ماريو بركَاس يوسا - وجهة النظر السردية في رواية "مدام بوفاري". (الجزء الأول) ترجمة: د. عبدالجبار العلمي..

(الجزء الأول)

من يروي قصة "مدام بوفاري" ؟
إنهم عدة رواة تتغير أصواتهم بشكل خفي ودقيق بحيث لا يكاد القارئ يحس تغيرات المنظور السردي ـ ويكون لديه انطباع بأن الراوي هو واحد ـ وكما في المستويات الزمنية (1)، فإن الأهم هو وجود عدة رواة، أي الوظيفة المتباينة المعهود بها إلى كل واحد منهم ، وطريقة يتناوب من خلالها الرواة عملية السرد من راو إلى آخر . في اللحظة التي يتم فيها هذا التناوب، وبالشكل الحذر الذي يتم به، يكون أكثر حسما كما لو أنه يتم لكي يمنح المادة السردية قدرة الإقناع . هؤلاء هم رواة "مدام بوفاري" ، أو بعبارة أوضح : الأقنعة المختلفة للراوي الهلامي:
أ ـ الراوي ـ الشخصية بضمير الجمع . أو "النحن العجيب" :

1746968619757.png


من هو الراوي الذي يختفي وراء ضمير المتكلم ـ الجمع والذي يبتدئ الحكاية ؟ يتعلق الأمر بشخص ما يوجد هناك . يشكل طرفا في العالم الروائي . إنه يسمع ، وبدون شك يحدث الضجيج الذي يستقبل به التلاميذ الصبي البدوي . وفيما بعد ، سيعيش معه الأعوام التي قضاها شارل في المدرسة :
"يستحيل على أحد منا أن يتذكر الآن شيئا عن "شارل بوفاري"ـ على أنه كان عادي المزاج والطباع . يلعب في فترات الفراغ ، ويستذكر في الحجرة المخصصة لذلك ، ويصغي بانتباه في حجرة الدرس ، ويأكل في المطعم ، وينام في العنبر"(2 )
ليس هناك أدنى شك في أن الذي يتحدث هو شخص أكثر من مجرد راصد ، بل إنه مشارك فعال ، شريك . شخصية من شخصيات الرواية . إن وجهة النظر الفضائية هاته ـ الراوي المتموضع داخل العالم السردي ـ الأكثر قدما في الرواية ، يبدو أنها اختيرت بدافع من الرغبة في الواقعية .هذا ما كان يحدث في الرواية الشطارية ، حيث يروي البطل حياته الخاصة ، وتصل الحكاية إلى أعلى درجة من الصدق لأن من يحكيها شاهد ذو امتياز. شخص ما يحكي عن علم ومعرفة بحجة : كنت هناك ، كنت متيقنا . عشت ما حدث . إن السرد يتبنى ما يشبه وثيقة تاريخية . بيد أن الأشياء هنا لا تحدث بنفس الطريقة ، ذلك أن ساكن هذا العالم الروائي لا يتحدث عن نفسه ، بل يتحدث عن كل شيء عداه إنه هنالك ، ولكننا لا نراه . إنه لا يعدو أن يكون زاوية رؤية للرواية ، أي رؤية وذاكرة تنقلان ما رآه وعرفه خلال لحظة معينة دون أن يبدو للعيان . إن هويته عجيبة ، ليس فقط نظرا لتحفظه فيما يتصل بشخصه ، بل لأنه يتحدث انطلاقا من ضمير الجمع ، الأمر الذي يوحي بأنه ليس شخصية واحدة بل عدة شخصيات . يمكن أن يتعلق الأمر براو جماعي . إن " النحن" في الفصل الأول يخفي غالبا مجموعة من تلاميذ المدرسة أو فريقا منهم . ولكن يمكن أن يكون أيضا واحدا من هؤلاء التلاميذ يستعمل ضمير الجمع عن تواضع وخفر وإرادة في التخفي . إن هذا التقلب هو أمر أساسي بالنسبة للراوي الشخصية الذي يفتتح القصة ، إنه يذكر سبع مرات كلها في الفصل الأول ، وبعد ذلك يختفي لكي لا يعود إلى الظهور . إن وجهة النظر الفضائية هاته ، حيث لا توجد هناك أية مسافة بين الراوي والمروي مؤسسة تقاربا كبيرا بين القارئ والقصة أثناء اللوحة الأولى كلها ـ وصول "شارل" إلى الفصل الدراسي ـ ضجيج التلاميذ ـ مقطع القبعة ـ العقاب الذي أوقعه الأستاذ ـ حيث الراوي ـ الشخصية بضمير الجماعة هو المنظور المهيمن ، يبدو انه مقبل على قراءة اعتراف أو سيرة ذاتية .إن الراوي الملتبس الذي هو في نفس الآن موجود ، ولكنه لا يعلن عن نفسه ، والذي يتحدد بكونه يحيطنا علما بأنه واحد من ساكني العالم الروائي ، يثير فضولا موازيا لما يوقظه ما يحكيه . وفضلا عن أنه يعطي ، وفقا للوظيفة التقليدية للراوي ـ الشخصية ، انطباعا بأنه شاهد عيان ، فإن الراوي الأساسي في "مدام بوفاري" بفضل الشكل النحوي الذي يختفي وراءه ، يعدي المادة السردية بشيء من الغرابة . إنه يشملها بعبق مقلق.
إن الضبابية التي تلف الراوي ـ الشخصية الجمع ، تخفف من هيبته ، إنه يتلاشى ولا يكاد يحس لأنه يغدو غير مرئي تقريبا . وبعد وصول" شارل " إلى القسم الدراسي ، يأخذ راو آخر في حكاية شيء لا يستطيع ضمير نحن ـ اللغز أن يعرفه ، أي حياة " شارل " الماضية ، زواج والديه ، الدروس الأولى التي كان يتلقاها على يد قسيس القرية ، إلى أن يصل إلى مقدمه إلى "روان". وعند ذاك يظهر الراوي ـ الشخصية بضمير الجمع لكي يلخص في الجملة التي اقتبستها آنفا ما كانت عليه حياة هذا التلميذ الخنوع ، المجتهد ، المتوسط الذكاء ، لكي يتلاشى بعد ذلك ، وفي هذه المرة بصفة نهائية . راو آخر يقص ما حدث لشارل لدى خروجه : كان طالبا في الطب قبل في وظيفة بالصحة ، تزوج من الأرملة "إلواز دوبوك" ، وأقام في "توست" . هذا الراوي الذي بفضل تلك التقلبات الأربعة ، يتغير الراوي ـ الشخصية الجمع ، خلال الفصل الأول وهو :
ب ـ الراوي العارف بكل شئ:
إن لهذا الراوي في نقاط متعددة، المسئولية الرئيسية في السرد، فهو الذي يسرد تقريبا كل ما هو موجود في العالم الروائي . إنه لا يشكل طرفا في العالم الروائي . إنه خارج عنه ’ يتحدث عبر ضمير الغائب ـ المفرد ، وتتمثل خصائصه في : الوجود في كل مكان ، والمعرفة بكل شيء ، والقدرة على كل شيء ، ولكن رغم وجوده في كل مكان ومعرفته بكل شيء ،فإنه يستعمل دائما هذه القدرات الإلهية بطريقة متناهية في الدقة ، حسب منظومة منطقية متماسكة قواعدها غير قابلة للخرق إلا في مناسبات قليلة (إن هذه الأخطاء هي دائما غير خطيرة (مغتفرة) ،وجد قليلة بحيث لا تضع المنظومة أبدا في مأزق ).
يحضر ويحكي الأسرار الخفية للشخصيات ،ويتنقل بدون أي عائق في الزمان ،كما هو الحال في الفصل الأول ،واثبا إلى الوراء ، لكي يحكي قصة والدي "شارل بوفاري "، وبعد ذلك إلى الأمام لكي يعود إلى مدرسة "روان" حيث يمر بها متجها إلى قرية مجهولة "فوق تخوم بلاد الكوابيكاردي حيث يعيش والد "شارل" بعد فشله كرجل صناعة وكفلاح ، وبعد ذلك يعود بنفس السرعة إلى "روان".
تقع على كاهله القرارات التكتيكية الهامة التي تحدد الاستراتيجية السردية لرواية "مدام بوفاري": ما هي المعلومات المرسلة إلى القارئ ؟ وما هي المعلومات المخفية عنه وفي أي قدر من الزمن ؟ ما هي المستويات الزمنية التي يوضع فيها كل فصل أو وصف أو حافز ؟وفي أية لحظة ينتقل الحكي إلى صوت الشخصيات أو إلى أفكارهم أو إلى أحاسيسهم أو إلى حركاتهم أو إلى الطبيعة والأشياء التي تحيط بهم ؟ إن الحرية غير العادية ـ الأكثر تفوقا من حرية راو ـ شخصية ـ هي، مع ذلك مأزقه الخطير ، فأي شطط أو عدم تناسب ، أو هوى في استعمال قدراته اللامحدودة ، يقلل أو يلغي قوة الإقناع فيما يروى.
إن الراوي في "مدام بوفاري" يستخدم هذه الحرية منتزعا إياها لحسابه وفق قواعد محددة ، موجهة إلى إخفاء وجوده أو إلى جعل هذا الوجود جليا في أحوال مدبرة وحتمية . ومن هنا فإن هذا الراوي العارف بكل شيء ليس واحدا بل اثنين ، حسب درجة رؤيته وتدخله في العالم السردي:
1 ـ الراوي غير المرئي:
إن أكبر جزء من المادة السردية المروية عبر ضمير المتكلم ـ المفرد تروى من طرف راو غائب كثير الهذر ، راو ملاحظ شفاف ودقيق بحيث لا تتاح رؤيته . إنه يلتبس مع الموضوع أو مع الشخصية الروائية ، والقاعدة التي تسمح له بالظهور هي الموضوعية :إنه يقول ما يحدث ، لكنه لا يصفه ، يقصر عمله على نقل ما تفعله الشخصيات أو تترك فعله ، الحوار الذي يديرونه بين أنفسهم أو فيما بينهم ، كل ذلك دون أن يكشف أبدا عن أفكاره الخاصة ، أو انفعالاته بما يحدث أمامه في العالم الروائي . إنه راو معدوم الذاتية ، وغير مبال كالكاميرا السينمائية التي تستطيع هي الأخرى التقاط ما هو غير مرئي . إنه لا يريد أن يبين ، بل يكتفي بالإشارة فقط . وبما أنه يخضع بشكل مضمر لهذا القانون الصارم للموضوعية ، ويسير على نهجه ، فإن القارئ يعتقد بأنه غير موجود ، ويتولد لديه إحساس بأن المادة السردية تروي نفسها لنفسها أمام عينيه ، وأنها تبتدئ بذاتها ، وتنتهي بذاتها :"كان أبوه "شارل دي بارتلومي بوفاري" مساعد جراح سابق في الجيش ، تورط في بعض المسائل المتصلة بالتجنيد في سنة 1812 ، واضطر إلى ترك الخدمة ، بيد أنه كان قد وفق في استغلال مواهبه الشخصية فظفر بصداق "دوطة" قدره ستون ألفا من الفرنكات ، حملته إليه ابنة صاحب مصنع للقبعات عشقت هيئته .. فقد كان فارع القوام ، يحسن التهريج والشنشنة بمهمازيه ، وقد أرسل لحية متصلة بشاربيه ، واعتاد أن يزين أصابعه بالخواتم وأن يتخير لملابسه الألوان الصارخة .وكان له مظهر الرجل الشجاع مع خفة المندوب الكثير الأسفار" .
يعتبر الراوي غير المرئي محور النظرية الفلوبيرية في اللاشخصية ، والأداة التي أتاحت له أن يخرج فكرته إلى حيز التطبيق .
عندما كتب "فلوبير" رواية "مدام بوفاري" ، توصل إلى الاقتناع بأن العمل الفني ينبغي أن يعطي إحساسا بقدرته الفردية ، وبأنه من اللازم لكي نحقق ذلك أن يتلاشى كل أثر للراوي :"إن الفنان يجب أن يدبر أمره بطريقة تبعث على الاعتقاد بعدم وجود حياة للراوي" (من رسالة إلى لويز كولي مؤرخة ب27مارس 1852 ). تقتضي عدم الرؤية هاته من الراوي موقفا ينعدم فيه الإحساس والتأثر إزاء ما يرويه . يمنعه من التدخل في الحكاية من أجل استخلاص نتائج أو إملاء حكم وعبر . إن وظيفته تنحصر في الوصف دون أن يبرئ أو يدين . ويقرر "فلوبير" في نفس رسالته الموجهة إلى "لويز" أن أي أدب يحتوي على مغزى هو أدب مزيف الجوهر.
"سيكون كتابا جيدا ، ذلك الكتاب الذي سيؤلف حول الأدب المقنع ، ذلك أن المرء يكذب في نفس اللحظة التي يقيم فيها الدليل على صدقه . إن الإله يعلم بداية الخليقة ونهايتها ، الفاضل والسافل والفن مثل الإله في كونه ، ينبغي أن يظل (معلقا ) في اللانهائي ، كاملا في ذاته ، مستقلا عن منتجه".
منذ تلك الفترة ، ومراسلاته تمتلئ بمثل هذه الاستشهادات وهذه الآراء ، ونفس ما فاه به إلى
"لويز" سيقوله فيما بعد لأصدقائه ("لوي بويلهيد" ، والآنسة "لورويي دي شانطوبي" ، و "جورج صاند") وبالتالي إلى جماعة "الكَونكور" . إن إيمانه بأن الراوي (فلوبير يعبر عنه بألفاظ المؤلف والمنتج والفنان) ينبغي أن يكون محايدا حيادا تاما بحيث لا يحشر نفسه في مغزى القصة الأخلاقي والاجتماعي. ويعني هذا بالتالي أنه ليس مسموحا له الاحتفال بأفراح شخصياته ، ولا إظهار الشفقة إزاء تعاستهم . لذلك ليس من المستغرب أن يتهم بعض القراء الذين تعودوا أن يروا في الرواية الرومانسية أوصافا إلى جانب الآلام التي تقاسيها الشخصيات ، إلى جانب عواطف الشفقة أو السخط التي تستثيرها هذه الآلام في الراوي (والتي يجب أن تستثيرهم هم أيضا) أن يتهموا فلوبير أنه"بارد" و "غير لطيف" ، وأنه يقوم بعمليات تشريح لدى قراءتهم في " مدام بوفاري " احتضار إيما مثلا ، المسرود بقدر كبير من الموضوعية التامة من طرف الراوي غير المرئي :
"أخذ صدرها بعد ذلك مباشرة يلهث في سرعة وخرج لسانها كله من فمها ، وشحبت عيناها وهما تدوران ككرتي مصباح تنطفئان ، حتى ظن أنها قد ماتت ، لولا الانتفاضات المخيفة في أضلاعها التي كانت تهتز بنفس عنيف ، وكأن الروح تقوم بوثبات تتخلص من الجسد".
من ذا الذي يضع نفسه في الخفاء راويا بضمير الغائب ، محافظا على حياد منيع بالنسبة لما يجري في الواقع الروائي بدون أن يقدم رأيه الخاص أو يستخلص عبرا أخلاقية أو اجتماعية من القصة؟ أو يتأثر أمام ما يحدث للأبطال ؟ إنه راوي الرواية وليس المؤلف ، إذ أن الراوي هو دائما شخص مختلف عن المؤلف . إنه من خلق هذا الأخير تماما كغيره من الشخصيات . وأن الأهم بدون شك ، حتى في الحالات التي يتعلق ا لأمر فيها براو غير مرئي لأن كل الآخرين هم تابعون لهذه الشخصية السرية . ينقسم مؤلف الرواية إلى إثنين ، يبتكر راويا (أوعدة رواة) ، وهذا الراوي هو الذي يتخذ تلك المواقف الحيادية والموضوعية أو مواقف مختلفة أخرى كما هو الشأن مثلا في رواية رومانسية حيث يكون الراوي العارف بكل شيء عادة عبارة عن شخص حاضر مرئي ، عن ذاتية تروي نفسها لنفسها في ذات الوقت الذي تروي فيه الأحداث الروائية . على أن نقاد " فلوبير" لا يقيمون هذا التمييز ، ومن ثم فإنهم يقدمون تصورا جداليا لآرائه النظرية .وليس يعذرهم كون أن " فلوبير" نفسه لم يقم في رسائله بأي فصل بين المؤلف والراوي ، فيكفي أن نقرأ رواياته لكي نعرف أنه كان يمارس هذا الفصل.
إن نظرياته لها دلالة وصلاحيات إذا ما ميز بين الشخصين : (المؤلف والراوي) ، أما إذا لم يتم التمييز بينهما ، فإن هذه النظريات ستذهب أدراج الرياح وستضحى نظريات بليدة ، لأنه كما يستحيل أن أن مؤلفا ما يستطيع أن يبدع متخليا بصفة كلية عن تجاربه ، كذلك لا يمكن على الأقل أن نتصور أن شخصا من لحم ودم ذي حياة ثقافية وعاطفية معينة ، يستطيع في لحظة الإبداع ، أن يلغي أفكاره وأهواءه وغرائزه ليتحول إلى راو مبهم ، وإلى آلة تقوم بعملية إيصال معلومات و أحداث .
إن الحياد والموضوعية هما فقط وسيلتان ماكرتان وخادعتان استعملتا لإخفاء هذه الذاتية الموجودة فيما يروى . هما استراتيجية تبدو فيها الاستنتاجات و البراهين و الانفعالات العاطفية وكأنها تنضح بشكل طبيعي بما يروى للقارئ ، و ليست مفروضة عليه من طرف راو ديكتاتوري . فبدل أن يقدم المؤلف آراءه مباشرة ، يقدمها عبر اللامرئي بطريقة ملتوية : منظما مادته بطريقة دقيقة ، مسلسلا الفصول بشكل محدد ، مضيئا ومعتما تصرفات شخصياته في اللحظات الحاسمة ، مختارا بعض الأحدث الدالة ، مستثيرا بعض الحوارات ، منجزا بعض الأوصاف .
لقد أدرك فلوبير الأمر بعد إصداره لرواية " مدام بوفاري" بسنوات عديدة هكذا . وعمل على تبليغه ل"جورج صاند" في صورة لانظير لها : "إنني لا أكاد أؤمن أن يعرب عن رأيه حول أشياء عالمه. إنه يمكن أن ينقلها ، بيد أنني لا أحب الروائي الذي يقولها " (من رسالة مؤرخة ب 10 غشت 1868).
وفي هذا يرجع الفضل فعلا، للراوي غير المرئي الذي لا يقول رأيه ، بل ينقله بشكل شفاف مموها بذلك المادة السردية ، محيلا عالمه الذاتي إلى عالم موضوعي للمتخيل .
لقد كان للراوي غير المرئي وجود في الرواية قبل "مدام بوفاري" ، غير أنه لم يكن عادة يتولى عملية السرد إلا خلال فترات قصيرة ، ويكاد ذلك أن يكون في غفلة عن المؤلف الذي ـ ويتعلق الأمر بكل الروائيين الكلاسيكيين ـ يعهد بأكبر جزء من السرد إلى الراوي العارف بكل شيئ الدخيل الذي يتناوب عملية السرد بشكل دائم مع الشخصيات ، والذي كثيرا ما يكون حضوره سمجا في الواقع الروائي.
إن الراوي غير المرئي لم يحظ أبدا بالوظيفة الهامة التي حظي بها في هذه الرواية ، كما أن أي روائي قبل فلوبير استطاع أن يحقق تقنيات جد فعالة لإخفاء حضور الراوي . بيد أن الراوي غير المرئي رغم أنه راو رئيسي إلا أنه مع ذلك ليس هو الراوي العارف بكل شيء الوحيد في "مدام بوفاري" فرغم أن " فلوبير" كانت له نظريات جد صائبة حول الحياد والموضوعية إلا أنه لحسن الحظ لم يطبقها بطريقة دوغمائية . لقد كان المبدع الذي ينظر أحيانا لا المنظر الذي يكتب روايات . وفي ميدان الخلق ، كما في ميدان القصة ، فإن الممارسة تطغى دائما على النظرية . حقا هناك لحظات يتخلى فيها الراوي العارف بكل شيء عن أن يكون غير مرئي ، ويصير عدم الحضور خلالها حضورا . يتعلق الأمر بحالات ظهور متوقعة بشكل حذر تعمل على إتمام وظيفة ما داخل الاستراتيجية السردية . إنها اللحظات التي يستبد فيها الراوي غير المرئي بالراوي ـ الحكيم .

1746968655885.png


- منشور في جريدة الشمال ، عدد يوم السبت 10 ماي 2025،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى