المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟
رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة التاسعة
عندما عادت القيادة إلى الوطن... هل عادت الشرعية إلى المجتمع؟
- يحيى بركات -
- مخرج وكاتب سينمائي -
في الحلقة السابقة، انتهت الكاميرا عند لحظة بدت، للوهلة الأولى، وكأنها نهاية رحلة طويلة.
خرجت منظمة التحرير من بيروت.
ابتعدت البنادق عن فلسطين.
انتقلت القيادة إلى تونس.
وبقي الداخل الفلسطيني بعيدًا عنها جغرافيًا، لكنه لم ينتظرها لكي يصنع انتفاضته.
في الانتفاضة الأولى أعاد المجتمع الفلسطيني الفعل إلى الأرض.
الحجر.
الإضراب.
اللجان الشعبية.
المخيم.
القرية.
المدينة.
وحين أعلنت القيادة الاستقلال في الجزائر عام 1988، كان المجتمع في الداخل قد صنع على الأرض قوة سياسية وأخلاقية لا يستطيع أحد تجاهلها.
ثم جاءت مدريد.
ثم أوسلو.
وهنا تركتنا الحلقة السابقة أمام سؤال لم يكن صغيرًا:
إذا كان المجتمع الفلسطيني هو الذي صنع الانتفاضة، ودفع ثمنها، وراكم قوتها السياسية والأخلاقية...
فمن أعطى القيادة حق تحويل هذه الشرعية إلى اتفاق سيعيد تعريف الأرض والسلطة والمقاومة والدولة ومستقبل المجتمع نفسه؟
وهل كانت أوسلو ترجمة لشرعية صنعها المجتمع...
أم اللحظة التي بدأت فيها الشرعية تنتقل، مرة أخرى، من المجتمع إلى القيادة؟
هذه المرة لم تكن الكاميرا في بيروت ولا تونس ولا الجزائر.
كانت على الجسر.
كنت عائدًا من تونس.
عبرت الأردن، ووصلت إلى جسر الملك حسين.
كان في داخلي شعور يصعب وصفه الآن.
أنا لا أعود في زيارة.
ولا أعبر إلى بلد آخر.
أنا عائد إلى فلسطين.
إلى الوطن الذي غادرناه ونحن نحمله معنا في الأفلام والصور والأغاني والبيانات والخطب والذاكرة.
لكن العودة إلى الوطن بدأت بغرفة صغيرة.
جلس أمامي ضابط مخابرات إسرائيلي.
بدأ يسأل.
لم أرد أن أجيب.
كان داخلي شيء يرفض الفكرة كلها.
بعد سنوات الثورة والمنفى، وبعد أوسلو والعودة، لماذا أجلس أمام ضابط إسرائيلي ليقرر كيف أدخل إلى بلدي؟
قلت، بما معناه، إنني لن أجيب.
وكان جوابه بسيطًا:
إذن تستطيع أن تعود من حيث أتيت.
خرجت.
التقيت مسؤولًا فلسطينيًا.
قال لي إن الجميع مروا بهذا.
وإن المسألة إجراء لا بد منه.
عدت إلى الغرفة.
أجبت.
وعبرت.
لم يقل لي الضابط شيئًا بعد ذلك.
لكن المشهد قال لي الكثير.
أنتم عدتم، نعم.
لكنكم لم تدخلوا أرضًا حررتموها.
أنتم تدخلون من بوابة ما زلنا نحن نملكها.
كانت تلك أول صورة حقيقية عندي للعودة.
لا خطاب.
لا منصة.
لا موسيقى عسكرية.
غرفة صغيرة، وضابط احتلال، وفلسطيني عائد يحتاج إلى موافقته كي يصل إلى فلسطين.
قضيت ليلتي في أريحا.
وفي اليوم التالي تحركنا إلى غزة.
الطريق نفسه كان احتفالًا داخليًا.
أريحا.
القدس.
أرض فلسطين التي أصبحت تسمى أراضي 1948.
ثم غزة.
كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الطريق وأشعر أننا نعبر وطنًا استعدناه.
وقلت، بفرح ربما لا يستطيع أن يفهمه إلا من عاش المنفى:
«حررنا الوطن من أريحا لغزة.»
اليوم، حين أعود إلى تلك الجملة، لا أسخر منها.
أنا أفهم الرجل الذي قالها.
كان يريد أن يرى الوطن كاملًا من نافذة السيارة.
كان يريد أن يصدق أن هذه العودة هي بداية الحرية.
لكن بين تلك الجملة وبين الغرفة التي كنت قد جلست فيها قبل ساعات على الجسر كانت توجد الحقيقة كلها.
من النافذة كنت أرى وطنًا.
وفي الغرفة الصغيرة رأيت من يملك الباب.
ربما كانت تلك المسافة بين ما رأيته من نافذة السيارة وبين ما حدث في الغرفة الصغيرة على الجسر هي أوسلو كلها في صورتين.
عدنا.
لكن الاحتلال لم يرحل.
القيادة عادت.
الكوادر عادت.
الأجهزة بدأت تُبنى.
الوزارات فتحت أبوابها.
العلم الفلسطيني ارتفع فوق مبانٍ كان مجرد رفعه فوقها حلمًا.
شرطة فلسطينية في الشارع.
جواز سفر فلسطيني.
تلفزيون فلسطيني.
مؤسسات.
مكاتب.
وزراء.
رتب.
حرس.
سيارات رسمية.
وفي المشهد كان شيء يشبه الدولة إلى حد بعيد.
لكن الدولة نفسها لم تكن هناك بعد.
كان ما وُلد هو سلطة انتقالية، يفترض أن تقود خلال سنوات إلى وضع آخر. اتفاق غزة–أريحا نقل صلاحيات محددة إلى السلطة الجديدة، ثم جاء أوسلو الثاني ليقسم الضفة إلى مناطق A وB وC بصلاحيات مختلفة، فيما بقيت قضايا الوضع النهائي للمفاوضات اللاحقة.
لكن المجتمع لا يعيش في نصوص الاتفاقات.
يعيش ما يراه.
وما رآه الفلسطيني للمرة الأولى منذ عقود هو فلسطيني يقف على حاجز فلسطيني، وشرطي فلسطيني ينظم المرور، ومسؤول فلسطيني يدخل مكتبًا فوقه العلم الفلسطيني.
وكان من الطبيعي أن يسأل نفسه:
هل هذه هي الدولة التي انتظرناها؟
وأذكر مشهدًا صغيرًا ظل في ذاكرتي.
كنت مع أحد المسؤولين في الأجهزة الفلسطينية.
جاءه تكليف بأن يرافق وزير المالية الإسرائيلي إلى لقاء مع أبو عمار.
توقفت عند المفارقة.
الرجل الذي كانت إسرائيل قبل سنوات تصفه بالإرهابي أصبح مسؤولًا فلسطينيًا مكلفًا بحماية وزير إسرائيلي وإيصاله إلى لقاء مع الرجل الذي كانت إسرائيل تصفه لسنوات بأنه أكبر الإرهابيين.
قلت له، ضاحكًا من الصورة أكثر من الكلمات:
ها أنت اليوم ترافق وزير المالية الإسرائيلي إلى لقاء أكبر إرهابي عندهم.
ضحكنا.
لكن الصورة كانت أعمق من المزاح.
في سنوات قليلة تغيرت الأسماء كلها.
الفدائي صار مسؤولًا.
والمطارد صار رجل أمن.
ومنظمة التحرير التي كان مجرد الاتصال بها في نظر إسرائيل جريمة أصبحت الطرف الذي توقع معه إسرائيل الاتفاقات.
لكن هل تغيرت طبيعة العلاقة بالسرعة نفسها التي تغيرت بها الأسماء؟
هنا كان السؤال.
فالثورة عندما تعود إلى الوطن لا تعود كما خرجت منه.
في المنفى تستطيع حركة التحرر أن تقول إن هدفها تحرير الأرض وتمثيل الشعب.
لكن عندما تصبح سلطة، يدخل المواطن إلى مكتبها ولا يسألها فقط عن فلسطين.
يسألها عن جواز السفر.
عن المدرسة.
عن المستشفى.
عن الوظيفة.
عن القانون.
عن الشرطة.
عن الضرائب.
وعن حقه أن يعترض عليها.
وهنا يتغير معنى الشرعية.
الثورة تطلب من المجتمع التضحية.
أما السلطة فعليها أن تقدم له القانون والخدمة والعدالة والمساءلة.
والفرق بين الاثنين ليس لغويًا.
إنه انتقال كامل في العقد بين المجتمع والقيادة.
فالذي قبل أن يضحي بحياته من أجل الثورة لا يكون قد أعطى الثورة، تلقائيًا، الحق في أن تدير حياته اليومية بلا مساءلة.
الشرعية التي تُكتسب في الخندق لا تنتقل تلقائيًا إلى المكتب.
وهنا ظهرت أمامنا مشكلة أخرى.
منظمة التحرير لم تكن سلطة على سكان الضفة وغزة فقط.
كانت تقول إنها ممثل الشعب الفلسطيني كله.
اللاجئ في لبنان.
الفلسطيني في سوريا.
الفلسطيني في الأردن.
الفلسطيني في الخليج.
الفلسطيني في أوروبا وأميركا.
والفلسطيني داخل فلسطين وخارجها.
أما السلطة الجديدة، فاختصاصها العملي والجغرافي كان مختلفًا.
هي سلطة على جزء من الأرض وعلى جزء من الشعب.
ومن هنا بدأ سؤال لم ننتبه إلى حجمه يومها:
هل تستطيع سلطة على جزء من الشعب والأرض أن ترث تلقائيًا شرعية منظمة تمثل الشعب كله؟
السؤال لم يكن نظريًا.
فمركز المال والإدارة والوظيفة والأمن والحياة السياسية بدأ ينتقل إلى الداخل.
رام الله وغزة بدأتا تكبران سياسيًا.
والمنظمة بقيت موجودة.
لكن السلطة الجديدة كانت تملك شيئًا لم تكن تملكه المنظمة بهذه الصورة من قبل:
الإدارة اليومية لحياة الناس.
ومن يملك الإدارة اليومية يملك مع الوقت قوة هائلة.
التوظيف.
الراتب.
الترقية.
القرار.
والخدمة.
والعقوبة.
وهناك فرق آخر لا يقل أهمية.
منظمة التحرير اكتسبت شرعيتها تاريخيًا عبر مسار طويل: الثورة، والفصائل، والمجلس الوطني، والاعتراف العربي والدولي، وعلاقة المجتمع الفلسطيني بها.
أما السلطة، فقد ولدت من اتفاق.
وهذا وحده لم يكن كافيًا.
كان لا بد أن يحدث شيء آخر.
أن تدخل شرعية المجتمع إلى المؤسسة الجديدة.
ومن هنا جاءت الانتخابات.
في كانون الثاني 1996، توجه الفلسطينيون في الضفة وغزة والقدس إلى أول انتخابات عامة للرئاسة والمجلس التشريعي في ظل السلطة الجديدة. وكان المرسوم الانتخابي قد دعا صراحة إلى انتخابات عامة حرة ومباشرة لاختيار رئيس السلطة وأعضاء المجلس التشريعي.
وهنا تغيرت الصورة مرة أخرى.
للمرة الأولى لم يعد أبو عمار فقط رئيس منظمة التحرير الذي جاء من تاريخ الثورة.
وقف أمام المجتمع مرشحًا.
وأصبح المواطن يحمل ورقة.
يدخل خلف الستار.
يختار.
ثم يضع الورقة في الصندوق.
كانت لحظة بالغة الأهمية.
لأن المجتمع، بعد سنوات طويلة كان يُقال فيها إن القيادة تمثله، أصبح أمامه فعل مباشر يقول من خلاله:
أنا أختار.
لم تكن الانتخابات كاملة.
ولم تشمل الشعب الفلسطيني كله.
اللاجئ في لبنان لم يصوت.
والفلسطيني في سوريا لم يصوت.
ولا الفلسطيني في الأردن أو أوروبا أو أميركا.
كانت انتخابات سلطة، لا انتخابات منظمة التحرير ولا انتخابات مجلس وطني لكل الفلسطينيين.
لكنها مع ذلك أدخلت إلى النظام الفلسطيني شرعية جديدة لم يعد ممكنًا تجاهلها:
شرعية الصندوق.
وهذه الشرعية ليست هي شرعية الثورة.
وليست هي شرعية المنظمة.
وليست هي شرعية التاريخ.
إنها تفويض محدود بزمن ومؤسسة وقواعد.
وهنا بدأت، ربما من دون أن نشعر، مرحلة جديدة تمامًا.
فالقائد الذي كان يقول:
أنا أستمد شرعيتي من الثورة ومن منظمة التحرير ومن تمثيل الشعب...
أصبح يستطيع أن يقول أيضًا:
لقد انتخبني الناس.
لكن المجتمع يستطيع في المقابل أن يقول:
وما أعطيته لك بالصندوق أستطيع أن أسألك عنه بالصندوق.
وهذه الجملة هي بداية الدولة أكثر من كل الأعلام والمواكب والحرس.
كان أبو عمار في تلك اللحظة حالة نادرة.
فهو لم يدخل الصندوق بلا تاريخ.
دخل وهو يحمل فوق كتفيه عقودًا من الشرعية المتراكمة.
شرعية فتح.
شرعية الثورة.
شرعية منظمة التحرير.
شرعية المنفى.
شرعية العودة.
ثم أضاف إليها المجتمع في 1996 شرعية الانتخاب.
وهنا ربما بدأت المشكلة التي لم نكن نراها بعد.
لأن هذه الشرعيات كلها اجتمعت في شخص واحد.
لكن هل تستطيع المؤسسة أن تحملها إذا غاب الشخص؟
هذا السؤال سيأتي لاحقًا.
أما في تلك اللحظة، فكانت الصورة تبدو مكتملة.
قائد الثورة عاد.
أصبح رئيسًا.
انتخبه الناس.
ولد مجلس تشريعي.
والدولة تبدو أقرب.
لكن خارج إطار الصورة كان شيء آخر يتحرك.
الاحتلال لم يختفِ.
المستوطنات لم تختفِ.
القدس لم تصبح عاصمة الدولة الفلسطينية.
اللاجئون لم يعودوا.
والحدود والمعابر والمياه والأرض لم تصبح تحت سيادة فلسطينية كاملة.
كان الفلسطيني يبني مؤسسات سلطة فيما الأسئلة الكبرى التي صنعت قضيته كلها بقيت مفتوحة.
وهنا بدأت تظهر مفارقة سترافق السنوات التالية:
كلما كبرت السلطة في حياة الفلسطيني اليومية، أصبح من السهل أن ننسى أنها لم تكن الغاية.
كانت المفروض أن تكون جسرًا.
والجسر لا يُقاس بعدد المكاتب التي بُنيت فوقه.
يُقاس بما إذا كان قد أوصل الناس إلى الضفة الأخرى.
عندما عدت عبر الجسر، كان السؤال بسيطًا:
من يسمح لي أن أدخل؟
وبعد قيام السلطة أصبح السؤال أكبر:
من يحكم؟
ثم جاءت الانتخابات وأضافت سؤالًا ثالثًا:
من يختار من يحكم؟
وهنا عاد المجتمع إلى الصورة.
لكن ليس المجتمع الفلسطيني كله.
جزء منه.
في جزء من الأرض.
ينتخب سلطة مؤقتة يفترض أن تقوده إلى دولة لم تولد بعد.
كان في المشهد قدر هائل من الأمل.
وكان فيه، في الوقت نفسه، بذور الأسئلة التي ستنفجر لاحقًا.
ماذا لو لم تنتهِ المرحلة الانتقالية؟
ماذا لو أصبحت السلطة دائمة والدولة مؤجلة؟
ماذا لو اختلفت شرعية المنظمة عن شرعية السلطة؟
وماذا لو جاء يوم أصبحت فيه شرعية الصندوق نفسها موضع صراع؟
تتراجع الكاميرا قليلًا.
الجسر في الخلف.
أريحا.
الطريق إلى غزة.
علم فلسطيني فوق مبنى.
شرطي في الشارع.
وزارة جديدة.
ثم صندوق اقتراع.
يد فلسطينية تضع ورقة داخله.
الصورة تقول إن المجتمع عاد ليمنح الشرعية بنفسه.
لكن التاريخ لم يكن قد قال كلمته بعد.
فالاختبار الحقيقي للشرعية لا يبدأ عندما يحصل القائد عليها.
يبدأ عندما تُمارس السلطة باسمها.
وفي السنوات التالية ستدخل هذه الشرعية امتحانًا لم يعرف الفلسطينيون مثله من قبل.
رئيس يحمل شرعية الثورة والمنظمة والصندوق.
سلطة تحاول أن تتصرف كدولة.
واحتلال ما زال يملك الأرض والحدود والسماء.
ومجتمع بدأ يسأل السلطة، لا الاحتلال فقط، عما فعلته باسمه.
ثم ستأتي سنوات تهتز فيها الاتفاقات، وتدخل الدبابات المدن، ويُحاصر الرئيس نفسه الذي انتخبه الناس، ويصبح السؤال أكبر من أوسلو وأكبر من السلطة.
ماذا يحدث عندما تجتمع شرعية الثورة، وشرعية المنظمة، وشرعية الصندوق في قائد واحد… ثم تدخل كلها معًا امتحان السلطة والاحتلال؟
ذلك هو سؤال الحلقة العاشرة.
يُتبع...
يحيى بركات
11/9/2026
رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة التاسعة
عندما عادت القيادة إلى الوطن... هل عادت الشرعية إلى المجتمع؟
- يحيى بركات -
- مخرج وكاتب سينمائي -
في الحلقة السابقة، انتهت الكاميرا عند لحظة بدت، للوهلة الأولى، وكأنها نهاية رحلة طويلة.
خرجت منظمة التحرير من بيروت.
ابتعدت البنادق عن فلسطين.
انتقلت القيادة إلى تونس.
وبقي الداخل الفلسطيني بعيدًا عنها جغرافيًا، لكنه لم ينتظرها لكي يصنع انتفاضته.
في الانتفاضة الأولى أعاد المجتمع الفلسطيني الفعل إلى الأرض.
الحجر.
الإضراب.
اللجان الشعبية.
المخيم.
القرية.
المدينة.
وحين أعلنت القيادة الاستقلال في الجزائر عام 1988، كان المجتمع في الداخل قد صنع على الأرض قوة سياسية وأخلاقية لا يستطيع أحد تجاهلها.
ثم جاءت مدريد.
ثم أوسلو.
وهنا تركتنا الحلقة السابقة أمام سؤال لم يكن صغيرًا:
إذا كان المجتمع الفلسطيني هو الذي صنع الانتفاضة، ودفع ثمنها، وراكم قوتها السياسية والأخلاقية...
فمن أعطى القيادة حق تحويل هذه الشرعية إلى اتفاق سيعيد تعريف الأرض والسلطة والمقاومة والدولة ومستقبل المجتمع نفسه؟
وهل كانت أوسلو ترجمة لشرعية صنعها المجتمع...
أم اللحظة التي بدأت فيها الشرعية تنتقل، مرة أخرى، من المجتمع إلى القيادة؟
هذه المرة لم تكن الكاميرا في بيروت ولا تونس ولا الجزائر.
كانت على الجسر.
كنت عائدًا من تونس.
عبرت الأردن، ووصلت إلى جسر الملك حسين.
كان في داخلي شعور يصعب وصفه الآن.
أنا لا أعود في زيارة.
ولا أعبر إلى بلد آخر.
أنا عائد إلى فلسطين.
إلى الوطن الذي غادرناه ونحن نحمله معنا في الأفلام والصور والأغاني والبيانات والخطب والذاكرة.
لكن العودة إلى الوطن بدأت بغرفة صغيرة.
جلس أمامي ضابط مخابرات إسرائيلي.
بدأ يسأل.
لم أرد أن أجيب.
كان داخلي شيء يرفض الفكرة كلها.
بعد سنوات الثورة والمنفى، وبعد أوسلو والعودة، لماذا أجلس أمام ضابط إسرائيلي ليقرر كيف أدخل إلى بلدي؟
قلت، بما معناه، إنني لن أجيب.
وكان جوابه بسيطًا:
إذن تستطيع أن تعود من حيث أتيت.
خرجت.
التقيت مسؤولًا فلسطينيًا.
قال لي إن الجميع مروا بهذا.
وإن المسألة إجراء لا بد منه.
عدت إلى الغرفة.
أجبت.
وعبرت.
لم يقل لي الضابط شيئًا بعد ذلك.
لكن المشهد قال لي الكثير.
أنتم عدتم، نعم.
لكنكم لم تدخلوا أرضًا حررتموها.
أنتم تدخلون من بوابة ما زلنا نحن نملكها.
كانت تلك أول صورة حقيقية عندي للعودة.
لا خطاب.
لا منصة.
لا موسيقى عسكرية.
غرفة صغيرة، وضابط احتلال، وفلسطيني عائد يحتاج إلى موافقته كي يصل إلى فلسطين.
قضيت ليلتي في أريحا.
وفي اليوم التالي تحركنا إلى غزة.
الطريق نفسه كان احتفالًا داخليًا.
أريحا.
القدس.
أرض فلسطين التي أصبحت تسمى أراضي 1948.
ثم غزة.
كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الطريق وأشعر أننا نعبر وطنًا استعدناه.
وقلت، بفرح ربما لا يستطيع أن يفهمه إلا من عاش المنفى:
«حررنا الوطن من أريحا لغزة.»
اليوم، حين أعود إلى تلك الجملة، لا أسخر منها.
أنا أفهم الرجل الذي قالها.
كان يريد أن يرى الوطن كاملًا من نافذة السيارة.
كان يريد أن يصدق أن هذه العودة هي بداية الحرية.
لكن بين تلك الجملة وبين الغرفة التي كنت قد جلست فيها قبل ساعات على الجسر كانت توجد الحقيقة كلها.
من النافذة كنت أرى وطنًا.
وفي الغرفة الصغيرة رأيت من يملك الباب.
ربما كانت تلك المسافة بين ما رأيته من نافذة السيارة وبين ما حدث في الغرفة الصغيرة على الجسر هي أوسلو كلها في صورتين.
عدنا.
لكن الاحتلال لم يرحل.
القيادة عادت.
الكوادر عادت.
الأجهزة بدأت تُبنى.
الوزارات فتحت أبوابها.
العلم الفلسطيني ارتفع فوق مبانٍ كان مجرد رفعه فوقها حلمًا.
شرطة فلسطينية في الشارع.
جواز سفر فلسطيني.
تلفزيون فلسطيني.
مؤسسات.
مكاتب.
وزراء.
رتب.
حرس.
سيارات رسمية.
وفي المشهد كان شيء يشبه الدولة إلى حد بعيد.
لكن الدولة نفسها لم تكن هناك بعد.
كان ما وُلد هو سلطة انتقالية، يفترض أن تقود خلال سنوات إلى وضع آخر. اتفاق غزة–أريحا نقل صلاحيات محددة إلى السلطة الجديدة، ثم جاء أوسلو الثاني ليقسم الضفة إلى مناطق A وB وC بصلاحيات مختلفة، فيما بقيت قضايا الوضع النهائي للمفاوضات اللاحقة.
لكن المجتمع لا يعيش في نصوص الاتفاقات.
يعيش ما يراه.
وما رآه الفلسطيني للمرة الأولى منذ عقود هو فلسطيني يقف على حاجز فلسطيني، وشرطي فلسطيني ينظم المرور، ومسؤول فلسطيني يدخل مكتبًا فوقه العلم الفلسطيني.
وكان من الطبيعي أن يسأل نفسه:
هل هذه هي الدولة التي انتظرناها؟
وأذكر مشهدًا صغيرًا ظل في ذاكرتي.
كنت مع أحد المسؤولين في الأجهزة الفلسطينية.
جاءه تكليف بأن يرافق وزير المالية الإسرائيلي إلى لقاء مع أبو عمار.
توقفت عند المفارقة.
الرجل الذي كانت إسرائيل قبل سنوات تصفه بالإرهابي أصبح مسؤولًا فلسطينيًا مكلفًا بحماية وزير إسرائيلي وإيصاله إلى لقاء مع الرجل الذي كانت إسرائيل تصفه لسنوات بأنه أكبر الإرهابيين.
قلت له، ضاحكًا من الصورة أكثر من الكلمات:
ها أنت اليوم ترافق وزير المالية الإسرائيلي إلى لقاء أكبر إرهابي عندهم.
ضحكنا.
لكن الصورة كانت أعمق من المزاح.
في سنوات قليلة تغيرت الأسماء كلها.
الفدائي صار مسؤولًا.
والمطارد صار رجل أمن.
ومنظمة التحرير التي كان مجرد الاتصال بها في نظر إسرائيل جريمة أصبحت الطرف الذي توقع معه إسرائيل الاتفاقات.
لكن هل تغيرت طبيعة العلاقة بالسرعة نفسها التي تغيرت بها الأسماء؟
هنا كان السؤال.
فالثورة عندما تعود إلى الوطن لا تعود كما خرجت منه.
في المنفى تستطيع حركة التحرر أن تقول إن هدفها تحرير الأرض وتمثيل الشعب.
لكن عندما تصبح سلطة، يدخل المواطن إلى مكتبها ولا يسألها فقط عن فلسطين.
يسألها عن جواز السفر.
عن المدرسة.
عن المستشفى.
عن الوظيفة.
عن القانون.
عن الشرطة.
عن الضرائب.
وعن حقه أن يعترض عليها.
وهنا يتغير معنى الشرعية.
الثورة تطلب من المجتمع التضحية.
أما السلطة فعليها أن تقدم له القانون والخدمة والعدالة والمساءلة.
والفرق بين الاثنين ليس لغويًا.
إنه انتقال كامل في العقد بين المجتمع والقيادة.
فالذي قبل أن يضحي بحياته من أجل الثورة لا يكون قد أعطى الثورة، تلقائيًا، الحق في أن تدير حياته اليومية بلا مساءلة.
الشرعية التي تُكتسب في الخندق لا تنتقل تلقائيًا إلى المكتب.
وهنا ظهرت أمامنا مشكلة أخرى.
منظمة التحرير لم تكن سلطة على سكان الضفة وغزة فقط.
كانت تقول إنها ممثل الشعب الفلسطيني كله.
اللاجئ في لبنان.
الفلسطيني في سوريا.
الفلسطيني في الأردن.
الفلسطيني في الخليج.
الفلسطيني في أوروبا وأميركا.
والفلسطيني داخل فلسطين وخارجها.
أما السلطة الجديدة، فاختصاصها العملي والجغرافي كان مختلفًا.
هي سلطة على جزء من الأرض وعلى جزء من الشعب.
ومن هنا بدأ سؤال لم ننتبه إلى حجمه يومها:
هل تستطيع سلطة على جزء من الشعب والأرض أن ترث تلقائيًا شرعية منظمة تمثل الشعب كله؟
السؤال لم يكن نظريًا.
فمركز المال والإدارة والوظيفة والأمن والحياة السياسية بدأ ينتقل إلى الداخل.
رام الله وغزة بدأتا تكبران سياسيًا.
والمنظمة بقيت موجودة.
لكن السلطة الجديدة كانت تملك شيئًا لم تكن تملكه المنظمة بهذه الصورة من قبل:
الإدارة اليومية لحياة الناس.
ومن يملك الإدارة اليومية يملك مع الوقت قوة هائلة.
التوظيف.
الراتب.
الترقية.
القرار.
والخدمة.
والعقوبة.
وهناك فرق آخر لا يقل أهمية.
منظمة التحرير اكتسبت شرعيتها تاريخيًا عبر مسار طويل: الثورة، والفصائل، والمجلس الوطني، والاعتراف العربي والدولي، وعلاقة المجتمع الفلسطيني بها.
أما السلطة، فقد ولدت من اتفاق.
وهذا وحده لم يكن كافيًا.
كان لا بد أن يحدث شيء آخر.
أن تدخل شرعية المجتمع إلى المؤسسة الجديدة.
ومن هنا جاءت الانتخابات.
في كانون الثاني 1996، توجه الفلسطينيون في الضفة وغزة والقدس إلى أول انتخابات عامة للرئاسة والمجلس التشريعي في ظل السلطة الجديدة. وكان المرسوم الانتخابي قد دعا صراحة إلى انتخابات عامة حرة ومباشرة لاختيار رئيس السلطة وأعضاء المجلس التشريعي.
وهنا تغيرت الصورة مرة أخرى.
للمرة الأولى لم يعد أبو عمار فقط رئيس منظمة التحرير الذي جاء من تاريخ الثورة.
وقف أمام المجتمع مرشحًا.
وأصبح المواطن يحمل ورقة.
يدخل خلف الستار.
يختار.
ثم يضع الورقة في الصندوق.
كانت لحظة بالغة الأهمية.
لأن المجتمع، بعد سنوات طويلة كان يُقال فيها إن القيادة تمثله، أصبح أمامه فعل مباشر يقول من خلاله:
أنا أختار.
لم تكن الانتخابات كاملة.
ولم تشمل الشعب الفلسطيني كله.
اللاجئ في لبنان لم يصوت.
والفلسطيني في سوريا لم يصوت.
ولا الفلسطيني في الأردن أو أوروبا أو أميركا.
كانت انتخابات سلطة، لا انتخابات منظمة التحرير ولا انتخابات مجلس وطني لكل الفلسطينيين.
لكنها مع ذلك أدخلت إلى النظام الفلسطيني شرعية جديدة لم يعد ممكنًا تجاهلها:
شرعية الصندوق.
وهذه الشرعية ليست هي شرعية الثورة.
وليست هي شرعية المنظمة.
وليست هي شرعية التاريخ.
إنها تفويض محدود بزمن ومؤسسة وقواعد.
وهنا بدأت، ربما من دون أن نشعر، مرحلة جديدة تمامًا.
فالقائد الذي كان يقول:
أنا أستمد شرعيتي من الثورة ومن منظمة التحرير ومن تمثيل الشعب...
أصبح يستطيع أن يقول أيضًا:
لقد انتخبني الناس.
لكن المجتمع يستطيع في المقابل أن يقول:
وما أعطيته لك بالصندوق أستطيع أن أسألك عنه بالصندوق.
وهذه الجملة هي بداية الدولة أكثر من كل الأعلام والمواكب والحرس.
كان أبو عمار في تلك اللحظة حالة نادرة.
فهو لم يدخل الصندوق بلا تاريخ.
دخل وهو يحمل فوق كتفيه عقودًا من الشرعية المتراكمة.
شرعية فتح.
شرعية الثورة.
شرعية منظمة التحرير.
شرعية المنفى.
شرعية العودة.
ثم أضاف إليها المجتمع في 1996 شرعية الانتخاب.
وهنا ربما بدأت المشكلة التي لم نكن نراها بعد.
لأن هذه الشرعيات كلها اجتمعت في شخص واحد.
لكن هل تستطيع المؤسسة أن تحملها إذا غاب الشخص؟
هذا السؤال سيأتي لاحقًا.
أما في تلك اللحظة، فكانت الصورة تبدو مكتملة.
قائد الثورة عاد.
أصبح رئيسًا.
انتخبه الناس.
ولد مجلس تشريعي.
والدولة تبدو أقرب.
لكن خارج إطار الصورة كان شيء آخر يتحرك.
الاحتلال لم يختفِ.
المستوطنات لم تختفِ.
القدس لم تصبح عاصمة الدولة الفلسطينية.
اللاجئون لم يعودوا.
والحدود والمعابر والمياه والأرض لم تصبح تحت سيادة فلسطينية كاملة.
كان الفلسطيني يبني مؤسسات سلطة فيما الأسئلة الكبرى التي صنعت قضيته كلها بقيت مفتوحة.
وهنا بدأت تظهر مفارقة سترافق السنوات التالية:
كلما كبرت السلطة في حياة الفلسطيني اليومية، أصبح من السهل أن ننسى أنها لم تكن الغاية.
كانت المفروض أن تكون جسرًا.
والجسر لا يُقاس بعدد المكاتب التي بُنيت فوقه.
يُقاس بما إذا كان قد أوصل الناس إلى الضفة الأخرى.
عندما عدت عبر الجسر، كان السؤال بسيطًا:
من يسمح لي أن أدخل؟
وبعد قيام السلطة أصبح السؤال أكبر:
من يحكم؟
ثم جاءت الانتخابات وأضافت سؤالًا ثالثًا:
من يختار من يحكم؟
وهنا عاد المجتمع إلى الصورة.
لكن ليس المجتمع الفلسطيني كله.
جزء منه.
في جزء من الأرض.
ينتخب سلطة مؤقتة يفترض أن تقوده إلى دولة لم تولد بعد.
كان في المشهد قدر هائل من الأمل.
وكان فيه، في الوقت نفسه، بذور الأسئلة التي ستنفجر لاحقًا.
ماذا لو لم تنتهِ المرحلة الانتقالية؟
ماذا لو أصبحت السلطة دائمة والدولة مؤجلة؟
ماذا لو اختلفت شرعية المنظمة عن شرعية السلطة؟
وماذا لو جاء يوم أصبحت فيه شرعية الصندوق نفسها موضع صراع؟
تتراجع الكاميرا قليلًا.
الجسر في الخلف.
أريحا.
الطريق إلى غزة.
علم فلسطيني فوق مبنى.
شرطي في الشارع.
وزارة جديدة.
ثم صندوق اقتراع.
يد فلسطينية تضع ورقة داخله.
الصورة تقول إن المجتمع عاد ليمنح الشرعية بنفسه.
لكن التاريخ لم يكن قد قال كلمته بعد.
فالاختبار الحقيقي للشرعية لا يبدأ عندما يحصل القائد عليها.
يبدأ عندما تُمارس السلطة باسمها.
وفي السنوات التالية ستدخل هذه الشرعية امتحانًا لم يعرف الفلسطينيون مثله من قبل.
رئيس يحمل شرعية الثورة والمنظمة والصندوق.
سلطة تحاول أن تتصرف كدولة.
واحتلال ما زال يملك الأرض والحدود والسماء.
ومجتمع بدأ يسأل السلطة، لا الاحتلال فقط، عما فعلته باسمه.
ثم ستأتي سنوات تهتز فيها الاتفاقات، وتدخل الدبابات المدن، ويُحاصر الرئيس نفسه الذي انتخبه الناس، ويصبح السؤال أكبر من أوسلو وأكبر من السلطة.
ماذا يحدث عندما تجتمع شرعية الثورة، وشرعية المنظمة، وشرعية الصندوق في قائد واحد… ثم تدخل كلها معًا امتحان السلطة والاحتلال؟
ذلك هو سؤال الحلقة العاشرة.
يُتبع...
يحيى بركات
11/9/2026