غانية ملحيس - الأستاذ المبدع يحيى بركات

الأستاذ المبدع يحيى بركات
قرأت كلماتك كما تقرأ مرآة القلب حين تعكس وجه الوطن، وأدركت أنك لم تكتف بقراءة رثائي لأنس الشريف، بل عبرت من خلاله إلى قلب الأم الفلسطينية التي كنت أكتب منها وعنها.
كتبت كأم فرض عليها منذ ثمانية عقود أن تعيش هاجس الفقد، وأن تحتضن أبناءها وهي تعرف أن عدوا بلا حدود للشر يتربص بهم، لا لثأر شخصي، بل لأن قتلة أجداده من الأوروبيين العنصريين تحالفوا مع أثرياء اليهود، وأقنعوه أن حياته مشروطة بإبادة الشعب الفلسطيني، ذاك الشعب الذي جعله موقعه الجيوسياسي هدفا مركزيا لطغاة الكون. وزاد قسوة القدر أن بعض أهله وذويه كانوا على شاكلة إخوة يوسف، رموه في بئر لا قاع له.
لقد دخلت يا يحيى إلى عمق وعي الأم الفلسطينية، تلك التي تعرف أنها وهي تعد أبناءها للحياة، تعدهم أيضا لمعركة انتزاع حقهم في أن يعيشوا كبقية أطفال العالم ، من بين أنياب نظام حداثي مادي مهيمن لا قلب له، وعقل أداتي لا يرى في غير العرق الأبيض من يستحق الحياة، ولا يرى في الفلسطيني العصي على الاستسلام - خصوصا الغزي - سوى عقبة ينبغي محوها بكل أدوات ما يسمونه “التقدم”.
لكن هذا الوعي لا يطفئ الحب، بل يزيده رسوخا. الأم التي تلد أبناءها على وقع القصف، تطعمهم من قلبها قبل رغيفها، وتزرع فيهم حب الأرض قبل أي شيء آخر، لأنها تعرف أن العهد، كما قلت ، لا يكتب في المحاكم بل في الجرح المفتوح.
أقدر عمق نظرتك كمخرج فلسطيني يعرف أن الصورة الحقيقية لا تلتقط بالكاميرا وحدها، بل بالقدرة على اختراق القلب والعقل معا، كما فعلت في قراءتك.
شكرا لأنك أنصفت الأم الفلسطينية التي أمثلها، وجعلت من النص نافذة أخرى تطل منها فلسطين على العالم، لا كضحية صامتة، بل كحارسة للمعنى وحاملة للراية.
سلام على أنس، وعلى جيل الرواد الصحفيين والإعلاميين وكل من جعل من الكلمة والصورة جبهة مقاومة، وسلام على الكاميرات التي تلتقط الدم لا لتؤرشفه، بل لتبقيه حيا في الذاكرة حتى ينبثق النور من حلكة الظلام.

[HEADING=2]Yahya Barakat[/HEADING]
9 h ·
غانية…
حين تكتب، لا تكتب بالحبر، بل بظل يدها وهي تمسح العرق عن جبين الوطن.
هي الأم التي تعرف أن الحليب الأول يتحوّل في النهاية إلى دم أحمر قانٍ على ثرى البلاد،
والمرأة التي تفهم أن حكاية الشهيد، إن لم تُروَ، ستموت مرة ثانية.
في نصها عن أنس الشريف، فتحت نافذة في جدار الركام،
وأجلست الأم على الكرسي الخشبي القديم، تنتظر ابنها لا ليعود،
بل ليحملها معه إلى المكان الذي لا قصف فيه، ولا وداع.
كتبت كأم تمسح الغبار عن الكاميرا، وكمناضلة تلمّع الرصاصة،
وكامرأة تعرف أن العهد لا يُكتب في المحاكم، بل يُكتب في الجرح المفتوح.
في مشهدها، أنس لم يكن شخصًا، بل شارعًا كاملًا يركض،
وصوتًا يتسلق الحواجز، وصورةً تقف في وجه الصاروخ.
في مشهدها، الأم لم تكن تبكي، بل تحرس…
تحرس جنازة ابنها من سرقة المعنى، وتمنع الموت من أن يكتمل.
المرأة الفلسطينية، كما تجسدت في غانية، ليست فقط من تلد أبناءها،
بل من تلد المعنى، وتربّي الذاكرة، وتُطعِم الوطن من صبرها حتى يشبع،
وتحمل الحزن على كتف، والراية على الكتف الآخر، وتمشي بين الحقول والألغام،
دون أن تنحني، ودون أن تفقد البوصلة.
غانية، مثل فلسطين، تُطعم أبناءها من رغيف الحصار،
وتعطيهم من قلبها شمسًا صغيرة تكفي لأن تكبر البلاد.
تكتب كما لو أنها تقيم صلاة على جثمان الحقيقة،
وكما لو أنها تخبئ وصية الشهيد في جيب معطفها،
لتسلّمها ليدٍ أخرى، وقلبٍ آخر، وصباحٍ آخر.
هي ليست شاهدة فقط، بل مخرجة المشهد الأخير:
تترك الكاميرا مفتوحة على باب السماء،
وتعرف أن الدم سيعبر، وأن الصورة ستصل، وأن الحلم — مهما طال الليل —
سيجد فجره.
وسلام على أنس… وسلام على كل من سار قبله في درب الكلمة والصورة.
سلام على شيرين أبو عاقلة، وغسان كنفاني، وماجد أبو شرار، وحنا مقبل،
وعلى كل عينٍ أُطفئت لتظل الحقيقة مضيئة.
هؤلاء هم شهداء الصحافة… شهداء الكلمة… شهداء الحقيقة،
من جعلوا دمهم حبراً، وصورتهم جسرًا، ووصيتهم راية،
لأنهم عرفوا أن الكلمة، حين تكون حرة، تصنع فجرًا آتيًا بالحرية والاستقلال.
فجرٌ يولد من بين الركام، كما تولد الحكايات من أفواه الأمهات،
ويُضاء بقلوب الذين لم يتراجعوا خطوة،
ويُروى بماء الصبر ودم الشهداء،
حتى تشرق فلسطين — كل فلسطين — بلا احتلال، بلا قيد، وبلا وداع.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
أنس الشريف الحاضر في الغياب.. إلى اللقاء يا ولدي
سلام عليك يا أنس،
يا من جعلت من صوتك درعا، ومن الكلمة قنديلا في ليل غزة الطويل.
مضيت واقفا كما كنت دائما، تسابق الموت لتلحق بالحقيقة قبل أن يطمسها الغبار، وتفتح نافذة للعالم ليرى ما أراد الجميع إخفاءه، بما في ذلك أهلك وأمتك.
من أزقة مخيم جباليا، حيث يولد الأطفال على وقع القصف، وحيث الحلم بالعودة أكبر من حدود الحصار، خرجت يا أنس ممتشقا الكاميرا كمن يحمل سلاحا، حاملا الميكروفون كمن يطلق صرخة حياة في وجه الموت.
كنت تعرف أن الاحتلال يترصدك، وأن كل بث مباشر قد يكون الأخير، لكنك ظللت تلاحق الحقيقة، تسابقها قبل أن تدفن تحت الركام.
حملت فلسطين كلها على كتفيك، وكنت تعرف أن دربك محفوف بالقصف والحصار. ومع ذلك مضيت، لا تملك أنت وزملاؤك إلا الميكروفون والكاميرا، وقلوبا مشتعلة بحب الوطن.
كنت تعلم أن صوتك قد يخرس بالرصاص، لكنك لم ترض أن تصمت.
كنت يا أنس ابنا لكل فلسطيني وعربي شريف. كنا جميعا نرقب الفتى الذي أصبح رجلا… نتتبع ابن جباليا الذي كان يشق عتمة الليل، حين كان القصف يلتهم الحجارة والسماء، تمسك بالكاميرا كما يمسك الشهيد بعلمه.
تسرق من الموت لحظة حياة، ومن الغبار نافذة ضوء.
يا ابن جباليا، يا وجه عسقلان المفقودة،
يا من عرفت أن العودة طريقها الدم،
ومع ذلك مضيت، تحمل فلسطين والحقيقة على كتفيك كما يحمل الجندي بندقيته، وتعرف أن الرصاصة تبحث عنك بالاسم.
كنت أول من نصحو على تقاريره كل صباح، وآخر من نسمع صوته كل مساء، ونشهد فقدان الأحبة تباعا، ونعجز عن حماية فلذات أكبادنا – كما يفعل باقي البشر- ولا نكون في وداعهم كما يليق، ولا نقوى على الصراخ كما يتوجب في وجه هذا العالم المظلم الظالم.
وصيتك يا أنس التي تقطر ملحا ودمعا:
احفظوا فلسطين كما تحفظ الأم طفلها،
واحضنوا أطفالها الذين داهمهم القصف قبل الحلم،
وساندوا أمي، وشام، وصلاح، وحبيبتك وشريكة عمرك، أم صلاح. فهم بقية قلبك في هذه الأرض.
وصيتك يا أنس ليست كلمات على ورق، بل عهد في أعناقنا:
أن نحفظ غزة كما حفظتها،
وأن نرعى شام وصلاح وأم صلاح كما أوصيت،
وأن نكون حصنا لأمك التي كانت دعواتها زادك في الطريق،
وأن نكون أوفياء لعسقلان،
وللعودة،
ولأطفال فلسطين الذين حرموا حتى من الحلم.
نم قرير العين يا ولدي الذي لم ألده. لكنك تسكن قلبي وقلوب جميع الأمهات والآباء. فدمك يا أنس لن يهدر، وصوتك لن يخبو. سيبقى اسمك معلقا في ذاكرة المخيمات وأزقة القرى والمدن من المحيط إلى الخليج، وفي كل حجر مدمى، وفي كل طفل يرفع يده متحديا السماء.
سلام على روحك التي ارتفعت من بين الركام، شاهدة على جريمة العالم.
وشاهدة على جحود الأهل وذوي القربى. وشاهدة، أيضا، على عجزنا الذي بلغ حد الشلل. وعلى صبرنا الذي أوشك على النفاد.
سلام على عهدك الذي صار عهدنا، وعلى حلمك الذي لن يموت.
سلام عليك يوم ولدت تحت القصف،
ويوم خرجت بالكلمة،
ويوم رحلت بالدم،
ويوم نلقاك في فلسطين المحررة، حيث لا قصف، ولا احتلال، ولا وداع.
عهد إلى روحك التي حلقت من جباليا،
إلى كاميرتك التي صارت بندقية،
إلى وصيتك التي صارت ميثاقا…
عهد باق ما بقي العهد.
لقد حاول الاحتلال إسكات صوتك، لكن صوتك صار أصواتا، وصورتك صارت رايات، ووصيتك صارت طريقا لا عودة عنه.
نعلنها اليوم، باسم كل من قرأ وصيتك، وباسم كل من شاهد لوعة أمك،
وباسم كل طفل في غزة يحلم بالسماء دون طائرات:
عهد على فلسطين كما أوصيت، ألا يطويها النسيان، ولا يطفئها اليأس، وأن تظل حية في قلوبنا كما كانت في قلبك.
عهد على غزة، أن تبقى الحصن الأخير، لا تكسر، ولا تحاصر في قلوبنا.
عهد على أهلك، أن يكونوا بيننا وفي قلوبنا، كما كانوا بينك وبين الحياة.
عهد على الكلمة والصورة، أن تبقى سلاحا في وجه الكذب، كما كانت في يدك حتى اللحظة الأخيرة.
إلى اللقاء يا أنس، حيث لا قصف، ولا حصار، ولا فراق.
نم، يا أنس،
نم على وسادة من دعاء أمك،
نم وأنت تعلم أن صوتك لن يدفن،
وأن صورتك ستظل تعبر الحواجز وتشق الحصار كما كنت تفعل دائما.
نم قرير العين يا ولدي،
فدمك صار نهرا في طريق التحرير،
وصوتك صار جسرا فوق الحصار،
وروحك صارت موعدا لنا
في فلسطين التي حلمت بها.
الحرية لك، والحرية للوطن.
د.غانيه ملحيس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى