علجية عيش - المفكر محمد أركون و الأنتروبولوجية الدينية

المجمع الفاتيكاني الثاني أرسى ثقافة الحوار مع الإسلام لمواجهة الإسلاموفوبيا

سؤال: هل الأنسنة هي الوجه الآخر للعلمنة؟

يقول باحثون في الفكر الديني أن العصر اليوم هو عصر انتصار القيم الإنسانية وما حققته من نتائج توصل إليها العقل البشري بعد تحرره من الكنيسة الكاثولوكية واللاهوت الديني، وأن إحداث مقاربة بين التنويريين في الغرب ودعاة التنوير في الشرق يقتضي الوقوف على خصوصية الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي، من وجهة نظر الباحثين فإن مجال الأنسنة يتجاوز المرحلة السابقة التي قام بها الشرق الإسلامي الذي كان متفوقا على حضارات غيره في مرحلة الفتح الإسلامي، كما أن التعايش السلمي بين الأديان فهو مرتبط أساسا بالحوار بين الأديان والحضارات والثقافات، خاصة وأن العلاقات الحالية بين المسلمين والمسيحيين تشكل نموذجا في إرساء القيم الإنسانية
494039375_2424824671210026_8672141117900775274_n.jpg

هل تكفي قيم الأنسنة وحدها في بناء مجتمعات بشرية يسودها العدل والمساواة و الإحترام، بعد 16 سنة من إرساء هذه القيم؟، وهل يعود ذلك إلى خصوصية الوضع الفكري والمراحل التي عرفت بعصر التنوير؟ والتحولات التي شهدها الإنسان الذي كانت له الجرأة في نقد النص الديني؟ تلك أسئلة طرحها باحثون في الفكر الديني ومختصون في مقارنة الأديان وعلوم الشريعة للرد عليها في مؤتمر دولي حول مفهوم "المشترك الإنساني في الفكر الإصلاحي الديني الأوروبي والعربي الإسلامي في العصر الحديث" ، فالمشترك الإنساني تتقاسمه ثقافات متعددة من أجل إعادة الانسجام للإنسان والإنسانية وإظهار مدى قدرة الإصلاح الديني على تجاوز الأزمات العالمية التي تزداد اليوم تعقيدا بسبب الصراعات الدينية فيما يسمى بـ: "الإسلاموفوبيا"، وبات الأمر يلح على الدعوة إلى حوار الأديان والثقافات، هي اوراق قدمها مختصون في الفكر الإسلامي و مقارنة الأديان ناقشوا فيها "حركة الأنسنة" التي هي بيداغوجية جديدة مبنية على التمرّن والتنوير السياسي وتحتاج إلى مناظرات دينية من خلال العودة مباشرة إلى الكتب السماوية المقدسة ( الإنجيل و القرآن الكريم) ، فالأنسنة عرفها الحداثيون بأنها الوجه الآخر للعلمنة، وقد أشارت العديد من النظريات الأوروبية والعربية إلى أن الأنسنة تتمحور حول الإنسان لتحديد الهوية الإنسانية، تبقى مسألة المصطلحات فهي لا تزال دون تمحيص علمي فكانت عائقا كبيرا في تقريب الرؤى لفهم العلاقة بين الأنا والآخر وإمكانية العيش معا في إطار التعايش السلمي مع الاحتفاظ بخصوصية كلّ منهما، خاصة و بعض المصطلحات هي دخيلة علي الفكر الإسلامي مثل "الأنا و الأخر" و "نحن و الهم" و غيرها من المفاهيم التي ما تزال غامضة و مبهمة

أرادت حركة الأنسنة في العالم الأوروبي أن تبعث نَفَسًا جديدا في المسيحية الكاثولوكية وإقامة مقاربات بين النزعة الإنسانية، كان المنطلق كهنوتيا قام به المفكر الغربي راسموس مختص في الفكر النقدي حيث اعتمد على منهج الوثنيين الذين اعتبرهم أكثر مسيحية من المسيحيين أنفسهم، وإن كان راسموس قد جعل النزعة الإنسية كمنهج و قاعدة دون الخروج عن الكنيسة، فإن محمد إقبال وقف على وضع الأمة الإسلامية وعوامل التحضر في العالم الأوروبي، فعمل على تجديد الفكر الديني من خلال المنهج الرشدي من أجل التعقل فقال بخلود العقل الفعال، كانت هذه مقارنة للفكر النقدي بين راسموس ومحمد إقبال، أشارت إليها الكتابات، فالاثنان ركزا على علاقة الإنسان بالدين من أجل إعلاء قيمة الإنسان، ذلك باستخدام المنهج العقلي والنقدي لكل المضامين المعرفية والتعامل معهما بقداسة، أما فكرة التعايش السلمي بين الأديان لاسيما بين الإسلام والمسيحية وبخاصة الكاثولوكية.

يري باحثون و منهم الدكتور عبد القادر بخوش باحث في الفكر الديني من جامعة قطر فهو مرتبط أساسا بالحوار بين الأديان والحضارات والثقافات، وقال ان العلاقات الحالية بين المسلمين والمسيحيين تشكل نموذجا في إرساء القيم الإنسانية ، أما المجمع الفاتيكاني الثاني فقد أرسى ثقافة الحوار مع الإسلام لمواجهة الإسلاموفوبيا في مؤتمره الثاني المنعقد في 1962، حيث أحدث تغيرا كبيرا على كل المستويات، في إطار الأنسنة وخالف ما جاءت به قرارات المجمع المسكوني الثاني الذي اتبع نظام الرهبان وابتعد عن المسيحية الصحيحة، خاصة وأن العصر اليوم وهو عصر انتصار القيم الإنسانية وما حققته من نتائج توصل إليها العقل البشري بعد تحرره من الكنيسة الكاثولوكية واللاهوت الديني، هي دعوة لإحداث مقاربة بين التنويريين في الغرب ودعاة التنوير في الشرق و تحقيق هذه المقاربة تكون بالوقوف على خصوصية الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي.

المفكر محمد أركون و الأنتروبولوجية الدينية

معظم الكتابات أهمل أصحابها جانبا مهما من النظريات التي تأسست في هذا الشأن، خاصة ما يسمى بـ: الإنتروبولوجيا الدينية، التي تحدث عنها بعض المفكرين و هم قلّة، من بينهم المفكر الجزائري محمد أركون الذي كانت له أطروحات حول الإصلاح الديني، هذا المفهوم الذي كثر استعماله وتوظيفه من طرف رواد النهضة الأوروبية الحديثة ومن قبل زعماء الإصلاح والتجديد في العالم العربي والإسلامي الحديث، فقد كانت لمحمد أركون نظرة خاصة لما يسمى بـ: "الإنتروبولوجية الدينية"، كما تكلم عن العلاقة بين تطبيق الدين الإسلامي تطبيقا صحيحا وتقليده، على غرار ما حدث في التقليدين اليهودي والمسيحي، وصولا إلى غاية "علمنة" المجتمع الإسلامي وتنويره، فمحمد أركون كان له منهجا خاصا في تطبيق النص القرآني وهو منهج كان قد طبق على النصوص المسيحية، ويتلخص في إخضاع القرآن للدراسة النقدية التاريخية المقارنة، والتأمل الفلسفي لمعنى النصوص، ودعا إلى إخضاع النصوص القرآنية إلى النقد من وجهة نظر تاريخية، فمن جهة أراد بذلك أن ينتقد الأطروحات الاستشراقية للعقل اللاهوتي عند أهل الكتاب، ومن جهة أخرى أراد أن يفسح المجال أمام الحداثة والأنوار، بمعنى أنه يحرص على التمييز بين المُفَكِّر فيه وبين اللا مُفِّكِر فيه وما لا يمكن التفكير فيه داخل النسق الإسلامي، وهذا لمعرفة إن كان الدين ثابت أو متغير.

كتب محمد أركون : أنا صوتٌ يرتفعُ داخل الإسلام لكي يقول بأن هناك طريقة أخرى لمقاربة الظاهرة الدينية اليوم..، أنا صوتٌ من بين أصوات أخرى تحاول أن تُعَبِّرَ عن نفسها و تحتلَّ مكانتها في المجتمع و في أوساط الباحثين العلميين و ذلك من خلال مناقشة مفتوحة ترغب في أن تكون "ديمقراطية" بالمعني الفكري و العقلي للكلمة ، و قال : ينبغي علينا أن نناضل و نصارع في تحليل الواقع التاريخي الراهن، تحليلا نقديا بكليته،دون أن نقول أبدا بأننا نمتلك الحقيقة ،و هذا ليس من أجل تسفيهه أو الحط من قدره و اهميته، و إنما من أجل تفكيكه و تبيان سبب نشأته و تشكله، و الطريقة التي ينبغي إنجازها تتمثل في إعادة القراءة التفسيرية للقرأن، و ذلك ،لأن الإسلام انطلق من حدثين اثنين لا ينفصمان عن بعضهما البعض: الحدث الأول يتمثل بالخطاب القرأني، و الحدث الثاني يتمثل بتجربة المدينة، و دعا إلي اعتماد استراتيجية محددة من أجل تفكيك مجمل التراث الإسلامي، و قراءة الإسلام قراءة "ديالكتيكية" لا قراءة خطية أو دوغمائية، لأنها فُرِضَتْ بالقوة و ركزت علي فضاء واحد و حجبت فضاءً أخر، و لهذا فنحن مضطرون لخوض المعركة علي أرض الواقع، و بالتالي فهي ليست معركة وهمية أو تجريدية تجري بين المثقفين المنغلقين في أبراجهم العاجية، إنها معركة تستهدف زعزعة ( و بالتالي زحزحة) كل الأحكام المسبقة السائدة في الجهة الإسلامية كما في الجهة الأوروبية أو الغربية. ( انتهى)

تبقى إشكالية العلاقة بين الإسلام والمسيحية من وجهة نظر الباحثين من القضايا الحساسة جدا، لاسيما في هذه المرحلة بالذات، مرحلة يتكالب فيها البعض على الإسلام والتحولات السياسية التي تمر بها المنطقة العربية، تلعب فيها النزاعات دورا هاما، تظهر فيها مصطلحات ومفاهيم جديدة تحتاج إلى أكثر تبسيط مثل: ( المواطنة، الحداثة، التحرر الفكري والديني، الأنسنة، الدمقرطة، العرقومية، العردينية، العلمنة و العولمة، الإسلاموفوبيا، الأدلجة، الأسلمة ، الأخونة وغيرها من المصطلحات، و بخاصة مفهوم "الأسلمة" islamization، والذي يقابله مصطلح التنصير والتهويد، في ظل تطور الفلسفات والسياسات، وهي طبعا بالنسبة للبعض مسألة معقدة وشائكة لأسباب عدة، بسبب ظهور مصطلحات جديدة مثلما نراه في مفهوم العربنة، وإن كانت هذه المصطلحات هي ثمرة تلاقح أفكار نخبة من العلماء ورجال الدين والمختصين في العلوم و الإنتروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وحتى الطب، فإن الصراع القائم بين التقليديين والحداثيين مستمر، والدور الذي لعبه المستشرقون في نقل أفكارهم وترجمتها، خاصة وأن لفظ أسلمة كما يقول بعض الباحثين من الألفاظ التي شاعت في الدراسات الغربية وكتابات المستشرقين، أي تَحْويل الفكر من منهجٍ ما إلى منهجٍ آخر قائم على الإقرار بشرائع الدين الإسلامي، تضاف إليها مختلف النظريات التي نشأت منذ عصور، و هذا يستلزم تنبيه "النخبة" من السقوط فريسة الأفكار السطحية التي يطرحها قليلي العلم والفكر.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى