما وخلالها أصدر رواياته ، وهذا قد يشكل مدخلا مهما للنظر في الموضوعات التي يكتب فيها كاتب يعيش في عالم محدود لا يختلط فيه إلا بالشخوص ذاتها تقريبا ، عالم يفتقد الشرائح الاجتماعية العريضة التي غالبا ما كانت مرجعا للروائي ، فالروائي كما كتب خليل بيدس في مقدمته لقصصه " مسارح الأذهان " ( ١٩٢٤ ) " إن لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم ، أو لم يكن منهم ، أو لم تكن فيه قوة الصورة وبراعة الوصف ، ولم يكن فيه النظرة الأدبية الصادقة إلى كل حادث ، والارتياح التام بل الكلف التام ببعثه ، وإن لم يسر بعمله على الدوام إلى الأمام ، إلى أعلى درجات الكمال ، ولم يكاشفه الإلهام والوحي والنبوة ، فليس بروائي عبقري " والعبارة المهمة هنا " إن لم يعاشر العامة " ومعاشرة العامة للأسير منعدمة .
قبل الخوض في موضوعات روايات كميل يجدر التوقف أمام السجن في كتابات الكتاب الذين أتوا في أعمالهم عليه أو مروا بتجربة السجن ، ولكي لا يتشتت المرء يمكن هنا أن يحدد مساحة جغرافية ما ينظر في نصوصها التي أتت على الموضوع ، وهنا أقصر المساحة على البيئة الفلسطينية .
لم تلفت الكتابة عن السجن في الأدب الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ الأنظار ، أو أن الدارسين لم يمعنوا النظر في الكتابات بما فيه الكفاية ، ولهذا لم يخوضوا فيها ، ومن يتتبع الأدبيات الفلسطينية الصادرة قبل العام ١٩٤٨ يعثر على نماذج قليلة أتى كتابها فيها على عالم السجن ، على الرغم من أن السجون أقيمت في فلسطين منذ عهود سابقة .
أول هذه النماذج كانت نماذج روائية صدرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ، وكان زمنها الروائي يعود إلى فترة الحكم العثماني الذي انتهى مع انتهاء الحرب العالمية الأولى في العام ١٩١٨ .
في هذه الروايات يرتد الزمن الروائي إلى ما قبل العام ١٩١٨ ويتوقف عنده . هنا أشير إلى روايتين هما رواية إسكندر الخوري البيتجالي " الحياة بعد الموت " ( ١٩٢٠ ) ورواية نجيب نصار " مفلح الغساني " ( ؟ ) .
لم تقتصر الكتابة في الروايتين على عالم السجن ، والصحيح أن الكتابة عن السجن فيهما كانت صفحاتها قليلة ولكنها حاضرة ، ويبدو أن كلا الكاتبين عاش فترة محدودة من حياته في سجون الأتراك ، فكتب عنها واصفا حياته في السجن وعلاقته به وبنزلائه أيضا ، فرواية نصار أقرب إلى السيرة الروائية منها إلى الرواية الفنية ، وكان هو اعتقل لفترة وأنزل السجن ، وأما في رواية البيتجالي فقد أتى مؤلفها على سجن إحدى شخصياتها ، وهو نجيب ، لفراره من الجندية .
والطريف اللافت أن الروايات الفلسطينية التي كتبت في فترة الانتداب البريطاني ، وهي قليلة عموما ، لم يكن لتجربة السجن فيها حضور ، علما بأن سلطات الانتداب زجت بآلاف الفلسطينيين في السجون . ( هنا يمكن أن يشار إلى قصيدة الثائر النابلسي عوض التي كتبها ليلة إعدامه على جدار زنزانته " ظنيت إلنا ملوك تمشي وراها رجال " وإلى قصيدة إبراهيم طوقان " الثلاثاء الحمراء " التي كتبها يصور فيها إعدام الفلسطينيين الثلاثة محمد جمجوم وفؤاد الزير وعطا حجازي في العام ١٩٢٩ . إن ما كتبه طوقان وغيره من شعراء تلك الحقبة عن السجن لا يكاد يذكر ، وبالتالي فلا يمكن أن يكتب المرء عن موضوع السجن في نصوصهم .
يمكن هنا التوقف أمام القاص نجاتي صدقي . لقد اعتقل وسجن ، وأتى في مذكراته التي نشرت في فترة متأخرة ، على ما مر به ، وتحديدا في الفصل الخامس الذي عنوانه " في الطريق إلى السجن " .
كان اعتقال صدقي مثل اعتقال نجيب نصار . اعتقل ليقدم إلى المحاكمة فزج بهما في السجن وأنفق الأول أكثر من عام فيه . كلاهما وصف السجن والحياة فيه من الداخل . وصف المكان والنزلاء والعلاقة بينهم والطعام والسجان وقسوة الحياة .
الفترة التي تلت نكبة العام ١٩٤٨ كانت قاسية صعبة على الفلسطينيين ، وقد تعرض فيها أدباء عديدون للسجن ؛ تحت الحكم الإسرائيلي والحكم المصري والحكم الأردني أيضا وربما في سورية ولبنان . سجن أدباء عديدون وكتبوا عن تجاربهم في السجن ، ولكن كتابتهم لم تقتصر على عالم السجن وحسب ، فقد خصصوا لها صفحات .
بعد العام ١٩٤٨ سجن محمود درويش وتوفيق زياد في إسرائيل ، وسجن معين بسيسو في مصر ، وسجن الشيوعيون في الأردن ، وكتب هؤلاء عن تجاربهم . كتب الشعراء قصائد قليلة ، ففترة سجنهم محدودة ، ومن كتب سيرته الذاتية ، كمعين بسيسو ويعقوب زيادين ، فقد أتى بالتفصيل على السجون التي أقام فيها وكتب عن علاقته بالسجان والسجناء والأهل ؛ عن الصامدين ونشوة الانتصار على السجان وعن المتساقطين والعار الذي لحق بهم .
بعد حرب ١٩٦٧ واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ازداد عدد السجناء وعدد السجون وصار عالم السجن حاضرا في حياة الفلسطينيين ، كما لم يكن من قبل . عشرات آلاف الفلسطينيين ، بل مئات الآلاف منهم ، زجوا في السجون ، فكتبوا رسائل لأهاليهم وكتبوا أشعارا وقصصا قصيرة عبرت عن معاناتهم ، وهذا ما افتقده فن الرواية لندرته ، فالروايات التي صدرت حتى العام ١٩٨٧ تعد على أصابع اليد .
هنا يمكن التوقف أمام روايتين ؛ واحدة لإميل حبيبي هي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل " ( ١٩٧٤ ) وأخرى لسحر خليفة هي " الصبار " ( ١٩٧٦ ) ، وكلتا الروايتين لم تشغل الكتابة عن السجن فيها مساحة كبيرة تذكر . ربما لا تزيد الكتابة عن بضع صفحات ليس أكثر . كتب حبيبي عن عالم السجن ، ولست متأكدا من أنه مر بتجربة السجن ، وكتبت سحر خليفة أيضا ، لا عن تجربة شخصية بل عن تجربة شخصياتها الروائية ، وكما عرفت فإنها اعتمدت على ما قصه عليها بعض معارفها عن السجن من الداخل .
سننتظر عشر سنوات لنقرأ روايات كتبها سجناء وصفوا فيها معاناتهم في السجن أو ما شاهدوه ومروا به . هنا يمكن أن أشير إلى روايتين صدرتا في بداية تسعينيات القرن العشرين هما " ليل البنفسج " لأسعد الأسعد و " الشمس في ليل النقب " لهشام عبد الرازق .
سجن أسعد لفترة وسجن هشام لسنوات . كانت الكتابة في رواية الأول عرضية ، فيما شغل عالم السجن في رواية الثاني المساحة كلها ، وإذا كان الأول واصل كتابة الرواية وما عاد موضوع السجن يحضر فيها ، فإن الثاني لم يواصل فيما أعلم كتابة الرواية شأنه شأن سجناء كثر عبروا عن تجاربهم في عمل واحد ليس أكثر ، فهم سجناء كان قصدهم التعبير عن تجربتهم وتدوينها ولم يرموا إلى أن يصبحوا أدباء محترفين ، وهم كثر ، ويمكن أن يتقصى باحث ما ظاهرة السجناء الذين دونوا تجاربهم في عمل أو اثنين ثم توقفوا عن الكتابة . هؤلاء ليسوا هم محل دراستي . إن ما أرمي إليه في هذه الورقة هو السجناء الأدباء الذين احترفوا الأدب وكتبوا عدة روايات . هل اقتصرت موضوعات رواياتهم على عالم السجن أم أنهم طرقوا موضوعات أخرى ومن أين استمدوها ؟ هذه قضية مهمة من وجهة نظري ، فعالم السجن عالم محدود ويمكن أن يحد من انتشار الروائي إن اقتصرت كتابته عليه .
لمحمود درويش في جدارية أسطر يتساءل فيها عن مصدر الشاعرية . " من أين تأتي الشاعرية ؟ " ويجيب :
- من ذكاء القلب أم من فطرة الإحساس
بالمجهول ؟ أم من وردة حمراء
في الصحراء ؟
لا الشخصي شخصي
ولا الكوني كوني " .
أشير هنا إلى كتاب قرأت لهم لم يصدروا أعمالا كثيرة ، أشير إلى عائشة عودة وحسام شاهين وعصمت منصور . الأولى كتبت عن تجربتها في السجن في جزئين وأصدرت مجموعة قصصية واحدة ، والثاني كتب رواية عن حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال في مخيم مركزا على قضية المتعاونين وطرق إسقاطهم ، وكتابا ثانيا هو مجموعة رسائل " رسائل إلى قمر " ، والثالث روايتين الأولى منهما " الزنزانة " يصف فيها الزنزانة في السجن وحياة الأسير المعاقب والمزج به فيها . إنهم كما يلاحظ لم يكتبوا روايات عديدة تغري بتتبع موضوعاتها للكتابة تحت هذا العنوان - أي موضوعات رواية الأسرى / الموضوع في رواية الأسرى .
هنا إنتقل إلى الكتابة عن كاتبين مر على اعتقالهما ما لا يقل عن عشرين عاما واصدر كل واحد منهما روايات عديدة ، وهما باسم الخندقجي وكميل أبو حنيش وموضوع روايات كل منهما ( مثلهما وليد الهودلي ) .
اللافت في روايات باسم أنها قلما أتت على موضوع السجن ، وهذا بحد ذاته مثير وباعث على التساؤل . لماذا لم يقارب باسم تجربته في السجن في أغلب رواياته ولجأ إلى التاريخ ليكتب فيه أو إلى الكتابة عن عالمه خارج السجن أو إلى الكتابة عن أماكن لم يقم فيها أو إلى قراءة روايات لم ترق له طروحاتها فعزم على نقضها ؟ هل قرأ أعمالا كثيرة سابقة لسجناء لا تختلف تجربته عن تجربتهم ورأى أنه سيكتب معادا مكرورا ، فآثر الكتابة عن عوالم مختلفة لتتميز كتابته عما هو مألوف ؟
إن الكتابة عن عوالم تستحضر من الكتب يجعل منها كتابة على الكتابة ويجعل الرواية رواية ذات مبنى ذهني لا رواية خارجة من الواقع ومن القلب لتدخل إلى القلب ، وهنا أتذكر رأيا لافتا مهما لغسان كنفاني أبداه وهو يكتب عن مجموعة قصصية للأديب الروسي ( شولوخوف ) وأتى فيه على الفارق بينها وبين كتابات الأدباء العرب ، ومما كتبه :
" إن روعة هذه المجموعات من القصص هي أنها تأتي في وقت يتدفق فيه إنتاج " الموهوبين " العرب حول قضايا مماثلة تقريبا ، وهو أدب أقل ما يمكن أن يقال فيه هو أنه " أدب الهوهو " ، أدب فهد بلان " وصح يا رجال " أدب " الأويها " وال " ولي ! " ، وربما كان سبب ذلك هو فقدان الموهبة أولا ، وثانيا ان معظم كتابنا " لا يحيون حياة الشعب " ، ولا يتألمون لآلام الناس ولا يفرحون لأفراحهم ، لا يدخلون إلى اهتماماتهم وحاجاتهم ( ولذلك ) فإنه لا يخرج من بين أيديهم كتاب حقيقي يثير الانفعال في قلوب القراء " صح يا شولوخوف !" ( مقال " شولوخوف والالتزام وأدب صح يا رجال ) .
إن العبارة اللافتة في الفقرة المقتبسة هي " إنهم لا يحيون حياة الشعب " . هنا نتذكر عبارة بيدس " إن الروائي إن لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم .. ليس بروائي عبقري " .
والروائيان المشار إليهما - أي باسم وكميل - لم يعزلا نفسيهما عن حياة العامة وحياة الشعب بمحض إرادتهما . لقد ضحيا في أجمل سنوات عمريهما من أجل الشعب والناس ، فوجدا لهذا نفسيهما معزولين عن الشعب بعيدين عن أبنائه مقيمين في بيئة محدودة محاصرة وهنا يجدر التوقف لملاحظة الموضوعات التي كتبا فيها ، ولما كنت أشرت إلى روايات باسم فإنني هنا سأتوقف أمام روايات كميل ... .

يتبع

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى