حكمت الحاج - الشعر والفلسفة.. أية علاقة!

لا وجود لحقيقة خارج اللغة: نظرية الشعر عند ريتشارد رورتي
"كثيرًا ما كنت أقرأ لبعض "الألسنيين" المعاصرين، فأجدهم "وضعيون مناطقة". وعندما كنت أكمل الرحلة معهم بوصفهم فلاسفة الوضعية المنطقية (عربيًا، كما لدى فيلسوفنا الوضعي المنطقي الأول والأوحد، زكي نجيب محمود، الذي كتب عن الشعر برصانة متفردة)، أجدهم يفردون أجزاء من أبحاثهم وخطراتهم الفلسفية للشعر ولنظرية الشعر، فتتملكني الحيرة؛ لأنني لا أكاد أفهم كنه تلك العلائق التي تبدو لي متناقضات، بينما يشتد أزري، كشاعر في الأقل، حينما أكون قد وجدت دعمًا لامتناهيًا من عقل مفكر فيلسوف.
لكنني اليوم، وأنا أستعرض هذا الكتاب الصغير الحجم، العظيم الأهمية، والذي أهدانيه ودلني عليه الصديق الشاعر الكويتي علي بن نخي، مشكورًا، لفيلسوف البراغماتية الشهير ريتشارد رورتي، أكون ربما قد وضعت يدي على مفتاح الفهم، وامتلكت أداة مُثلى لتبديد تلك الحيرة.
ففي عصر "ما بعد الميتافيزيقا"، حيث تفقد الفلسفة سلطتها التقليدية بوصفها حارسة للحقيقة، يظهر صوت ريتشارد رورتي الفلسفي، وقد اتخذ موقعًا خارج الأسوار الأكاديمية الضيقة والميتة، داعيًا إلى إعادة تصور الفلسفة، لا بوصفها بحثًا عن الحقيقة، بل باعتبارها فعلًا لغويًا في الخيال، شبيهًا بالشعر.
وفي كتابه "Philosophy as Poetry"، "الفلسفة بوصفها هي الشعر"، لا يقدّم رورتي أطروحة نقدية كلاسيكية، بل يكتب نصًا هو نفسه شكل من أشكال الشعر الفلسفي، يعيد فيه تشكيل العلاقة الملتبسة ما بين الشعر والفلسفة.
يرى رورتي أن الفلسفة الحديثة وقعت في فخ التمييز الكلاسيكي بين "الواقع" و"الظاهرة"، بين "الحقيقة" و"الخيال". وهذا ما ورثته عن أفلاطون، واستمرت تُعيد إنتاجه حتى في صورها الوضعية والتحليلية. يدعو رورتي إلى التخلي عن هذا التمييز، لأن "لا وجود لحقيقة خارج اللغة"، وكل ما نملكه هو طرق مختلفة للقول، أي للاستعارة، للتأويل، لإعادة التسمية.
وهنا يقترب الشعر من الفلسفة: ليس لأنه يزينها، بل لأنه يمثل بديلها. فحين تتوقف الفلسفة عن ادّعاء امتلاك الحقيقة، تصبح قريبة من الشعر في وظيفتها التي تتلخص في توليد إمكانيات جديدة للتفكير والعيش بسلام.
وفي قلب النظرية الرورتية نجد فكرة أن الشعر ليس مجرد فن لغوي، بل هو القوة التي تخلق المفاهيم والصور والرموز التي نعيش بها. اللغة ليست مرآة، بل أداة نحت، والشاعر هو النحّات الخلاق للواقع. يقول في اقتباس من الكتاب: "الخيال هو الذي يبتكر اللعبة التي يلعب فيها العقل." بهذا المعنى، يكون الشعر هو الشكل الأعلى للفكر؛ لأنه يبتكر ولا يفسّر، لأنه يُعيد التسمية ولا يصف ما هو موجود.
عند رورتي، تصبح الفلسفة ضربًا من ضروب الشعر، لا لأنها تُكتب ببلاغة، بل لأنها تتخلى عن مطاردة الجوهر، وتلتفت إلى ما يُمكن قوله بطريقة مختلفة. يقول أيضًا: "نحتاج إلى الفلاسفة الذين يصوغون لغات جديدة، لا الذين يحللون معانٍ قديمة." وهنا تظهر الأهمية الرمزية لشخصيات مثل نيتشه، وداريدا، وبروست، وويتمان، كفلاسفة ـ شعراء. بل إن رورتي يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعيد الاعتبار لشاعرة مثل إميلي ديكنسون، فيراها، من خلال انكفائها الذاتي وكثافة لغتها، تجسيدًا لما يسميه "الذات المعجمية"، أي تلك التي تُعيد خلق ذاتها من خلال لغتها.
إن أهم ما يقترحه رورتي هو إعادة تعريف الشعر نفسه. فليس الشعر هو القصيدة المكتوبة على السطور والأوراق، بل هو كل فعل لغوي خلاق يجعلنا نعيش بشكل أعمق وأكثر تحررًا. في هذا الإطار، يتحدث عن الشعر باعتباره قوة مضادة: حيث الشعر هو
– ضد الميتافيزيقا،
– ضد المركزية العقلانية،
– ضد الادعاءات الأخلاقية المطلقة.
الشعر عند رورتي هو شكل من أشكال المقاومة الناعمة، لأنه لا يقدم إجابات، بل يُوسّع الأسئلة، ويقترح ألف احتمال بدلاً من يقين واحد.
هذا الكتاب Philosophy as Poetry، في حقيقته، هو ثلاثة محاضرات لرورتي، مع مقدمة لتلميذه مايكل بيروبي، وهو ناقد أدبي وفيلسوف ثقافي بارز، وكلمة ختامية لزوجته ورفيقة فكره، ماري رورتي.
ولم تكن مقدمة بيروبي مقدمة تقليدية، بل مثّلت نصًا تأمليًا سرديًا فلسفيًا فريدًا، أعطى مفاتيح ثمينة للدخول إلى عالم ريتشارد رورتي المعقد والبسيط في آن واحد.
لا يقدّم بيروبي مجرد تعريف بالمحاضرات الثلاث، بل يروي تجربة شخصية له كطالب عند رورتي، ويرينا كيف كانت محاضراته ومنهجيته، وكيف كان يُقوّم الأفكار لا الأشخاص، وكيف كان يتعامل مع اللايقين بوصفه فضيلة.
يقدّم بيروبي مقارنة رشيقة بين رورتي من جهة، وداريدا، هايدغر، نيتشه، وكانط من جهة أخرى. وتُظهر مقدمته كيف أن رورتي لم يكن تفكيكيًا بالكامل، ولا بنيويًا بالكامل، ولا تحليليًا بالمعنى الضيق للمصطلح، بل براغماتي خلاق، يكتب بفكر "ما بعد ميتافيزيقي"، بلغة شفافة، وبلا راديكالية زائفة. ولهذا، تعتبر المقدمة جزءًا من تجربة الكتاب، لا مجرد بابٍ له أو مدخل إليه.
في المحاضرة الثالثة من الكتاب، وهي ما يعجبني كقارئ أن ألفت النظر والتركيز عليها، يربط رورتي ما بين الرومانسية والبراغماتية، بوصفهما نمطين ثقافيين يتقاطعان في الإيمان بالخيال، والتجربة، والتغيير. كلاهما يرفض أن يكون للحقيقة مكان ثابت خارج الزمن والتاريخ:
"التقدم الأخلاقي والمعرفي ليس اقترابًا من غاية سابقة، بل تجاوزٌ لما سبق." يقول رورتي.
لا يطلب ريتشارد رورتي من الفلسفة، ودائمًا مع ماري رورتي، أن تصبح شعرًا على مستوى الشكل، بل على مستوى الوظيفة. أن تتحول من جهاز لإنتاج الحقائق، إلى فضاء للتخييل الخلاق. وهكذا، تصبح القصيدة، والفكرة، والمجاز، والاستعارة، وجوهًا مختلفة لفعل واحد: خلق إمكانيات جديدة للحياة."

حكمت الحاج

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى