ينظر إلى ( السياحة المسؤولة ) في الأدبيات السياحية على انها شكل من أشكال ( السياحة المستدامة ) إلى جانب السياحة البديلة و السياحة المتضامنة و السياحة الأقل سلبية و السياحة النظيفة و السياحة الناعمة و غيرها . و كلها تهدف إلى إيجاد معادلة عادلة و متوازنة و جلية , تجمع بين الأنشطة و الفعاليات السياحية و البيئة الطبيعية و المجتمعات المحلية و الأفراد الذين ينتمون إلى هذه المجتمعات في آن واحد , و بما يؤدي إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية و البيئية و الاجتماعية و الثقافية المرجوة و المستهدفة , و من خلال استراتيجية ترمي إلى الاستخدام الأفضل و الاستثمار الأمثل للموارد و المكونات الطبيعية بمختلف أنواعها , باعتماد سياسات و وسائل و سبل الحماية و الصيانة و التطوير المطلوبة في اطار الاستدامة , و بما يتماشى و يتناغم مع النظم الأيكولوجية , و يخدم و ينمي التراث البيئي الوطني و العالمي , و على نحو قابل للاستمرار و الاستدامة , و بأكثر من اتجاه , و على الأصعدة المشار إليها أعلاه . و هي سياحة في تصاعد و توسع دوليا و على نطاق الكثير من الدول , فقد ورد بتقرير صادر عن ( مؤسسة السفر و منتدى المستقبل ) بأن ( 75 % ) من الذين أستطلعت آرائهم يرغبون بعطل تتسم بمسؤولية أكثر و ( 70 % ) منهم يرى ضرورة أن تلتزم الشركات السياحية المعنية بالحفاظ على البيئة الطبيعية . وهنا لابد من ذكر بعض التعاريف الواردة في الأدبيات السياحية منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي حول ( السياحة المسؤولة ) التي عقد لها المؤتمر الأول في عام 2002 , ومنها التعريف الوارد في ( إعلان كيب تاون بخصوص السياحة ) و جاء فيه ( إن السياحة المسؤولة هي السياحة التي تعظم فوائد المجتمعات المحلية , و تقلل من الآثار الاجتماعية و البيئية السلبية , و تساعد السكان المحليين على الحفاظ على الثقافات و الموائل أو الأنواع الهشة ) , و هو تعريف اعتمده ( سوق السفر العالمي ) عام 2007 بمناسبة ( اليوم العالمي للسياحة المسؤولة ) , و هناك تعريف آخر لها في ( مدونة الأخلاقيات العالمية لمنظمة السياحة العالمية 2001 ) . و وفقا لمنظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إنها ( تعني احترام العالم و اختلافاته بغض النظرعن طريقة سفرنا ) . و بحسب ( أر إيه سميث ) إنها ( جميع أشكال السياحة التي تحترم البيئات الطبيعية و العمرانية و الثقافية للمضيف ومصالح جميع الأطراف المعنية ) . أما ( معهد وورلد ووتش ) فيرى ( إنها السياحة التي تعظم الفوائد بالنسبة للمجتمعات المحلية و تقلل من الآثار السلبية و المثالب على البيئة أو الثقافة المحلية ) . وهناك بعض الدول التي سعت في هذا المضمار و قطعت مراحل واسعة فيه , و ذلك بتوجيه أجهزتها الرسمية و الخاصة العاملة في مجال السياحة و غيره إلى استراتيجيات فعالة و مؤثرة من أجل ( سياحة مسؤولة ) متناغمة مع ( البيئة الطبيعية ) , و مستوفية لشروط و قواعد و مبادىء ( الاستدامة ) , و منها جمهورية جنوب أفريقيا و من خلال تجربتها في ( دوربان ) المدينة الساحلية الرائعة التي تصنف ضمن أفضل المدن الشاطئية نظافة و جودة و تنظيما في العالم , حيث ازدان شاطئ ( ساوث ) فيها ب ( الراية الزرقاء ) الممنوحة من قبل ( مؤسسة التعليم البيئي ) ( رسم ) لعدة مرات , بالإضافة إلى شواطئ عديدة في البلاد , مثل ( باكنيس , هوبي , ستراند فورتين , هارتيبوس ) و بمعدل ( 4 – 8 – 8 – 14 – 20 – 20 – 18 – 19 – 29 ) شاطئا في الأعوام من 2001 و حتى 2009 على التوالي . و قد انصبت جهود السلطات المعنية في ( دوربان ) على عدة جوانب , يمكن اجمالها بما يلي : أولا : ترشيد استهلاك الطاقة و اعتماد الطاقة البديلة في الكثير من المشاريع السياحية . ثانيا : تبني نظم متطورة و رشيدة لادارة النفايات و اللجوء إلى أسلوب التدوير و الإعادة . ثالثا : إيجاد أحياء سكنية بديلة للقديمة و ملائمة للبيئة الطبيعية و متماشية مع مبادئ الاستدامة المعروفة . رابعا : إعادة النظر في كثير من وسائل النقل و اعتماد تلك التي تتسم بكونها تناسب البيئة . وهكذا نظر إلى السياحة المسؤولة ك ( أداة تسويقية استراتيجية ) لتحسين الصورة السلبية لجنوب أفريقيا وفقا للباحث الأكاديمي ( ريتشارد جورج ) . و قد تبنتها العديد من الشركات السياحية في جمهورية جنوب أفريقيا تحت مظلة ( جمعية الضيافة الفيدرالية في جنوب أفريقيا ) , و ذلك تنفيذا للسياسة السياحية الوطنية المتبناة منذ عام 1996 , وعملا بالمبادىء التوجيهية الوطنية للسياحة المسؤولة المعلنة في عام 2002 . و أيضا الهند ومن خلال مشاريع رائدة في ( كوماراكوم و تيكادي و داياناد و كوفالام ) ومنذ عام 2007 . و من خلال اعتماد أساليب و سبل عززت الآثار الإيجابية للسياحة , اقتصادية كانت او اجتماعية أو بيئية أو ثقافية , و قللت من المثالب و العيوب المتمخضة عن بعض الاتجاهات التقليدية في السياحة و شملت : أولا : تشجيع الحرف و الصناعت اليدوية التقليدية , و بما يلبي حاجات وطلبات السواح . ومنها ( الشالات الكشميرية , لوحات مادوباني , ساري الحرير البناراسي , فخار جايبور الأزرق , تطريز تشيكانكاري , لوحات باتاتشيترا , المنحوتات الخشبية من ساهارانبور , تطريز كوتش , فخاريات الطين , دوكرا للصناعات المعدنية و غيرها كثيرة ) , و تنتشر بكثافة في ( بيهار , راجستان , غوجارات , آسام , جنوب الهند ) . ثانيا : زيادة الإنتاج الزراعي في تلك المناطق باعتماد أساليب انتاج جديدة و زراعة الأراضي المهملة ( خصوصا بالمنجروف ) و استصلاح غيرها و إقامة مزارع الأسماك و تحسين أداء المزارع المحلي , و إيجاد قنوات بيع جديدة للمنتوجات الزراعية , حيوانية كانت أو نباتية , و العمل على بيعها للفنادق و المطاعم المحلية القريبة . علما تسهم الزراعة و القطاعات المرتبطة بها مثل تربية الحيوانات و الغابات و مصايد الأسماك بنسبة عالية في الناتج المحلي الإجمالي . و تشير التقارير الصادرة عن منظمة الأغذية و الزراعة ( الفاو ) إلى الإنتاج الكبير للهند للعديد من أنواع الفواكه الطازجة مثل الموز و المانجو و الليمون و البابايا و الجوافة بالاضافة إلى البامية و الحمص و الحليب و الفلفل الحار و الزنجبيل و الجوت و الدخن و القمح و الأرز و غيرها . ثالثا : خلق فرص عمل جديدة للأفراد من المجتمعات المحلية التي تقطن تلك المناطق . رابعا : التنشيط السياحي فيها من خلال إقامة المهرجانات و الاحتفالات المختلفة و تشجيع الفنون التقليدية المرتبطة بالمجتمعات المحلية ( أتيرفاتيرا , فاناكالي , كولكالي ) . و من هذه المهرجانات أيضا ( دورجا بوجا و كالي بوجا في البنغال الغربية ) و ( تشابشار كوت ميم كوت و نينجول تشاكوبا و هيكرو هيتونجا في شمال الشرق ) و ( أونام و بونغال في الجنوب ) و ( تارنيتار ميلا في الغرب ) و ( لاثم هولي في الشمال ) . خامسا : اعتماد وسائل سهلة و بسيطة صديقة للبيئة في العمل السياحي , مثل الدراجات الهوائية التي صارت تؤجر في الفنادق و المنتجعات السياحية في تلك المناطق . و كذلك العربات التي تجرها الحيوانات و الخيول و غيرها كثيرة . أما في بلغاريا فقد بادرت ( الجمعية البلغارية للسياحة البديلة ) إلى اطلاق حملة من أجل حماية البيئة الطبيعية و تنمية ( السياحة المسؤولة ) , و من خلال مهرجان ( الأيام الخضراء ) , و منذ عام 2010 , و يشمل المهرجان بعض الفقرات المتعلقة ب ( التوعية البيئية ) و عروض الأطعمة و المنتجات و المستحضرات التجميلية من أصول عضوية , و مسابقة للصور الفوتوغرافية , و المسابقات و الفقرات الترفيهية من أجل الترويج لهذا النمط السياحي . كما أنعقد في 29 نيسان 2011 في جامعة صوفيا المؤتمر الدولي للسياحة المسؤولة لدعم هذه المبادرة , و تحت شعار ( البلقان : وجهة للسياحة الخضراء ) . و هناك شهادة محلية وسمت ب ( البيت الأخضر ) تمنح سنويا للمواقع السياحية التي استوفت شروط السياحة المسؤولة في بلغاريا , و قد منحت إلى أكثر من ( 35 ) موقعا من هذه المواقع حتى 2012 . و ل ( الجمعية البلغارية للسياحة البديلة ) المؤسسة في عام 1998 الدور المهم في انشاء و إيجاد شبكة من أماكن الإقامة الريفية , و ذلك خدمة لسياحة مسؤولة و مستدامة في المناطق الريفية و الجبلية . أما تركيا فلها تجربة طيبة أيضا في مجال السياحة المسؤولة بعد أن كانت وجهة معروفة ل ( السياحة الجماعية ) المعروفة بسلبياتها و مثالبها الجمة . و صارت الآن تعتمد بعض السبل و القواعد في اطار الاستدامة البيئية .
* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .
* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .