شريف محيي الدين إبراهيم - حالي من دفاتر الليل: الحكي والهوية في رواية "عبدالله يقرأ طول الليل وبشرى تكتب طول الليل" لمحمد خيري حلمي

رحم الله محمد خيري حلمي، فقد كانت الحياة قاسية عليه، لكنّه ترك كلمات لا تموت، وذكرى لا تنطفئ.
عرفته إنسانًا طيبًا، بسيطًا في هيئته، لكنه عميق في إنسانيته وإبداعه، خفيف الظل، فطري الموهبة، كأنّ اللغة تسكنه منذ الولادة.
كان فقيرًا في المال، غنيًا في الروح، يعمل في ظروف قاسية، ويواجه واقعًا لا يعرف قدره، ومع ذلك ظل يحمل بداخله ثقافة حقيقية ووعيًا متوهجًا لا يُطفئه التعب.

استقبلني أول مرة في ندوة الحرية ـ ندوة الناقد الراحل عبدالله هاشم ـ بمحبة خالصة وترحاب لا يُنسى، في وقت بدت فيه وجوه كثيرة غيورة، مُتكلفة، لا تراك إلا من زاوية علاقتها بالناقد.
وكأن عبدالله ناقدهم هم، وحدهم!
أما محمد، فكان واسع الصدر، نقي القلب، عميق الوفاء.
كتب عني دراسات، وأقام لي ندوات بمحبة لا تُنسى، وكان لأثره في نفسي عمق لا يُمحى.

ومن دلائل فرادته في روايته هذه، أنه استخدم أسماء الأدباء والأصدقاء الحقيقيين، مثل اسمي، شريف محيي، ضمن النسيج السردي، بطريقة فنية مدهشة، جعلت الواقع يتداخل مع التخييل دون أن يُهدر قيمة أيٍّ منهما.
كانت أسماؤنا لا تظهر كمجرد إشارات، بل كجزء حيّ من تجربة الكتابة، تتشكل داخل النص كما تتشكل الذكريات الحقيقية في وجدان الكاتب الصادق.


---

في ودّ الناقد الكبير عبدالله هاشم...

ولعل من الإنصاف أن نُشير إلى الناقد الراحل عبدالله هاشم، الذي لم يكن مجرد ناقد، بل كان مؤسسة أدبية قائمة بذاتها.
أسس ندوة الاثنين بقصر ثقافة الحرية، والجمعة في منزله، وخلق منها واحة أدبية حقيقية كانت تجمع كتّاب الإسكندرية ومثقفيها على اختلاف مشاربهم.
وكانت ملتقى لكل المثقفين من شتى محافظات مصر، وكبار الكتاب الصحفيين من العاصمة.
كان الأستاذ عبدالله هاشم يتمتع بموهبة نادرة في إدارة الندوات، وقدرة لا تتكرر في احتواء المتناقضين، وتحفيز المبدعين، وإصدار الكتب والمجلات الثقافية.
بعد رحيله، ظلّ فراغه شاسعًا، لم يستطع أحد أن يملأه بنفس الكفاءة أو الحضور... كان عملاقًا، لا يُشبه إلا نفسه.


---

وبشرى... صوتٌ من فلسطين في قلب الإسكندرية

أما "بشرى" في الرواية، فهي ليست مجرد شخصية خيالية، بل انعكاس لامرأة حقيقية: كاتبة فلسطينية سكندرية كبيرة، لها أعمال عظيمة ومكانة راسخة في المشهد الثقافي السكندري والعربي.
ظهورها في النص بوصفها ملهمة، وكاتبة تكتب في الليل كمن تلد الحبر من رحم العتمة، ليس من قبيل المجاز فقط، بل تكريم لامرأة تكتب الحياة كما تُخاض، وكما تُحلم.


---

أولًا: البناء السردي وتشظي الأنا

يعتمد حلمي أسلوب تشظي الأنا، حيث تتقاطع الضمائر:

"هو": الكاتب

"أنا": الراوي

"أنت": المتلقي/عبدالله

"هي": بشرى


كأن الكتابة نفسها هي البطل الحقيقي، تتعدد الأصوات وتتداخل لتكوّن مرآة متكسّرة للذات:

«عبدالله يقرأ كأنه يُنقّب في رأس محمد خيري حلمي، وبشرى تكتب كل ليلة من جديد.»

هذا التداخل يخلق طابعًا تأمليًا وجوديًا، يذكّر بأسلوب ميلان كونديرا، ويحوّل النص إلى حوار داخلي مع الذات، حيث تصبح الكتابة تمرينًا في الوعي والحياة، لا مجرد إنتاج لغوي.


---

ثانيًا: الواقعية السحرية الناعمة

رغم أن الرواية تدور في فضاء معاصر، فإن حضور الواقعية السحرية يتبدى بهدوء وبلا صخب:

الليل ليس زمنًا عاديًا، بل قشرة كونية تفتح بابًا على العمق.

بشرى تظهر كمُلهمة تتجاوز الجسد والواقع، وسيطة بين الغيب والحبر.

عبدالله يتقمص دور "الضمير السردي"، يعيد النص إلى ذاته ويستخرجه من غياهبه.


هذه الملامح تجعلنا أمام واقعية سحرية شفافة، أقرب إلى "أحلام يقظة وجودية"، تُحاكي في هدوئها صخب الروح.


---

ثالثًا: جدلية الكتابة والقراءة

الرواية في جوهرها ليست عن بشرى أو عبدالله، بل عن "عملية الكتابة ذاتها"، عن النجاة بالكتابة.
عبدالله هو القارئ المولّد، الناقد الداخلي، وبشرى هي الملهمة التي تكتب الكاتب:

«وكأنه لم يكتب بعد، لكنها كانت تكتبه. وهو عبدالله يقرأ كما لو كان الكاتب يكتب وصيته الأخيرة.»



في هذا البناء الثلاثي، تتحوّل الكتابة إلى فعل حب، والقراءة إلى كشف داخلي، ويصير النص نفسه كائنًا حيًا يتنفّس في الليل، لا نصًا يُقرأ ثم يُنسى.


---

رابعًا: اللغة والإيقاع

يكتب خيري حلمي بلغة شفافة، سلسة، خالية من التكلّف، لكنها مشبعة بإيقاع داخلي ولغة شاعرية ناعمة.
الجمل قصيرة نسبيًا، الأسلوب أقرب إلى الحكي التأملي، ما يجعل الرواية تنساب كجلسة اعتراف فلسفي.


هذه اللغة تتجنب التنميق، لكنها لا تقع في التسطيح، وتخلق موسيقى داخلية تُحاكي ما كتبه حلمي في مجموعاته القصصية السابقة.


---

خامسًا: العنوان والدلالة الرمزية

العنوان ليس فقط وصفًا زمنيًا، بل مفتاح رمزي للرواية:

عبدالله يقرأ في الليل: النقد، التحليل، تفكيك الذات

بشرى تكتب في الليل: الخلق، الإلهام، الكتابة من العتمة


الليل هنا ليس ليلًا فلكيًا، بل "ليلًا داخليًا"، حيث تطفو الذات من العتمة إلى الضوء الداخلي، وتعيد تشكيل نفسها على الورق.


---

سادسًا: الميتاسرد والتجريب

الرواية ميتاسردية بامتياز، تتأمل فعل الحكي، وتكشف قلق الكاتب في مواجهة النص والقارئ.
الحديث المتكرر عن دفاتر بشرى، قراءات عبدالله، ملاحظاته... كل هذا يخلق طبقة فوقية من الوعي تجعل القارئ شريكًا لا متفرّجًا، وتجعل النص نصًا عن النص.


---

سابعًا: السياق العام وإرث الكاتب

كُتبت هذه الرواية في لحظة نضج فني وإنساني عاشها محمد خيري حلمي، بعد أن أصدر عدة مجموعات قصصية مميزة،
وتبدو هذه الرواية امتدادًا لأسئلته القديمة: كيف نكتب؟ لماذا نكتب؟ ولمن؟
إنها رواية تتجاوز السيرة الذاتية، لتصبح وثيقة أدبية عن الكائن الذي يُحاصر بالكلمات فيحتمي بها.


---

خاتمة: بين الذاكرة والضوء

رواية "عبدالله يقرأ طول الليل وبشرى تكتب طول الليل" ليست مجرد نص أدبي، بل مرآة وجودية وفكرية لكاتب فذّ، خسرناه باكرًا.
إنها يوميات كاتب كان يحاول أن ينجو بالكلمات، أن يعيش في العتمة ليكتب النور، أن يخلق من الألم فنًا، ومن الحزن سردًا، ومن الهامش مشروعًا أدبيًا نادرًا.

محمد خيري حلمي... كاتب من ذهب، في حياة لم تمنحه حتى خشبة نجاة.
لكنه كتب، وقدم العديد من المجموعات القصصية والروايات المدهشة، وترك لنا ما يُقرأ طول الليل... بمنتهى الحب، والعمق، والتقدير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى