الأرض مرشحة لكي تتحول إلى قبر كبير .. مقتطف من رواية أمي نحيب الصامتين

قف، هنا قبر أمي، لا تبق واقفا في حضرة الموت، اجلس أمام مصيرك المنتظر، و اصغ لصوت الموت و لنداءاته، كل قبر بألف حكاية، كل واحد مشى طويلا من أجل أن ينعم يوما بهذه الراحة الأبدية، فلا تسأل عن جنسه و جنسيته، لا تسأل عن بطولاته و فتوحاته الدنيوية، لا تسأل كيف مات، فالموت أراه شكلا من أشكال الحياة، اقترب قليلا و اختر أي قبر، ضع رأسك فوق شاهده و اصغ إلى سحر الصمت، الذي يصدح من سكينة الموت، إنه مزيج سحري من صمت السنين و خرس الهجرة و المهجرين، هنا اللغة أعلنت عن وفاتها، هنا الكلمات تلبس كفنها الحبري، هنا الحرف يغسل جثث الأبجديات، فصمت الموت أكبر و أعظم من كل اللغات، جرب مرة أن تنزل قبرا على المقاس، ضع رأسك على التراب و جرب أن تعيش الموت، اترك روحك الآدمية خارج مأواك الجديد، اغمض عينيك، و اقتل الحركة في رجليك و يديك، و انس أنك تتكلم لغة أو كل اللغات، خذ وقتك للانصهار بهذا الصمت الذي يعم المكان، خذ وقتك لكي تراك تحظى بقبر لك وحدك، خذ وقتك لتراك ميتا، اشحن نفسك بجرعات من صمت حقيقي، اقتل بداخلك كل صورك القديمة و أنت تتكلم، تصرخ، تحاور تجادل، تسب تلعن، تقصف تطعن، قم بتجربتك الأولى و أنت تنعم بصمت القبور، حتما ستخلص أن كل الصمت الذي يحيط بالموت أجمل بكثير من صمت فرضته عليك الحياة، منذ صرخة ولادتك الأولى، أينما وليت وجهك إلا و تجد الكل يأمرك أن تخرس، هنا فرصتك المواتية لكي تكفر عن سنوات صراخك/صمتك، هنا الصمت متعة، هنا باختصار شديد يتحقق حلم الهجرة إليك، يتحقق حلم الابتعاد عن الصمت المرخص بمرسوم. كان هذا مجرد تجريب عملي قد يؤهلك للالتحاق بحلم الهجرة إلى الموت، فهنيئا لكل من استوعب هذا الإعلان السابق لزمنه، فكل المؤشرات تفيد أن الأرض مرشحة لكي تتحول إلى قبر كبير، كلنا غدا سنحفر قبورنا بأيدينا، و نتلقى العزاء منا فينا، و نمضي إلى موتنا و نحن نجر جثثنا بأيدينا، ندخل قبرنا الجماعي الذي حفرناه في صمت برموش أعيننا، نغلق قبرنا الجماعي الكبير، و بصوت واحد، قبل أن ينقطع التيار مع الحياة، و قبل أن تحجب الشمس نهائيا ضوءها عنا، سنصيح : "وداعا أنت أيتها الحياة، وداعا يا نحيب الصامتين، يا مقبرة كل المهجرين بين الصراخ و الصمت، عاش الموت منصفا، و عاش فينا صمته المغري الجميل ".

لا تتعب نفسك في البحث عنك، فأنت واقف مباشرة خلفك، و توهم نفسك و الجميع من حولك أن هناك مسافة بينك و بينك و بأنك في مأمن منك، ابحث عنك فيك، ستكتشف أنك كنت معتقلا طيلة عمرك بداخلك، تهمتك جُبنك الذي وصل حد التطرف، أفقدك قدرة التصرف، و قدرة المبادرة على أن تقنع نفسك أنك حي، افتح باب المفاوضات مع الخوف الذي سلبك الحق في أن تكون أنت، و ليس صورة مدبلجة و مشوهة منك، لا فكرا مستعارا، و لا قيما و مبادئ مدمرة و منهارة، اقنع نفسك أنك في استطاعتك أن تكسر حيطان سجنك الذي بنيته بيديك، دخلت زنزانته و أغلقت الباب عليك، و جلست في أقصى ركن مظلم من أناك، تحصي كم يلزمك من جرعات من الشجاعة لتقول لك و بدون خوف أو تردد، أنك جبان، أنك قتلت نفسك بدون دليل أو برهان، و أنك انزويت إليك بعيدا عنك، و اتخذت من الصمت قبرك الأبدي، يكفيك شر النطق بالحق في وجه كل من نطق بالظلم، اجلس أمامك، و لتكن جلسة مكاشفة و محاسبة، قرأتَ كتبا عديدة لسنوات، ألم تصادف يوما و لو عبارة واحدة تحثك على أن تكون أنت؟ و أن لا تلبس وجها غير وجهك، ألا تستعير قلبا غير قلبك، و تجهر و أنت واقف أمام ضميرك و ضمير كل تلك الجماعة التي طالما انتظرت وقفتك تلك، أنك عشت حياتك محايدا إلى أقصى المغالاة، و كتبت كتبا و ملايين الصفحات، عن الحب في زمن الحرب و الجوع، عن الورد في زمن الاضطهاد، عن تغزلك في صبية حفظ قرائك كل تفاصيل جسدها، و لم يوح لك وجهك المستعار، و ضميرك المنهار، و ما التقطته عيناك من بؤس استوطن كل تلك الأجساد التي تطل عليك من مقاطعات الجوع و محافظات الفقر في كل ملامحه المزرية و البئيسة، أن تكلف نفسك عناء السفر في كتاباتك إلى ربوعهم المستبدة و المضطهدة، و أن تشحن قلمك و لغتك بطاقة الحق و الحقيقة، اقصف و لو مرة جبنك و سخر حبرك لفضح وجهك المستكين، و فضح كل من صنع منك آلة طباعة تكتب حسب الطلب، فالكتابة أيها الأديب كانت دوما ورشة سرية تصنع قنابل و متفجرات من كلمات و خطابات، تكتب قصيدة كلها ألغام، تنسف بها عدو قضيتك و قضية كل المستضعفين من حولك، و لم تكن أبدا قصائد حب في زمن ندرة الرغيف، أو غزل في سنوات التسول الجماعي على الرصيف، الكتابة حبر ناسف، الحرف سيف و الكلمة دَبّابَة، فاختر سلاحك أو تراجع، ستجد نفسك خارج الضمير، و خارج التاريخ، و خارج الكتابة، ستجد نفسك وراءك، تختبئ منك، لا تقوى على النظر إليك و لا أحد في استطاعته أن يَدُلَّكَ عليك، حدد موقفك منك، فالحياة مجرد مشهد من فيلم سينمائي قصير، حذفت الرقابة كل حواراته الجوهرية فأصبح بلا معنى و بلا روح .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى