محمد أبي سمرا - رحلة في منسيات “المكشوف”

في عددها الأربعين مطالع أيار 1936 صدّرت “المكشوف” صفحتها الأولى ببيان أعلنت فيه “مفاجأة كبرى سارة لم يحلم بها القراء”: سوف تصير “جريدة جديدة بشكلها وروحها ومادتها وكتّابها” لتصبح لسان حال النهضة الأدبية في هذه الربوع بما تنشره من مقالات تدبّجها أقلام نخبة من أدباء هذا الجيل. تطرق “المكشوف” “مواضيع السياسة بإخلاص لخدمة البلاد، وتعالج مواضيع الأدب (لـ) تحرير الأدب العربي من عبودية التقليد وعبودية التجارة”. ويضيف البيان: “ستبحث المكشوف في الفن والعلوم والسينما، وقد تمكّنا من الاتفاق مع عدد من كتّابنا الممتازين (الذين) نفاجئ بهم قراءنا”. أما ما سينجم عن هذا التغير، بل الإنقلاب، بعد أكثر من سنة على صدور الجريدة، فيقصره البيان على أن “المكشوف ستصبح الجريدة التي تقرأها العذراء في خدرها دون أن تلاقي في قراءتها ما درجت عليه حتى اليوم، (وهو) ما عزمنا على اهماله تماماً”. التدبيج والعذارى الى النبرة الإعلانية الدعائية البارزة في مطلعه، ينطوي القاموس اللغوي للبيان على عبارات وكلمات قد يكون جامعها ما سمّي “النهضة الأدبية” بوصفها حركة عامة صِيغ مفهومها منذ نهايات القرن التاسع عشر ما بين مصر ولبنان، مستلهِماً حركة التنوير الأوروبي، وصار دارجاً بين المثقفين والكتّاب والأدباء العرب واللبنانيين، ومدار سجالاتهم وانقساماتهم وحامل رغباتهم في التجديد والتقدم والتحرر، طوال النصف الأول من القرن العشرين. مثل معظم البيانات النهضوية الأدبية العربية واللغة التي تعتمدها، تظهر في بيان “المكشوف” عبارات وكلمات وصياغات إنشائية تعود الى “لاوعي لغوي” وتعبيري يُفترض أنه سابق على النهضة الأدبية، ويخالف مضمونها الذي قد تكون العبارة الإعلانية في مطلع البيان هي الأقرب إليه. أما العبارات والكلمات الصادرة عن “لاوعي لغوي” مرسل ويخالف المضمون المفترض للنهضة، فهي من أمثال: “هذه الربوع”، “تدبجها أقلام”، “العذراء في خدرها”. ذلك أن هذه الكلمات تنتمي الى لغة عربية فائتة فقدت صلتها بوقائع الحياة اليومية ومخيلتها وأفعالها وعلاقاتها السائرة، وفقاً لما رغبت “المكشوف” نفسها ان تحمل رايته في حلّتها السابقة على البيان بوصفها “رسول العري” و”كشف الستر” عن الرغبة والوقائع والحوادث والأفعال والعلاقات الناجمة عنهما في الحياة الاجتماعية والخاصة. لكن مراجعة عناوين ومقتطفات من مادة “المكشوف” الصحافية في سنة صدورها الأولى، بيّنت أن تلك الرغبة – الرسالة جاءت مترجمة ومدبلجة عن مواد صحافية أوروبية (فرنسية غالباً)، ومنقطعة الصلة بأحوال المجتمع المحلي ووقائعه وحوادثه في معظم الحالات، ما خلا الإصرار على طلب الإثارة في ما يتصل بشؤون النساء وأجسامهن وملبسهن وشهواتهن وشهوات الرجال، تلك التي دأبت الجريدة على نشر أخبارها وحكاياتها المترجمة في علانية عامة، صحافية ناشطة ومزدهرة في بيروت ثلاثينات القرن العشرين. إذ كيف يمكن الحديث عن إرادة العري والسفور والرغبات والعلاقات والحوادث الناجمة عنهما، في لغة تستعيد كلمات مثل العذارى والخدور والتدبيج والربوع؟ والحق أن فعل التدبيج ينطبق تماماً على معظم مقالات “المكشوف” الصحافية المغفلة التوقيع في طورها الأول “رسولاً للعري”. الفعل نفسه حاضر في بيانها الأدبي الجديد الذي يزفّ الى قرائها بشارة صيرورتها جريدة أدبية، استقطبت قولا وفعلا نخبة واسعة من كتّاب لبنان أولاً، وسوريا تالياً، في الأدب والصحافة في عقدَي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، على ما تبيّن مراجعة أعدادها ما بين العدد 33 و500 تقريباً، قبل توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات. “لايف ستايل” الثلاثينات لا ريب في أن كاتب البيان الأدبي، أو المشارك في كتابته، هو مؤسس “المكشوف” الشيخ فؤاد حبيش الذي روى في صفحة داخلية من العدد المنشور فيه البيان، أن “عائلة هاي لايف”، أي مرموقة اجتماعياً و”مثقفة” وتتألف من “أم وأب و7 أولاد بينهم فتيات”، كان “كل منهم يشترك سراً” في “المكشوف” التي تُرسل اليه أعدادها “على عنوان خاص” به وحده منفرداً. تغيب في هذا الخبر كلمتا العذارى والخدور، وتحضر كلمة فتيات وعبارة “هاي لايف” الأجنبية، كما يقال اليوم “لايف ستايل” في لغة الاعلاميات التلفزيونيات اللواتي غزا حضورهن وغزت لغتهن الصحافة المكتوبة. الأرجح أن حبيش في “مكشوفه” في طورها الأول ما قبل الأدبي، قدّم في منتصف ثلاثينات القرن العشرين مادة صحافية سبّاقة ورائدة من نمط “اللايف ستايل”، مشوباً بالإثارة. هذه الثقافة في نموذجها اللبناني والعربي الراهن، هي شكل من أشكال ثقافة العولمة الما بعد حديثة (البوست مودرن) التي تختلط فيها انماط تفكير وتعبير ونظر وسلوك غير متجانسة، بل عشوائية، صادرة عن “لاوعي” مرسل، كما كانت تختلط في الثلاثينات في لغة فؤاد حبيش كلمات وعبارات “هاي لايف” وفتيات وعذارى وخدور، الصادر كل منها عن فضاء لغوي مختلف عن الآخر، ومتعارض معه. كان يمكن ان نضرب صفحاً عن هذا التعارض العشوائي، ونقدّره تقديراً مختلفاً، لو أننا في معرض من فنون التجهيز الرائجة منذ سنوات في الفنون البصرية الما بعد حديثة. عطفاً على بيان “المكشوف” الأدبي الجديد، تفصح إشارة حبيش الى عائلة المشتركين السريين في جريدته حينما كانت “رسولاً للعري”، عن أن العذارى كنَّ من قرائها، لكن خارج خدورهنّ البيتية والعائلية التي صار يمكنهن أن يقرأنها فيها مطمئنات بعد تحولها جريدة أدبية. هذا يشير الى أن “المكشوف” في حلتها السابقة كانت علنية وسرية في وقت واحد: مطروحة علناً في سوق المطبوعات الناشطة، وللمشتركين الذين يلتهمون مادتها الصحافية كل بمفرده وفي السر أو الخفاء عن الآخرين. وهذا يجعل القارئ بصَّاصاً على ما يقرأ، على رغم أن ما يقرأه مطروح علناً في السوق، من دون أن تلغي هذه العلنية والغفلية حذره من تداول الجريدة وقراءتها. أما بعد تحولها جريدة للأدب والأدباء فسيزول الخوف والتسري والقلق واللاطمأنينة أثناء قراءتها. وبسخريته اللاذعة يؤكد حبيش أن “عائلة الهاي لايف” التي يصفها بـ”المباركة” متهكماً، “ستشترك” علناً في “المكشوف” الجديدة “بعدد واحد فقط”، ليصير عددها الأسبوعي مطروحاً في البيت لجميع أفراد العائلة، يتناوله كل منهم بدعة مطمئنة، لا أثر فيها لذلك القلق المشوّق المثير الذي كان يجعل الجريدة واسعة الانتشار كنار في الهشيم، أو كسلعة ممنوعة – مرغوبة يجري تداولها فردياً في سوق سوداء. وقد يكون هذا مصدر قوة حضور “المكشوف” وانتشارها السريع في سنتها الأولى، قبل توسلها بهذين الحضور والانتشار وتوظيفهما في تحويلها جريدة للأدباء والأدب في علانية عامة “بيضاء” لا أثر فيها للسر والتسري والبصبصة على انفراد وفي الخفاء. والحق أن هذا ما يتحسر عليه فؤاد حبيس “رسول العري والإثارة”، تحسراً موارباً، ربما لم تشفِه منه القوة المعنوية الموعودة لجريدته التي قد يكون علَّل نفسه وواساها بقوله في البيان الجديد إن العذارى سوف يواصلن قراءتها، لكن مطمئنات في خدورهن. لكن هذا ليس أمراً مؤكداً، إذ متى كان الأدب وصحافته قبلة قلوب العذارى ورغباتهن؟ فحبيش يؤكد أن “المكشوف الأدبية” ستتدنى مبيعاتها وأعداد مشتركيها. لكن المؤكد أيضاً أنها في الحالتين، برغم قصر مدة حالتها الأولى، جعلت من فؤاد حبيش رائد صحافة ونشر طوال ما لا يقل عن 15 سنة في حقبة سميت حقبة “المكشوف” في صناعة الصحافة والنشر الأدبيين. الانقلاب الأدبي صدر العدد الأول من “المكشوف” في حلتها الأدبية الجديدة في 5 نيسان 1936، حاملا الرقم 43. على صفحته الأولى قائمة بأسماء الأدباء والشعراء المشاركين في تحريره، وفق الترتيب الأبجدي. تلي القائمة افتتاحية غير موقّعة، عنوانها لافت: “دستور 1926 للأحوال الشخصية: تشريع الطوائف والاعتراف بها”. موضوعات العدد تنبئ بأن معدِّيه أصحاب خبرة ثقافية وأدبية، وبذلوا جهداً في مناقشة مواده وموضوعاته واختيارها واختيار كتّاب محددين لكتابتها، كي تطل الجريدة إطلالة مثقفة بالغة الرصانة والشمول والتنوع، لكن المتجانسة في أسلوبها ووجهتها في ميادين الأدب والفلسفة والاجتماعيات والشعر والقصة: فؤاد أفرام البستاني كتب في “نظرية جديدة في الأدب الجاهلي” مناقشاً طه حسين. قسطنطين زريق طرح على نفسه سؤالا: “هل في العالم العربي اليوم فيلسوف؟” وجاوب عن السؤال هذا في مقالة. “الطبيعة والعمران في الشعر الأندلسي” عنوان يقترب من اجتماعيات الأدب لبطرس البستاني. في الميدان نفسه كتب الشاعر إلياس أبو شبكة “بين الأدب والشعر والصحافة”، وكذلك ابرهيم سليم النجار الذي بحث في “أثر الأدباء اللبنانيين والسوريين في السينما والمسرح العربيين”، فيما كتب جبرائيل جبور عن “خدمات المستشرقين للأدب العربي”. عبدالله لحود كتب مقالة تعريف بمارسيل بروست وأدبه. قيصر الجميل الذي لن يغيب اسمه عن “المكشوف” طوال عهدها إلا نادراً، كاتباً وراسم بورتريهات للأدباء، خصَّ العدد بمقالة عنوانها “هل يرى المصور في الطبيعة غير ما يراه عامة الناس؟”. في مجال الفن السابع، درة حداثة القرن العشرين، كتب كرم البستاني عن “أسرار الجمال عند غادات السينما” اللواتي وضع الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كتاباً رائداً عنهن في الستينات عنوانه “نجوم السينما” بوصفهن صنيعة ظاهرة – “نظام” جديد يجعلهم “أنصاف آلهة” تعبدها الجماهير المعاصرة. في مقالة حنا غصن “آفة المسايرة في حياتنا الاجتماعية العامة”، تحضر إرهاصات المعالجة الأنثربولوجية في تناول العادات والتقاليد المحلية. ويشمل هذا التناول مقالة مغفلة التوقيع عن الأزياء عنوانها “بين القبعة والفستان” بوصفهما عنوان انقلاب الزي النسائي وعصريته تعبيراً عن شيوع سفور المرأة وخروجها الى الفضاء العام. هذا فيما كتب فؤاد حبيش “14 وصية منقولة عن الأديب الفرنسي موريس دير كويره، لكي تكون المرأة محبوبة”. يقول صاحب “المكشوف” إنه يعرضها “تفكهة للقراء”، كأنه انتبه الى الرصانة والثقل الثقافيين في مواد جريدته في حلتها الجديدة، فأراد التخفيف من جدِّيتها الثقيلة معتذراً لقراءها من النساء. للمواد الصحافية حضورها الطفيف في عدد الجريدة هذا، لكنه في المقابل حضور نوعي في جدّته ودلالته وتناوله السياسة الدولية في باب مستقل عنوانه “أخبار العالم في أسبوع”، يعدّه ويحرره كامل مروة، قبل أن يصير في الأعداد التالية من نصيب لويس الحاج. الباب الصحافي الأسبوعي الآخر هو أخبار الرياضة التي يستهلها العدد بموضوع عنوانه “النهضة الرياضية في لبنان”. وهو عنوان ينبه الى أهمية العامل الاجتماعي – السياسي في نهضة الرياضة المتزامنة في المجتمع المحلي مع نهضة رياضية عارمة في أوروبا، حقبة ما بين الحربين العالميتين، التي شهدت ظهور الأحزاب الفاشية ومنظماتها الشبابية العصبوية الفائضة التنظيم والعنف، والمرتبطة بالتربية الرياضية. ضد امارة الشعر لا يغيب الشعر عن “المكشوف” في عددها الأدبي الاول وأعدادها اللاحقة. سعيد عقل نشر قصيدته “عشتروت” في الاول، وكذلك ميخائيل نعيمه له قصيدة عنوانها “قبور”. يتكرر حضور سعيد عقل الشعري المتقطع في الجريدة طوال سنتين او ثلاث. اما الياس ابو شبكة فهو شاعر “المكشوف” في حضور قصائده على صفحاتها، اضافة الى مساهماته النثرية والنقدية المتكررة حتى وفاته المفاجئة العام 1947. فشاعر “غلواء” و”افاعي الفردوس” كان أحد اقطاب “عصبة العشرة” منذ نشأتها في مكاتب جريدة “المعرض”، وخوضها مناظرات ومعارك ادبية على صفحاتها، قبل انتقال العصبة الى مكاتب “المكشوف” ومتابعتها المناظرات والمعارك على صفحات هذا المنبر الجديد الذي سرعان ما تصدَّر نشاط الصحافة الادبية. كانت العصبة قد وقَّعت باسمها، من دون ذكر اسماء اعضائها، المقال النقدي الادبي الافتتاحي في عدد “المكشوف” في حلتها الجديدة، وكان عنوانه “الادب العربي بين عبوديتين: عبودية التقليد القديمة وعبودية التجارة الحديثة”. المقال يشبه بياناً يستأنف سجالات العصبة حول شعر المناسبات او “التشريفات” المنبرية، على ما يسمّيه نقَّاد “المكشوف” التي سخرت، ربما بقلم ابو شبكة، بهذا النوع من الشعر الذي كان يتصدره احمد شوقي ثم بشارة الخوري (الاخطل الصغير). لم تلبث الجريدة ان لخّصت على صفحاتها “الحديث المشوِّق الذي تحدثه خليل تقي الدين في صالون شارل قرم (الشاعر الملهم) عن احمد شوقي وشاعريته العجيبة: “من نظّام الى موظف الى شاعر الى امير الشعراء”. في مناسبة وفاة شوقي كتبت “المكشوف”: “امير الشعراء يبكيه شاعران: بشارة الخوري وامين نخلة”، كأنها تومئ الى تسابق الشاعرين على حيازة اللقب او المنصب الذي شغر بوفاة متصدر “امارة الشعر العربي”. في منتصف الاربعينات خصصت “المكشوف” جائزة سنوية كبرى مقدارها الف ليرة لبنانية لأفضل مجموعة شعرية. لكن الجائزة شملت، الى الشعر، انواعاً ادبية اخرى: رواية، قصص، ودراسة عن شخصية ادبية او سياسية من لبنان، على أن ينال الجائزة في كل سنة كتاب في نوع من هذه الانواع، لتتولى “دار المكشوف” طباعة 3 آلاف نسخة من المخطوط الفائز. خلق الله الانسان في قصة على ان “المكشوف” كانت قد بادرت الى الاحتفال بالادب القصصي وتشجيعه وتخصيص جائزة له منذ عددها 59 في تموز 1936، وكان مقدار الجائزة 25 ليرة سورية آنذاك. لم تغب القصة عن عدد الجريدة الادبي الاول الذي نشر فيه توفيق يوسف عواد قصة عنوانها “شهوة الدم”. فعواد الى جانب خليل تقي الدين، وهما قصّاصان، من اركان محرري “المكشوف” و”عصبة العشرة”، لذا دعت الجريدة الكتّاب الى نشر قصصهم على صفحاتها للمشاركة في المباراة. تحفيزاً لهذا الفن الكتابي كتبت الجريدة في افتتاحية عددها 68 انها ترغب في أن “تفتح افقاً جديداً للأدب”. في تحدّ لنجومية الشعر والشعراء على الارجح، وخصوصاً شعراء المناسبات والمراثي و”التشريفات”، أشارت الى ذلك الأفق في اسلوب فني اعلاني باهر: “خلق الله الانسان في (من) قصة منذ الادب المكتوب في التوراة الى يومنا هذا”، وذلك في استعارة لأسطورة آدم وحواء الإلهية. مع تأسيسها دار نشر حملت اسمها، أعلنت “المكشوف” توزيعها هدية مجانية للمشتركين فيها: نسخة من رواية “الصبي الاعرج” التي نشرتها الدار لتوفيق يوسف عواد، ثم شرعت في نشر مقالات على صفحاتها تتناول “الصبي الاعرج” والأدب القصصي. من موقّعي هذه المقالات: امين الريحاني، ميخائيل نعيمة، وميشال اسمر الذي ذيّل مقالته بإشارة الى أنه من “ندوة الاثني عشر” الناشئة بعد “عصبة العشرة”، وكان بعض من اعضائها يدورون في فلكها. جاءت مقالة اسمر لافتة في عنوانها: “اين نحن من القصة؟ كيف تولد شخصياتها في نفس (وعي) المؤلف؟”. في اطار متابعته النشاط القصصي كتب فؤاد حداد (ابو الحن) عن عدد مجلة “العروة الوثقى” (كانت تصدرها جمعية بهذا الاسم في الجامعة الاميركية في بيروت) الخاص بـ”القصة ونهضتها في البلدان العربية”. وسرعان ما اثمر تحفيز “المكشوف” نشر القصص على صفحاتها وتخصيصها جائزة سنوية لها، فبرزت اسماء قصصية سورية، منها جورج سالم، خلدون ساطع الحصري الذي فازت قصة له منشورة باسم مستعار في “المكشوف” بالجائزة للعام 1939. وقد تألفت لجنة التحكيم من: عمر فاخوري، يوسف غصوب، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، رئيف خوري، فؤاد افرام البستاني، توفيق يوسف عواد، شفيق جحا، وفؤاد حبيش. هؤلاء جميعاً وسواهم عشرات كانوا من المداومين على الكتابة في “المكشوف”. حتى مطالع الاربعينات حظي الفن القصصي بوقفات نقدية متلاحقة اكثر من كتابتها مارون عبود الذي كانت له زاوية اسبوعية ثابتة في الجريدة عنوانها “ادباؤنا”. اما الترجمات والاقتباسات القصصية عن القصة الاوروبية، وخصوصاً الفرنسية، فكان لها حضور متصل على صفحات “المكشوف”. منعطف سوري على عتبة الاربعينات يستوقف منعطف جديد لـ”المكشوف” على صعيد الكتابة الادبية والصحافية: تكاثر اسماء الكتّاب العرب على صفحاتها، وخصوصاً السوريين، من دون ان يغيب العراقيون والفلسطينيون. من الاسماء المتكررة: نجاتي صدقي، انور البرازي، وصفي قرنفل، نزيه الحكيم، قدري قلعجي، حيدر البرازي، انطون المقدسي، سليم الجندي، احمد عبد الجبار، سعيد الجزائري، انطوان موصلي، ميشال الصراف، اديب الداودي، زهير الحمزاوي، وفايز صايغ. بعض هؤلاء كتب – الى جانب متابعاته النشاط الادبي في المدن السورية، والعراقية احياناً – في باب شرّعته “المكشوف” واسعاً ودائماً عنوانه “السرقات الادبية” الذي أرادته مثيراً وجاذباً لمناظرات ومعارك ادبية، لتوسيع دوائر قرائها في لبنان والعواصم العربية، وخصوصاً في المدن السورية، دمشق وحمص وحلب. يبرز في هذا الاطار شقاق ادبي ما بين الكتاب اللبنانيين والسوريين من جهة، والكتاب المصريين من جهة اخرى. في هذا السياق كان الياس ابو شبكة قد كتب في العام 1939 مقالة طويلة عنوانها “ابطال الحركة الاوروبية في لبنان وسوريا”. ثم لم تلبث “المكشوف” ان اصدرت في 27 آذار من العام نفسه، “عدداً خاصاً ممتازاً عن مظاهر الثقافة في سوريا” شاركت فيه كوكبة من الكتاب السوريين. لكن الجريدة سرعان ما بادرت في 10 تموز 1939 ايضاً، الى اصدار عدد مماثل “عن مظاهر الثقافة في مصر” شارك فيه كتاب مصريون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى