أ. د. مصطفى الشليح - عتباتٌ أولى حول الشعر / شدوُالأقاصي.

الكتابة فعل وجود وممارسة إبداعية لفهم الوجود ولتصريفه بالعبارة إلى حيثُ تحجبه الستارة، وبين الحين والحين يظل الحجب قائما فتكون الإشارة نافذة مشرعة على اللمح، ولأمر ما قال الشاعر القديم " والشعر لمحٌ .. "، ولأمر ثان كان الكاتبُ، ناظما أو ناثرا، مشوبا بالاختلاف في تصور الآخر، وكانت له صدارة اعتبارية، ثم كانت له ما تُدوول، في جل الثقافات الإنسانية من احتمال توافره على قوة غير طبيعية تخول له الإتيان بما يند عن الغير، وتسند إليه سلطة أبسطها أنه يقول ما يعتمل في صدر الجمهور، حتى إذا حسب الجمهور أنه قادر على انتساج جبة ما استمع إليه اتسع الخرق على الراقع، وما عرف إلى الرتق سبيلا.
تتكلم القصيدة عن ذاتها حين تنظر إلى شاعرها تعصف به الحُمَّى اللغوية، وهي بين امتناع واندفاع، ثمَّ وهي بين انثيال وانسلال، وحين تنظر إلى شاعرها يختزلُ كلَّ المدرك في كائناتٍ لغويةٍ تجعله يقرأ الوجود خارج الزمان دونما انفصال عن الراهن، وبنأي عن المكان في تجسدنه الجغرافي إلى بناء أمكنة تخييلية تستند إلى قطب رحاها الواقعيِّ، كي تجد مستقرا في عيون متأملي ما قد يصدر عن الشاعر من تركيبٍ لغوي ذي غرابةٍ يمارسُ بها غوايته على الذاهبين إليه وعلى غير الذاهبين بالخروج عن مقتضى الظاهر.
لا يتكلم الشاعر عن ذاته لأن القصيدة اختزلت ذاته، بكلِّ ائتلافاتها واختلافاتها، واستدعتْ إليها الغامضَ الجوانيَّ للتهدئة من غلوائه ولبسطه بيانا، ولكن البيان، في حد ذاته، غامضٌ حدَّ الإبهام؛ ولعمري كلما اعتقد الشاعر أنه قال للذاتِ ما قالتْ له الذاتُ التفتَ فانتبذَ ركنا قصيا من التأمل لأن ما انتظم قصيدةً لمْ يتيسرْ له إلماما، ولو جزئيا، بالحدائق السرية لتلك الذات، وهكذا يظل البحث مشتعلا عن الذي يُسميه الشعراء بـ " القصيدة الأولى "، ويظل الشاعرُ محترقا بالسير في ليل القصيدة دونما حاد دليل ودونما قمر ينير السبيل. تلكَ القصيدة الأولى مهرُ الأقاصي أنَّى يدركه شاعر ولو أنفقَ ما أنفقَ منْ عمر في ارتياد الأودية وفي اقتياد الأفضية من مخابئها إليه؛ فخلفَ كل فضاء فضاءٌ وعند كلِّ واد يتفرعُ واد
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى