علي سيف الرعيني -|أهات متناثرة !!

ربما نحن جيل أتعبته الحروب وأثقلته الخيبات حتى أصبح يحمل في داخله بحارا من الدموع والأسى والشكوى والدعوات. جيلٌ لم يختر كثيراً مما عاشه لكنه وجد نفسه فجأة في مواجهة وطن تتنازعه الأوجاع وبيوتٍ غادرتها الطمأنينة وقلوب اعتادت أن تودّع أكثر مما تستقبل سرقوا منا أشياء كثيرة سرقوا من طفولتنا أمنها ومن شوارعنا هدوءها ومن أوطاننا بعضاً من ملامحها ومن أحلامنا ذلك اليقين البسيط بأن الغد سيكون أفضل. روّعوا الأطفال وأثقلوا الآباء، وغيّب الموت رجالاً كانوا بالنسبة إلينا أكثر من أسماء عابرة كانوا سندا وذاكرة ووجوها تمنح الحياة شيئاً من معناها.
وحين تضيق بنا الأرض، ولا نجد في الأبواب متسعاً للطرق، لا يبقى لنا إلا باب الله
نفرش سجادة الصلاة، لا لأنها آخر ما نملك، بل لأنها أول ما نتذكر حين تعجز كل الأسباب. نجلس عليها مثقلين بما لا نستطيع قوله، ونرفع أيدينا بالدعاء، ونحرّك حبات المسبحة بين أصابعنا، لعلّ التسبيح يهدّئ ارتجاف القلب، ولعلّ الاستغفار يغسل شيئاً من تعب الأيام، ولعل الدعاء يفتح في جدار اليأس نافذة لا نراها
أيها الراحلون عنا من أحبتنا
ليتكم لم ترحلوا. ليت الموت كان أكثر رحمةً بنا، فلم يأخذ من بين أيدينا من كنا نظن أن الحياة لا تكتمل إلا بهم. تركتم وراءكم مقاعد فارغة وأصواتا لا تزال تسكن الذاكرة، وأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من جرّب الفقد فنجانا لم يعد صاحبه، وموعداً انقطع، بابا لا يزال القلب ينتظر أن يُفتح من جديد
أيها الغرباء في المهاجر
ليت لنا متسعاً من الطريق لنهاجر معكم، لا حبا في الغربة، وإنما هربا من وطنٍ صار الرحيل فيه أحياناً أقل قسوة من البقاء. نتقاسم معكم ذلّ الاغتراب، ووجع البعاد، ومرارة أن يعيش الإنسان بعيداً عن المكان الذي وُلد فيه، وأن يحمل وطنه في حقيبة ذاكرة لا يستطيع وضعها في أي مطار
أيها القادة الذين مضوا إلى الموت وهم يظنون أنهم يفتحون لنا أبواباً نحو مستقبل أكثر أمناً وعدلا
رحلتم، وبقي السؤال
هل كان الطريق الذي سلكتموه يقود فعلاً إلى ما حلمتم به؟ وهل كانت التضحيات التي قُدّمت قادرة على أن تمنح الذين بقوا فرصة لحياةٍ أكثر كرامة؟ أم أن الأجيال اللاحقة ما زالت تدفع أثماناً باهظةً لأحلام لم تكتمل؟
ومع ذلك، لا نملك إلا أن نتذكر الذين بذلوا أرواحهم من أجل ما آمنوا به وأن ندرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بطول بقائه، وإنما بما يتركه خلفه من أثرٍ وكرامةٍ ومعنى
يا أهلنا الذين ما زالوا حولنا
ربما نبدو أحياناً وكأننا نبكي أنفسنا قبل أن نبكي الآخرين. لكننا لا نبكي ضعفا نحن نبكي لأن القلب حين يضيق بما فيه، لا يجد سوى الدموع لغة قادرة على الكلام
سنظل نبحث عن نافذة في هذا الليل الطويل، وعن يدٍ تمتد لتعيد للناس شيئاً من الطمأنينة وعن صباحٍ لا يخاف فيه الطفل من صوتٍ مفاجئ، ولا تخشى فيه الأم على أبنائها، ولا يحمل فيه الإنسان حقيبته لأنه مضطر إلى الرحيل
قد يطول الانتظار، لكن الانتظار لا يعني الاستسلام
وفي أكثر اللحظات عتمة يبقى الإيمان بأن للفرج موعداً لا نعرفه وأن قدرة الله فوق كل ما يعجز عنه البشر. لذلك لا تيأسوا ولا تبتئسوا فالأمل ليس ترفاً في زمن المحن بل هو إحدى وسائل البقاء، والدعاء ليس هروباً من الواقع، بل قوة يستمد منها الإنسان قدرته على مواصلة الطريق
هذه ليست سوى آهاتٍ متناثرةلا أدري كيف ازدحمت في داخلي ثم خرجت دفعة واحدة عند نقطة عبور وفي وقفة تأملٍ عابرة بين ما كان وما أصبح وبين الذين رحلوا والذين ما زالوا يحملون ما تبقى من الحكاية
ولعلنا في النهاية لسنا سوى بشرٍ أنهكتهم الحياة، لكنهم لم يتعلموا بعد كيف يتخلون عن الأمل
فوداعاً أيها الأحبة الراحلون
ناموا بسلامٍ حيث أنتم واتركوا لنا بعضاً من ضوئكم كي نهتدي به في هذا الطريق الطويل
أما نحن، فسنبقى نحمل أسماءكم في الذاكرة وأحلامكم في القلب ودعواتنا إلى الله
نمضي بعدكم على الأثر لا لأن الطريق سهل، بل لأن الحياة مهما أثقلتها الجراح لا بد أن تترك في آخر العتمة مكانا للفجر !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى