مع الدكتور الطيب برغوث: الصّراع بين النخبة العلمانية والنخبة المُتَدَيِّنَة سببه التجزُّؤ في المنظومات السُّننيَّة

في ندوة احتضنها نادي الترقي مساعي لإنشاء قناة فضائية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية يعيد الحياة لنادي الترقي


يرى الدكتور الطيب برغوث أن الصراع الحالي بين النخب العلمانية و النخب المتدينة سببه التجزؤ في المنظومات و أن نخبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين آمنت بسنن الله التي جاء بها القرآن بحجيته في الآفاق و في الأنفس و في الهداية و التأييد و هو ما يقوم به المتديّنون اليوم داخل هذه الجمعية فالغربيون كما أضاف لهم رؤية جزئية لهذ السنن و لذا بنوا حضارتهم على المادة و على الشعوب المسلمة اليوم في العالم الإسلامي ان تستوعب هذه السنن في تحقيق نهضتها الحضارية و ماعدا ذلك فهي شعوب مستباحة


mail
ذكر الدكتور الطيب برغوث في ندوة احتضنها نادي الترقي التابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالجزائر العاصمة حول أسرار الفعالية الاستثنائية لدى نخبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين "رسالة للراغبين في المجد الدنيوي و الأخروي" و هو عنوان يسعى أصحابه إلى استقطاب الجمهور من المهتمين بالفكر الإسلامي ، حيث شهدت قاعة نادي الترقي حضورا قويا للوجوه الدينية و بخاصة الشباب المتعطش لهذا النوع من الندوات التي تحرك الضمائر الحية في الدفاع عن نهضتها الحضارية حيث لخص المحاضر مسار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدعوي الإصلاحي أيام الثورة و ما حققته هذه الأخيرة من نجاح وهل تمكنت المنظومات (التربوية، السياسية و الدينية و الإعلامية) من تركيز هذه القضية في وعي و ضمير الجزائريين ومدى هيمنتها على الجميع؟ أم أنها مجرد قضية هامشية ؟، فقضية النهضة كما يقول الدكتور الطيب برغوث، تخص الأمة الإسلامية جمعاء و لو حققت نهضتها الحضارية لما وقع ما وقع من أحداث و هذا يدعونا إلى مراجعة أولوياتنا.

كانت شبه مقدمة قصيرة أراد الدكتور الطيب برغوث أن يدخل بها إلى صميم الموضوع في محاضرته و يجيب على أسئلة كثيرة مطروحة في الساحة العربية و بالأخص في الجزائر تلخص سبب إخفاق الأمة الإسلامية في تحقيق نهضتها في ضمير كل فرد، أمام ما نعيشه من صراعات وفتن يقف وراءها أعداء الإسلام ، و لعل علاقة الطيب برغوث المبكرة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين رغم أنه غير منخرط فيها وإلى يومنا هذا، دفعته للاهتمام كثيرا بجهود نخبة الجمعية وعلمائها لما قدمته للمجتمع وما حققته من إنجازات، وهذا لما رفعته من تحدي، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على الفاعلية الاستثنائية، يلاحظ في محاضرة الدكتور الطيب برغوث أنه ابتعد عن الواقع قليلا ليرحل بالحضور إلي الوراء بقرون عندما قال: لماذا لا نكون مثل الصحابة طالما هم بشر مثلنا، لأنهم احتووا العالم المحيط بهم ؟ ولماذا لا نكون مثل نخبة جمعية العلماء المسلمين؟ وكان جوابه أنه لا يوجد في الكتابات جواب عميق ومقنع على هذه الأسئلة، فلا أحد اليوم يتحدث عن التراث وعن الصّحابة وكيف صنعوا مجد الأمة الإسلامية.
في سياق محاضرته تساءل الدكتور الطيب برغوث إن كانت الثروة الفكرية جوهرها المعرفة السننية أم لا؟ وعلى حد قوله ، فهو يرى أن الإنسان كلما تمسك بهذه السنن، كلما تمسك بالثروة الفكرية التي هي أم الثروات، وقد ربط المحاضر فكرته بما يحدث اليوم في الساحة السياسية ،عندما وصف الوضع السياسي في العالم، و موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومساعيه في الهيمنة على كل الثروات ، مشيرا أن بعض الثروات تتحول إلى نقمة، بدلا من أن تكون نعمة تخدم البشرية، كما نراه في الحروب الأهلية المدمرة، لأن عالم الأشياء له جانبه السلبي والخطير، هي رؤية استشرافية لتحقيق نهضة شاملة ، ولكن هذه الرؤية تحتاج إلى كثير من التبسيط حتى يفهمها الإنسان العادي البسيط الذي لا يملك ملكة التفكير والفهم والتحليل والمقارنة.

ويتضح أن الدكتور الطيب برغوث في محاضرته كان يخاطب "النخبة" و ليس العامة من الناس (الدهماء) خاصة عندما تناول بعض المفاهيم الغريبة والتي يجهلها البعض بما فيهم النخبة، كحديثه عن "علم الصحابة"، دون أن يوضح إن كان هذا العلم قائما بذاته و له قواعد و قوانين مثل باقي العلوم (علم الاجتماع وعلم الاقتصاد والمنطق و علم النفس وعلم الفلك والرياضيات والفيزياء والعلوم الطبية والعلوم الإسلامية وغيرها، أم يراد به علم "الرّجال" الذي هو علم منفرد عن بقية العلوم، وهو يخص فئة من العلماء و السّاسة؟ و قد تحفظ الطيب برغوث عن الرد على بعض الأسئلة المتعلقة بالوضع الذي عاشته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مرحلة اتسمت بالانقسامية ، أدت إلى انسحاب علماء من الجمعية و تأسيسهم جمعية موازية سمّوها جمعية علماء السُنّة، وهم العلماء الذين انحرفوا عن مسار الجمعية الأمّ ، و وقفوا ضد رئيسها الشيخ عبد الحميد ابن باديس ورفاقه ( الشيخ البشير الإبراهيمي، العربي التبسي، الطيب العقبي ،الشيخ امبارك الميلي و الشيخ الفضيل الورتلاني) ، لاسيما و هناك من يريد أن يجعل من الجمعية خط أحمر ، أي أن كل ما يصدر عنها غير قابل للنقاش و بالتالي لا مجال للحوار في بعض المسائل.

و السؤال الذي يلح على الطرح هو: و هل مشروع الإصلاح في الجزائر أصابه الشلل خاصة مع بداية التسعينيات؟، و هي النقطة التي أشار إليها المحاضر و بشيئ من التحفظ ، و( يقصد بذلك العشرية السوداء و الصدامات التي وقعت بين جبهة الإنقاذ الإسلامية و النظام) ، لكنه أضاف أن الجمعية اليوم لها نخبة ضخمة، بإمكانها أن تجدد فكرها و تقدم نظريات تتحول إلى مشروع يخدم المجتمع و تدفع عنه الخطر، كي لا تتكرر تجربة التسعينيات التي اتسمت بالعنف السياسي ، وهذا يقود إلى إجراء مقارنة بين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأولى و جمعية العلماء اليوم، هو السؤال الذي طرحه أحد المتدخلين خلال فتح باب المناقشات، وهل هناك إمكانية لإنشاء أشبال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أجل الاستمرارية؟ ،في رأي الدكتور الطيب برغوث أن الجمعية لها وظيفتها الخاصة ومدرسة أشبال الأمة (أشبال الوطن) هي من أبناء الجزائر من شرقها إلى غربها من شمالها إلى جنوبها.

يستخلص المحاضر أن النهضة التي يتحدث عنها المفكرون اليوم هي نهضة مادية ولا علاقة لها بحياة الإنسان الروحية، ولا نستطيع أن نجدد مفهوم الثقافة والنهضة أو الحضارة إلا باستعادة المنظومة السننية ونعمل بها في حياتنا اليومية، لأن الغربيون لهم رؤية جزئية لهذه السنن ولذا هم أنتجوا حضارة مادية، لكن المؤسف له هو أن بعض الشباب المسلم المتأثر بالحضارة الغربية ، لاسيما التيار الفرنكفوني سار على النهج الغربي، يقول الطيب برغوث أن الصراع الحالي قائم بين النخب العلمانية والنخب المتدينة دون أن يوضح من هي النخبة المتدينة؟ هل هي الأحزاب الإسلامية؟ وفي مقدمتها التيار السلفي؟، وقال أن هذا الصراع سببه التجزؤ في المنظومات، ونخبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين آمنت بالسنن التي جاء بها القرآن، في الآفاق وفي الأنفس وفي الهداية و في التأييد، يقول الدكتور الطيب برغوث أن النهضة الحضارية بدون فعالية استثنائية تبقى غير مكتملة و هذه الفعالية تكون بنخبة لها وعي متكامل وشامل، ولها ثروة فكرية، لأن الفكر حسبه هو أم الثروات، أما عن الصراع داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في وقت مضى قال الأمين الوطني للجمعية أن ما وقع من أحداث أصبح من الماضي و لكل مرحلة خصوصيتها و جمعية العلماء اليوم بصدد تجديد فكرها و تسعى إلى أن تتكيف مع المستجدات و التغيرات الجيوسياسية و متطلبات الجيل الجديد و تُحَضِّرُ للجيل القادم مع الحفاظ علي خطها الذي تأسست من أجله .


نادي الترقي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين يعود إلى الحياة

بدأت الحياة تدب بنادي الترقي الواقع بقلب العاصمة الجزائرية ،حيث أعاد الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات لحضارية من خلال محاضرة ألقاها المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث وذلك منذ سنوات من غلقه بسبب الوضعية الكارثية التي كان عليها هذا النادي الذي له تاريخ عريق ما تزال جدرانه تروي قصص رجالٍ من حركة الإصلاح بقيادة العلامة عبد الحميد باديس ، هم رجال صنعوا الحدث الإصلاحي و دافعوا عن الإسلام و عروبة الجزائر ، لكن هناك أيادي خفية تريد محو آثار من كانوا يُعَمِّرونه من العلماء و المفكرين
mail

لا شك أن الولاة الذين تداولوا على تسيير شؤون الجزائر العاصمة مرّوا و وقفوا و لو للحظات على نادي الترقي الذي كان عبارة عن خرابة من الداخل بعد مغادرة القائمين عليه الحياة و هم أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و لم يفكر من حملوا مشعل الجمعية و كذلك مسؤولي قطاع الشؤون الدينية و الأوقاف كونه تابع للقطاع العمومي، في الالتفات إليه و إعادة له الحياة و تحريكه من جديد ، هو نوع من الاستهتار في الحفاظ على هذا الموروث الديني الذي يشكل الهوية الإسلامية للجزائريين، كان من نتاج التقاعس و التهرب من المسؤولية أن تم تسليمه إلى أحد المستثمرين الخواص و هو "مجمع مصمودي"، فمنذ الأربع السنوات الأخيرة كانت لنا زيارة إلى مقر النادي بالعاصمة ، و وقفنا عليه من الداخل برفقة أحد الموظفين لكنننا مُنِعْنَا من التصوير ، و لولا المنع لكانت الصورة أصدق من الكلمات للوضع الذي آل إليه هذا الفضاء الفكري الحضاري والربّاني ، النادي تأسس عام 1927 وكان قلعة للإصلاح الديني و الفكري و الثقافي في الجزائر، و كان في بداية ظهوره جمعية ثقافية لها أبعاد وطنية، وقد تحدث عنه المؤرخ توفيق المدني، و الدور الذي قام به في فترة تعد تاريخية ، جعل منه مشتلة لتكوين الأفكار وبروز الآراء وإنضاج مشاريع الإصلاح الاجتماعي، فقد كان نادي الترقي ملتقى للحوار بين العلماء المسلمين ، يأتون إليه لتدارس أوضاع الأمة ، كانت أول محاضرة يحتضنها هذا النادي ، تلك التي ألقاها المجاهد و المؤرخ توفيق المدني، ما جعل أنشطة النادي تتوسع و تنفتح على الآفاق الفكرية و الثقافية، حيث أصبح قبلة للنخب، خاصة و أنه شهد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين واستمر على احتضان النشاطات الدينية و الفكرية و استقبال الوفود من العلماء و الدعاة من مختلف الدول ، إلى غاية مجيئ الجنرال ماسو ، كان أول قرار يصدره هو غلقه وتجميد نشاطاته ، كما تم الاستيلاء على المقر و تحويله إلى مركز عسكري، بعد الإستقلال تم استرداد النادي ليعود إلى أحضان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أعادت له الاعتبار من خلال بعث النشاطات و فتحه أمام النخب و الباحثين و الطلبة من أجل تثقيف الجماهير، استطاع النادي أن يلم شمل الجزائريين، إلا أنه شهد تدهورا كبيرا لغياب العلماء و المفكرين الذين اجتمعوا على كلمة سواء، لإنشاء هذا الفضاء الحضاري و القائمين على تسييره .

كانت تشرف على إدارته مؤسسة "أرتاك" تابعة للقطاع العمومي، حسب تصريحات أحد الموظفين كان مقرها بوادي سمار، يعمل بها أزيد من 1600 عاملا، أما مقر العاصمة يؤطره 200 عاملا ، و لم تحرك مؤسسة "أرتاك" ساكنا لتحمل مسؤوليتها في ترميم المقر و تسوية وضعية العمال، إلى أن تقرر تسليمه لأحد المستثمرين الخواص و هو "مَجْمَعْ مصمودي" ، حيث انطلقت أشغال ترميم مقره، ثم ما لبثت أن تتوقف لأسباب مجهولة ، واجه العمال صعوبات بعد توقيف رواتبهم لأشهر عديدة ، رغم المراسلات التي بعثوا بها إلى المسؤولين المحليين ، حيث لم تجد صرختهم آذانا صاغية لحل مشكلتهم و تسوية وضعيتهم، ما دفعهم الى تنظيم وقفات احتجاجية ، و هذا إن دل على شيئ ، فإنما يدل على مدى استهتار المسؤولين المحليين و تلاعبهم بالمرفق العمومي، و لم يتحرك نواب البرلمان في طرح ملف هذا المرفق الرباني أمام الوزارة الوصية أو رئيس الجمهورية، و ها هو اليوم يعود من جديد و ذلك بفضل الكرسي العلمي مالك بن نبي ، إلا أنه لا يزال بحاجة إلي تهيئة و ترميم بعض جدرانه و إعادة طلائها و تدعيمه بأجهزة حديثة تليق بمقام الوفود العلمية و الدينية التي يستقبلها هذا الفضاء الرباني.

تغطية علجية عيش بتصرف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى