أدب السجون إبراهيم حالي - زاوية الغرفة التي توسّدتُ حتفَنا

لا بدّ أن ثمة خطأً ما.
هكذا فكّرتُ بنصف وعي، وأنا أُقاد من الزنزانة إلى ممرٍّ معتمٍ خانق، تتكاثف فيه رائحة العفن، وتتنهّد الجدران رطوبةً خائفة وصراخًا مخنوقًا.

الحارس يسير بجواري، صامتًا، صارمًا، حذرًا.
عيناه تأبطتا شرًّا، وملامحه بدت مألوفةً على نحوٍ مريب؛
كأنني رأيتُه من قبل…
في حلم؟ رواية؟ فيلمٍ وثائقي عن الحرب؟
أم في كابوسٍ قديمٍ نسيته، ثم عاد فجأةً لينقضّ على ذاكرتي ويخربش جدار النسيان؟

ربما كان واحدًا من أولئك الذين لا تتقاعد أيديهم،
حتى بعد أن تصمت البنادق؛
ممن اعتادوا جلد الأسرى باسم الوطن،
ولو كانوا رفاق الأمس القريب.

لم يسألني، لم يُقَل لي شيء؛
فقط كان ينظر إليّ بصمتٍ قاتل، وترصّدٍ غريب، كثعبانٍ يريد الانقضاض على فريسته.

أعادني إلى الزنزانة كما خرجتُ منها: بصمت، كأنني دمية.

صديقي…
رفيق السهرات والضحكات القديمة… لم يكن هناك.
اختفى فجأة، كما يختفي الظلّ حين ينكسر الضوء.
كأنّ ما كان بيننا من غناء، وكؤوس، وأرصفةٍ ليلية،
لم يكن سوى حلمٍ عابر في مدينةٍ مجنونة، فقدت عقلها ونامت على صباحها المذبوح.

حاولتُ أن أتذكّر تلك الليلة التي سبقت اعتقالي،
لكنّ الذكرى كانت زلِقة، تتفلّت من بين أصابعي كقطعة صابونٍ مبلّلة؛
كلّما حاولتُ الإمساك بها، انزلقت.

كنّا معًا… نتحدّث… عن ماذا؟
عن الحرية؟ عن الاستقلال؟ عن الثورة؟
أم عن تلك الفتاة التي كانت تعزف الجيتار في ملهى بشارع النخيل؟

لا وقت الآن للغناء.
أنا هنا، في زنزانةٍ ضيّقةٍ قذرة،
أستند إلى جدارٍ بارد، ولا أعرف أين اختفى صديقي.
الشكّ ينقر عقلي كعصافير جائعة.

تذكّرتُ المرحاض.
الدم.
الصراخ.
رائحة الحديد الصدئ.
أصوات رصاص؟
أم أنّ الجوع والرعب نسجا لي مشهدًا من الهلوسة؟

ربّما مات أحدهم فعلًا،
بينما كنتُ أتقيّأ قرفي في زاويةٍ قذرة،
بين ظلمةٍ وعفنٍ لا ينتهيان.

كلّ ما أعرفه:
أنّ هذا ليس سجنًا.
إنها غرفة انتظارٍ طويلة، على حافة الهاوية.

السجّان لا يتحدّث.
فقط يضرب.
يضرب، ثم يضرب، كأنّ في صمته رسالةً أبلغ من الكلام:
“أنتم لستم بشرًا.”

رفاق الزنزانة صامتون.
كأنهم أصنام.
أو أشياء وُضعت هناك عن قصد.
أو كأنهم دخلوا في صومٍ جماعيّ عن الذاكرة،
أو تواطؤٍ صامت ضد الألم.

جلستُ على الأرض، في شرودٍ أشبه بنصف غيبوبة.
جسدي يئنّ، وروحي تتساقط كورقة خريفٍ يابسة.

وفجأة،
سعلةٌ طويلة شقّت السكون،
خرجت من ركنٍ مظلمٍ في الزنزانة،
كأنها صعدت من قاعِ رئةٍ محترقة… ثم صمت.

جاء الحُرّاس،
غُبشًا، متجهّمين، عابثين.
وضعوا الجسد في كيسٍ أسود،
وأخذوه كما تُؤخذ أكياس النفايات التي تتنفس للحظة… ثم تُنسى.

لا أحد تحرّك.
لا أحد سأل.
لا أحد احتجّ.
اللامبالاة هنا ليست قسوة…
إنها وسيلة نجاة بائسة.

نظرتُ إلى الباب الحديدي،
ذلك الباب الذي يُغلق كلّما دخل العسكر وخرجوا،
يُغلق كفم مقبرةٍ تبتلع الأجساد.

كم سيمضي من الوقت قبل أن أنسى اسمي؟
قبل أن يتلاشى وجهي من مرآتي الداخلية؟
قبل أن أذوب في هذا الجدار الباهت كقطعة طينٍ مهترئة؟

ثم، بعد صمتٍ ثقيل،
صمتٍ يكاد لا تُسمع فيه الأنفاس،
همس أحدهم، بصوتٍ يشبه حكيَ حكايةٍ منقرضة:

“البارحة… اختفى الشاب الجديد،
لأنه سأل فقط، وبحرقة: لماذا أنا هنا؟”

ثم عاد الصمت.
صمتٌ لا يشبه الهدوء،
بل يشبه التواطؤ.

لا أحد سأل عن اسمه.
لا أحد حاول تذكّر ملامحه.
هذا المكان لا يحفظ أسماء من غابوا.
هنا، الغياب لا يُنادى بالأسماء،
ولا يُقرأ الوجوه.
فقط يأتي، يأخذ، ويمضي.


إبراهيم حالي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى