في مقاله الصادر في جريدة «الأخبار» بتاريخ 18/12/2011، تعرّض الدكتور أسعد أبو خليل لوالدي ولي، غير أنّه ليست لديّ أية رغبة في الرد عليه. وليس عزوفي ذلك ناشئاً عن عدم إيماني بأهمية المساجلات الفكرية، إذ على العكس تماماً، غير أنّ ما قرأته في تلك الأسطر لا يطرح فكرة ما أو موضوعاً ما للمناقشة.
كل ما قرأته كان مجرد أحكام إعدام بالجملة. فالكاتب حاول إعدام سيرة رجل عربي اسمه عجاج نويهض، ابتدأ نضاله ضد الصهيونية على أرض فلسطين منذ عشرينيات القرن الماضي، ومجلته «العرب» تشهد؛ ومعتقل صرفند يشهد؛ ودار الإذاعة الفلسطينية في أيام رمضان وهي تصدح: «هنا القدس... هنا مدينة الإسراء والمعراج... هنا مدينة عمر» تشهد؛ ومئات المقالات التي دبجها في كشف طبيعة الصهيونية العنصرية على صفحات الدوريات العربية، من الرباط حتى مكة، تشهد؛ ومذكراته «ستون عاماً مع القافلة العربية» تشهد؛ وكتابه «بروتوكولات حكماء صهيون: نصوصها، رموزها، أصولها التلمودية» يشهد. فالعربي المجاهد، عجاج نويهض، هو من الأوائل الذين كشفوا طبيعة الصهيونية العنصرية، وهو من لاحقته الحركة الصهيونية عشرات الأعوام من عمره. يوم كان والدي حياً، لا أذكر حادثة واحدة تعرض فيها للذين لا يعتقدون بصحة البروتوكولات. كان دوماً من أصحاب العقل الواسع، والصدر الرحب، ومنه تعلمت حرية الفكر والرأي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذا المقال. كان من أحكام الدكتور أبو خليل أيضاً قراره بإعدام مؤلفاتي بالجملة. والسبب هو ـ كما يقول ـ استشهادي في كتابي «فلسطين: القضية. الشعب. الحضارة...» ببروتوكولات حكماء صهيون، وهذا ـ برأيه ـ سبب قاطع لمنع الباحثين والطلاب من العودة إلى كتابي الأول عن «القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين...»، ولعلني في يوم قادم أقرأ حكمه بالإعدام على كتابي «صبرا وشاتيلا...»، أو أي كتاب لم أنشره بعد.
غير أنّ ذلك كلّه لا يستدعي الرد، إلا أنّه تجدر الإشارة إلى ضرورة مناقشة السبب القاطع أو «الجريمة» التي ألصقها الدكتور بي. فهي ـ كما يقول ـ استشهادي بالبروتوكولات في كتابي «فلسطين..»، بينما الحقيقة أنّه لم يرد في هذا الكتاب أي استشهاد بالبروتوكولات على الإطلاق ـ كما هو مفهوم الاستشهاد القائم على تقدير المؤلف لمن ينقل عنه مثلاً ـ بل على العكس من ذلك، فكل ما ورد فيه من مقتبسات عن الأصل كان بهدف التوصل إلى تحليل علمي لهذا الكتاب المثير للجدل، وهو الكتاب الذي لا تتطابق قناعاتي بشأنه مع قناعات والدي. لكن ذلك ليس موضوعنا (راجع: «فلسطين: القضية. الشعب. الحضارة...» (1991)، ص 349 ـ 356).
وأسمح لنفسي في هذا السياق بأن أذكر ما جرى معي في 17 أيلول 1982، وكانت قد مضت أيام قليلة على احتلال الجيش «الإسرائيلي» لبيروت الغربية. اقتحم بيتي أربعة ضباط وجنود «إسرائيليين» ـ ولست بصدد تفاصيل تلك الساعة ـ لكنّني أتوقف حين امتدت يد الضابط قائد المجموعة، فسحب كتاب البروتوكولات من المكتبة، وحمله بغضب، وقال بأنّ هذا كتاب سيئ ويجب أن يُمنع. أجبته بهدوء: «واضح أنّنا في لبنان نتمتع بحرية فكرية أكثر مما لديكم في «إسرائيل». سألتني قبل قليل عن مهنتي، وأجبتك بأنّني أستاذة في العلوم السياسية، في الجامعة اللبنانية، وطلابي هم الذين يحكمون على هذا الكتاب أو ذاك. وكل منهم له رأيه وتحليله. هذه أبسط قواعد حرية المعرفة».
وأختم هذه المقدمة الطويلة بإيماني بضرورة البحث في المواضيع الأساسية، ومنها التمادي «الإسرائيلي»/ الصهيوني، الذي لم تعد له حدود في قهر الشعب الفلسطيني... فما أهمية «البروتوكولات» وقد تفوّق عليها زعماء الصهاينة عنصريةً وإجراماً؟
هذا هو الموضوع الذي أعتقد أنّه الأهم، وللخوض فيه لا بد من عرض موجز للبروتوكولات بهدف التوصل إلى طبيعتها، أهي صحيحة أم مزورة؟ ثم مقارنتها بما صدر ويصدر عن الزعماء الصهاينة، حتى يومنا هذا.
المعروف أنّ نتائج مؤتمر بازل الذي دعا إليه هيرتسل وترأسه في 1897 تتلخص في أمرين. الأول «برنامج بازل» المؤلف من أربعة بنود تتمحور حول هدف الصهيونية الأساسي، أي تأسيس وطن لليهود في فلسطين. والثاني مسودة نص من أربعة وعشرين بروتوكولاً أصبحت تُعرف بـ«بروتوكولات حكماء صهيون»، قيل إنّها كانت قد أعدت لإقرارها في المؤتمر، وقيل إنّه يفترض بالحركة الصهيونية أن تسير عليها، كي تحقق أهدافها.
عندما صدر كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» أول مرة بالإنكليزية في لندن، في 1919، أثار عاصفة هوجاء. أنكر الصهاينة الكتاب جملة وتفصيلاً، واعتبروه مزوراً، من صنع المعادين للسامية بقصد إيذاء اليهود، فأخذوا يشترون النسخ من الأسواق للحدّ من توزيعها. وكانوا يعتبرون كل من يقتني الكتاب أو يتحدث عنه معادياً للسامية يستحق العقاب. فكانت النتيجة عكس ما سعت إليه الحركة الصهيونية؛ إذ تُرجمت «البروتوكولات» إلى عدّة لغات، واكتسبت شهرة فائقة.
يظهر من خلال البروتوكولات الأربعة والعشرين مخطط شامل لاستيلاء المنظمة الصهيونية العالمية على مقدّرات العالم. والمخطط أن يتم ذلك بتقويض كل ما هو قائم، ولا سيما أوروبا المسيحية، وروسيا الأورثوذكسية، والبابوية، والإسلام. وسيحتاج هذا، وفقاً لتصورات واضعي «البروتوكولات»، إلى فترة مائة عام تنتهي في 1997؛ فعندئذ، يعتقد أصحاب «البروتوكولات» أنّهم سيستولون على العالم المنهار، ويقيمون ملكاً يهودياً لنسل داوود، بإعلانهم الحكومة العالمية اليهودية على أنقاض الآخرين. لا توجد حتى الآن رواية ثابتة لأصل «البروتوكولات» التي تنسب، عادة، إلى مؤتمر بازل، فهناك أكثر من رواية. ورد في مقدمة النسخة الإنكليزية أنّ العالم الروسي سيرجي نيلوس هو أول من ترجم «البروتوكولات» إلى اللغة الروسية. والمعروف أنّها نشرت أول مرة ـ بالتتابع ـ في الصحيفة الروسية «Moskowkja Widmosti» في شتاء 1902/1903، ثم نشرت ثاني مرة في صحيفة روسية اخرى هي «Snamja» في شهري آب وأيلول من سنة 1903. أما خارج روسيا، فلم يكن قد عرف عنها شيء بعد.
لما وصلت نسخة من ترجمة نيلوس إلى المتحف البريطاني في 1906، لم تثر انتباه أحد حتى كانت الحرب الكبرى. وكان الصحافي البريطاني فيكتور مارسدن هو من قام بترجمتها إلى الإنكليزية. وعندما صدرت ترجمته في 1919 أول مرة، ابتدأت المعركة الصاخبة في شأن صحة «البروتوكولات» من عدمها.
تختلف رواية الكولونيل سكوت في كتابه «الحكومة الخفية»، فهو يذكر أنّ أصل «البروتوكولات» يعود إلى مؤتمر بازل، فهذه الوثيقة قد أعدت لإقرارها في المؤتمر، غير أنّ البوليس السري القيصري قد دبر حريقاً في مكان الاجتماع، في اليوم الثالث، فهرب الأعضاء واستولى البوليس على أوراق المؤتمر، وبينها مسودة «بروتوكولات حكماء صهيون». وفي سان بيترسبورغ، عثر على هذه المسودة بين الأوراق. وبغض النظر عن الأصل في ظهور البروتوكولات في روسيا، فالمعروف عن مصيرها أنّ نسخها أتلفت بعد قيام الثورة البلشفية. وفي عهد كيرنسكي، أصبحت عقوبة حيازة البروتوكولات الإعدام.
لجأ الصهاينة مرة واحدة إلى القضاء لإثبات تزوير «البروتوكولات»، فادعى «اتحاد الطوائف اليهودية» في سويسرا، في 1933، على خمسة أعضاء من الجبهة الوطنية السويسرية بتهمة نشرها في سويسرا. وحكمت المحكمة السويسرية للجانب الصهيوني، وأعلنت أنّ «البروتوكولات» مزورة. إلاّ أنّه لما استأنف المدّعى عليهم الحكم، أصدرت محكمة الجزاء العليا حكمها في 1937 بإبطال القرار السابق.
صحيح أنّ أحداً لم يتمكن حتى الآن من إثبات صحة «البروتوكولات»، غير أنّه صحيح أيضاً أنّ أحداً لم يتمكن من إثبات عدم صحتها. ويؤخذ على الصهاينة الذين يتنصلون منها أنّهم لم يُخضعوا «البروتوكولات» لأي تدقيق علمي من قبل الخبراء لإثبات التزوير الذي يقولون به، وهم بذلك سهلوا مهمة الذين هاجموا «البروتوكولات» بعنف.
لم تترك «البروتوكولات» جانباً إلا وطرقته في سبيل هدف واضح هو تخريب المجتمعات البشرية، اقتصادياً واجتماعياً وصحافياً وخلقياً، وذلك تمهيداً لسيطرة «الشعب المختار» وحكامه من نسل داوود. نهجت «البروتوكولات» على تقسيم البشر إلى فئتين: فئة الشعب المختار (اليهود)؛ وفئة الغوييم، وهي سائر البشر (غير اليهود)، والغوييم معناها الحيوانات العجماء، ولهذا التقسيم جذور تلمودية واضحة. ورد في البروتوكول الحادي عشر: «الغوييم قطيع من الغنم، ونحن ذئابهم، وتعلمون ماذا يحل بالغنم إذا جاءتها الذئاب».
لا يوجد في «البروتوكولات» أدنى احترام للديموقراطية، وللدساتير، التي تعتبرها منبراً للثرثارين ومدرسة لفنون الانشقاق والشغب والمشاكسات الحزبية. وهي تدعو إلى إلغاء الحريات، وخصوصاً حرية التعليم، ولا تجد وسيلة لإشاعة الفوضى أفضل من خلق الأزمات الاقتصادية، وإفساد الشباب، والتجسس. وقد ورد في البروتوكول الأول ما يكفي للبرهان على التسلط الغاشم: «لا يتم وضع المخطط وضعاً كاملاً محكماً إلى آخر مداه، إلّا على يد حاكم مستبد قاهر - الحرية السياسية إنما هي فكرة مجردة، ولا واقع سياسياً لها - لا حياة للحضارة، والحضارة لا تقوم على الدهماء، بل على من يقود الدهماء ــ في الزمن الماضي كنا أول من نادى في جماهير الشعب بكلمات الحرية والعدالة والمساواة، وهي كلمات لم تزل تردّد إلى اليوم، ويردّدها من هم بالببغاوات أشبه».
ثلاثة أسلحة لدى حكماء صهيون هي: المال، والصحافة، والعنف. جاء في البروتوكول الخامس في ما يتعلق بالمال: «وكل دواليب الأجهزة تحتاج إلى محرك، وهذا المحرك بأيدينا وهو الذهب». وجاء في البروتوكول الثاني بشأن الصحافة: «غير أنّ الغوييم لم تعرف بعد كيف تستغل هذه الآلة [الصحافة]، فاستولينا عليها نحن، وبواسطة الصحف نلنا القوة التي تحرّك وتؤثّر، وبقينا وراء الستار». وفي البروتوكول السابع: «وطريقة حمل تلك الحكومات على ما نريد، هي التيار الذي يقال له الرأي العام، وفي يدنا الخفية زمامه ومقادته، نحرّكه بالقوة الكبرى - الصحف».
أما العنف، فأنيابه بارزة من البروتوكول الأول: «خير النتائج التي يراد تحقيقها من التسلط على الغوييم بطريق الحكومة، إنما يكون بالعنف والإرهاب - حقنا منبعه القوة - وهذا الشر هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المقصودة من الخير. ولذلك لا ينبغي لنا أن نتردد في استعمال الرشوة والخديعة والخيانة».
لا تخلو «البروتوكولات» من الجانب المسرحي في وصف تنصيب ملك اليهود «البابا الحقيقي للمسكونة كلها»، كما ورد في البروتوكو ل السابع عشر. ثم تكتمل المسرحية في البروتوكول الثامن عشر بالحاكم الذي يخرج إلى الناس محاطاً دائماً بجمع غفير، من عامة الشعب ظاهراً، ومن الحرس حقيقة. وإزاء مشاهد كهذه، تبدو «البروتوكولات» كتابة سطحية سخيفة فعلاً، ولا تستحق نقدها بجدّية.
بمعنى آخر، إنّ من يحكم على «البروتوكولات» بنصها المكتوب، يجدها مسرحية خيالية يستحيل تحقيقها، أكثر من كونها برنامجاً سياسياً. أما من يحكم على روح «البروتوكولات» وفلسفتها العامة، فهو لا يراها إلاّ نسخة عن تصريحات الزعماء الصهاينة وكتاباتهم السابقة واللاحقة، التي تمادت مع الزمن وتفوقت على البروتوكولات نفسها، وهنا، تسقط أهمية صحة «البروتوكولات» أو عدم صحتها.
لم تتبرأ الحركة الصهيونية من كتابات هيرتسل وهس وبنسكر، مثلاً، أو من مؤتمر بازل نفسه، مع أنّ الفكر الصهيوني والمخططات الصهيونية حتى عهد هيرتسل، كانت كلها تنضح بروح «البروتوكولات» وفلسفتها العامة. إنّ التحقير من شأن الديموقراطية والإعلاء من شأن الديكتاتورية، من أسس دولة هيرتسل؛ ووسيلة المال للمآرب السياسية أسلوبه الأوحد؛ أما وسائل الإعلام فهي نفسها وسائل هيرتسل والحركة الصهيونية. أما الإعلام الغربي عموماً، والأميركي خصوصاً، الذي تسيطر عليه الحركة الصهيونية في عصرنا، فهو الدليل.
أما نظرية الغوييم، فهي في صلب فكر موشي هس الذي أطلق على العرب «القطعان المتوحشة»، وفي صلب فكر هيرتسل الذي غازل الغرب بإنشاء دولته اليهودية قاعدة حضارية أوروبية «في وجه البربرية»، وهي أساساً في صلب التلمود نفسه. فأي جديد هناك إذن؟ الهجوم على الأديان الأخرى؟
تفوقت أقوال الصهاينة في القرن العشرين حتى على نظرية «الغوييم» في «البروتوكولات»، تلك النظرية القائمة على احتقار الآخرين، لكن ليس على نفي وجودهم والعمل على إخراجهم من ديارهم، بينما زعماء «إسرائيل» وقادتها نادوا بطرد العرب نهائياً، وكان من أوائلهم جوزيف وايتس، رئيس قسم المستعمرات/ المستوطنات في الوكالة اليهودية، الذي قال منذ 1940: «يجب أن يكون واضحاً في ما بيننا بأنّ لا مكان لشعبين في هذا البلد. نحن لن نحقق أهدافنا مع وجود العرب في هذا البلد الصغير. لا يوجد غير حل واحد وهو ترحيل العرب، كل العرب، إلى البلدان المجاورة. ويجب ألا تبقى قرية عربية واحدة، ولا قبيلة واحدة».
وكان بن غوريون هو القائل، في 1948: «يجب أن نطرد العرب ونأخذ مكانهم». وأما يتسحاق رابين ، فهو القائل: «سوف نخفض السكان العرب إلى جالية من الحطابين والخدم». وقالت غولدا مائير، في 1969: «كيف يمكننا أن نعيد الأراضي المحتلة؟ لا يوجد هناك أحد لنعيدها إليه... لا يوجد هناك شيء كالفلسطينيين، فهم لم يوجدوا قط». وقال رفائيل إيتان، رئيس الأركان، في 1988: «نحن نعلن بوضوح أنّ العرب لا يحق لهم أن يستقروا حتى على سنتيمتر واحد من أرض «إسرائيل»... يجب استعمال منتهى القوة حتى يأتي إلينا الفلسطينيون زاحفين على الأربع».
وإن كان مناحيم بيغن، رئيس الوزراء في 1982، من الذين شبهوا الفلسطينيين بالحيوانات بقوله: «الفلسطينيون حيوانات تمشي على قدمين»، فقد تفوق عليه يتسحاق شامير، رئيس الوزراء في 1988، بقوله: «الفلسطينيون سيُسحقون كما تسحق الجنادب... فالرؤوس تتحطم على الصخور والجدران».
أما نتنياهو، فيتفوق على كل من جاء قبله بأنّ عهده عهد التنفيذ وتخليص «إسرائيل» من الدخلاء الفلسطينيين، وليس عهد كلام!
صحيح أنّه توجد في «إسرائيل» «حركة السلام الآن»، كما يوجد العديد من أصحاب الرأي بين الكتّاب والمؤرخين الجدد، وصحيح أنّ الكثيرين من اليهود عبر العالم يؤيدون إنشاء دولة فلسطينية، لكن كلّ هؤلاء لا أثر لهم في صناعة القرار السياسي «الإسرائيلي»، الذي ما خرج يوماً عن نهج السياسة العنصرية الصهيونية الهرتسلية، بل تفوق عليها.
ولو جئنا نعدد الانتهاكات العلنية الصارخة ضد الفلسطينيين من قبل «الإسرائيليين»، لتلاشت أهمية «بروتوكولات حكماء صهيون» إلى حد النسيان، فالانتهاكات اليومية تعمل على طرد البشر، وحرق الشجر، وسرقة الأراضي، وبناء الجدار العنصري العازل.
كم قانون جائر تستند إليه «إسرائيل» لطرد العائلات المقدسية وهدم منازلها؟ كم قانون جائر استولت من خلاله على ممتلكات الفلسطينيين؟ مَن يحاسب «إسرائيل» على غطرستها التي لا حدود لها، وادعاءاتها بتملك فلسطين، وحقها بدولة «يهودية» لا مكان فيها لمن لم يكن يهودياً؟
لم يرد شيء في «البروتوكولات» عن طرد الشعب من أرضه، بينما تصريحات «الإسرائيليين» تتصاعد ضد الفلسطينيين، وضد بقائهم، وضد عودتهم، وضد وجودهم، كل هذا لا يترك مجالاً للشك بأنّ روح البروتوكولات وفلسفتها ليست هي القائمة وراء السياسات «الإسرائيلية» المتلاحقة فحسب، بل يؤكد أنّ السياسة «الإسرائيلية» المستمدة من روح الصهيونية الهرتسلية قد تطورت نحو الأكثر سوءاً، وتمادت إلى أبعاد لم تصل إليها أية قوة استعمارية أو امبريالية سابقة على وجه الأرض.
بكلمة أخرى، لقد تخطت هذه الدولة، بفضل عنصرية قادتها التي لا حدود لها، حدود «البروتوكولات» - صحيحة كانت أو مزورة - كما تخطت كل الخطوط الحمر والسود التي سجلها هيرتسل في كتابه «يوميات هيرتسل»، وكذلك في كتابه «الدولة اليهودية». أي أنّ التلامذة تفوقوا على الأستاذ المؤسس.
د. بيان نويهض الحوت
كل ما قرأته كان مجرد أحكام إعدام بالجملة. فالكاتب حاول إعدام سيرة رجل عربي اسمه عجاج نويهض، ابتدأ نضاله ضد الصهيونية على أرض فلسطين منذ عشرينيات القرن الماضي، ومجلته «العرب» تشهد؛ ومعتقل صرفند يشهد؛ ودار الإذاعة الفلسطينية في أيام رمضان وهي تصدح: «هنا القدس... هنا مدينة الإسراء والمعراج... هنا مدينة عمر» تشهد؛ ومئات المقالات التي دبجها في كشف طبيعة الصهيونية العنصرية على صفحات الدوريات العربية، من الرباط حتى مكة، تشهد؛ ومذكراته «ستون عاماً مع القافلة العربية» تشهد؛ وكتابه «بروتوكولات حكماء صهيون: نصوصها، رموزها، أصولها التلمودية» يشهد. فالعربي المجاهد، عجاج نويهض، هو من الأوائل الذين كشفوا طبيعة الصهيونية العنصرية، وهو من لاحقته الحركة الصهيونية عشرات الأعوام من عمره. يوم كان والدي حياً، لا أذكر حادثة واحدة تعرض فيها للذين لا يعتقدون بصحة البروتوكولات. كان دوماً من أصحاب العقل الواسع، والصدر الرحب، ومنه تعلمت حرية الفكر والرأي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذا المقال. كان من أحكام الدكتور أبو خليل أيضاً قراره بإعدام مؤلفاتي بالجملة. والسبب هو ـ كما يقول ـ استشهادي في كتابي «فلسطين: القضية. الشعب. الحضارة...» ببروتوكولات حكماء صهيون، وهذا ـ برأيه ـ سبب قاطع لمنع الباحثين والطلاب من العودة إلى كتابي الأول عن «القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين...»، ولعلني في يوم قادم أقرأ حكمه بالإعدام على كتابي «صبرا وشاتيلا...»، أو أي كتاب لم أنشره بعد.
غير أنّ ذلك كلّه لا يستدعي الرد، إلا أنّه تجدر الإشارة إلى ضرورة مناقشة السبب القاطع أو «الجريمة» التي ألصقها الدكتور بي. فهي ـ كما يقول ـ استشهادي بالبروتوكولات في كتابي «فلسطين..»، بينما الحقيقة أنّه لم يرد في هذا الكتاب أي استشهاد بالبروتوكولات على الإطلاق ـ كما هو مفهوم الاستشهاد القائم على تقدير المؤلف لمن ينقل عنه مثلاً ـ بل على العكس من ذلك، فكل ما ورد فيه من مقتبسات عن الأصل كان بهدف التوصل إلى تحليل علمي لهذا الكتاب المثير للجدل، وهو الكتاب الذي لا تتطابق قناعاتي بشأنه مع قناعات والدي. لكن ذلك ليس موضوعنا (راجع: «فلسطين: القضية. الشعب. الحضارة...» (1991)، ص 349 ـ 356).
وأسمح لنفسي في هذا السياق بأن أذكر ما جرى معي في 17 أيلول 1982، وكانت قد مضت أيام قليلة على احتلال الجيش «الإسرائيلي» لبيروت الغربية. اقتحم بيتي أربعة ضباط وجنود «إسرائيليين» ـ ولست بصدد تفاصيل تلك الساعة ـ لكنّني أتوقف حين امتدت يد الضابط قائد المجموعة، فسحب كتاب البروتوكولات من المكتبة، وحمله بغضب، وقال بأنّ هذا كتاب سيئ ويجب أن يُمنع. أجبته بهدوء: «واضح أنّنا في لبنان نتمتع بحرية فكرية أكثر مما لديكم في «إسرائيل». سألتني قبل قليل عن مهنتي، وأجبتك بأنّني أستاذة في العلوم السياسية، في الجامعة اللبنانية، وطلابي هم الذين يحكمون على هذا الكتاب أو ذاك. وكل منهم له رأيه وتحليله. هذه أبسط قواعد حرية المعرفة».
وأختم هذه المقدمة الطويلة بإيماني بضرورة البحث في المواضيع الأساسية، ومنها التمادي «الإسرائيلي»/ الصهيوني، الذي لم تعد له حدود في قهر الشعب الفلسطيني... فما أهمية «البروتوكولات» وقد تفوّق عليها زعماء الصهاينة عنصريةً وإجراماً؟
هذا هو الموضوع الذي أعتقد أنّه الأهم، وللخوض فيه لا بد من عرض موجز للبروتوكولات بهدف التوصل إلى طبيعتها، أهي صحيحة أم مزورة؟ ثم مقارنتها بما صدر ويصدر عن الزعماء الصهاينة، حتى يومنا هذا.
المعروف أنّ نتائج مؤتمر بازل الذي دعا إليه هيرتسل وترأسه في 1897 تتلخص في أمرين. الأول «برنامج بازل» المؤلف من أربعة بنود تتمحور حول هدف الصهيونية الأساسي، أي تأسيس وطن لليهود في فلسطين. والثاني مسودة نص من أربعة وعشرين بروتوكولاً أصبحت تُعرف بـ«بروتوكولات حكماء صهيون»، قيل إنّها كانت قد أعدت لإقرارها في المؤتمر، وقيل إنّه يفترض بالحركة الصهيونية أن تسير عليها، كي تحقق أهدافها.
عندما صدر كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» أول مرة بالإنكليزية في لندن، في 1919، أثار عاصفة هوجاء. أنكر الصهاينة الكتاب جملة وتفصيلاً، واعتبروه مزوراً، من صنع المعادين للسامية بقصد إيذاء اليهود، فأخذوا يشترون النسخ من الأسواق للحدّ من توزيعها. وكانوا يعتبرون كل من يقتني الكتاب أو يتحدث عنه معادياً للسامية يستحق العقاب. فكانت النتيجة عكس ما سعت إليه الحركة الصهيونية؛ إذ تُرجمت «البروتوكولات» إلى عدّة لغات، واكتسبت شهرة فائقة.
يظهر من خلال البروتوكولات الأربعة والعشرين مخطط شامل لاستيلاء المنظمة الصهيونية العالمية على مقدّرات العالم. والمخطط أن يتم ذلك بتقويض كل ما هو قائم، ولا سيما أوروبا المسيحية، وروسيا الأورثوذكسية، والبابوية، والإسلام. وسيحتاج هذا، وفقاً لتصورات واضعي «البروتوكولات»، إلى فترة مائة عام تنتهي في 1997؛ فعندئذ، يعتقد أصحاب «البروتوكولات» أنّهم سيستولون على العالم المنهار، ويقيمون ملكاً يهودياً لنسل داوود، بإعلانهم الحكومة العالمية اليهودية على أنقاض الآخرين. لا توجد حتى الآن رواية ثابتة لأصل «البروتوكولات» التي تنسب، عادة، إلى مؤتمر بازل، فهناك أكثر من رواية. ورد في مقدمة النسخة الإنكليزية أنّ العالم الروسي سيرجي نيلوس هو أول من ترجم «البروتوكولات» إلى اللغة الروسية. والمعروف أنّها نشرت أول مرة ـ بالتتابع ـ في الصحيفة الروسية «Moskowkja Widmosti» في شتاء 1902/1903، ثم نشرت ثاني مرة في صحيفة روسية اخرى هي «Snamja» في شهري آب وأيلول من سنة 1903. أما خارج روسيا، فلم يكن قد عرف عنها شيء بعد.
لما وصلت نسخة من ترجمة نيلوس إلى المتحف البريطاني في 1906، لم تثر انتباه أحد حتى كانت الحرب الكبرى. وكان الصحافي البريطاني فيكتور مارسدن هو من قام بترجمتها إلى الإنكليزية. وعندما صدرت ترجمته في 1919 أول مرة، ابتدأت المعركة الصاخبة في شأن صحة «البروتوكولات» من عدمها.
تختلف رواية الكولونيل سكوت في كتابه «الحكومة الخفية»، فهو يذكر أنّ أصل «البروتوكولات» يعود إلى مؤتمر بازل، فهذه الوثيقة قد أعدت لإقرارها في المؤتمر، غير أنّ البوليس السري القيصري قد دبر حريقاً في مكان الاجتماع، في اليوم الثالث، فهرب الأعضاء واستولى البوليس على أوراق المؤتمر، وبينها مسودة «بروتوكولات حكماء صهيون». وفي سان بيترسبورغ، عثر على هذه المسودة بين الأوراق. وبغض النظر عن الأصل في ظهور البروتوكولات في روسيا، فالمعروف عن مصيرها أنّ نسخها أتلفت بعد قيام الثورة البلشفية. وفي عهد كيرنسكي، أصبحت عقوبة حيازة البروتوكولات الإعدام.
لجأ الصهاينة مرة واحدة إلى القضاء لإثبات تزوير «البروتوكولات»، فادعى «اتحاد الطوائف اليهودية» في سويسرا، في 1933، على خمسة أعضاء من الجبهة الوطنية السويسرية بتهمة نشرها في سويسرا. وحكمت المحكمة السويسرية للجانب الصهيوني، وأعلنت أنّ «البروتوكولات» مزورة. إلاّ أنّه لما استأنف المدّعى عليهم الحكم، أصدرت محكمة الجزاء العليا حكمها في 1937 بإبطال القرار السابق.
صحيح أنّ أحداً لم يتمكن حتى الآن من إثبات صحة «البروتوكولات»، غير أنّه صحيح أيضاً أنّ أحداً لم يتمكن من إثبات عدم صحتها. ويؤخذ على الصهاينة الذين يتنصلون منها أنّهم لم يُخضعوا «البروتوكولات» لأي تدقيق علمي من قبل الخبراء لإثبات التزوير الذي يقولون به، وهم بذلك سهلوا مهمة الذين هاجموا «البروتوكولات» بعنف.
لم تترك «البروتوكولات» جانباً إلا وطرقته في سبيل هدف واضح هو تخريب المجتمعات البشرية، اقتصادياً واجتماعياً وصحافياً وخلقياً، وذلك تمهيداً لسيطرة «الشعب المختار» وحكامه من نسل داوود. نهجت «البروتوكولات» على تقسيم البشر إلى فئتين: فئة الشعب المختار (اليهود)؛ وفئة الغوييم، وهي سائر البشر (غير اليهود)، والغوييم معناها الحيوانات العجماء، ولهذا التقسيم جذور تلمودية واضحة. ورد في البروتوكول الحادي عشر: «الغوييم قطيع من الغنم، ونحن ذئابهم، وتعلمون ماذا يحل بالغنم إذا جاءتها الذئاب».
لا يوجد في «البروتوكولات» أدنى احترام للديموقراطية، وللدساتير، التي تعتبرها منبراً للثرثارين ومدرسة لفنون الانشقاق والشغب والمشاكسات الحزبية. وهي تدعو إلى إلغاء الحريات، وخصوصاً حرية التعليم، ولا تجد وسيلة لإشاعة الفوضى أفضل من خلق الأزمات الاقتصادية، وإفساد الشباب، والتجسس. وقد ورد في البروتوكول الأول ما يكفي للبرهان على التسلط الغاشم: «لا يتم وضع المخطط وضعاً كاملاً محكماً إلى آخر مداه، إلّا على يد حاكم مستبد قاهر - الحرية السياسية إنما هي فكرة مجردة، ولا واقع سياسياً لها - لا حياة للحضارة، والحضارة لا تقوم على الدهماء، بل على من يقود الدهماء ــ في الزمن الماضي كنا أول من نادى في جماهير الشعب بكلمات الحرية والعدالة والمساواة، وهي كلمات لم تزل تردّد إلى اليوم، ويردّدها من هم بالببغاوات أشبه».
ثلاثة أسلحة لدى حكماء صهيون هي: المال، والصحافة، والعنف. جاء في البروتوكول الخامس في ما يتعلق بالمال: «وكل دواليب الأجهزة تحتاج إلى محرك، وهذا المحرك بأيدينا وهو الذهب». وجاء في البروتوكول الثاني بشأن الصحافة: «غير أنّ الغوييم لم تعرف بعد كيف تستغل هذه الآلة [الصحافة]، فاستولينا عليها نحن، وبواسطة الصحف نلنا القوة التي تحرّك وتؤثّر، وبقينا وراء الستار». وفي البروتوكول السابع: «وطريقة حمل تلك الحكومات على ما نريد، هي التيار الذي يقال له الرأي العام، وفي يدنا الخفية زمامه ومقادته، نحرّكه بالقوة الكبرى - الصحف».
أما العنف، فأنيابه بارزة من البروتوكول الأول: «خير النتائج التي يراد تحقيقها من التسلط على الغوييم بطريق الحكومة، إنما يكون بالعنف والإرهاب - حقنا منبعه القوة - وهذا الشر هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المقصودة من الخير. ولذلك لا ينبغي لنا أن نتردد في استعمال الرشوة والخديعة والخيانة».
لا تخلو «البروتوكولات» من الجانب المسرحي في وصف تنصيب ملك اليهود «البابا الحقيقي للمسكونة كلها»، كما ورد في البروتوكو ل السابع عشر. ثم تكتمل المسرحية في البروتوكول الثامن عشر بالحاكم الذي يخرج إلى الناس محاطاً دائماً بجمع غفير، من عامة الشعب ظاهراً، ومن الحرس حقيقة. وإزاء مشاهد كهذه، تبدو «البروتوكولات» كتابة سطحية سخيفة فعلاً، ولا تستحق نقدها بجدّية.
بمعنى آخر، إنّ من يحكم على «البروتوكولات» بنصها المكتوب، يجدها مسرحية خيالية يستحيل تحقيقها، أكثر من كونها برنامجاً سياسياً. أما من يحكم على روح «البروتوكولات» وفلسفتها العامة، فهو لا يراها إلاّ نسخة عن تصريحات الزعماء الصهاينة وكتاباتهم السابقة واللاحقة، التي تمادت مع الزمن وتفوقت على البروتوكولات نفسها، وهنا، تسقط أهمية صحة «البروتوكولات» أو عدم صحتها.
لم تتبرأ الحركة الصهيونية من كتابات هيرتسل وهس وبنسكر، مثلاً، أو من مؤتمر بازل نفسه، مع أنّ الفكر الصهيوني والمخططات الصهيونية حتى عهد هيرتسل، كانت كلها تنضح بروح «البروتوكولات» وفلسفتها العامة. إنّ التحقير من شأن الديموقراطية والإعلاء من شأن الديكتاتورية، من أسس دولة هيرتسل؛ ووسيلة المال للمآرب السياسية أسلوبه الأوحد؛ أما وسائل الإعلام فهي نفسها وسائل هيرتسل والحركة الصهيونية. أما الإعلام الغربي عموماً، والأميركي خصوصاً، الذي تسيطر عليه الحركة الصهيونية في عصرنا، فهو الدليل.
أما نظرية الغوييم، فهي في صلب فكر موشي هس الذي أطلق على العرب «القطعان المتوحشة»، وفي صلب فكر هيرتسل الذي غازل الغرب بإنشاء دولته اليهودية قاعدة حضارية أوروبية «في وجه البربرية»، وهي أساساً في صلب التلمود نفسه. فأي جديد هناك إذن؟ الهجوم على الأديان الأخرى؟
تفوقت أقوال الصهاينة في القرن العشرين حتى على نظرية «الغوييم» في «البروتوكولات»، تلك النظرية القائمة على احتقار الآخرين، لكن ليس على نفي وجودهم والعمل على إخراجهم من ديارهم، بينما زعماء «إسرائيل» وقادتها نادوا بطرد العرب نهائياً، وكان من أوائلهم جوزيف وايتس، رئيس قسم المستعمرات/ المستوطنات في الوكالة اليهودية، الذي قال منذ 1940: «يجب أن يكون واضحاً في ما بيننا بأنّ لا مكان لشعبين في هذا البلد. نحن لن نحقق أهدافنا مع وجود العرب في هذا البلد الصغير. لا يوجد غير حل واحد وهو ترحيل العرب، كل العرب، إلى البلدان المجاورة. ويجب ألا تبقى قرية عربية واحدة، ولا قبيلة واحدة».
وكان بن غوريون هو القائل، في 1948: «يجب أن نطرد العرب ونأخذ مكانهم». وأما يتسحاق رابين ، فهو القائل: «سوف نخفض السكان العرب إلى جالية من الحطابين والخدم». وقالت غولدا مائير، في 1969: «كيف يمكننا أن نعيد الأراضي المحتلة؟ لا يوجد هناك أحد لنعيدها إليه... لا يوجد هناك شيء كالفلسطينيين، فهم لم يوجدوا قط». وقال رفائيل إيتان، رئيس الأركان، في 1988: «نحن نعلن بوضوح أنّ العرب لا يحق لهم أن يستقروا حتى على سنتيمتر واحد من أرض «إسرائيل»... يجب استعمال منتهى القوة حتى يأتي إلينا الفلسطينيون زاحفين على الأربع».
وإن كان مناحيم بيغن، رئيس الوزراء في 1982، من الذين شبهوا الفلسطينيين بالحيوانات بقوله: «الفلسطينيون حيوانات تمشي على قدمين»، فقد تفوق عليه يتسحاق شامير، رئيس الوزراء في 1988، بقوله: «الفلسطينيون سيُسحقون كما تسحق الجنادب... فالرؤوس تتحطم على الصخور والجدران».
أما نتنياهو، فيتفوق على كل من جاء قبله بأنّ عهده عهد التنفيذ وتخليص «إسرائيل» من الدخلاء الفلسطينيين، وليس عهد كلام!
صحيح أنّه توجد في «إسرائيل» «حركة السلام الآن»، كما يوجد العديد من أصحاب الرأي بين الكتّاب والمؤرخين الجدد، وصحيح أنّ الكثيرين من اليهود عبر العالم يؤيدون إنشاء دولة فلسطينية، لكن كلّ هؤلاء لا أثر لهم في صناعة القرار السياسي «الإسرائيلي»، الذي ما خرج يوماً عن نهج السياسة العنصرية الصهيونية الهرتسلية، بل تفوق عليها.
ولو جئنا نعدد الانتهاكات العلنية الصارخة ضد الفلسطينيين من قبل «الإسرائيليين»، لتلاشت أهمية «بروتوكولات حكماء صهيون» إلى حد النسيان، فالانتهاكات اليومية تعمل على طرد البشر، وحرق الشجر، وسرقة الأراضي، وبناء الجدار العنصري العازل.
كم قانون جائر تستند إليه «إسرائيل» لطرد العائلات المقدسية وهدم منازلها؟ كم قانون جائر استولت من خلاله على ممتلكات الفلسطينيين؟ مَن يحاسب «إسرائيل» على غطرستها التي لا حدود لها، وادعاءاتها بتملك فلسطين، وحقها بدولة «يهودية» لا مكان فيها لمن لم يكن يهودياً؟
لم يرد شيء في «البروتوكولات» عن طرد الشعب من أرضه، بينما تصريحات «الإسرائيليين» تتصاعد ضد الفلسطينيين، وضد بقائهم، وضد عودتهم، وضد وجودهم، كل هذا لا يترك مجالاً للشك بأنّ روح البروتوكولات وفلسفتها ليست هي القائمة وراء السياسات «الإسرائيلية» المتلاحقة فحسب، بل يؤكد أنّ السياسة «الإسرائيلية» المستمدة من روح الصهيونية الهرتسلية قد تطورت نحو الأكثر سوءاً، وتمادت إلى أبعاد لم تصل إليها أية قوة استعمارية أو امبريالية سابقة على وجه الأرض.
بكلمة أخرى، لقد تخطت هذه الدولة، بفضل عنصرية قادتها التي لا حدود لها، حدود «البروتوكولات» - صحيحة كانت أو مزورة - كما تخطت كل الخطوط الحمر والسود التي سجلها هيرتسل في كتابه «يوميات هيرتسل»، وكذلك في كتابه «الدولة اليهودية». أي أنّ التلامذة تفوقوا على الأستاذ المؤسس.
د. بيان نويهض الحوت
د. بيان نويهض الحوت - فلسطينيات دخلن التاريخ... بلا أسماء
حديثنا عن المرأة الفلسطينية في عيدها العالمي ليس عن إنجازاتها، أو رائداتها، أو إبداعها، أو تفوقها في شتى المجالات، بل عن النساء اللواتي طواهنّ النسيان؛ حديثنا عن الأكثرية العاملة المناضلة الصامتة. وليس هذا لمجرد الرغبة في الانطلاق عكس السير ـ كما يبدو ـ بل انسجاماً مع التاريخ القريب لفلسطين تحت الانتداب، وحاضرها تحت الاحتلال (وكل فلسطين اليوم تحت الاحتلال).
المشهد الأول: مشهد الفلاحة التي تعمل في الحقل كما في البيت، والتي تحمل نتاج الحقل على رأسها وتذهب إلى أقرب المدن لبيعه، ولو مشياً على الأقدام. تلك المرأة كانت عماد أسرتها الصغيرة، وعماد قريتها، وجاء يوم أضحت فيه عماد شعبها. ففي الثورات والاضطرابات، كانت تلك الفلاحة تخبئ السلاح تحت الخضار والفاكهة، وتمشي رافعة الرأس أمام «عسكر الإنكليز».
واشتهرت حيفا بالمرأة «القسّامية» التي كانت تخبئ السلاح في تنكة ثقيلة على رأسها، وهي تنادي على من يشتري الزيت. وأما بعد الإضراب الكبير (في 1936)، وامتداده إلى أكثر من ستة أشهر، فقد اعترف المندوب السامي واكهوب في إحدى رسائله بأنّ الإضراب نجح بفضل المرأة التي لم تنقطع عن حمل نتاج الحقل وإيصاله إلى سكان المدن في أسوأ الظروف، ومن دون مقابل.
المشهد الثاني: مشهد فلسطين في السابع عشر من حزيران 1930، يوم أعدمت حكومة الانتداب ثلاثة أبطال مناضلين: محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. كانت فلسطين في ذلك اليوم في إضراب شامل، وصمت غاضب، وعزلة عن العالم. وكان القرار أن يُعدم الثلاثة بالتتابع مع فارق ساعة بين الشهيد والشهيد. ومع إعدام كلّ واحد منهم، كانت تُقرع في فلسطين كلّها أجراس الكنائس، ويرتفع من أعالي المآذن نداء «الله أكبر... الله أكبر». أمهات الأبطال اللواتي حُرمن وداع أولادهن، وقفن أمام سجن عكا ينادين عليهم بأعلى أصواتهن، ويدعونهم إلى الصمود والشجاعة، ثم رحن ينشدن لهم الأهازيج الوطنية. لا يتذكر أحد أسماء الأمهات. غير أنّ الشعب استمر يردّد تلك الأهازيج.
المشهد الثالث: مشهد الثورة الكبرى التي استمرت ثلاث سنوات (1936 ـ 1939)، والتي ما كان لها أن تستمر لولا المرأة التي كانت ينبوع العطاء للثوار جميعاً، فهي ترسل إليهم الطعام يومياً، وهي تحميهم من مفاجآت «عسكر الإنكليز»، كلما داهموا المكان. بيتها بيتهم. أما البطولة «الأسطورية» لفظاً، والحقيقية تاريخياً، فهي جرأة المرأة النادرة يوم كان هؤلاء العسكر يداهمون القرية، ويجمعون السكان في الساحة، ثم يجيئون معهم بمجموعة من الشبان مكبلين بالأغلال، فيوقِفونهم على الحائط، وهم يصرخون بالأهالي: «ألا تعرفونهم؟». كان ينكر الأهالي معرفتهم بأي منهم، حتى لو كانوا جميعاً أو كان بعضهم من أبناء القرية، ذلك بأنّهم فيما لو اعترفوا، لكان جزاء القرية التدمير، تدمير البيوت أمام أصحابها، ولكان عقاب السكان القتل بلا رادع. وتقترب النهاية حين يقدم العساكر على قتل هؤلاء الشبان الأبطال بالرصاص، وفي ظنهم أنّه لا بد لأم الشهيد أو زوجته، أو أيّ من قريباته أن تصرخ، غير أنّ التاريخ الذي سجّل عشرات الحوادث التي أعدم فيها الشبان في ساحة القرية، لم يسجل حادثة واحدة صرخت فيها امرأة، وهي تشاهد بعينيها ابنها او زوجها يُقتل بالرصاص.
المشهد الرابع: هذا هو المشهد البطولي، فما إن أعلن قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947، حتى قامت في البلاد حرب ضد ذلك، وما كانت المرأة لتكتفي هذه المرة بإطعام المناضلين أو بحماية الخطوط الخلفية، بل هبت تشارك في الإسعاف، وتحمل السلاح، ولو قليلاً، واستشهدت العشرات من النساء. لم تعرف أسماء الكثيرات منهن، لكن عرفت أسماء البعض، وخصوصاً اللواتي كن يضمدن الجراح أو يسعفن الجرحى، فهكذا استشهدت حياة بلابسة في دير ياسين، وجولييت زكا في حيفا. وأضحت كلّ منهما رمزاً.
المشهد الخامس: مشهد اللجوء والمخيمات، ولنبدأ بالاعتراف بأنّ سنوات النكبة الأولى، أي سنوات التيه، لم تكتب بعد على حقيقتها، ربما لأنّ حياة اللاجئين المأساوية كانت هي الطاغية. وربما لأنّ المؤرخين والمحللين لم يسألوا بدورهم كثيراً أسئلة من نوع: «كيف صمد الشعب في المخيمات؟ كيف؟». الجواب الصادق لا يكمن في عطاءات وكالة الغوث المحدودة جداً، ولا يكمن في تسابق الحكام العرب على إصدار التصريحات المدوية المؤيدة لفلسطين وشعبها، بل يكمن في عمل الأم اليومي الصامت والمتواصل. يكمن في تربيتها صغارها على الإيمان والحق والصبر. يكمن في تشجعيها ابنتها على خوض غمار الحياة كالرجل. في تلك السنوات، فُتحت حدود الدول الخليجية أمام الفتاة الفلسطينية لتعمل في سلك التعليم، أكثر مما كانت تُفتح للشاب الذي كانت الحكومات العربية على نحو عام تخشى من التنظيمات السرية من ورائه. وهكذا كانت هي ـ المرأة ـ مصدر الدعم المالي الأساسي للأسرة.
المشهد السادس: في هذا المشهد السياسي، نكتشف أنّ المرأة الفلسطينية قد تكون المرأة الوحيدة في العالم التي نالت حقوقها السياسية من دون أية مطالبة، أو تظاهرة، أو شعار من نوع: «افتحوا لنا أبواب البرلمان!». ذلك أنّ المرأة أصبحت فعلاً عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول (أيار 1964)، تماماً كما أصبح الرجل عضواً في ذلك المجلس التمثيلي الأول في حياة الشعب الفلسطيني. وهكذا نالت المرأة حقوقها السياسية بناءً على رصيدها التاريخي من النضال الصامت المتواصل، في الوطن، وفي المنفى، وفي المخيمات. ومهم أيضاً أن نضيف إنّ دخول المرأة الحياة السياسية من أوسع أبوابها، وبيسر وبساطة، لم يلق اعتراضاً واحداً من الجهة المقابلة، أي الرجال. وبعدما مرت الأعوام وأصبحت المرأة سفيرة لوطنها في أكثر من بلد، وعضواً في اللجان التنفيذية، لم يلق ذلك من الرجل غير الترحيب.
المشهد السابع: هذا مشهد متزامن مع انطلاقة العمل الفدائي بعد هزيمة 1967، يوم فتحت معسكرات التدريب أمام الفتاة الفلسطينية. ربما كان هناك اعتراض ما، هنا أو هناك، من بعض الأهل كي يطمئنوا إلى مكان التدريب، والمسؤولين... غير أنّها مسألة لافتة للنظر أنّ دخول المرأة الميدان العسكري، كان إلى حد كبير، سهلاً كما كان دخولها الميدان
السياسي.
المشهد الثامن: هذا المشهد نراه على شاشات التلفزيون. نرى الأم التي تمسك بذراع الجندي الإسرائيلي بقوة، محاولة إبعاد ولدها ابن السنوات العشر عنه، ونسمعها تصرخ في الجندي بجرأتها المعهودة. وهي حتى إن شاهدت ابنها يُجر أمامها إلى الشاحنة، فهي تستمر في غضبها، في ثورتها التي لا تعرف التوسل. ونرى المرأة بثوبها الفلاحي المطرز تدافع عن زيتونتها العتيقة ما استطاعت، ونراها تجلس على ركام بيتها المهدّم، وهي تقول بإصرار: «لن نرحل... لن نرحل».
يسألنا الكثيرون من عرب وأجانب: «هل تؤمنون حقاً بالعودة؟ أهي ممكنة؟» وجوابي دائماً: «نعم... وألف نعم. وليس من الضروري أن أعود أنا أو يعود أبناء جيلي، لكن العودة قادمة، وفلسطين لشعبها وكل من يناضل من أجلها من أصدقائها». غير أنّني الآن أود أن أضيف إنّ هذا الإيمان مستمد عاطفياً ومعنوياً وعقلانياً من مشاهدتي للمرأة الصلبة الصابرة تلك، مع الجندي، وأمام زيتونتها، وعلى ركام بيتها.
د. بيان نويهض الحوت
المشهد الأول: مشهد الفلاحة التي تعمل في الحقل كما في البيت، والتي تحمل نتاج الحقل على رأسها وتذهب إلى أقرب المدن لبيعه، ولو مشياً على الأقدام. تلك المرأة كانت عماد أسرتها الصغيرة، وعماد قريتها، وجاء يوم أضحت فيه عماد شعبها. ففي الثورات والاضطرابات، كانت تلك الفلاحة تخبئ السلاح تحت الخضار والفاكهة، وتمشي رافعة الرأس أمام «عسكر الإنكليز».
واشتهرت حيفا بالمرأة «القسّامية» التي كانت تخبئ السلاح في تنكة ثقيلة على رأسها، وهي تنادي على من يشتري الزيت. وأما بعد الإضراب الكبير (في 1936)، وامتداده إلى أكثر من ستة أشهر، فقد اعترف المندوب السامي واكهوب في إحدى رسائله بأنّ الإضراب نجح بفضل المرأة التي لم تنقطع عن حمل نتاج الحقل وإيصاله إلى سكان المدن في أسوأ الظروف، ومن دون مقابل.
المشهد الثاني: مشهد فلسطين في السابع عشر من حزيران 1930، يوم أعدمت حكومة الانتداب ثلاثة أبطال مناضلين: محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. كانت فلسطين في ذلك اليوم في إضراب شامل، وصمت غاضب، وعزلة عن العالم. وكان القرار أن يُعدم الثلاثة بالتتابع مع فارق ساعة بين الشهيد والشهيد. ومع إعدام كلّ واحد منهم، كانت تُقرع في فلسطين كلّها أجراس الكنائس، ويرتفع من أعالي المآذن نداء «الله أكبر... الله أكبر». أمهات الأبطال اللواتي حُرمن وداع أولادهن، وقفن أمام سجن عكا ينادين عليهم بأعلى أصواتهن، ويدعونهم إلى الصمود والشجاعة، ثم رحن ينشدن لهم الأهازيج الوطنية. لا يتذكر أحد أسماء الأمهات. غير أنّ الشعب استمر يردّد تلك الأهازيج.
المشهد الثالث: مشهد الثورة الكبرى التي استمرت ثلاث سنوات (1936 ـ 1939)، والتي ما كان لها أن تستمر لولا المرأة التي كانت ينبوع العطاء للثوار جميعاً، فهي ترسل إليهم الطعام يومياً، وهي تحميهم من مفاجآت «عسكر الإنكليز»، كلما داهموا المكان. بيتها بيتهم. أما البطولة «الأسطورية» لفظاً، والحقيقية تاريخياً، فهي جرأة المرأة النادرة يوم كان هؤلاء العسكر يداهمون القرية، ويجمعون السكان في الساحة، ثم يجيئون معهم بمجموعة من الشبان مكبلين بالأغلال، فيوقِفونهم على الحائط، وهم يصرخون بالأهالي: «ألا تعرفونهم؟». كان ينكر الأهالي معرفتهم بأي منهم، حتى لو كانوا جميعاً أو كان بعضهم من أبناء القرية، ذلك بأنّهم فيما لو اعترفوا، لكان جزاء القرية التدمير، تدمير البيوت أمام أصحابها، ولكان عقاب السكان القتل بلا رادع. وتقترب النهاية حين يقدم العساكر على قتل هؤلاء الشبان الأبطال بالرصاص، وفي ظنهم أنّه لا بد لأم الشهيد أو زوجته، أو أيّ من قريباته أن تصرخ، غير أنّ التاريخ الذي سجّل عشرات الحوادث التي أعدم فيها الشبان في ساحة القرية، لم يسجل حادثة واحدة صرخت فيها امرأة، وهي تشاهد بعينيها ابنها او زوجها يُقتل بالرصاص.
المشهد الرابع: هذا هو المشهد البطولي، فما إن أعلن قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947، حتى قامت في البلاد حرب ضد ذلك، وما كانت المرأة لتكتفي هذه المرة بإطعام المناضلين أو بحماية الخطوط الخلفية، بل هبت تشارك في الإسعاف، وتحمل السلاح، ولو قليلاً، واستشهدت العشرات من النساء. لم تعرف أسماء الكثيرات منهن، لكن عرفت أسماء البعض، وخصوصاً اللواتي كن يضمدن الجراح أو يسعفن الجرحى، فهكذا استشهدت حياة بلابسة في دير ياسين، وجولييت زكا في حيفا. وأضحت كلّ منهما رمزاً.
المشهد الخامس: مشهد اللجوء والمخيمات، ولنبدأ بالاعتراف بأنّ سنوات النكبة الأولى، أي سنوات التيه، لم تكتب بعد على حقيقتها، ربما لأنّ حياة اللاجئين المأساوية كانت هي الطاغية. وربما لأنّ المؤرخين والمحللين لم يسألوا بدورهم كثيراً أسئلة من نوع: «كيف صمد الشعب في المخيمات؟ كيف؟». الجواب الصادق لا يكمن في عطاءات وكالة الغوث المحدودة جداً، ولا يكمن في تسابق الحكام العرب على إصدار التصريحات المدوية المؤيدة لفلسطين وشعبها، بل يكمن في عمل الأم اليومي الصامت والمتواصل. يكمن في تربيتها صغارها على الإيمان والحق والصبر. يكمن في تشجعيها ابنتها على خوض غمار الحياة كالرجل. في تلك السنوات، فُتحت حدود الدول الخليجية أمام الفتاة الفلسطينية لتعمل في سلك التعليم، أكثر مما كانت تُفتح للشاب الذي كانت الحكومات العربية على نحو عام تخشى من التنظيمات السرية من ورائه. وهكذا كانت هي ـ المرأة ـ مصدر الدعم المالي الأساسي للأسرة.
المشهد السادس: في هذا المشهد السياسي، نكتشف أنّ المرأة الفلسطينية قد تكون المرأة الوحيدة في العالم التي نالت حقوقها السياسية من دون أية مطالبة، أو تظاهرة، أو شعار من نوع: «افتحوا لنا أبواب البرلمان!». ذلك أنّ المرأة أصبحت فعلاً عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول (أيار 1964)، تماماً كما أصبح الرجل عضواً في ذلك المجلس التمثيلي الأول في حياة الشعب الفلسطيني. وهكذا نالت المرأة حقوقها السياسية بناءً على رصيدها التاريخي من النضال الصامت المتواصل، في الوطن، وفي المنفى، وفي المخيمات. ومهم أيضاً أن نضيف إنّ دخول المرأة الحياة السياسية من أوسع أبوابها، وبيسر وبساطة، لم يلق اعتراضاً واحداً من الجهة المقابلة، أي الرجال. وبعدما مرت الأعوام وأصبحت المرأة سفيرة لوطنها في أكثر من بلد، وعضواً في اللجان التنفيذية، لم يلق ذلك من الرجل غير الترحيب.
المشهد السابع: هذا مشهد متزامن مع انطلاقة العمل الفدائي بعد هزيمة 1967، يوم فتحت معسكرات التدريب أمام الفتاة الفلسطينية. ربما كان هناك اعتراض ما، هنا أو هناك، من بعض الأهل كي يطمئنوا إلى مكان التدريب، والمسؤولين... غير أنّها مسألة لافتة للنظر أنّ دخول المرأة الميدان العسكري، كان إلى حد كبير، سهلاً كما كان دخولها الميدان
السياسي.
المشهد الثامن: هذا المشهد نراه على شاشات التلفزيون. نرى الأم التي تمسك بذراع الجندي الإسرائيلي بقوة، محاولة إبعاد ولدها ابن السنوات العشر عنه، ونسمعها تصرخ في الجندي بجرأتها المعهودة. وهي حتى إن شاهدت ابنها يُجر أمامها إلى الشاحنة، فهي تستمر في غضبها، في ثورتها التي لا تعرف التوسل. ونرى المرأة بثوبها الفلاحي المطرز تدافع عن زيتونتها العتيقة ما استطاعت، ونراها تجلس على ركام بيتها المهدّم، وهي تقول بإصرار: «لن نرحل... لن نرحل».
يسألنا الكثيرون من عرب وأجانب: «هل تؤمنون حقاً بالعودة؟ أهي ممكنة؟» وجوابي دائماً: «نعم... وألف نعم. وليس من الضروري أن أعود أنا أو يعود أبناء جيلي، لكن العودة قادمة، وفلسطين لشعبها وكل من يناضل من أجلها من أصدقائها». غير أنّني الآن أود أن أضيف إنّ هذا الإيمان مستمد عاطفياً ومعنوياً وعقلانياً من مشاهدتي للمرأة الصلبة الصابرة تلك، مع الجندي، وأمام زيتونتها، وعلى ركام بيتها.
د. بيان نويهض الحوت