محمد العرجوني - من هو المثقف؟

كلما طغت أحداث ما على الساحة الإعلامية، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، محلية أو إقليمية أو دولية، تتوجه الأنظار إلى المثقف. وكل منظار يراه حسب فهمه، إلا أن الفهم الذي يبدو متداولا، هو الذي يضفي عليه صيغة المتعلم فقط. وهكذا كل من له درجة علمية معينة، وكل كاتب (شاعر أو قاص إلخ..)، يصبح مثقفا حسب هذا الفهم. فمن هو هذا المثقف؟

المثقف، الذي اعتبره - كما سبق أن وضحت وجهة نظري حول مفهومه خلال عدة مناسبات- هو ذلك الفاعل الواعي و المنخرط في ديناميكية التحولات الاجتماعية والسياسية المحلية او الإقليمية، بل وحتى الدولية، انخراطا عمليا أو/و فكريا. فحينما يتحدث جرامشي عن المثقف العضوي، أي كل مثقف واع بمتطلبات الطبقة التي ينحاز إليها، وملتزما بالدفاع عنها،وهي الطبقة العاملة كما يبتغي جرامشي، فإنه لا ينفي في نفس الوقت وجود مثقف عضوي ملتزم بالدفاع عن الطبقة البورجوازية أو الرأسمالية إلخ.... وانطلاقا من هذا المفهوم، وحتى لا نبقى حبيسي المفهوم الطبقي فقط، يصبح المثقف العضوي هو ذلك الإنسان الواعي بوجوده كضرورة قصد المساهمة في إعلاء شأن مجتمعه، اجتماعيا و اقتصاديا وسياسيا وفكريا، من منظور وعيه، اتجاه قضايا تهم بلده أولا، ثم قضايا إنسانية بشكل عام، معتمدا في ذلك على المبادئ الإنسانية التي تضمن الحقوق بين الشعوب والدول في إطار الاحترام والتعايش في سلام على أرض وجب الحفاظ عليها. هكذا أتصور المثقف. إلا أنه، قد لا يكون بالضرورة متعلما، لأن درجة التعليم ليست وحدها كافية لاعتبار شاعر مثلا، أو مبدع أو عضو بإحدى اتحادات الأدباء، إلخ... مثقفا إذا كان يفتقد لهذا الوعي. فالوعي بما يحيط بالمجتمعات كما بينا، هو المؤطر الرئيسي لكينونة المثقف، خلافا لما يعتقد البعض، حينما ينطلق من درجة التعلم وحدها، للحديث عن مفهوم المثقف، بينما هو في الحقيقة يتحدث عن المتعلم. فالمثقف إذن، هو دينامو المجتمعات، والصراعات التي تعيشها هذه المجتمعات، التي لا تخلو من بصماته، كونه حمال للإديولوجيات المتصارعة. أما الوعي، فهو بطبيعة الحال، ذلك التفاعل المبني على العقل والتأني وليس على الانفعال والنزَق، اللذان يتسم بهما كل شعبوي متعلم أو غير متعلم .

لكن هل المجتمع العادي مكون كله من فصيلة المثقف؟ بطبيعة الحال الجواب هو لا. يتشكل في العموم من طبقة، في الغالب، مغلوبة على أمرها، ولها مثقفوها، هي أيضا. لكن هل تصغي دائما لصوت مثقفيها، الذين يلتزمون بالدفاع عن مصالحها؟ بطبيعة الحال الجواب هو لا. لسبب بسيط، لأن المجتمع العادي تتجاذبه عدة خطابات، و لا يشكل كتلة واحدة متضامنة، حيث قد يصعب عليه إدراك الخطاب الذي قد يقترب من أولوياته، لأنه يفتقد لآلية التحليل والفهم، التي تعتمد على الوعي. أضف إلى هذا أن المثقف، بالمفهوم الذي أدرجناه، والملتزم بقضايا المستضعفين، غالبا ما يكون محارَبا من قبل المتحكمين في السلط المتنوعة : سياسية، اقتصادية، دينية الخ.. لهذا يجد نفسه محاصَرا من قبل كل هؤلاء المتحكمين في دواليب المجتمع، مادام يعارض طريقة تدبيرهم للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية التي غالبا ما لا تخدم المصلحة العامة. بل والأخطر من ذلك قد يجد نفسه محاصَرا، بل ومحارَبا من قبل حتى هؤلاء الذين يلتحم بهم عضويا وينخرط من أجلهم في جبهة الدفاع عنهم، سواء في عمل نقابي أو سياسي أو فكري الخ... بل وقد يرشقوه بالمتعالي والانتهازي وبالعدمي والمثالي، وفي بعض الأحيان قد يصيبوه حتى بالأذى الجسدي، ولنا عبر التاريخ أمثلة كثيرة إلخ...، وذلك بتحريض طبعا من قبل المتمسكين بامتيازاتهم على حساب هؤلاء المجيشين ضده، وهم غير واعين بان تجييشهم ما هو إلا تجييش ضد صوتهم و مصالحهم. وهكذا تنتفع الشعبوية وتُستغل عاطفيا لكبح أي تحرك للإنسان الواعي، اي المثقف. فتصبح الشعبوية هي المتحكمة في أحوال السياسة والثقافة والاقتصاد، بل وتتطاول حتى على الميدان الفكري رغم بعدها عنه، إلخ...

لكن في نفس الوقت، وتحت الضغط الناتج عن هذا التجييش، وعن الهجوم الشرس الذي يتلقاه المثقف من قبل المتحكمين، يمكن رصد بروز أربعة أنواع من المثقفين:

1- المثقف الانتهازي، الذي يسقط بسهولة تحت الإغراءات التي تهدف إلى تدجينه، ثم يصبح بوقا لمن أنعم عليه، فيُسوق لشعارات الشعبويين المجيشين بدون إحساس بالذنب، مادام يستفيد من هذا الموقف.

2- المثقف الذي يرضخ للضغوطات الشعبوية من غير إغراءات، فتجده أكثرهم حماسا منهم لشعاراتهم، ويكشف عن هشاشة في ثقافته ووعيه. إلا أن البعض من بين هذه الفئة، ورغم الرضوخ، قد يعيش نفسيا في سكيزوفرينيا تعذبه كلما انتبه لتناقضاته...

3- ثم المثقف الذي ينزوي إلى ركن مقتنعا أن الوعي شقاء حينما لا يؤدي إلى أي تأثير فيمن هم في حاجة إلى الانعتاق. وقد يُنعت بالمنهزم.

4- وهناك اخيرا المثقف الذي يصمد ويواصل تشبثه بما يؤمن به، إلا أن هذا النوع، مع الأسف قد لا يستفيد من التجارب جيدا بالرجوع إلى النقد الذاتي، عساه يواصل مهمته بكل ذكاء، وفي هذه الحالة، لن يكون له أي مفعول، اللهم أنه يكتفي بإرضاء نفسه بتشبثه بموقفه، كاشفا هكذا عن نرجسية قد تبدو غير مفهومة؛ إلا أنه وخلافا للراضخ، قد يتفادى السكيزوفرينيا. لكن، مع مرور الوقت، قد يبدو رجعيا غارقا في ماضوية يهدهدها الحنين، ومنغلقا على سلفيته.

هكذا، في نظري يمكن الحديث عن المثقف، لتفادي ذلك الفهم المبسط الذي يجعل من كل متعلم ولو بدرجة عليا في التعليم، أو بمستوى إبداعي مقبول، مثقفا، علما أن وعيه لا يرقى إلى ذلك المفهوم. أن تكون إذن حاملا لهذا النعت، ليس بالأمر الهين، خاصة حينما تعلو أصوات التفاهة، والشعبوية في الظروف الصعبة. ولنا في التاريخ عبر وأمثلة كثيرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى