عبد علي حسن - التأويل والٱيديولوجيا

يدخل التأويل ويتعالق مع الٱيديولوجيا بعلاقة معقدة ومتشابكة ، ويتداخلان بشكل عميق ، حيث يؤثر كلٌ منهما في الٱخر ، ويشكّلان الكيفية التي يتم فيها فهمنا للعالم من حولنا ، فإذا كان التأويل هو عملية فهم وتفسير النصوص ، سواء كانت نصوصا دينية أو أدبية أو فلسفية تتضمن استنباط المعاني والمفاهيم من النصوص فإن الٱيدلوجيا كمفهوم قد استخدمه لأول مرة المنظّر الفرنسي ديتسوت دو تراسلي عام 1797 ، وكان يعني بالنسبة له مجرد (علم افكار ) عام ، اي دراسة كيف نفكر ونتكلم ونحاجج ، وارتبط هذا المفهوم بمشروع تأسيس علم الظواهر العقلية ودراسة تكوين الأفكار ، واكتسب عدداً من المعاني خلال قرنين من عمره القصير ، وتم صياغته من خلال وجهات نظر مختلفة ، لذا فهي الإطار الذي يمثّل مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي تشكّل رؤية معينة للعالم ، والتي يتم استدعاؤها أثناء عملية تلقي النصوص ، ويتبدىٰ تأثير الٱيديولوجيا في هذا المقام في كيفية فهم وتفسير الأفراد للنصوص ، إذ يظهر تأثير الٱيديولوجيا في توجيه عملية التأويل التي تستجيب لما يتماهىٰ مع أفكار ومعتقدات المؤول المسبقة ، وهذا يعني أن النصّ يتعرض إلى تفسيرات وتأويلات متعددة ومختلفة تبعاً للٱيدلوجيا التي يتبناها المفسّر والمؤول ، علىٰ أن هنالك نوعاً تأويلياً ٱخر يُعرف بالتأويل النقدي الذي يتمّ وفقهُ تحليل النصوص بعناية وفهم السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تؤثر علىٰ معانيها ، إذ أن هذا النوع من التأويل يذهب إلى الكشف عن الٱيديولوجيات الكامنة وراء النصوص ، وفي هذا النوع من التأويل يكون فيه الناقد في منطقة محايدة وجلّ اهتمامه الكشف عن مضان قصدية المؤلف والنص ، ويتضح هذا الدور النقدي في المناهج السياقية اعني النفسية والاجتماعية والتأريخية ، وقد تراجع هذا الدور للناقد في مناهج مابعد البنيوية التي عدّت الناقد قارئاً مثالياً يستحضر مرجعياته الٱيديولوجية والجمالية في تلقيه للنصوص وتأويلها وفق تلك المرجعيات ، وبهذا الصدد فإن المناهج النقدية لما بعد الحداثة وتحديدا وجهة نظر دريدا في تفكيكه للفكر الغربي البرجوازي التي تضمنت أرجاء المعنى ولانهائيته بفعل تفاعل القاريء مع النص والمساهمة في إنتاجه ، فقد كانت ردّ فعل للإقصاء الذي مارسته البنيوية للمتلقي ، لذا من الممكن القول بأن نقد مابعد الحداثة قد أعاد تعريف التأويل ليجعل القاريء صاحب الكلمة الفصل في إنتاج معنى النصوص وهو ماتجاهلته المناهج النقدية السابقة اعني المناهج السياقية والبنيوية ، ويمكن أن يسهم هذا الدور للقاريء في ظهور نوع تاويلي ٱخر وهو التأويل البنائي، حيث يمكن للمفسر أن يبني معانٍ جديدة للنص بناءً على معتقداته و افتراضاته الٱيديولوجية ، وفي كلّ الأحوال فإننا نشهد تفاعلاً مستمراً بين التأويل والٱيديولوجيا وفق المتحوّل والمتغير في البنية الاجتماعية والثقافية ، وهذا يعني صيرورة الٱيديولوجيات الجديدة وإمكانية فهم وتفسير وتأويل النصوص القديمة وفق هذه الٱيدلوجيات الجديدة .

أن انفتاح النص الأدبي على تأويلات وقراءات متعددة هو تقويض لمركزية النص التي تتحوّل إلى مركزية المتلقي التي تتيح للنص فسحة اكبر لإخضاعه إلى جدلية مستمرة ولانهائية ، وبذلك فقد اكتملت خطيّة مركزية النص الأدبي وفق ما توصلت إليه المناهج النقدية في صيرورتها المتساوية مع صيرورة المنجز الأدبي ، فقد شهدت مركزية عناصر الرسالة الأدبية تحولا في المهيمنة، من المؤلف إلى النص الى المتلقي ، فمن المؤلف في المناهج السياقية إلى متن الرسالة في النقد النصي / البنيوي الى المتلقي في مناهج مابعد البنيوية ، فقد ترتّب على مركزية المؤلف الإحاطة بالمؤلف وتكوينه الفكري والنفسي والاجتماعي ، وعلى مركزية النص الإحاطة بفواعل النص البنائية وعلى مركزية المتلقي الإحاطة بقدرة النص على تناسل المعنى المؤجل دائما عبر فعالية التأويل .
ولعلّ السبب وراء الإيمان بتعدد التأويلات هو الإيمان بتعدد الٱيديولوجيات ، إذ أن كل تأويل يحصل في ضوء المعتقد / الٱيديولوجيا ، وإذا علمنا بأن ذلك الإيمان قد ارتبط بموجهات فكر مابعد الحداثة الذي بشّر بأفول نجم السرديات الكبرى والدعوة للاهتمام بالسرديات المضادّة/ الصغرى منذ منتصف القرن الماضي ،
ووفق موجهات فكر مابعد الحداثة في توكيدها لتاويل النص الأدبي واحقية المؤول في النظر إلى النص وفق معتقده/ ايديولوجيته انطلاقاً فإن النص الأدبي ذاته يمثل أيديولوجية الكاتب التي ليس بالضرورة أن يخضع لها المتلقي .
اخلص من ذلك ان كل تأويل يخضع لموجهات وعقيدة وٱيديولوجية المؤول بمن فيهم مؤلف النص في تأويله للوقائع التأريخية او محركات الواقع .
من ناحية أخرى، فإن الايدولوجيا تُعتبر نظاماً من المعتقدات والقيم التي تُشكل الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.و في مناهج مابعد الحداثة، يُعتبر الايدولوجيا نظامًا غير محدد وغير نهائي، حيث أن القيم والمعتقدات تُشكل من خلال العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والسياقات.
وبالإمكان توصيف العلاقة بين التأويل والايدولوجيا في مناهج مابعد الحداثة على النحو التالي:
1. التأويل هو عملية ايدولوجية: حيث أن التأويل يُشكل من خلال الايدولوجيا والقيم والمعتقدات التي يمتلكها القارئ أو المؤلف.
2. الايدولوجيا هي نظام تأويلي: حيث أن الايدولوجيا تُشكل من خلال التأويلات المختلفة للنصوص والظواهر.
3. التأويل والايدولوجيا يتداخلان: حيث أن التأويل يُشكل من خلال الايدولوجيا، والايدولوجيا تُشكل من خلال التأويلات.
وفي هذا المقام تتبدّىٰ لنا أهمية التأويل المابعد حداثي في تعريفه الجديد المرتهن بمقولات التفكيك الدريدي ووجهة نظر المناهج الأخرى المابعد حداثي في عدّها ردّ فعل لما ذهبت إليه السرديات الكبرى من ادعائها بامتلاكها الحقيقة دون غيرها قاطعة الطريق أمام أية محاولة لتفادي المنطق القسري لتلك السرديات التي تستخدم كل الوسائل لتقويض وجهات النظر المعارضة لها ، لذا فقد قوّضت تفكيكية دريدا سلطة التاويل المركزي الذي استحوذت علية السرديات الكبرى ، وفي ذلك توافقاً مع ليوتار في تضاده مع السرديات الكبرى لتظهر السرديات الصغرى /الهامش لتأخذ مساحتها في التعبير الخاص بها ، وعليه فقد ضمن تأويل مابعد الحداثة الحرية للمعتقد والأفكار ووجهات النظر أثناء تلقي النصوص أيا كان نوعها دينية كانت أو فلسفية أو أدبية ، مفترضةً حضور المرجع الٱيديولوجي والاعتقادي أثناء عملية التأويل بعيداً عن سلطة المؤلف والنص لتظهر سلطة القاريء بعدّه مساهما فاعلاً في إنتاج النصوص .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى