د. عبدالسلام عامر - حكاياتي من الذكريات (٤٠)

( غادرت أسرة نور الدين وبقيت آلاف الأسر حاضرة بالمدينة وبقي الساري الهندي وبقت المحبة عنوان عدن وعنوان التعايش ورحم الله الزمن الجميل )

كان يوم جميل مميز في حياتي وانا طفل عندما شاهدت لأول مرة العائلات الهندية التي جاءت إلى ملعب الجولف وسباق الخيل ليتعلمون في ارضية الملعب على السواقة ، كان ذلك بعد أن غادر الإنجليز وتم ترحيل الخيول عام ١٩٦٩م و انتهى الى الابد لعب الجولف وسباق الخيول كان ذلك الحدث تقريبا عام١٩٧٠م حيث كان الرجل هندي رب الأسرة بسيارته والتي اعتقد نوع موريس ومعه عائلته من نساء واولاد ، حينها رأيت الساري الهندي على النساء يمنحهن لمسة جمال وما أتذكره ان من كان يتعلم السواقة هي امراءة اعتقد انها زوجة الرجل ام أخته! بينما كانت اسرة اخرى من البينيان حيث كانت النساء يتوشحين بالعلامة الحمراء على جبينهن وهم أيضا على سيارة أخرى ، أتذكر وهو يخاطبنا وكان انسان ودود يدعى نور الدين وهو من قاطنين مدينة خور مكسر بشارع الموسيقار احمد قاسم على ساحل أبين! المهم كما هو معروف ان منزلنا في جولف كلوب كنا محظوظين جدا بذلك المكان الجميل وحيويته وكنت مستغرب ان الأسر الهندية تبدو عاشقة للمكان وكأنها عاشت فيه ومن أهم ما أعجبني او شد انتباهي عندما أحضرت تلك العائلات كل لوازمها من الاكل ومياه الشرب و مياه غازية وانزلوها في البرندة الخاصة بنا بجوار منزلنا التي كانت تستخدم في ربط الخيول المشاركة قبل وبعد السباق لتهيئتها والتي أصبحت برندة دائمة لنا في النهار نستظل تحتها من الشمس الحارقة ! أدركت بعدها ان الأسرة جاءت لتقضي يوم اجازة في المكان ، كان اليوم الاحد قبل أن يتم تغيير الإجازة الأسبوعية إلى يوم الجمعة !
مرت الايام و بقي هذا الحدث عالقا في ذهني ذكرى جميلة ان ترى إخوتنا الهنود بتلك الروح الطيبة و المودة والابتسامة وثوب الساري الهندي الذي لم يفارق خيالي ! بعد مرور عامان تقريبا واذا بالرجل الهندي يحضر ذات يوم إلينا ويطلب من الوالد ان يقبل استضافة حصانه عندنا لكي يهتم به الوالد بحكم خبرة والدي بالعمل مع الخيول عندها عرفنا سر حب الأسرة للمكان فكانو من رواد النادي دائمآ في السابق ، كان ذلك في نهاية عام ١٩٧٢م وانا بداية سنة ثانيةابتدائي، هذا اليوم كان يوم سعيد لي بحياتي ان ارى مرة أخرى حصان حولنا و كانت فرحتي لاتوصف وبقيت منتظر رد الوالد رحمة الله عليه أثناء التفاوض مع الرجل وكان للوالد شروط محدده بعدم حضور اولاده الشابان في أي لحظة لكي يلعبو مع الحصان وحدد له يوم بالأسبوع وهو يوم الإجازة وتوافقا على بقية الشروط من ماديات للوالد مقابل الرعاية وكيفية توفير الغذاءات الخاصة بالخيل ! وفي اليوم التالي حضر نور الدين وولداه عبدالوهاب الأكبر و احمد الاصغر برفقة الخيل وكنت في قمة السعادة !
ظل الخيل عندنا لأشهر طويلة لا اتذكر انما كانت متعتي عندما أشاهد الوالد وطريقة حديثه مع الخيل و شاهدت كيف يتم تقليم أظافر الحصان شي مذهل وتركيب السرج واللجام مع الركاب للصعود على الحصان وكيف كان الحصان يتناول حبيبات السكر قبل أن يقوم والدي بجولة عليه بالملعب ويجري به ! طبعا كانت التجربة أمامي حية بعكس في السابق كنت طفل صغير لم أرى الوالد بتلك المهام والتفاصيل وحينها كنت اقف واترقب الوالد ولم يخطر على بالي في لحظة ما حصل لي ، عندما فوجئت بوالدي يستدعيني ويطلب مني ركوب الخيل و كانت هذه المرة الأولى بحياتي امتطي حصان وشعرت أولا بخوف شديد حيث كانت تبدو لي الأرض بعيده عني وأخاف ان اسقط وبعد مرور الوقت من اقتياد الحصان من قبل ابي وانا اتمخطر بالحصان شعرت حينها اني فارس زماني وبشعور بالزهو والفرح وكأني خالد بن الوليد ذاهب يفتح اماره!!
كان حصان جميل واليف و متروض جيدا وعندما انزلني الوالد حسيت وكأني نزلت من الفضاء بعد أن كدت امتلكه للحظات!!
كان عبدالوهاب شاب جميل وطيب و ذو خلق كان عندما يحضر في الوقت المقرر له يمتطي حصانه بشكل أنيق ويجري به ويبدو أن عبدالوهاب كان يعد نفسه إلى احتراف سباق الخيل بينما احمد الصغير كان فوضوي ودائما لا يستمع لنصائح والدي في كيفية التعامل مع الخيل وهذا مااثار حفيظة والدي وطلب من عبدالوهاب ان يستدعي والده ! وبالفعل حضر الاب في اليوم التالي واخبره والدي انه لم يعد يرغب بالاهتمام بالخيل طالما الابن احمد لا يحترم التعامل مع الحصان ! عندها وعد نورالدين والدي ان احمد لن يأتي أبدا وعلى الوالد ان يستحمل بقاء الخيل اسبوعين حتى يتم تصريف بيعه لانهم قرروا مغادرة البلد إلى دبي ! وبالفعل بعد أسبوعين جاء نور الدين ومجموعة رجال وعربية نقل وتم الوداع والقلب يبكي مغادرة الخيل وبعد أشهر أخبرني حسين اخي رحمة الله عليه انه رأى الخيل في حوش المنازل التي امام ساحل أبين في خور مكسر ومنها عرفنا سكن العائلة الهندية الطيبة ولم تمر إلا أيام واذا بنور الدين واولاده عبدالوهاب واحمد يأتون إلينا لتوديعنا حيث قرروا السفر إلى دبي ومنهم عرفنا انهم باعوا الحصان إلى عبدالمجيد السلفي صاحب حديقة الحيوانات بالشيخ عثمان.
كانت أسرة جميلة كغيرها من الأسر الهندية الراقية التي عاشوا بيننا في عدن ولم يشعرون يوما بالحنين للهند بل بالعكس كانت عدن هي وطنهم الأول!
غادرة أسرة نور الدين وبقيت آلاف الأسر بيننا أخوة لنا في عدن وعشنا واياهم وتزاوجنا و تصاهرنا واستمرت الحياة ونحن نشاهد الأفلام السينمائية الهندية بسينما بلقيس وتجمعنا واياهم الأعياد ونحن في ملابس العيد والساري الهندي كان دائمآ حاضر بالمدينة او بالأفلام وبقت المحبة عنوان عدن وعنوان التعايش ورحم الله الزمن الجميل!

د. عبدالسلام عامر
مايو ٢٠٢٥م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى