محمد أحمد مخلوف - في حضرة النسيان لريحان بوزقندة أو حرّاس الذاكرة

منذ البدء تطرح علينا ريحان بوزقندة سؤالا مهما وهو : « وماذا لو لعب النسيان معنا هذه. المرة جولته الأخيرة ؟ » وهو سؤال قادح لما سيراه القارئ من أحداث تتمّم ما رآه في الجزء الأول من الرواية والمعنون بـ " المنسي في الحكاية " الذي كان التلميذ الغامض أيلان عتبة مهمة من عتباته التى بنيت عليه عدة سياقات لم تغفل الجانب الوجدانى لبقية الشخصيات وما عاشته من صراعات ساهمت ریحان بوزقنده في تطويرها حسب المناخات النفسية لكلّ منها خاصة فى هذا الجزء الثاني من الرواية والمعنون بـ « في حضرة النسيان » لتجعلنا نتساءل عن علاقة حضرة النسيان بالحضرة الصوفية؟
فلئن كانت الحضرة الصوفية حالة من الذكر والإنغماس الروحي يتجلى فيها الحضور الكامل مع الله فتكون
مقام حضور لا غياب، فإن حضرة النسيان على نقيضها هي حضرة غياب ، غياب الذاكرة، الحنين وربما الألم أيضا هي بحث عن مكان للإختباء فيه من ثقل الذكريات : « كنت أريد البقاء في فقاعتى الخاصة بالكتب ، الفقاعة السرية التي يلجأ إليها القراء عبر العالم » ( ريحان بوزقندة ).
وهو ما حاولت ياسمين اللجوء إليه حين اكتشفت أنها ضحية خدعة نسج حبائلها ،أيلان" بالوكالة عن جدّه عثمان، وما عودته إلى المعهد وإلى قسمها تحديدا إلآ آليّة من آليّات هذه الخدعة فتقول: « حين حيّاني أيلان مودّعا ومضى ، كنت أظنّنى سأغضب وأصاب بالإحباط بعد اكتشافي الخدعة الكبيرة التي كنت ضحيتها ... لكني شعرت فجأة بهدوء
و سلام غريبين ، فكرت لوهلة أن تلك الخدعة قد تجعلني أكتب .. (ص 150 ) ، ولكن عمليّة الكتابة عند ياسمين ومفهومها هو ما قاله لها أيلان : « الكتابة عمليّة ذاتيّة أماالقراءة فذوقيّة ، لندع الحكم للقراء إذن...( ص150).
ولكن الكتابة عند ياسمين ذات بعد آخر في سياق بحثها عن النجاة والتشافي من لعنة الذاكرة وربما هو المشروع الذي اشتغلت عليه ريحان بوز قندة منذ المنسي في الحكاية
مرورا بـ " إلى أبي بريدنا السري "، وصولا إلى «في حضرة النسيان»، وهو ما تفطن له عثمان بن مراد منذ اطلاعه على الكتاب المنسي فيقول مخاطبا ياسمين : « وقد تفطن أيلان إلى ذلك. وحاول تنبيهك دون أن يخبرني ، ولكنك احتجت إلى أشخاص آخرين عديدين لتفهم أخيرا ما كان عليك فعله منذ البداية لتعكسي اللعنة وتتغلبي على النسيان بالكتابة » ، لنتساءل هنا هل أن قدر ياسمين وهي أستاذة التاريخ أن تكون من « حراس الذاكرة» ؟
حسب أحداث الرواية كانت ياسمين و عن غير وعي من حراس الذاكرة بل هي على خطى أيلان وجدّه رغم تميّزهم عليها بأنهم من ورثة هذه اللعنة العائلية حيث حاضرهم مسكون بأشباح الماضي، ولكن حين تكون من هؤلاء الحراس ستكون مصحوبا بلعنة الذاكرة و قد تزيد لعنة أخرى مثل لعنة « النّـهـم » ، المرتبطة بها وهو ما كشفه لها عثمان بن مراد حين خاطبها قائلا : « أعرف أنه من الصعب عليك أن
أو تستوعبي كلامي، لكني سأعطيك علامة ربما تتأكدين بها أني لست شيخا يهذي على مسامعك بحكاية خرافية . هناك أمر يستبدّ بك منذ أيام ، أليس كذلك ؟ أمر متعلق بإحدى الحواس وقد صار مزعجا ومقلقا لك ولا تقدرين على التحكم فيه، في المرة الفارطة أنهكتك الأصوات التي تسمعينها وكانت تحرمك المنام، وهذه المرة. وبناء على ما شاهدته منذ قليل حين التقييك يمكنني أن أستنتج أن حالة نهم شديدة قد تملكتك منذ أيام ، منذ يوم رؤيتك لأيلان تحديدا، هل أنا على صواب ؟ » ( ص 84 )
لم يعد لياسمين بد للبحث عن الخلاص إلا بمجاراة عثمان بن مراد في طلبه وهو طلب نفعي له ولعائلته أيضا، فتشجيعه لياسمين على الكتابة هو بغاية التشافي من تلك اللعنة أولا والوصول إلى سـرّ ابنته التي لم يعرفها
إلا من خلال ما وجده من إشارات فى الكتاب ثانيا .
وطبعاحبل النجاة والمنقذ والموجه دائما لياسمين هو صديقها أيمن أو« أيمنو» الذي استنجدت به فجرا فأوضح لها علاقة عزيزة عثمانة بأسطورة هاديس ملك العالم السفلي وبسيدي بلحسن الشاذلي وبسيدي بن عروس
و بالسيدة المنوبية وعثمان داي وطبعا بعثمان بن مراد الذي لعب دور الموجه لياسمين فى.
رحلتها ضد النسيان : « وهنا دور الكاتبة لترتق
هذا الشتات وتعيد نسجه في ثوب سردى يُخلّد
الماضين وينبه الباقين . إن دوري أن أرشدك.
و دورك أن تكتبي - (ص 95).
و لكن قدر ياسمين أن لا تكون « كاتبة ظل »
و هو ما دفعتها إليه مروى لتصل بالفعل إلى والدها عثمان بن مراد .
لتواصل ريحان بوزقندة تلاعبها بنا في رحلة التأسيس لمشروع حفظ الذاكرة والدعوة للكتابة حفظا لذاكرة الكتب و ذاكرة الحياة فـ « ربما تنتظر حكايات منسية أخرى من يمتلك دفتره الخاص ليكتبها ... من يدري » ( ص 151 ).
م أ مخلوف 🇹🇳

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى