د..عبدالجبار العلمي - ملامح من سير بعض الأدباء والشعراء والنقاد المغاربة المعاصرين وإنجازاتهم الثقافية والإبداعية -1- الأستاذ أحمد اليبوري

1ـ الأستاذ أحمد اليبوري

كان الأستاذ أحمد اليبوري قدوة لأجيال في الإخلاص والنزاهة والمواقف النبيلة المشرِّفَة. إنه أستاذ جامعي من طينة الأساتذة الكبار الذين لهم شخصية الأستاذ الجامعي الحق. عالمٌ وباحث أكاديمي يتميز في أبحاثه بالدِّقةِ والتركيزِ المُعْجِز. وأبحاثه في الرواية العربية والمغربية و القصة القصيرة، تشهد على ذلك. وكانت رسالته الجامعية حول الفن القصصي في المغرب دراسة رائدة، ليس فقط في المغرب، بل في المشرق العربي أيضاً، وأذكر ونحن في أواخر الستينيات، كنا نبحث عن كتب أو مجلات، تقدم لنا أدوات وتقنيات هذا الفن الأدبي الجديد لنعتمدها فيما نحاوله من كتابات قصصية، فلم نكن نحصل على ما يَشفي الغليل، فقد أصدر د. رشاد رشدي كتاباً صغير الحجم هزيلاً في القصة القصيرة، ضمَّنه مجموعةً من النماذج أو المختارات القصصية، لم يكلف نفسه عناء دراستها وتحليلها تحليلاً فنيّاً. وكان أملنا أن يكون العددان الخاصان بالقصة القصيرة اللذان أصدرتهما مجلة الهلال المصرية في عددي غشت للسنتين 1969 و1970 ، يشتملان على دراسات تحليلية لنماذج قصصية وأخرى نظرية تقدم لنا مدارس أو اتجاهات فنية في هذا الفن، وتدرس التقنيات المستعملة فيه، إلا أننا لم نجد فيهما بُغْيَتنا. صحيح وجدنا فيهما نماذج جديدة جيدة في القصة القصيرة لأغلب كتاب جيل الستينيات، ولكن لم نلقَ فيها ما كنا نبحثُ عنه. كنا اطلعنا على كتاب د. عز الدين إسماعيل ” الأدب وفنونه ”، وعلى كتاب د.محمد يوسف نجم حول هذا الفن ( فن القصة، نشر دار الثقافة، بيروت ـ لبنان 1966 م.) . الأول يتناولُ فنَّ القِصَّة في فصل واحد ضمن فصول كتابٍ رُصد لدراسة جميع الفنون الأدبية؛ والثاني يغلب عليه الطابع النظري، ولا يقدم لنا بشكل دقيق الأدوات الإجرائية لدراسة وتحليل هذا الفن الجميل الصعب المراس. وفي غمرة بحثنا المضني هنا وهناك عن من يوجهنا إلى الطرائق الفنية لكتابة هذا الفن وإلى الأدوات الإجرائية لدراسته وتحليله، كان عمل أستاذنا أحمد اليبوري الرائد حول القصة القصيرة والرواية في المغرب. وفيه من جهة ما يشبعُ حاجتنا إلى معرفة طرائق تحليل الفن القصصي من خلال دراسات تطبيقية دقيقة لنماذج قصصية، وفيه من جهة أخرى تسليط الأضواء على متن قصصي مغربي ينتمي إلينا ، ويعبر عن هموم مجتمعنا ومعاناة الإنسان فيه شتى ألوان الظلم والحرمان والتهميش. وقد تمت مناقشة هذه الرسالة الرائدة سنة 1967 بكلية الآداب بالرباط، تحت إشراف الدكتور محمد عزيز الحبابي. وقد ظل زمناً مرقوناً رهين محبِس أحد رفوف مكتبة الكلية. ولم يُتَحْ نشرُ القسم المتعلق بالقِصَّة القصيرة في كتاب، إلا سنة 2005 بعنوان ” تطور القصة القصيرة في المغرب / مرحلة التأسيس ” ، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب / كلية الآداب ـ بنمسيك . ( وقد طبع ضمن المجموعة الكاملة لأعمال الكاتب الصادرة عن مكتبة المدارس ـ الدار البيضاء، 2023 م. ) وفي هذا الكتاب الدقيق المركَّز، دراسات تطبيقية لنماذج من مختلف الاتجاهات القصصية في المغرب. ويعتبرُ هذا العمل الأكاديمي هو الممهدَ لدراسات أكاديمية عديدة متنوعة أخرى، أُنجزت بعده في الجامعة المغربية.
2 ـ الأستاذ إبراهيم السُّولامي: دخلنا ـ أعني أحدَ أفواج السنة التَّحْضيرية ـ إحدى قاعات المحاضرات في صباح يوم من صباحات فاس القارسة من شهر أكتوبر. وأذكر أنه كانَ من الأيام الأولى للسنة الجامعية 1966ـ 1967 ، وأننا ما زلنا لم نتعرفْ بعدُ على أساتذتنا. وبعد قليل من جلوسنا متأهبين بشغف لتلقي أولى المحاضرات، دخل قاعة الدرس شابٌّ في مقتبل العمر ، نحيل الجسم ، فاحم الشعر ، أنيق الهندام ، وعلى محياه ابتسامة وديعة ، ليدرسنا الأدب الحديث ( الفنون والاتجاهات الأدبية المعاصرة ) ـ كما أذكر ـ ذلك الأستاذ كان هو الأستاذ الشاعر إبراهيم السُّولامي. أُعْجِبتُ بصوته الجَهْوري وفصاحَتِه وطلاقة لسانه. خلال المحاضرة وفي نهايتها تركَ مجالاً للطلبة للاستفسار والمناقشة بكل حرية. وكانت هذه هي عادته في كل الدروس. وليس هذا بغريب عن أستاذ درس في جامعة القاهرة بأرض الكنانة، ونهلَ من مناهل ثقافية وأدبية عذبة، وتلقى العِلم والأدب وطرائق التدريس على خيرة أساتذتها وأشهرهم، أمثال الأساتذة سهير القلماوي وعبدالحميد يونس وشكري عياد الذين كانوا يفسحون المجال لأسئلة الطلبة ومناقشاتهم. وكان من المواظبين على حضور ندوة العقاد يوم الجمعة صباحاً من كل أسبوع. كان الأستاذ إبراهيم السولامي من خيرة أساتذة كليتنا وأقربِهم إلى طلبتِه، وخاصةً أنه لم يكن بينه وبين بعضهم من حيث السن إلا فارق قليل. كان لأستاذنا إبراهيم السُّولامي نشاط أدبي خارج الجامعة كأغلب زملائه في الكلية آنذاك : أحمد المجاطي وأحمد اليبوري ومحمد السرغيني وحسن المنيعي وعبدالسلام الهراس.. فقد اطلعت خلال دراستي في الكلية على العديد من كتاباتهم، خاصة في مجلة "أقلام " التي اقتنيت الأعداد العشرة الأولى منها عن طريق الاشتراك السنوي. وأذكر أنني تسلمتُها مجموعةً، من يد رئيس تحريرها الأستاذ القاص محمد إبراهيم بوعلو بنفسه في رحاب كلية الآداب بالرباط، فاطلعتُ على ما كان يكتبه أستاذي من دراسات ومقالات وشعر. مما قرأتُ له في هذه الأعداد ، مقالاً عن كتاب نزار قباني النثري " الشعر .. قنديل أخضر " الصادر حديثاً ( العدد الأول : مارس 1964، ص : 125 )؛ " حوار إذاعي عن سارتر " ( العدد الثاني ، ص : 39 )؛ قصيدة "طموح " ( العدد السادس ، ص : 97 وما بعدها )؛ قصيدة "ذكرياتنا"، العدد الثامن ، ص : 8 ) وكلتا القصيدتين من ديوان "حب " الذي صدر للشاعر سنة 1967. كان حدثُ صدور ديوان لأستاذنا إبراهيم السُّولامي حدثاً مهماً في كليتنا، فقد كان طبعُ كتاب عندنا في المغرب آنذاك، يُعدُّ من الأمور التي تستحق الاهتمام، فلم يكن أمر الطباعة ميسراً ولا مدعماً من لدن الجهات المنوط بها دعمُ الكتاب ونشره. كان طبع الديوان في أجمل حلة، وكانَ غلافه جذاباً بألوان زاهية ولوحات رومانسية دالة على العنوان وعلى ما بين دفتيه من شعر جميل يمجدُ هذه العاطفة الإنسانية الخالدة. وقد طُبعَ في مطبعة عريقة بمدينة نشأتي تطوان هي « المطبعة المهدية». بعد ديوان أستاذنا الشاعر إبراهيم السولامي، في نفس السنة، طبعَ زميلُنا الشاعر محمد بن دفعة ديواناً بعنوان " أشواك بلا ورد "، كما طبعَ صديقُنا الشاعر محمد عنيبة الحمْري ديوانه الأول، وهو مازال طالباً، بعنوان " الحب مهزلة القرون "، وذلك سنة 1968. ومن الجدير بالملاحظة أن جل أساتذتنا كانوا أدباءَ مبدعين, سواء في الشعر أو النثر : محمد السرغيني الذي بدأ نشر شعره منذ أواخر الأربعينيات في مجلة " الأنيس" ؛ أحمد المجاطي ؛ إبراهيم السولامي ؛ محمد برادة ، أحمد اليبوري. لم يكونوا من أولئك الأساتذة الذين يكتفون بتقديم محاضراتهم، ولا علاقة لهم بالكتابة والإبداع خارج مجال عملهم. أستاذنا إبراهيم السولامي كان يكتب في عدة مجالات : الشعر ـ المقالة الأدبية ـ القصة القصيرة ـ الترجمة عن اللغة الفرنسية. بقي أن أذكر لكم هنا أن الدكتور إبراهيم السُّولامي ، كان لطيفاً في الامتحانات الشفهية التي كنا نجتازها بعد النجاح في الامتحانات الكتابية، فلا تُحس بتلك الرهبة التي غالباً ما يُحس الطالبُ بها في مثل هذا الموقف. وأذكر وأنا الآن أُدوِّن هذه السطور أن سؤالَه إلي كان حول مسرح توفيق الحكيم الذهني، والقضايا التي تعالجها بعض مسرحياته كمشكلة الزمن في " أهل الكهف " وصراع الإنسان معه وعدم قدرته أن يعيش في زمن غير زمنه لزوال الروابط التي كانت تربطه بزمنه الأول. ولا أنسى رضاه عن أجوبتي. وكنتُ قد راجعتُ أثناء الاستعداد للامتحان كتابَ " مسرح الحكيم " للدكتور محمد مندور . بقي أن أقول إن الأستاذ إبراهيم السولامي، يعتبرُ أحد رواد الأدب المغربي المعاصر ومن أول الباحثين الأكادميين الذين درسوا الشعر المغربي الحديث من خلال كتابه الرائد " الشعر الوطني في عهد الحماية / 1912 ـ 1956 " وكان قد تقدم به لنيل الدكتوراه ( السلك الثالث ) بجامعة الجزائر تحت إشراف الدُّكتور شكري فيصل. والكتاب جدير بالقراءة والدراسة والتحليل.
3 ـ الشاعر عبدالرفيع الجواهري
عرفنا الشاعر عبدالرفيع الجواهري مذيعا لامعاً في التلفزة المغربية في زمنها الزاهر في أواخر سنوات الستين ، وكان ينال إعجابنا بفصاحته وصوته الإذاعي الجميل ، فضلا عن وسامة محياه. قبل أن يبهر الجميع بقصيدته الشهيرة "القمر الأحمر " التي غناها المطرب الشاب عبدالهادي بلخياط ولحنها الفنان الكبير عبدالسلام عامر . ومازلت أذكر أن القصيدة نشرت مع صورة المطرب في مجلة محلية كانت تصدر بتطوان. وكانت صورته وهو في ميعة الشباب. ومازلت كذلك أذكر أنني وبعض الأصدقاء ونحن تلاميذ ، كنا نحفظ مقاطع كثيرة من "القمر الأحمر " ، ونتغنى بها في الطريق ، دون مراعاة للعابرين الراشدين :
خجولا ً أطلَّ وراءَ الجِبال / وجَفْنُ الدجى حوله يسهرُ . / ورقراقُ ذاك العظيم / على شاطئيه ارْتَمى اللَّحْنُ والمِزْهرُ . كانت تبهرنا هذه الصور الشعرية الجميلة، ويطربنا الصوت العذب للخياط واللحن المعبر عن معاني الكلام لعامر. هذه التحفة الغنائية التي تضاهي- في رأيي المتواضع باعتباري مجرد مستمع - العديد من بعض الأغاني المشرقية. أطرب لأغنية "ميعاد " التي كنت أُنْصِتُ إليها في المذياع في سنوات الصبا ، فتسمو بي إلى مواعيد الحب الرومانسي العفيف ؛ وإلى قصيدة "راحلة " التي كان يشدو بها المرحوم محمد الحياني التي تغمرني بالحزن على رحيل حبيبةٍ متخيلة بعيداً عن حَيِّنا. عبد الرفيع الجواهري اسمه الذي عرفناه به في زمن صبانا، شاعر مُجيد في مجال القصيدة المغناة ، ليس أقل من كامل الشناوى صاحب "لا تكذبي" و" لست قلبي " ، حسب ذوقي، وإن كنت من المعجبين بشعر هذا الأخير الذي شدا به مشاهير المطربين والمطربات الذي جمعه في ديوانه الفريد « لا تكذبي ». بقي أن أقول في الأخير أنَّ شاعرنا عبد الرفيع الجواهري ـ لو أخلص للشعر وحده ، ولم تدفعه مواهبُهُ الأخرى إلى مجال خوض غمار الحياة السياسية والحزبية والصحافية ، فضلا عن ظروف عمله في مهنة المحاماة التي ينكر الإنسان فيها ذاتَه من أجل هموم ومشاكل الآخرين، لكان عبد الرفيع الجواهري، من أكبر شعراء عصرنا، ولكان صانع الجواهر حقا . شعره يستحق أن يدرس دراسة أكاديمية ، لا سيما وأن له دواوينَ مطبوعةً هي: " وَشْمٌ في الكَفّ"،دار ابن رشد للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان، 1980 ـ " شَيءٌ كالظِّل " دار ابن رشد ـ لبنان ، 1980 ـ "كَأنِّي أُفيق"، الرباط 2010، و"الرَّابْسودْيا الزَّرْقاء"، الرباط ، 2010. أمَّا الديوان الذي جُمِعَتْ فيه القصائد المغناة بعنوان « القمر الأحمر »، فقد طبع منذ سنوات، ورأيتهُ بأم عيني في أحد معارض الكتاب بالدار البيضاء، لكنه نفد سريعاً، ولم يتم طبعه طبعة ثانية. أتمنى أن يُتاح لهذا الديوان الجميل الصدور في طبعة جديدة ثانية، فهو جديرٌ بذلك، وقراؤه ينتظرونه. وينبغي أن يُوجِّهَ أساتذة الجامعة في كل كليات الآداب في المغرب، طلبتَهم إلى دراسة شعرِه في كل المستويات الجامعية : الإجازة والماستر والدكتوراه.
4 ـــــ الناقد الباحث اﻷستاذ مصطفى المسناوي رحمه الله :
الناقد السينمائي الباحث الأكاديمي الصحافي الأستاذ مصطفى المسناوي الذي وافاه الأجل بالقاهرة قبل ثلاث سنوات خلت ـ إن لم تخني الذاكرة الخؤون ـ حيث سافر إليها للمشاركة في المهرجان السينمائي المنظم بها آنذاك. تلقى المثقفون المغاربة خبر وفاته فجأة بأرض الكنانة بكثير من الحزن والألم ، وذلك إثر أزمة قلبية بعد وصوله بساعات. عُرف الفقيد باهتماماته المتنوعة وبأعماله القيمة المتميزة في عدة مجالات ـ كما سبقت الإشارة ـ نذكر منها: ـ " طارق الذي لم يفتح الأندلس " ـ أحلام الشاهد السبعة " ( مجموعتان قصصيتان ) / " أبحاث في السينما المغربية " ـ " علم الأدب الاجتماعي " للوسيان غولدمان " ( ترجمة ) / " سوسيولوجيا الغزل العربي : الشعر العذري نموذجا ، للطاهر لبيب ، ( ترجمة ) ، بالإضافة إلى تلك الأعمال الجادة المتميزة ، أسس مع ثلة من زملائه مجلة " الثقافة الجديدة "الذائعة الصيت ، كما أصدر جريدة " الجامعة " التي كانت مرجعاً قيماً مفيداً للأساتذة وتلاميذ الباكلوريا ، ومجلة "بيت الحكمة " التي كان رئيس تحريرها . هذا فضلاً عن الكتابة الصحفية التي كانت تتميز بأسلوب ساخر ، ومساهمته في المجال السمعي البصري بتعاون مع بعض الفنانين والنقاد السينمائيين. لقد كان المرحوم مصطفى المسناوي مثقفاً ملتزماً ، يؤمن بأن للثقافة وللمثقف الحقيقيين سلطة خاصة في المتجمع، وإنساناً رزيناً دمث الخلق تألفه من أول لقاء ، وكأنك تعرفه من زمن بعيد. ولا أنسى أنه حمل إلي نسختين من مجلة الهلال سلمهما إليه الروائي سعد القرش الذي كان وقتذاك يرأس تحريرها لموافاتي بهما حين كان بالقاهرة للمشاركة في مؤتمر الرواية العربية. وأذكر أنه كان حريصاً على تبليغ الأمانة. وقد التقينا في مقهى فينيسيا بمنطقة بوسكورة. وقد كانت هذه أول مرة نجلس فيها معاً. لمست عن كثب خلال هذا اللقاء ، مدى ما يتصف به الرجل من تواضع ولطف وانبساط في الحديث، يجعلك قريباً منه كأنكما صديقان قديمان. في هذا اللقاء الأول والأخير ـ إذ لم يتح لنا أن نلتقي مرة أخرى كما تواعدنا ، أهداني مجموعته القصصية الجميلة " أحلام الشاهد السبعة " . إن وفاة هذا المثقف المبدع المغربي الكبير ، ليعد خسارة جسيمة لثقافتنا وأدبنا المغربيين ، ورحيله المفاجئ، لم يكن في الحسبان. ولكن الرجال أمثاله، إن رحلوا عن عالمنا جسدياً، فإن أرواحهم تبقى سابحة في ذاكرة الزمن ، وآثارهم تظل راسخة باقية تتحدى الموت والفناء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى