أ. د. عادل الأسطة - جهاد الرنتيسي (1--2)

آخر الروايات التي قرأتها هي رواية الكاتب الفلسطيني المقيم الآن في الأردن جهاد الرنتيسي وعنوانها " شامة سوداء أسفل العنق " وقد صدرت في القاهرة عن " المرايا للثقافة والفنون " في العام ٢٠٢٤ ، وهي جزء ثالث متمم ل " بقايا رغوة " الصادرة عن دار البيروني في العام ٢٠٢١ و ل " خبايا الرماد " الصادرة أيضا عن دار البيروني في العام ٢٠٢٣ .
في الجزء الثالث يحكي السارد عن الفلسطيني جواد الديك الذي درس الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة الكويت وكان ناشطا سياسيا له علاقة بحركة فتح التي انشقت عن نفسها في العام ١٩٨٣ ، فرموز الانشقاق في الرواية تحضر بأسمائها الحقيقية ومنها أبو صالح وأبو موسى وبعض المفكرين الذين نظروا لها مثل إلياس شوفاني .

1753605493614.png

ولأن جواد الديك درس في الكويت في ثمانينيات القرن العشرين فإنه تعرف إلى رموز ثقافية مصرية كانت هناك في حينه وكان لها حضور مميز في الحركة الثقافية وابرزهم فؤاد زكريا ، فيذكر بعض كتبهم وترجماتهم ، كما يأتي على رموز فنية وأدبية عالمية أبرزها الممثلة العالمية ( فانيسيا ريديغريف ) التي زارت الكويت وتعاطفت مع القضية الفلسطينية ، ويأتي أيضا على الفيلسوف ( برتراند رسل ) والكاتبين المسرحيين ( آرثر ميللر ) و ( تنيسي وليامز ) .
تحفل الرواية بأسماء يعرفها القاريء المثقف وقد يجد القاريء العادي لفن الرواية فيها عبئا عليه لفهمه الرواية ، ما يجعلنا نقول مطمئنين إن جهاد الرنتيسي يكتب لقاريء مثقف مسيس بالدرجة الأولى وفلسطيني أولا ، فالكتابة عن انشقاق حركة فتح وانعكاسه على الفلسطينيين الناشطين سياسيا في الكويت يصعب إدراكه واستيعابه على من لا يلم بتلك الفترة ، بخاصة أن الكاتب لا يضيء تلك الشخوص بما يعطي القاريء فكرة عنها . إنها مكتملة وواضحة لدى المؤلف والذين شاركوا في الانشقاق وتابعوه ، ولكنها ليست كذلك لدى القاريء .
ما من شك في أن الكاتب يمتلك قدرة كبيرة على السرد وأنه ملم بعالمه الذي يكتب عنه إلماما واسعا ، ولهذا يتنقل بين الأمكنة التي عاش فيها وعرفها ، وهذا يتطلب من القاريء قدرة على التركيز . لقد ذكرني أسلوب الكاتب برواية غالب هلسا " البكاء على الأطلال " حيث يركز الكاتب على التفاصيل الدقيقة لشخصيته في حركاتها .
يتطلب قراءة الجزء الثالث " شامة سوداء أسفل العنق " أن يكون قارئها قرأ الجزأين الأول والثاني ، فالشخصيات نفسها تحضر في الأجزاء الثلاثة ، وأن يكون أيضا ذا ذاكرة حديدية أو أن يعود إلى ملاحظاته على الأجزاء الأولى .
غير مرة تساءلت إن كان هناك أدب فصيلي في الأدب الفلسطيني ؟
الشيوعيون مجدوا في كتاباتهم الحزب ، والقوميون انطلقوا من رؤى قومية ، ثم عرفنا أدباء انتموا لفصائل بعينها وبدا انحيازهم لها لافتا في نصوصهم .
هل كتب روائي فلسطيني رواية عن الانشقاق في حركة فتح ؟
في العام ١٩٨٣ كتب يحيى يخلف روايته " نشيد الحياة " وفيها إرهاصات للانشقاق ، ولكنه لم يكتب عن رموزه كما هو الحال لدى الرنتيسي .
هل ترك الانشقاق أثرا على الرواية ؟ هل مجد الكاتب جهة وذم أخرى ؟ كيف بدت صورة الطرفين في الرواية ؟
في " شامة سوداء أسفل العنق " تقرأ عن قيادات تخونها زوجاتها ، فالقيادات مشغولة والنساء شبقات . يحضر أبو الخيزران في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " ( ١٩٦٣ ) ويشبهه أبو عامر الذي تقيم زوجته علاقة جنسية شبقة مع جواد الديك الذي يبدو في الرواية ، وهو الميال لحركة الانشقاق ، شبقا وزير نساء . تطعمه أم عامر وتصب له الويسكي ، بل وترسل له المال أيضا . مثل أم عامر زوجة ضابط كبير يقيم أهلها في بيروت وتشعر بالندم بعد زواجها ، فتقيم علاقة مع جواد وتنجب منه طفلهما غيث .
هل كتب جهاد الرنتيسي عن الجانب المسكوت عنه ؟
هل ستثير رواياته ضجة مثل تلك الضجة التي أثارتها رواية سامية عيسى " حليب التين "؟ وماذا ستقول عنها الروائية مايا أبو الحيات التي كتبت رواية " لا أحد يعرف زمرة دمه " التي حكت عن أب في الثورة تقيم زوجته اللبنانية علاقة مع لبناني ، أب ثوري استغل الثورة لخدمة مصالحه ؟
كما عرفت فإن هناك جزءا رابعا سيصدر لاحقا ، ويبدو أن جانبا كبيرا من الرواية ليس ببعيد عن حياة الكاتب أو شخصيات كان مقربا منها .
إن قرئت الرواية مع حياة كاتبها ، وهذا يحتاج إلى برهنة وتقص وأدلة ، فهو ليس سهلا والمجازفة فيه خطيرة ، فقد نتذكر ما كتبه الكاتب سليم بركات عن محمود درويش والسر الذي أفشاه الأخير له .
أعتقد أن الرواية ستشهد جدلا أدبيا سياسيا معا ؛ ففي جانبها الأدبي تبدو صعبة القراءة وتحتاج إلى تركيز ، وفي جانبها السياسي تقارب أحد المحرمات ( تابو ) ، بل وأيضا تقارب تابو الجنس وانفتاح العلاقات و. ...
( راجع كتابتي : جهاد الرنتيسي : اختلاط الأزمنة والأمكنة : هل يربك القاريء ؟ ، بتاريخ ١٧ / ٩ / ٢٠٢٣ )
خربشات عادل الأسطة

***

جهاد الرنتيسي : اختلاط الأزمنة والأمكنة : هل يربك القاريء ؟

أصدر الكاتب جهاد الرنتيسي المقيم الآن في عمان ، والعائد من الكويت البلد الذي عاش فيه شبابه ونشط فيه سياسيا ، أصدر في العامين الأخيرين روايتين أقرب إلى النوفيلا حجما هما " بقايا رغوة " ٢٠٢١و " خبايا الرماد " ٢٠٢٣ ، فلا تزيد أي منهما عن المائة والثلاثين صفحة من الحجم المتوسط .
الروايتان يتحرك الشخوص فيهما بين الكويت وعمان ودمشق وبيروت ، وهؤلاء الشخوص قسم منهم حقيقيون معروفون للفلسطينيين بعامة وفلسطينيي الكويت بخاصة ، إذ عاش بعضهم في الكويت منذ ستينيات القرن العشرين وأسهم في تأسيس حركة فتح وكان ناشطا فيها وقاتل في صفوفها ثم انشق عنها في العام ١٩٨٣ أو بقي فيها . وقد تثير الروايتان لأبناء حركة فتح أسئلة عديدة ، وقد ينقسمون إزاءها ، بخاصة أبناء فتح ممن أقاموا في الكويت .
وتتطلب قراءة الروايتين قدرا كبيرا من التركيز ؛ لأن السرد فيهما لا يسير بخط أفقي : بداية - وسط - نهاية ، وإنما يتكيء على تكسير الزمن والتنقل فيه من حاضر إلى ماض فعودة إلى حاضر فماض فحاضر ، ثم الانتقال من مكان إلى ثان فثالث والعودة إلى المكان ومغادرته إلى مكان آخر . ببساطة تتطلب القراءة قدرا كبيرا من التركيز ، ما يذكر برواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ التي طرحت على كاتبها سؤال :
- لمن يكتب الكاتب ؟ لمن أكتب أنا ؟ هل أكتب ليقال انني كاتب كبير أم أكتب من أجل قضية ؟ والكتابة من أجل قضية تتطلب التواصل مع الجماهير لا الكتابة للنخبة فقط .
هل سيعيدنا جهاد الرنتيسي إلى الجدل الذي أثير بعد صدور رواية كنفاني ؟
مرة كتبت متسائلا إن كان الأدباء الفلسطينيون الذين أقاموا في الكويت كتبوا عن تجربة الفلسطينيين هناك ، فالفلسطينيون موجودون في الكويت منذ خمسينيات القرن العشرين ، وصارت لمن أقام فيها منهم وطنه الثاني وكانت حياتهم فيها في الجانبين؛ السياسي والثقافي ، ثرية غنية.
عاش غسان كنفاني في الكويت واستوحى من حياة الفلسطينيين فيها بعض أعماله ، وعاش فيها أيضا الفنان ناجي العلي والناقد وليد أبو بكر والكاتب محمد الأسعد والروائي زياد عبد الفتاح والقاص محمود الريماوي والقاص تيسير نظمي والروائية حزامة حبايب والشعراء سميح محسن وحلمي الزواتي وعيسى بشارة وآخرون كثر .
وأنا أقرأ الروايتين قلت إن بعض الشخوص فيهما لا تبدو للقاريء مكتملة ، ولهذا فلن تعيش في ذهنه . إنها تبدو مكتملة للكاتب أو لفلسطينيي الكويت ممن عاشوا التجربة ليس أكثر .
ثمة أسئلة عديدة تثيرها الروايتان منها العلاقات الأسرية لبعض رموز حركة فتح ، ومنها ما يتعلق بحياة المقاتل وعلاقاته النسوية . هل يسيء الحب الحسي إليه ؟
ماذا تبقى من حياة الفلسطينيين في الكويت ؟ ماذا تبقى من تجربتهم هناك ؟ ماذا تبقى من علاقاتهم ببعضهم ؟ هل يجب فتح أوراقهم وأوراق القيادة الفلسطينية التي أسست في الكويت حركة فتح ؟ ما خباياهم وماذا ظهر منها وماذا يريد الكاتب أن يظهر وأن يقول ؟
أسئلة ربما تجد أجوبة لدى القراء من أبناء حركة فتح !
ولكن بقي سؤال أخير هو :
- هل هناك أدب فصيل / فصيلي / فصائلي في الأدب الفلسطيني ؟ ومن كتبه ؟

مساء الخير
خربشات عادل الاسطة
عادل الأسطة
١٧ / ٩ / ٢٠٢٣

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى