د. عبدالسلام عامر - حكاياتي من الذكريات( ٢١ )

( ٢١ )

(صديقي سامر الزرقا حين قال لي في دمشق ساخرا : عندما عملت حصان في موسكو وخلعت معطفك ودرجة حرارة عشرين تحت الصفر لتدفئ تينا الالمانية ماحسيت بالبرد مش هيك ؟!😂😂😂)

كان شتاء دمشق قارص جدا مع اني قدمت من الاتحاد السوفيتي الذي كان فيه الشتاء أشد بروده في شتاء ١٩٨٨م ، حيث بقينا في مطار شيرميتفا الروسي ثلاث ايام انا وصديقي سامر الزرقا ابن مدينة التل في ريف دمشق والذي استضافني ضيفا عزيزا بمنزلهم ! كانت رحلته قبلي بحوالي ١٢ ساعه بينما رحلتي انا بعده ، و مع ذلك غادرنا مينسك مباشرة بعد الانتهاء من الامتحانات الشتوية في اتجاه موسكو وقررنا أن نعيش ثلاث ايام بلياليها في مطار شيرميتفا بموسكو كتجربة جديدة باختيارنا! فمن لا يعرف ماذا يعني مطار شيرميتفا فهو المطار الرئيسي والاضخم في أوروبا ويستقبل طيران العالم وتقريبا لا تتوقف فيه الحركة ، كل خمس دقائق تهبط طائرة على مدار الساعه ويعتبر همزة وصل لمختلف بلاد العالم بمشرقها ومغربها ! كان ذهابنا قبل موعد سفرنا له فوائد وتجارب خضناها اثناء وجودنا بالمطار عشنا اجمل ثلاث ايام بلياليها بذكريات إنسانية ورومانسية !!! شاهدنا طائفة من الألمان السوفييت تغادر الاتحاد السوفيتي عائدة إلى موطنها الام خصوصا بعد البروسترويكا التي أراد ميخائيل غورباتشوف ان يقوم بإعادة بناء الاتحاد السوفيتي آنذاك ، وإعلان الانفتاح والمراجعة ومن أهمها السماح بالمغادرة لأبناء واحفاد الألمان الذين وقعوا في الأسر أثناء الحرب العالمية الثانية وتم الحكم عليهم في العمل بالبناء لإعادة بناء مادمروه والاستفادة من الطاقة البشرية مع منحهم الجنسية السوفيتية والعيش كمواطنين سوفييت ! فمنهم كثيرون أصبحوا فعلا مواطنون سوفييت واحبو الحياة فيها بينما قلة منهم من ارادو العودة في تلك المرحلة ، فشاهدنا أسر تبكي وهي تفارق احبتها و ابن يترك أبويه عائدا إلى بلد لا يعرفها سوى أنها بلد اجداده والعكس صحيح و غيرها من المواقف الإنسانية!! كما تعرفنا هناك بشباب من فلسطين وسوريا وتونس والجزائر قادمون من مدن سوفيتية اخرى مغادرون إلى بلدانهم ولكن اجمل لحظة كانت عندما التقينا انا وصديقي سامر بفتاتين المانيتين كاترينا وتينا ووصلتا مثلنا قبل موعد سفرهن و قضينا واياهن اجمل ليلتين في صالة المطار ناكل ونشرب معا وفي صقيع موسكو فجرا ودرجة الحرارة ٢٠ تحت الصفر عندما كنا نقرر أن ندخن السجارة انا وتينا نضطر للخروج من المبنى على قارعة مدخل المطار ونتجول بجواره!! المهم اننا فزنا بعناوينهن وطلبوا ان ندعوهم لزيارة مدينة مينسك بعد العودة من الاجازة الشتوية وهذه حكاية أخرى ! المهم أثناء وصولي إلى دمشق استقبلني سامر ووالدته رحمة الله عليها خاله إسعاف وركبت في السيارة التاريخية التي كان يملكها صديقي سامر وهي سيارة عتيقة سوداء مثل التي نراها في افلام الاسود والأبيض سياره اثريه لا اتذكر الماركه انما نسخة من سيارة جمال عبد الناصر عندما كان ضابط في الجيش المصري ! حينها اطلقت عليها سيارة محمد عبدالوهاب 😂طبعا من أهم ما بقي محفور في رحلتي الأولى إلى دمشق في ضيافة صديقي واخي سامر والذي أصبحنا أكثر من اخوه اني تعرفت على جميع أفراد عائلته و اخوه الأكبر سعد الدين أبو ربيع كان مغني ممتاز جدا بالاضافة الى سامر فهو عازف عود متمكن وكان يرافق اخيه في الاحتفالات الخاصة جدا عند المقربين التي يحيها بمدينة التل ! ومن المشاهد التي لاتنسى عندما ذهبنا إلى جوار جامعة دمشق وكان سامر يمتلك روح النكته والسخريه ابو دم خفيف وهو يعلق ساخرا عن سيارته العتيقة والمميزة وهي تتمخطر وسط شوارع دمشق بينما فتيات الجامعة يضحكون 😂😂 لحظات بقيت في ذاكرتي كما ان حضوري حفل زفاف أقرباء صديق سامر شاب فلسطيني اسمه سامر ايضا وحضوري الحفل معهم لعائلة من اهل غزة النازحين منذ حرب ١٩٦٧م إلى دمشق وشاركتهم الرقص بينما سامر شاركهم بالعزف على العود ! كل ذلك في شتاء دمشق الذي كنت اعتقد انه عادي وذات يوم خرجت بجاكيت خفيف وحينها أدركت مدى البروده واخبرت صديقي باني سأموت من البرد حينها رد عليا مازحا وساخرا وعندما كنت في موسكو وسط عشرين درجه تحت الصفر وعملت حصان وخلعت معطفك لتدفئ تينا الألمانية ما حسيت حينها بالبرد مش هيك؟! 😂😂
انما كان آخر يوم لي بعد أسبوعين مسك الختام في دمشق من اجمل واروع وأحلى الليالي عندما ذهبنا بصحبة ابو ربيع واولاد اخت سامر لحضور مسرحية شقائق النعمان للنجم الكبير دريد لحام وللأسف لم نجد تذاكر بيع بالمسرح واخبرونا ان التذاكر انتهت ولا توجد مقاعد والمسرحية ستعرض بعد ربع ساعة حينها بذكاء من سامر قال لهم معي ضيف فنان مسرحي من اليمن ومسافر غدا ويرغب بمشاهدة المسرحية حينها ابلغونا ان ننتظر لحظة وسيتم الحديث مع دريد لحام لان لدية غرفة البلكونه مخصوصة للضيوف والزوار الكبار فإذا لم يكن أحد قادم ممكن نحكي معه !! وبالفعل بعد دقائق ابدا دريد لحام موافقته وطلب دخولنا فورا ! و كانت لحظة عظيمة عندما ظهر دريد لحام بداية المسرحية فوقف يحيي الجمهور ثم التفت نحونا في البلكونه ويحينا أيضا تحية خاصة ! هذه سوريه العربية كما عرفناها التي كانت مفتوحة لكل العرب يدخلوها امنيين و يستقبلون احسن استقبال وهكذا شعب سوريه العظيم المؤمن بوحدة المصير الذي لا يعرف معنى العنصرية ! غادرت اليوم التالي عائدا إلى الاتحاد السوفيتي بينما سامر عاد بعد اسبوع ! انتهت رحلتي الأولى إلى دمشق (الشام) كما يحلو للسوريين تسميتها وعشقتها وحبيت شعبها واكلت اطعم الوجبات فيها وشاهدت عبق التاريخ منها و كررت زياراتي لها وفي كل زيارة حكاية !
تحيا سورية ويحيا شعبها وستبقى سوريه عربيه ان شاء الله

د عبدالسلام عامر
يناير ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى