حسام الحداد - اللغة والجسد.. صراع الهامش والمركز في نص "فردتا حذاء" لـ عبد الرؤوف بطيخ

يُعد ديوان الشاعر عبد الرؤوف بطيخ "الأول من أيار"، ولاسيما قصيدته "فردتا حذاء هذا العالم للرأسمال"، وثيقةً جمالية وفكرية تضج بأسئلة الوجود والاشتباك الطبقي في ظل هيمنة النظام الرأسمالي المعاصر. لا تكتفي القصيدة برصد الواقع اليومي في تعقيداته، بل تعيد صياغته لغوياً وبنيوياً لتصبح "نصاً مقاوماً" يفكك سرديات المركز ويسلط الضوء على هوامش المدينة المنسية، محولةً اللغة من مجرد أداة للتعبير إلى أداةٍ لفضح التناقضات الصارخة في عالمنا الراهن.
تستند هذه الدراسة النقدية إلى مقاربات منهجية متنوعة، تجمع بين البنيوية في تفكيك أنسجة النص الداخلية، والألسنية في فحص آليات التعبير اللغوي، وصولاً إلى تحليل الخطاب الذي يكشف الأيديولوجيا الكامنة وراء الصور الشعرية. ومن خلال تبني زاوية نقدية تحليلية، يسعى هذا التقرير إلى تتبع كيف تحولت القصيدة إلى "كولاج سريالي" يستخدم "جماليات الصدمة" لا لتجميل الواقع، بل لتعريته وإعادة الاعتبار للإنسان المكافح، المتمسك بوجوده وسط ضجيج التاريخ ومساراته الوعرة.

النسق المغلق وتفكيك العلامات في "فردتا حذاء"
ينطلق المنهج البنيوي في مقاربة نص "فردتا حذاء هذا العالم للرأسمال" للشاعر عبد الرؤوف بطيخ، من فرضية أساسية ترى في القصيدة كائناً لغوياً مستقلاً، ونظاماً مغلقاً (System) من العلامات التي تستمد دلالاتها من شبكة العلاقات الداخلية بين مفرداتها وصورها. يتجاوز هذا المنهج القراءات الخارجية (السيرة أو التاريخ) ليركز على "بنية المعنى"، وكيفية تشكل العالم الشعري من خلال تضافر الأجزاء في كلٍّ عضوي، حيث يتحول النص إلى مرآة عاكسة لصراعات الوجود عبر أدواته اللغوية الصرفة.
1. ثنائيات التوتر: صراع المركز والهامش يبني النص عالمه من خلال جملة من الثنائيات الضدية التي تشكل عموده الفقري؛ وتبرز ثنائية "المركز/الهامش" كأولى هذه التوترات. فالمركز يتمثل في سلطة الرأسمال ومؤسساته (النادي البرجوازي، يافطة الحزب)، بينما يرتد الهامش إلى العمال، والكلاب على الكورنيش، والشيخ الصامد أمام قلعة صغيرة. هذا التضاد لا يهدف إلى الوصف فحسب، بل إلى خلق "قلق بنيوي" يجعل من الهامش صوتاً يغزو المركز ويخلخل توازنه، معيداً تعريف القوى الفاعلة في النص.
2. ثنائية الحياة والموت: جدلية الفناء والبقاء في عمق النص، تتصارع ثنائية "الحياة والموت" لتكشف عن وجه العالم المتناقض؛ حيث تتقابل صور "الولادة" و"الخضار" و"البهجة" مع دلالات "الجماجم" و"شلالات الدم" و"القبور". لا يقف الشاعر عند حدود الموت كفعل نهائي، بل يعيد إنتاجه كـ"لغة جديدة للتواصل"، وبذلك يضحي الموت في البنية الشعرية عنصراً ديناميكياً يغذي الحياة ويحدد مساراتها، في دلالة على أن البقاء في هذا العالم المشوه لا ينفصل عن دفع فاتورة الدم.
3. الجسد واللغة: بين الاستلاب والمقاومة تتشكل ثنائية "الجسد/اللغة" في القصيدة لتكشف عن أزمة الذات الشاعرة؛ فاللغة هنا ليست مجرد أداة تعبير، بل هي "دورة للرأسمال" تعيد استهلاك الواقع وتنميطه. في مقابل ذلك، يبرز الجسد كموقع للمقاومة والألم؛ إنه الجسد المعروق، والجسد الذي يُرسم بفرشاة الأسنان. تنشأ البنية هنا من هذا التعارض بين لغةٍ تبتلع العالم ومحاولات الجسد المتكررة لاسترداد حقيقته العارية بعيداً عن صخب الخطاب الاقتصادي.
4. آلية التجاور: الكولاج كاستراتيجية بنيوية تعتمد البنية العميقة للنص على تقنية "التجاور" (Juxtaposition)، وهي استراتيجية تعمد إلى وضع نقيضين جنباً إلى جنب دون روابط منطقية تقليدية. فنحن ننتقل من مشهد "دورة المياه" إلى حطام "حمامة بيضاء"، ومن "سوق الخضار" إلى "شلالات الدم". هذه التقنية البنيوية لا تعكس عشوائية، بل تحاكي "تفكك الواقع" في ظل النظام الرأسمالي، حيث تفرض الحداثة المتأخرة إيقاعاً يدمج المبتذل بالمقدس، واليومي بالمأساوي، في مشهدية واحدة.
5. هندسة المعنى: التراكم والانفجار تعمل البنية التراكمية في النص كأنها "كرة ثلج" دلالية؛ فكل صورة تضاف إلى سابقتها لتزيد من ضغط المعنى. يبدأ النص بمشاهد فردية (التسوق، المقهى، الحذاء) ثم يتراكم ليشكل "لوحة" عامة عن عالم الرأسمال. هذا التراكم ينتهي دائماً بنوع من "الانفجار" الشعري، حيث تتحول الأجزاء الصغيرة (التروس، المسامير، الأصوات) إلى كتلة واحدة تعبر عن استلاب الإنسان في العالم الرأسمالي.
6. انهيار الحدود: الذات والعالم في بوتقة واحدة تنتهي القراءة البنيوية للنص إلى ملاحظة ذوبان الحدود بين الذات والعالم؛ فالشاعر ليس مراقباً خارجياً، بل هو جزء من بنيوية هذا العالم. عندما تتحول الكلمات إلى "سلع" يطير عليها الذباب، فإن الشاعر يعلن هزيمة الذات أمام ضغط الهيكل الرأسمالي. إن البنية الكلية للقصيدة تكشف عن محاولة الشاعر إعادة بناء هذا العالم المنهار من خلال تحويله إلى "لوحات" (كما في القسم السادس)، محاولاً السيطرة على الفوضى عبر لغةٍ ترسم واقعاً بديلاً.

بنية اللغة وميكانيكا التعبير في "فردتا حذاء"
ينصبُّ الاهتمام في المنهج الألسني على تحليل "المادة الخام" التي شُيِّد منها نص عبد الرؤوف بطيخ، معتبراً القصيدة حقلاً من العلاقات اللغوية القابلة للتفكيك إلى مستويات تركيبية ودلالية وصوتية. لا يكتفي هذا المنهج بتأويل المعنى، بل يغوص في "كيفية" تشكله؛ فالبنية اللغوية هنا ليست مجرد وعاء للفكرة، بل هي المحرك الأساسي لإيقاع المدينة وضجيجها. من خلال دراسة التراكيب الجملية، والانزياحات الأسلوبية، والرموز المركزية، يتضح كيف تعامل الشاعر مع اللغة بوصفها مادة طيعة قادرة على تصوير الصراع الطبقي وتجسيد معاناة الذات.
1. ديناميكية التركيب: بين السكون الحكائي والحركة المتسارعة حيث يتسم التشكيل التركيبي في القصيدة بمراوحة مدروسة بين الجمل الاسمية التقريرية والجمل الفعلية الحركية، مما يمنح النص إيقاعاً يضاهي صخب المدينة الرأسمالية. تساهم الجمل الاسمية في تثبيت المشهد، وإضفاء طابع "التقريري" الذي يصف واقعاً ثابتاً ومستقراً، بينما تتدخل الجمل الفعلية لتكسر هذا السكون وتدفع النص نحو التسارع والتدفق. هذا التناوب بين الثبات والحركة يعزز من حالة القلق الدلالي، حيث يجسد التركيب اللغوي حالة الانفصام في مدينة تتأرجح بين الهدوء الزائف والفعل الثوري المكتوم.
2. الانزياح الأسلوبي: إعادة تشكيل الزمن والمكان يُعد "الانزياح" (Deviations) المحرك الجمالي الأبرز في النص، حيث يخرج الشاعر بالمفردات عن دلالاتها المعجمية الجامدة نحو فضاءات دلالية رحبة. يتجلى ذلك بوضوح في تركيبات مثل "تاريخ من الصبار ترسمه على سطح المحمودية"، حيث يحدث انزياح دلالي عميق؛ إذ يتحول الزمن المجرّد (التاريخ) إلى مادة بصرية ملموسة (الصبار) ذات طبيعة قاسية وحارقة، ترتبط بجغرافيا محددة (ترعة المحمودية). هذا التلاحم بين الزمان والمكان عبر الانزياح اللغوي يربط الفضاء الجغرافي بالمعاناة الإنسانية، محولاً المكان إلى ذاكرة مفتوحة على الألم.
3. سيميائية الحذاء: الرمز كأداة للصراع الطبقي في المستوى الرمزي، يهيمن رمز "الحذاء" كبؤرة دلالية مركزية، متجاوزاً وظيفته النفعية كأداة للمشي ليصبح "شفرة" سياسية واجتماعية. من خلال تكرار مفردات مثل "صبغة الحذاء" و"فردتا الحذاء"، يسعى الشاعر إلى تسييس الجسد وأدواته، حيث يتحول الحذاء في القصيدة إلى "رايات مختلفة المقاييس" ترمز للفوارق الطبقية. إن هذا التحول الرمزي يضع الجسد في مواجهة مباشرة مع النظام الرأسمالي، حيث يصبح الحذاء دليلاً على المسار المهين للطبقات الكادحة، ومؤشراً على التباين الحاد في موازين القوى داخل البنية الاجتماعية التي يرسمها النص.

استراتيجيات المقاومة وأدلجة اللغة في "فردتا حذاء"
ينظر تحليل الخطاب إلى قصيدة عبد الرؤوف بطيخ باعتبارها ممارسة اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الجماليات الشكلية لتشتبك مع نسق القوى المهيمن في المجتمع. فالنص هنا لا يكتفي بالتعبير عن الذات، بل يعمل كـ "خطاب مضاد" يسعى إلى تفكيك سرديات النظام الرأسمالي المهيمن وكشف آليات هيمنته. من خلال استقراء الأيديولوجيا الكامنة وتحديد هوية المتلقي المفترض، يكشف هذا المنهج كيف تحولت القصيدة إلى ساحة صراع رمزي، تستحضر الهوامش المنسية لتواجه بها المركزية السلطوية، مستخدمةً اللغة كأداة نقدية حادة في قلب المتن الاجتماعي.
1. سلطة النص ومقاومة الهامش: يمتلك نص "فردتا حذاء" ما يمكن تسميته بـ "السلطة المضادة"، حيث يعيد ترتيب أولويات الحضور في العالم من خلال الاحتفاء بالمهمشين. لا يمرر الشاعر خطابه عبر القنوات التقليدية للمركز، بل يفكك الخطاب الرأسمالي عبر استحضار "الهوامش" التي يحاول النظام طمسها أو استغلالها؛ فنجد حضوراً كثيفاً للعمال، والأطفال، والنساء، وصولاً إلى الكائنات الأكثر تهميشاً كـ "الكلاب" و"الصراصير". هذا الاختيار اللغوي ليس عفوياً، بل هو استراتيجية خطابية تهدف إلى خلخلة ترتيب القوى، حيث يُمنح الهامش صوتاً يضع المركز في قفص الاتهام، ويُعرّي وحشية التراتبية الطبقية التي يفرضها النظام الرأسمالي.
2. الأيديولوجيا الصريحة وجدلية الثقافة: لا يخجل النص من إعلان هويته الأيديولوجية الحادة، فهو نص يعيد إنتاج "الوعي الطبقي" بوضوح لا لبس فيه، حتى أنه يمتد بنقده إلى بنية اللغة ذاتها، واصفاً إياها بأنها "دورة للرأسمال"، في إشارة إلى كيف تتحول الكلمات والأفكار إلى سلع مستهلكة. كما يعكس النص صراعاً وجودياً بين الثقافة الرسمية المتعالية، التي يرمز إليها بـ "يافطة الحزب"، وبين الثقافة الشعبية المتجذرة التي تضج بالحياة والصخب، متمثلة في التناقض بين مرجعيات "موسيقى زياد الرحباني" الرفيعة و"أغاني سعد الصغير" الشعبية. هذا التصادم الثقافي داخل النص يؤكد انحياز الشاعر لوعيٍ طبقي يعترف بتعقيدات الحياة اليومية بعيداً عن الشعارات الجاهزة.
3. المتلقي الضمني وحوار النخب والعمال: يفترض النص وجود "متلقٍ ضمني" ذي مواصفات معرفية محددة، فهو ليس متلقياً ساذجاً، بل قارئاً مثقفاً يمتلك مفاتيح الدخول إلى شفرات النص المعقدة. يحتاج هذا المتلقي إلى إلمام واسع بالمراجع السياسية والفلسفية التي تتناثر في النص، مثل "ستالين" و"روزا لوكسمبورغ"، فضلاً عن التيارات الفكرية كـ "التروتسكية" و"الدادائية". هذا المستوى العالي من الإحالات لا يهدف إلى التعالي، بل إلى خلق "حوار مفتوح" يجعل من القصيدة جسراً يربط بين هموم النخبة الثقافية المُنظِّرة وبين آلام العمال الممارسين للثورة في الواقع، محولاً النص إلى مساحة مشتركة للتحليل والاشتباك الثوري


الفلسفة الوجودية وجماليات الصدمة في "فردتا حذاء"
يتجاوز النقد التحليلي في مقاربة قصيدة "فردتا حذاء هذا العالم للرأسمال" حدود البنية اللغوية والخطاب الأيديولوجي، ليغوص في الأعماق الفلسفية والوجودية التي يطرحها الشاعر عبد الرؤوف بطيخ. إن هذا المنهج يسعى لاستكشاف "المسكوت عنه" في النص، وفهم الدلالات العميقة التي تربط الجسد الإنساني بحركة التاريخ القاسية. من خلال تركيب هذه الرؤى، نصل إلى فهم القصيدة بوصفها "كولاجاً" سريالياً لا يهدف إلى تقديم صورة جمالية نمطية، بل يسعى لخلخلة وعي القارئ عبر "جماليات الصدمة"، ليعيد رسم ملامح الإنسان في عالم يتخبط بين الرأسمالية المتوحشة ومحاولات المقاومة المستمرة.
1. مساحة المسكوت عنه: صمتُ الانفجار المؤجل في الوقت الذي يغطي فيه النص مساحات شاسعة من "المدن" و"الميادين" الصاخبة، يظل "الهدوء" أو "الفردانية الخالصة" عنصراً مهمشاً ومحاصراً داخل النص. إن هذا التهميش ليس عفوياً، بل هو انعكاس لواقعٍ لا يترك مجالاً للذات لتنعم بالسكينة. فالحظات الرومانسية أو الخاصة، مثل "شفتان" أو "قبلة"، تظهر دائماً مطوقة بضجيج العنف أو صخب التظاهر. هذا الصمت في القصيدة ليس غياباً للصوت، بل هو "انفجار مؤجل"؛ إنه الصمت الذي يسبق الاشتباك، حيث تظل العواطف الإنسانية رقيقة وهشة أمام قسوة العالم الرأسمالي الذي لا يتوقف عن الدوران.
2. فلسفة الجسد: التاريخ المحفور في الندبات يربط النص بعمق بين "الجسد" و"التاريخ"، حيث يرفض الشاعر اختزال الجسد في بعده البيولوجي كـ "لحم ودم"، ليجعله سجلاً حياً لندبات التاريخ الإنساني وجروحه. إن مفردات مثل "الجماجم" و"الدماء" ليست مجرد أدوات وصفية، بل هي علامات لوجودٍ محكوم بالألم. تسيطر على النص فلسفة وجودية بائسة تضع الإنسان أمام حقيقة كونه عرضة للاستهلاك، حيث يتحول الحب ذاته إلى "ميراث بائس" يثقل كاهل الكائن. ومع ذلك، يظل هذا الحب، رغم بؤسه، هو الأمل الأخير والملاذ الوحيد المتبقي للمقاومة في وجه العدم.
3. استراتيجية "الكولاج" وجماليات الصدمة بنيوياً وجمالياً: يتبنى الشاعر استراتيجية "الكولاج" (Collage) السريالي التي تعكس فوضى الحداثة المتأخرة، محولاً القصيدة إلى لوحة مركبة من المتناقضات. تنجح القصيدة في تحويل اللغة من وظيفتها الوصفية التقليدية إلى "أداة اشتباك" مباشرة؛ حيث تتلاحق الصور الصادمة، مثل "كلب يتأبط ذراع امرأة" أو "طفل يرضع فودكا"، لترسم لوحة كاريكاتورية للعالم الرأسمالي. إن هذا النمط من الكتابة لا يسعى للجمال المريح، بل يعتمد "جماليات الصدمة" (Shock Aesthetics) ليفضح قبح الواقع، جاعلاً القارئ يتفاعل مع النص من خلال الصدمة لا التأمل السلبي.
4. إعادة تعريف الإنسان: الكائن المكافح في طريق المجهول تتمثل النتيجة الجوهرية لهذا التحليل في أن القصيدة تقدم إعادة تعريف جذرية لمفهوم "الإنسان"؛ فهو ليس كائناً مفكراً أو متأملاً كما في الشعر الكلاسيكي، بل هو كائن "مكافح" يترك بصمته على "فردتي حذاء" تسير في طريق وعر. إن هذه الصورة الختامية هي محاولة شجاعة ويائسة في آن واحد، تعبر عن تمسك الإنسان بوجوده رغم ضبابية المستقبل. ينجح بطيخ في تصوير الإنسان كعابر طريق دائم، يواجه وحشية العالم الرأسمالي بإرادة المضي قدماً، تاركاً أثره على أرضٍ لا ترحم، في رحلة نحو مستقبل مجهول الملامح.
خلاصة القول، يمثل نص عبد الرؤوف بطيخ تجربة شعرية استثنائية في قدرتها على التوفيق بين كثافة المرجعيات السياسية والفلسفية، وبين حرارة اللحظة الإنسانية المقهورة. إن القصيدة لا تقدم حلاً جاهزاً أو إجابة نهائية، بل تترك المتلقي في حالة مواجهة مستمرة مع أسئلة الحرية، والعدالة، ومصير الجسد في مواجهة "دورة الرأسمال". وبذلك، يرسخ الشاعر مفهوم "الإنسان المكافح" الذي لا يملك سوى "فردتي حذاء" ليخوض بهما طريقاً مجهولاً، جاعلاً من فعل الكتابة ذاته عملاً ثورياً يرفض الاستكانة لسطوة القبح، ويصر على رسم ملامح الأمل من قلب شلالات الدم والركام.

النص
فَرْدَتَي حِذَاء هَذَا العَالَم لِلرَّأْسْمَال
عبد الرؤوف بطيخ


(1)

أَبُول فِي دَوْرَة مِيَاه عَامَّة
تَحُطُّ حَمَامَةٌ بَيْضَاء
وَتُرِيحُ أَسْفَلَ لِبَاسِ البَحْر
ثُمَّ تَغُوطُ بِجِوَارِي
سَاعَاتٌ قَلِيلَةٌ مِنَ التَّسَكُّعِ فِي سُوقِ الخُضَار
تُخَلِّلُهَا مُوسِيقَى زِيَادِ الرَّحْبَانِي مِنْ بَائِعِ العِرْقُسُوس
نُجِيبُ أَطْفَالٍ عَابِرُونَ عَلَى نَجَاحِهِم فِي العَامِ الدِّرَاسِيِّ
سَيَّارَاتٌ تُوَسِّعُ بِأَيْدِيهَا لِتَمُرَّ بِالزِّحَام
أَبْوَاقُ المَارَةِ كَانَتْ تَبْعَثُ البَهْجَة
حَالَّةٌ مِنَ الأَلَمِ أَصَابَتْ عَيْنِي
الأَثْدَاءُ المُكْتَنِزَةُ لِلنِّسَاءِ
تُرَاوِحُ عَنْ الجَسَدِ المَعْرُوق.
(2)

مَقْهَى زَيْدَانَ سَاحَةٌ مُحَاصَرَةٌ
عَلَى تُرْعَةِ المَحْمُودِيَّة
مِن نَاحِيَةٍ نَادِي بُرْجُوَازِي
وَمِن نَاحِيَةٍ دَارٍ لِبَيْعِ مُنْتَجَاتِ القُرُونِ الوُسْطَى
فِي المُقَابِلِ بِنَايَةٌ عَالِيَةٌ تُلَطِّخُهَا يَافِطَةٌ لِلْحِزْبِ
تَارِيخٌ مِنَ الصِّبَارِ تَرْسُمُهُ عَلَى سَطْحِ المَحْمُودِيَّة
وَالشَّيْخُ أَمَامَ قَلْعَةٍ صَغِيرَةٍ صَامِدَة.

(3)

التُّرُوسُ الصَّغِيرَةُ
مُتَعَهِّدٌ لِلْقُبُورِ الجَائِحَةِ
الصِّرَاخُ تَارِيخٌ مُمْتَدٌّ
القُبُورُ سَاحَاتٌ وَاسِعَةٌ لِتَظَاهُرَةٍ عَاطِفِيَّةٍ
القَتْلُ لُغَةٌ جَدِيدَةٌ لِلتَّوَاصُلِ
الحُبُّ مِيرَاثٌ بَائِسٌ لِلإِنْسَانِ الأَوَّلِ
العُصُورُ المُتَعَاقِبَةُ لِشَجَرَةِ الصَّلْصَافِ
أَثْمَرَتِ الكَثِيرَ مِنَ الجَمَاجِمِ
المَحْمُودِيَّةُ دَفْقٌ هَائِلٌ لِشَلَّالاتِ الدَّمِ.

(4)

عَلَى مَرْمَى مِن مَقْعَدِي
تَنْكُؤُ الكِلَابُ عَلَى الكُورْنِيشِ الصَّغِير
الطَّرِيقُ إِلَى بَيْتِي بِحَيِّ السَّنَاهِرَة
سَاحَةُ قِتَالٍ بَيْنَ العُمَّال
وَالثَّقَافَةِ وَالنِّقَابَةِ وَالصِّحَّة
أَصِلُ بَيْتِي
بَعْدَمَا أَفْرَزَتِ المَعْرَكَةُ عَنْ سُفُوطِ شُهَدَاءِ مِنَ العُمَّال
الحَيَاةُ الرَّائِعَةُ لَوْحَةٌ تَغِيبُ عَنِ المَشْهَد.

(5)

الصَّرَاصِيرُ تُشَارِكُنِي وَجْبَتِي المُتَأَخِّرَة
بِحَمِيمِيَّةٍ اعْتَدْتُ أَنْ أَعُدَّ طَبَقَيْنِ تَحَسُّبًا لِلْمَزِيد
اللُّغَةُ دَوْرَةٌ لِلرَّأْسْمَالِ
الذُّبَابُ يَحُطُّ عَلَى كَلِمَاتِي
أَسْرِقُ هَذَا المَشْهَدَ وَأَرْسُمُهُ
بِفُرْشَةِ أَسْنَانِي
صِبْغَةُ الحِذَاءِ
لأُعَلِّقَهَا عَلَى رَقَبَةِ صَدِيقِي فِي الأَتِيلِيه.

(6)

"سَبْعُ لَوْحَاتٍ تَحَظَّظَا بِمَا نِيفُوسْتَاتِ الدَّادَا"
1- كَلْبٌ يَتَأَبَّطُ ذِرَاعَ امْرَأَةٍ مُحَافِظَة.
2- طِفْلٌ فِي الثَّانِيَةِ يَرْضَعُ فِي زُجَاجَةِ فُودْكَا.
3- عَامِلٌ عَطِشٌ يُفْرِغُ كُوبَهُ فَتَسْقُطُ المَسَامِيرُ مِن طَرَفَيْ شَارِبِه.
4- دَلَافِينَ عَلَى سَطْحِ البِنَايَةِ تُحَاوِلُ القَذْفَ لِاسْتِعَادَةِ ذَاتِهَا.
5- وُرُودٌ مُتَفَتِّحَةٌ عَلَى سَطْحِ بِالُوعَةٍ مَكْشُوفَة، عَلَى الجِدَارِ المُقَابِلِ يَجْلِسُ الشَّاعِرُ عَلَى جَنَاحَيْ بَعُوضَة.
6- أُورْكِسْتْرَا كَبِيرَةٌ فِي صَدْرِ القَاعَة.
7- سَعْد الصَّغِيرِ وَسَطَ الحُضُورِ يُغَنِّي "بحُبِّك يَا حِمَار".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى