د. نجاح بن زائد - ترند الكركم والموت الرقمي

مئات المقاطع تجوب الشاشات لترند الكركم لا شيء معقّد، فقط كأس ماء، وملعقة كركم، وذات باهتة.

يحملنا هذا الجنون الجماعي إلى عبارة نيتشه: (الجنون في الأفراد أمر نادر، ولكنه في الجماعات هو القاعدة.)

عبارة لخّصت واقع الإنسان الرقمي المعاصر، الذي يتماهى مع موجات القطيع الرقمية، فينساق بلا وعي وراء ما يُطلب منه على شاشات الهواتف الذكية؛ أوامر يجرّ بعضها بعضًا في سلسلة لا تنتهي: افتح الكاميرا، ضع إعجابًا، كبّس، تفاعل... وهكذا، مجرد فعل مكرّر بلا وعي.

صحيح أن ثقافة القطيع ليست وليدة اللحظة، بل تمتد في جذورها عبر تقاليد اجتماعية وسياسية شكّلت سلوك الجماعات البشرية. ففي العصور السابقة، تجسّدت في الطقوس الدينية، الحركات الأيديولوجية، وحتى في الموضات الاجتماعية، حيث كان الفرد يبحث عن الأمان داخل الجماعة. لكن، يصعب الإحاطة بتجليات هذه الظاهرة بعد تحورها الرقمي؛ إذ أصبحت قوة رقمية هائلة، تسرق هوية الفرد، وتجعله مجرد شبح يلهث خلف الترند، وإلا سيكون محكومًا بما يمكننا تسميته بالموت الرقمي .

ولعل المتتبع للتاريخ، سيلاحظ كيف كان التفكير الفردي محفوفًا بالمخاطر، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا. أما اليوم، في عصر البيانات والهوية الرقمية، فقد أصبح القطيع أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يحتاج إلى منابر أو ساحات، بل يكفي أن تبدأ فتاة بأداء أغنية (انقر)، ليصبح ذلك فعلًا عالميًا يُعاد إنتاجه في كل بلاد العالم، متجاوزًا اختلاف اللون، والشكل، والثقافة، والهوية. هذه الظاهرة تعكس تداخل الثقافات عبر وسائل التواصل، التي — رغم إيجابياتها في تعزيز التفاهم — تحمل خطر تآكل الهوية الثقافية الأصلية، وهو ما تؤكده الدراسات الحديثة حول تأثير السوشيال ميديا على الهوية الوطنية والاجتماعية.

ونعود لطرح السؤال نفسه: لماذا ينساق الناس في العصر الحالي وراء الترند؟ ولماذا يميل الفرد إلى أن يكون ضمن ثقافة القطيع؟

يرى علماء النفس أن الدماغ البشري يميل إلى الراحة، فالتفكير مجهود مؤلم. لذا، يختار كثيرون الانضمام إلى الترند، ليس لأنهم يؤمنون به، بل لأنهم يخافون الوحدة والتفكير. وكما يشير إريك فروم، فالإنسان المعاصر يهرب من الحرية نحو الطمأنينة، حتى لو كانت هذه الطمأنينة وهمًا في فيديو لا يتجاوز 15 ثانية.

ترندات مثل (ترند الكركم) أو تحدي (سلك النار) أو ( دمية اللابوبو) ليست مجرد موضات عابرة، بل هي تعبير عن حاجة عميقة للانتماء، ولملء فراغ الهوية الذي تنتجه بيئة تربوية واجتماعية تُقصي الفلسفة، وترفض التفكير النقدي.

وقد وجدت هذه الثقافة بيئة خصبة في ليبيا، التي يكابد فيها نظام التعليم دون أن يصل إلى ما هو أبعد من ترسيخ قيم الطاعة والخوف من السؤال؛ متقاطعًا في ذلك مع غياب الأسس التربوية السليمة في البيت. وبالتالي، يصبح الانسياق خلف الترند أشبه بمحاولة للنجاة النفسية والاجتماعية. كيف لا، والفرد الليبي محاصر بين فوضى السياسة، وغلاء المعيشة، وغياب فرص التعبير الحر.

سلسلة من الترندات السياسية، والاجتماعية، وحتى الدرامية، تتلاحق بلا نهاية.لا فرق بين من يصفّق لزعيم سياسي في ساحة عامة، ومن يكرّر تحدي (كانك راجل خش لبوسليم). الأدوات فقط اختلفت، أما الآلية فهي نفسها: لا تفكر، فقط كرّر واتبع القطيع.

ما يجري اليوم ليس ترفيهًا بريئًا، بل إعادة هندسة للوعي، تُحوّل الإنسان من كائن مفكّر إلى مجرد متلقٍّ، وهو ما تحذرنا منه الفلسفة.

فالفلسفة، التي أرادها سقراط مرآة للذات، لا تجد لها مكانًا في عالم يُعلَّم فيه الطفل أن يطيع بدلًا من أن يسأل، وأن يُرضي الآخرين بدلًا من أن يُشكك في المألوف والمتعارف عليه .

ومع غياب الفلسفة، والتفكير النقدي، والقدرة على مقاومة السائد، لا خيار أمام الفرد: إما الترند، وإما الموت الرقمي الجديد، فهل نمتلك شجاعة قفل الكاميرا وإعمال العقل ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى