استعادة تجربة الحياة مع اقتراب الموت
قراءة فى رواية "اسمها حياة"
للكاتب أحمد صبرى أبو الفتوح
بقلم مصطفى فودة
هى الرواية التاسعة للكاتب والروائى- غزير الإنتاج - أحمد صبرى أبو الفتوح، تقع الرواية فى مائتين وإثنتين صفحة، وتتكون من ستة فصول يتصدر كل فصل بيت شعرى للشاعر بهاء الدين زهيرمن قصيدة يامن لعبت به شمول/ ما ألطف هذه الشمائل، وهو من أرق شعراء العصر الأيوبى، تتصدر الرواية عبارة دالة "بداخلى طفل يغنى"، لها دلالة الحكى والغناء واستعادة الماضى والطفولة.
تناولت الرواية حياة قاض أصابه مرض سرطان الكبد، ولما أغلقت أمامه أبواب العلاج بمصر سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحت إشراف نادى القضاء ووزارة العدل للانضمام إلى البرنامج العلاجى التجريبى على مرضى السرطان، وهناك أوصاه الطبيب بأن حالته متأخرة وعليه العودة إلى مصر ليرتب أموره، لأنه سيعيش من شهرين إلىى ستة أشه، عاد السارد وقد عزم أن يترك شقته بالقاهرة ويعيش بدار أبيه بقريته الريفية ”أشم رائحة الزمن، وأزور قبر الأحباب”، تأتى أخته الحبيبة والتى يحبها ففيها رائحة أمه وحنانها، تأتى له بقريبة لهم اسمها"حياة" توفى زوجها بنفس الداء ولها خبرة فى العناية به وإعطائه الدواء، ولها ثلاثة أبناء، لتقوم برعاية القاضى ومساعدته على تناول الدواء، وسكنت وأبنائها بالمندرة الملحقة بداره بعد تهيئتها للسكنى، كان اقتراب الموت من القاضى السارد حافزا رئيسيا له فى استعادة تفاصيل حياته.
كان السارد من عائلة فقيرة عمل جده ثم أبيه عاملا فى إحدى الوسيات، وبفضل الإصلاح الزراعى بعد ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر مُنح أبيه ثلاثة أفدنة ثم أصبح عضوا فى الجمعية التعاونية لمنتفعى الإصلاح الزراعى ثم أنتخب سكرتيرا للمجلس، فتحسنت حالته المادية والاجتماعية، وظل ممتنا لجمال عبد الناصر والثورة حتى موته “لولاه لكنت الآن نفرا من أنفار أحقر وسية” وصار القاضى السارد على نهجه فى ثوابته الفكرية والسياسية واعتبر أن عليه دينا لعبد الناصر فى تعليمه والتحاقه بالقضاء، استعاد القاضى ذكرى زوجته بنت المستشار الكبير والذى اختاره حين كان وكيلا للنيابة زوجا لابنته، ثم انتهى زواجهما بالطلاق فقد كانت ترى نفسها أعلى منه مكانة ، وتركت له ابنته التى توفر على تربيتها دون أن يتزوج، حتى كبرت وتزوجت وأنجبت، كما استدعت ذاكرته أخاه الذى كان يكن له العداء والكيد للغيرة منه، كان أخيه متزمتا فى فهم الإسلام وانضم إلى جماعة متطرفة، كره القاضى السارد أفكارهم وطريقتهم فى فهم الإسلام وصلفهم تجاه غيرهم بوهم أنهم يملكون الحقيقة كاملة.
لعب الزمن دورا محورا فى الرواية فقد قامت الرواية على تيمة التذكر واستعادة الماضى فوظفه الراوى توظيفا لافتا فى طول الرواية، كان الزمن مقطَّعا وليس خطيا، بدأ السارد روايته بمشهد مكالمة تليفونية مع أخته يخبرها أنه قادم ليعيش بضعة أسابيع بينهم فى دار أبيه بالقرية وذلك عقب عودته من أمريكا وإخباره من الطبيب أن حالته متأخرة وأنه سيعيش من شهرين إلى ستة أشهر وعليه أن يدبر حاله،”أعيش فى دار أبى وأشم منها رائحة الزمن، وأزور قبر الأحباب”، ومن هنا توالدت مشاهد حياته وذكريات طفولته وصباه وشبابه وأسرته، كان الزمن أشبه ببندول الساعة فى الحركة من الحاضر إلى الماضى والمستقبل ثم العودة مرة أخرى ، مما أضفى على الحكى الجاذبية والتشويق.
كان تشخيص الموت برجل ينظر إلي السارد بثبات غريب ويتبعه فى عدة أماكن، تقنية موفقة تماما لتجسيم الموت والهيمنة على أيام القاضى الأخيرة، فتراءى له الموت على هيئة رجل بالمقهى أو بالقطار، أومن خلال نافذة يراه معلقا فى الهواء كأنه خيال، شعر به فى كل مكان يذهب إليه، وجه إليه السارد خطابا ”امنحنى أيها الموت رحيلا من غير ألم، وأنا عن طيب خاطر سأمنح نفسى، لن أطلب مهلة، ولتفعلها الآن لو أردت”ص12.
لعب الغناء والموال والفنون دورا محورا ونفسيا كبيرا عند القاضى السارد”لطالما سكنتنى أغنيات لم أخطط إبدا لاختيارها، أكثرها تأثيرا تلك التى لازمتنى منذ كنت طفلا ولا تزال"بكرة السفر" كذلك أغنية “طير يا طاير” ص32، كذلك أغنية “كيف الزرع فى موطنا / كيف حال الأهل /خبرنى ياطير، أثناء وجوده بالكويت معارأ فكان يبكى عند سمعها. كما لعب فن الرسم دورا جماليا بالرواية، فتمنى الراوى فى أكثر من موضع أن يرسم مشهدا أثر فيه مثل أن يرسم طفل “حياة” عندما ما شاهده وهو يربت على كتف أمه تمنى لو كان رساما لخلد هذا المشهد وهو بالفعل رسمه بالكلمات ص109 .
كذلك حفلت الرواية فى مواضع عديدة بالتناص مع أعمال روائية عالمية وتراثية مثل رسالة الغفران لأبى العلاء المعرى، والموازنة بين شخصية الشاعر أبى نواس الذى رآه ابن القارح بالجنة على كثرة ذنوبه وآثامه فى الخمر والقيان وبين شخصية رئيس البوسطة القبطى الذى كان يحمل المعاشات إلى كبار السن بالقرية والذى تمنى أن يراه بالجنة لصلاحه وحبه للخير، كذلك التناص مع رواية العجوز والبحر لهمنجواى مشبهة حياتها كالصياد الذى اصطاد سمكة كبيرة وفى طريق عودته هاجمته القروش ونهشت سمكته ، ولما وصل إلى الشاطئ كانت مجرد هيكل عظمى “كذلك حياتى رحلة كبيرة وخيبة كبيرة”ص117، كذلك التناص مع رواية الإغواء الأخير للمسيح للكاتب اليونانى نيكوس كازانتزاكيس والذى تخيل الكاتب أن السيد المسيح تمنى وهو على صليبه أن يعيش حياة هادئة وعادية ويتزوج مريم المجدلية ويرحل فى سلام وحوله أبنائه وأحفاده، فكذلك تمنى السارد ذلك الإغواء الأخير بالرواية ورحيله بسلام وحوله أبناءه وأحفاده، مما شكل مثاقفة لافتة بالرواية تحسب لها وزادتها قيمة وثراء.
شكلت شخصية “حياة” دورا بارزا بالرواية وكانت الشخصية الوحيدة التى لها اسم وباقى الشخصيات كانت بالوصف بالمهنة كالقاضى أو بصلة القرابة مثل الاب والأم والأخت والابنة، كانت”حياة” شخصية حافزة بالرواية للقاضى المريض فحكى لها من حياته الماضية وحكت له من حياتها وشقائها، وكانت رحمة وعزاء له فى محنة مرضه وانتظار موته، كانت “حياة” طفلة فقيرة ويتيمة تعلمت حتى حصلت على دبلوم رغم نبوغها وقدرتها على مواصلة التعليم، تزوجت من شاب فقير وأنجبيت ثلاثة أبناء بنت وولدين، ثم مات عنها زوجها بسرطان الكبد وهو نفس مرض السارد، وقد اتسمت بالجمال والرقة والذكاء وكرهت ضيق أفق الجماعات المتطرفة وغبائهم لمنعهم لها الدخول على جثة زوجها، لحضور غسله وصحبته للقبر بدعوى أنها أصبحت أجنبية عنه "كدت أضحك من منطقهم ومن غبائهم"ص109.
اللغة والأسلوب والسرد:
كانت اللغة فى الرواية بالعربية الفصحى المبسطة، غير أنها اتسمت فى مواضع كثيرة بالأداء الجمالى واقتربت إلى التعبير الشعرى على سبيل المثال يشبه نظرة حياة بنظرة فتاة صباه بالمدرسة " إنها نفس النظرة نظرة الصبية التى فتحت أمامى وأنا محض صبى أبواب المدينة المسحورة"ص132، " واكتشفت أننى لا أستطيع أن أنظر فى عينيها، فهل يكون الجمال فى احدى (والصحيح فى أحد) معانيه مؤلما"ص 136، " يتشبث بالحياة كأنه يشد عربة الأيام المنحدرة نحو الهاوية ليصعد بها”ص137، وكانت اللغة تعبيرية فى"أراها متجمدة كتمثال الملح"، "لهذه الفتاة تجليات جمال خلابة ..."ص149، كما استخدم اللهجة العامية المعبرة والمؤثرة عندما طلبت منه أخته أن يصارحها بحالته"أبوس رجلك يا أخويا صارحنى، فيك إيه"، وفى التشبيه“ضحكتها تشبه زغرودة فى فرح"ص132 ، كما وظف الإيقاع الصوتى للكلمة عند التعجب فيقول يا الل اااااااااه ياحياة"135، كذلك التعبير الشعبى للتهرب من الحديث من موضوع ما “تاخذنى حلوانة فى سلوانة”.
كما أجاد الكاتب الوصف فيقول على سبيل المثال “تلك الصبية الصغيرة ذات الوجه الجميل الباسم والعينين اللوزيتين الرائعتين التى وقعت فى حبها وأنا لم أبلغ الحلم “”إنها هى بلون شعرها البنى الفاتح المائل للذهبى وعينيها النجلاوين وحاجبيها المستقيم ونظرتها القاتلة “ص132.
وقد غلب التعبير بضمير الأنا المتكلم وهو الضمير الأنسب للبوح والحكى والذى كان بطريقة تناسل الحكايات على طريقة ألف ليلة وليلة، وكان القاضى هو الشخصية الرئيسية وهو السارد المشارك فى السرد، واشترك معه باقى الشخصيات الأخرى فيما يخص دورها، كان الحكى بطريقة تناسل الحكايات، وهى طريقة ألف ليلة وليلة.، كما غلب توظيف تقنية الاسترجاع، كما اتسم السرد بالمشهدية وهناك أمثلة كثيرة على ذلك منها المشهد الافتتاحى بالرواية، ومشاهد أخرى كثيرة جدا بالرواية، وتصلح الرواية لتحويلها إلى عمل درامى ناجح بالتلفزيون .
حفلت الرواية بمساحات كبيرة من الأفكارا الأيدلوجية عن جمال عبد الناصر والفكر الإشتراكى وهى مبررة فنيا لأنها متصلة بحياة السارد وأسرته وكانت سببا فى الارتقاء بحياتهم، كما حفلت الرواية بالتأمل والفلسفة فى مواضع كثيرة وكانت زادا فكريا قويا للقارئ، كما تقاطعت الرواية مع خيوط من السيرة الذاتية للكاتب مثل اشتراك الكاتب مع السارد فى مهنة القاضى، وحدوث حادثة للسارد وهو طفل أدت إلى كسر بكتفه، كذلك اشترك السارد مع الكاتب فى الاتجاه الفكرى الناصرى الاشتراكى.
كانت هناك هنات قليلة لا تؤثر إجمالا فى فنية وجمال الرواية منها ارتفاع وعى بعض الحوارات عن وعى الشخصية وكأنه تعبير عن وعى الكاتب، كما فى الحوار الطويل بين حياة وزوجها "سألت زوجى ماهذه الدولة العميقة التى يتحدثون عنها ، أجابنى : يقصدون أن ركائز الحكم السابق عليهم موجودون فى مفاصل الدولة والأماكن المؤثرة، وأن هذه الركائز هى من أفشلت حكمهم، اتعرف؟ الدولة العميقة فى مصر الآن هى الماضوية، أحب هذا التعبير أكثر من التسمية الدارجة، صدقت لقد وصلوا إلى أعماق الناس، وأفسدوهم بانحرافاتهم وغرائب أفهامهم وشذوذ أفكارهم وانحطاط خيالهم "ص119، ولو عبر الكاتب عن هذه الفكرة بلغة بسيطة أقرب إلى وعى الشخصية ولغة الحوار لكان أفضل، بدلا من هذه الكلمات المعجمية الغليظة مثل(ركائز الحكم ، مفاصل الدولة، الماضوية)، كذلك كان الإسهاب فى عرض آراء سياسية مغلوطة ومشوشة عن زوج حياة من الهنات اللافتة "زوجى قال إن هذه البلد مشكلتها ليست فى الفساد ! ولا الديكتاتورية ! ولا حتى الفقر! أو الظلم! كل هذا يمكن انهاؤه ، سينتهى حتما إن بالسلم أوغيره، إنما مشكلتها فى هؤلاء الذين جاءوا من وراء التاريخ ويريدون إعادتنا إلى هناك بالذبح"ص119، وهى آراء مغلوطة فهل الفساد والديكتاتورية والفقر والظلم يمكن انهاؤها بسهولة ؟ وهل هى أقل شأنا من المتطرفين،أم هم سواء ؟.
انتهت الرواية بزواج القاضى السارد ب”حياة” مراعاة للعادات والتقاليد فى الريف وحتى يكون لوجودها فى بيت المستشار سببا مشروعا ومتقبلا اجتماعيا، أما مصير هذا الزواج ومصير المستشار فلم تحدده الرواية وتركت النهاية مفتوحة ومحتملة لأكثر من احتمال ومتروكة للقارئ ليشارك فى وضع نهاية مناسبة مع ثقافته وتفكيره.
________________________________________________________________________________________________
1-أحمد صبرى أبو الفتوح كاتب مصرى ومحام ولد عام 1973 فى محافظة الدقهلية حصل على ليسانس الحقوق، وعمل بالنيابة العامة ثم قاض وتدرج حتى رئيس محكمة قم استقال من القضاء وعمل بالمحاماة، من أشهر أعماله ملحمة السراسوة 6 أجزاء وقد حصلت على جائزة ساويرس.
2-له تسع روايات هم طائر الشوك، جمهورية الأرضين، ملحمة السراسوة (6 جزاء)، برسكال، تاريخ آخر للحزن، حكاية من جنازة العالم، صاحب العالم، مراد العارف، اسمها حياة ومجموعة قصصية بعنوان وفاة المعلم حنا .
قراءة فى رواية "اسمها حياة"
للكاتب أحمد صبرى أبو الفتوح
بقلم مصطفى فودة
هى الرواية التاسعة للكاتب والروائى- غزير الإنتاج - أحمد صبرى أبو الفتوح، تقع الرواية فى مائتين وإثنتين صفحة، وتتكون من ستة فصول يتصدر كل فصل بيت شعرى للشاعر بهاء الدين زهيرمن قصيدة يامن لعبت به شمول/ ما ألطف هذه الشمائل، وهو من أرق شعراء العصر الأيوبى، تتصدر الرواية عبارة دالة "بداخلى طفل يغنى"، لها دلالة الحكى والغناء واستعادة الماضى والطفولة.
تناولت الرواية حياة قاض أصابه مرض سرطان الكبد، ولما أغلقت أمامه أبواب العلاج بمصر سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحت إشراف نادى القضاء ووزارة العدل للانضمام إلى البرنامج العلاجى التجريبى على مرضى السرطان، وهناك أوصاه الطبيب بأن حالته متأخرة وعليه العودة إلى مصر ليرتب أموره، لأنه سيعيش من شهرين إلىى ستة أشه، عاد السارد وقد عزم أن يترك شقته بالقاهرة ويعيش بدار أبيه بقريته الريفية ”أشم رائحة الزمن، وأزور قبر الأحباب”، تأتى أخته الحبيبة والتى يحبها ففيها رائحة أمه وحنانها، تأتى له بقريبة لهم اسمها"حياة" توفى زوجها بنفس الداء ولها خبرة فى العناية به وإعطائه الدواء، ولها ثلاثة أبناء، لتقوم برعاية القاضى ومساعدته على تناول الدواء، وسكنت وأبنائها بالمندرة الملحقة بداره بعد تهيئتها للسكنى، كان اقتراب الموت من القاضى السارد حافزا رئيسيا له فى استعادة تفاصيل حياته.
كان السارد من عائلة فقيرة عمل جده ثم أبيه عاملا فى إحدى الوسيات، وبفضل الإصلاح الزراعى بعد ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر مُنح أبيه ثلاثة أفدنة ثم أصبح عضوا فى الجمعية التعاونية لمنتفعى الإصلاح الزراعى ثم أنتخب سكرتيرا للمجلس، فتحسنت حالته المادية والاجتماعية، وظل ممتنا لجمال عبد الناصر والثورة حتى موته “لولاه لكنت الآن نفرا من أنفار أحقر وسية” وصار القاضى السارد على نهجه فى ثوابته الفكرية والسياسية واعتبر أن عليه دينا لعبد الناصر فى تعليمه والتحاقه بالقضاء، استعاد القاضى ذكرى زوجته بنت المستشار الكبير والذى اختاره حين كان وكيلا للنيابة زوجا لابنته، ثم انتهى زواجهما بالطلاق فقد كانت ترى نفسها أعلى منه مكانة ، وتركت له ابنته التى توفر على تربيتها دون أن يتزوج، حتى كبرت وتزوجت وأنجبت، كما استدعت ذاكرته أخاه الذى كان يكن له العداء والكيد للغيرة منه، كان أخيه متزمتا فى فهم الإسلام وانضم إلى جماعة متطرفة، كره القاضى السارد أفكارهم وطريقتهم فى فهم الإسلام وصلفهم تجاه غيرهم بوهم أنهم يملكون الحقيقة كاملة.
لعب الزمن دورا محورا فى الرواية فقد قامت الرواية على تيمة التذكر واستعادة الماضى فوظفه الراوى توظيفا لافتا فى طول الرواية، كان الزمن مقطَّعا وليس خطيا، بدأ السارد روايته بمشهد مكالمة تليفونية مع أخته يخبرها أنه قادم ليعيش بضعة أسابيع بينهم فى دار أبيه بالقرية وذلك عقب عودته من أمريكا وإخباره من الطبيب أن حالته متأخرة وأنه سيعيش من شهرين إلى ستة أشهر وعليه أن يدبر حاله،”أعيش فى دار أبى وأشم منها رائحة الزمن، وأزور قبر الأحباب”، ومن هنا توالدت مشاهد حياته وذكريات طفولته وصباه وشبابه وأسرته، كان الزمن أشبه ببندول الساعة فى الحركة من الحاضر إلى الماضى والمستقبل ثم العودة مرة أخرى ، مما أضفى على الحكى الجاذبية والتشويق.
كان تشخيص الموت برجل ينظر إلي السارد بثبات غريب ويتبعه فى عدة أماكن، تقنية موفقة تماما لتجسيم الموت والهيمنة على أيام القاضى الأخيرة، فتراءى له الموت على هيئة رجل بالمقهى أو بالقطار، أومن خلال نافذة يراه معلقا فى الهواء كأنه خيال، شعر به فى كل مكان يذهب إليه، وجه إليه السارد خطابا ”امنحنى أيها الموت رحيلا من غير ألم، وأنا عن طيب خاطر سأمنح نفسى، لن أطلب مهلة، ولتفعلها الآن لو أردت”ص12.
لعب الغناء والموال والفنون دورا محورا ونفسيا كبيرا عند القاضى السارد”لطالما سكنتنى أغنيات لم أخطط إبدا لاختيارها، أكثرها تأثيرا تلك التى لازمتنى منذ كنت طفلا ولا تزال"بكرة السفر" كذلك أغنية “طير يا طاير” ص32، كذلك أغنية “كيف الزرع فى موطنا / كيف حال الأهل /خبرنى ياطير، أثناء وجوده بالكويت معارأ فكان يبكى عند سمعها. كما لعب فن الرسم دورا جماليا بالرواية، فتمنى الراوى فى أكثر من موضع أن يرسم مشهدا أثر فيه مثل أن يرسم طفل “حياة” عندما ما شاهده وهو يربت على كتف أمه تمنى لو كان رساما لخلد هذا المشهد وهو بالفعل رسمه بالكلمات ص109 .
كذلك حفلت الرواية فى مواضع عديدة بالتناص مع أعمال روائية عالمية وتراثية مثل رسالة الغفران لأبى العلاء المعرى، والموازنة بين شخصية الشاعر أبى نواس الذى رآه ابن القارح بالجنة على كثرة ذنوبه وآثامه فى الخمر والقيان وبين شخصية رئيس البوسطة القبطى الذى كان يحمل المعاشات إلى كبار السن بالقرية والذى تمنى أن يراه بالجنة لصلاحه وحبه للخير، كذلك التناص مع رواية العجوز والبحر لهمنجواى مشبهة حياتها كالصياد الذى اصطاد سمكة كبيرة وفى طريق عودته هاجمته القروش ونهشت سمكته ، ولما وصل إلى الشاطئ كانت مجرد هيكل عظمى “كذلك حياتى رحلة كبيرة وخيبة كبيرة”ص117، كذلك التناص مع رواية الإغواء الأخير للمسيح للكاتب اليونانى نيكوس كازانتزاكيس والذى تخيل الكاتب أن السيد المسيح تمنى وهو على صليبه أن يعيش حياة هادئة وعادية ويتزوج مريم المجدلية ويرحل فى سلام وحوله أبنائه وأحفاده، فكذلك تمنى السارد ذلك الإغواء الأخير بالرواية ورحيله بسلام وحوله أبناءه وأحفاده، مما شكل مثاقفة لافتة بالرواية تحسب لها وزادتها قيمة وثراء.
شكلت شخصية “حياة” دورا بارزا بالرواية وكانت الشخصية الوحيدة التى لها اسم وباقى الشخصيات كانت بالوصف بالمهنة كالقاضى أو بصلة القرابة مثل الاب والأم والأخت والابنة، كانت”حياة” شخصية حافزة بالرواية للقاضى المريض فحكى لها من حياته الماضية وحكت له من حياتها وشقائها، وكانت رحمة وعزاء له فى محنة مرضه وانتظار موته، كانت “حياة” طفلة فقيرة ويتيمة تعلمت حتى حصلت على دبلوم رغم نبوغها وقدرتها على مواصلة التعليم، تزوجت من شاب فقير وأنجبيت ثلاثة أبناء بنت وولدين، ثم مات عنها زوجها بسرطان الكبد وهو نفس مرض السارد، وقد اتسمت بالجمال والرقة والذكاء وكرهت ضيق أفق الجماعات المتطرفة وغبائهم لمنعهم لها الدخول على جثة زوجها، لحضور غسله وصحبته للقبر بدعوى أنها أصبحت أجنبية عنه "كدت أضحك من منطقهم ومن غبائهم"ص109.
اللغة والأسلوب والسرد:
كانت اللغة فى الرواية بالعربية الفصحى المبسطة، غير أنها اتسمت فى مواضع كثيرة بالأداء الجمالى واقتربت إلى التعبير الشعرى على سبيل المثال يشبه نظرة حياة بنظرة فتاة صباه بالمدرسة " إنها نفس النظرة نظرة الصبية التى فتحت أمامى وأنا محض صبى أبواب المدينة المسحورة"ص132، " واكتشفت أننى لا أستطيع أن أنظر فى عينيها، فهل يكون الجمال فى احدى (والصحيح فى أحد) معانيه مؤلما"ص 136، " يتشبث بالحياة كأنه يشد عربة الأيام المنحدرة نحو الهاوية ليصعد بها”ص137، وكانت اللغة تعبيرية فى"أراها متجمدة كتمثال الملح"، "لهذه الفتاة تجليات جمال خلابة ..."ص149، كما استخدم اللهجة العامية المعبرة والمؤثرة عندما طلبت منه أخته أن يصارحها بحالته"أبوس رجلك يا أخويا صارحنى، فيك إيه"، وفى التشبيه“ضحكتها تشبه زغرودة فى فرح"ص132 ، كما وظف الإيقاع الصوتى للكلمة عند التعجب فيقول يا الل اااااااااه ياحياة"135، كذلك التعبير الشعبى للتهرب من الحديث من موضوع ما “تاخذنى حلوانة فى سلوانة”.
كما أجاد الكاتب الوصف فيقول على سبيل المثال “تلك الصبية الصغيرة ذات الوجه الجميل الباسم والعينين اللوزيتين الرائعتين التى وقعت فى حبها وأنا لم أبلغ الحلم “”إنها هى بلون شعرها البنى الفاتح المائل للذهبى وعينيها النجلاوين وحاجبيها المستقيم ونظرتها القاتلة “ص132.
وقد غلب التعبير بضمير الأنا المتكلم وهو الضمير الأنسب للبوح والحكى والذى كان بطريقة تناسل الحكايات على طريقة ألف ليلة وليلة، وكان القاضى هو الشخصية الرئيسية وهو السارد المشارك فى السرد، واشترك معه باقى الشخصيات الأخرى فيما يخص دورها، كان الحكى بطريقة تناسل الحكايات، وهى طريقة ألف ليلة وليلة.، كما غلب توظيف تقنية الاسترجاع، كما اتسم السرد بالمشهدية وهناك أمثلة كثيرة على ذلك منها المشهد الافتتاحى بالرواية، ومشاهد أخرى كثيرة جدا بالرواية، وتصلح الرواية لتحويلها إلى عمل درامى ناجح بالتلفزيون .
حفلت الرواية بمساحات كبيرة من الأفكارا الأيدلوجية عن جمال عبد الناصر والفكر الإشتراكى وهى مبررة فنيا لأنها متصلة بحياة السارد وأسرته وكانت سببا فى الارتقاء بحياتهم، كما حفلت الرواية بالتأمل والفلسفة فى مواضع كثيرة وكانت زادا فكريا قويا للقارئ، كما تقاطعت الرواية مع خيوط من السيرة الذاتية للكاتب مثل اشتراك الكاتب مع السارد فى مهنة القاضى، وحدوث حادثة للسارد وهو طفل أدت إلى كسر بكتفه، كذلك اشترك السارد مع الكاتب فى الاتجاه الفكرى الناصرى الاشتراكى.
كانت هناك هنات قليلة لا تؤثر إجمالا فى فنية وجمال الرواية منها ارتفاع وعى بعض الحوارات عن وعى الشخصية وكأنه تعبير عن وعى الكاتب، كما فى الحوار الطويل بين حياة وزوجها "سألت زوجى ماهذه الدولة العميقة التى يتحدثون عنها ، أجابنى : يقصدون أن ركائز الحكم السابق عليهم موجودون فى مفاصل الدولة والأماكن المؤثرة، وأن هذه الركائز هى من أفشلت حكمهم، اتعرف؟ الدولة العميقة فى مصر الآن هى الماضوية، أحب هذا التعبير أكثر من التسمية الدارجة، صدقت لقد وصلوا إلى أعماق الناس، وأفسدوهم بانحرافاتهم وغرائب أفهامهم وشذوذ أفكارهم وانحطاط خيالهم "ص119، ولو عبر الكاتب عن هذه الفكرة بلغة بسيطة أقرب إلى وعى الشخصية ولغة الحوار لكان أفضل، بدلا من هذه الكلمات المعجمية الغليظة مثل(ركائز الحكم ، مفاصل الدولة، الماضوية)، كذلك كان الإسهاب فى عرض آراء سياسية مغلوطة ومشوشة عن زوج حياة من الهنات اللافتة "زوجى قال إن هذه البلد مشكلتها ليست فى الفساد ! ولا الديكتاتورية ! ولا حتى الفقر! أو الظلم! كل هذا يمكن انهاؤه ، سينتهى حتما إن بالسلم أوغيره، إنما مشكلتها فى هؤلاء الذين جاءوا من وراء التاريخ ويريدون إعادتنا إلى هناك بالذبح"ص119، وهى آراء مغلوطة فهل الفساد والديكتاتورية والفقر والظلم يمكن انهاؤها بسهولة ؟ وهل هى أقل شأنا من المتطرفين،أم هم سواء ؟.
انتهت الرواية بزواج القاضى السارد ب”حياة” مراعاة للعادات والتقاليد فى الريف وحتى يكون لوجودها فى بيت المستشار سببا مشروعا ومتقبلا اجتماعيا، أما مصير هذا الزواج ومصير المستشار فلم تحدده الرواية وتركت النهاية مفتوحة ومحتملة لأكثر من احتمال ومتروكة للقارئ ليشارك فى وضع نهاية مناسبة مع ثقافته وتفكيره.
________________________________________________________________________________________________
1-أحمد صبرى أبو الفتوح كاتب مصرى ومحام ولد عام 1973 فى محافظة الدقهلية حصل على ليسانس الحقوق، وعمل بالنيابة العامة ثم قاض وتدرج حتى رئيس محكمة قم استقال من القضاء وعمل بالمحاماة، من أشهر أعماله ملحمة السراسوة 6 أجزاء وقد حصلت على جائزة ساويرس.
2-له تسع روايات هم طائر الشوك، جمهورية الأرضين، ملحمة السراسوة (6 جزاء)، برسكال، تاريخ آخر للحزن، حكاية من جنازة العالم، صاحب العالم، مراد العارف، اسمها حياة ومجموعة قصصية بعنوان وفاة المعلم حنا .