هل أنا متحيز لهذا الرجل اللطيف؟ نعم بلا اى مواربة، ولكن هذا التحيز لا يعود فقط لمعرفتي الشخصية به ولا لأنه صديق ابى وتلميذة، بل لأسباب إضافية أخرى أكثر أهمية، فالرجل اللطيف كان جزءا من طفولتي وشبابي الأول عندما كنا نذهب للمسرح أو عندما كان يأتي لزيارة أبى .
لقد كتبت عن هذا الرجل اللطيف منذ سبعة سنوات، كتبت بلا تخطيط او تدبير وكانت النتائج باهرة، نتائج كان من نتيجتها أن أصبحت صديقا لابنه سعد وتلقيت الكثير من النصائح أن اجمع " الحكايات المندورية في كتاب، ولقد فعلت ذلك ، لكن هذه الكتابة كان ينقصها شيء هام جدا وهو كيف كان الدكتور محمد مندور يقدر اعمال صديقة وتلميذة " نعمان عاشور" ، ونصيحة للقارئ أن يعيد قراءة التعليقات على البوست الأول فهي تعتبر جزءا مكملا له.
لذلك سأنشر الان تعليقي القديم " في ذكرى رجل لطيف" ثم الحق به مقال للدكتور مندور عنونه "«الناس اللي فوق» وفن الأوتشرك" ، مقال مطول عن المسرحية، ولكن ما يلفت النظر في هذا المقال ليس المكتوب فيه! ، بل شيء أخر يتحدث عنه المقال لكنه لا يتوقف عنده، وهو أن المؤلف الموهوب يصل الى أساليب جديدة يقتضيها المحتوى الذي يريد إيصاله الى القارئ أو المشاهد ، أساليب جديدة من الممكن أن يكون غيرة من الادباء في بلاد أخرى قد وصل اليها دون أن يعلم هو بذلك ، ولعل انبثاق الشعر العربى الحديث في صورته التفعيلية الجديدة في عده بلدان عربية في نفس الوقت لتقدم لنا برهانا قاطعا على صحه هذا الاستنتاج ، لكن الدكتور مندور يقدم في المقال الثانى تأكيد على الدور الريادى لنعمان عشور حين كتب
"تأخرتُ بسبب سفري إلى النوبة في مشاهدة «عيلة الدوغري» للسيد نعمان عاشور، ومع ذلك فقد تتبعت بسرور استقبالَ النقاد لهذه المسرحية بإعجاب، ولعل في هذا الاستقبال ما يُصْلِح العلاقة التي كانت قد ساءت إلى أبعد الحدود بين نعمان والنقاد، وإن كانت مشاهدتي للمسرحية قد أقنعتني بأنَّ علاقة نعمان «بالست دراما» لم تتحسن إطلاقًا، ولا نرجو لها أن تتحسن؛ لأن نعمان قد خلق في مسرحنا العربي المعاصر فنًّا دراميًّا جديدًا على غير وعي منه ولا قصد، وهو بحمد الله «ماحٍ» في النقد، ولكنه بلا شك موهوب في الفن الدرامي " .
ولعل القارئ أن يتبه للود العميق الذى كتب به مندور مقالته الثانية ، ود ضاحك من الصديق الى صديقة وتلميذه.
لكن هل استمرت بعض الكتابة المسرحية باستخدام فن الاوتشرك ، كما فعل واستمر نعمان عاشور في مسرحية " عائلة الدغرى " أم ان هذا الأسلوب قد أنقرض؟ لا أعلم ولعل من يعلمون ينصحوننا.
Khaled Mohamed Mandour
August 16, 2018 ·
في ذكرى رجل لطيف
في عصر احد الايام يقف رجل كبير فى شرفة منزلة بالطابق الاول و بجواره ابنة الصغير و يفاجأ بتلميذة الاربعينى يحاول ان يحافظ على توازنه فوق سور المنزل الصغير الارتفاع و هو يحادث صديقة بالطابق الأرضي ، و يفقد توازنه و يضطر الى النزول الى الرصيف و هو يضحك و يعاود الكرة مرة تلو المرة و يضحك ، فيصيح علية " وله ينعمان اطلع " ، فيجيب نعمان المبتسم "حاضر يا دكتور" ، و يصعد نعمان و يتسلل الطفل كالمعتاد كي يسمع ، كما يفعل دائما عندما يأتي ضيف الى والدة ، و يشعر فورا بالألفة العميقة مع هذا النعمان المبتسم الودود برغم انه لم يكن جميل المحيا .
ويزداد شعور الطفل بالألفة حين يصحبه والدة للمسرح القومي إذا كانت المسرحية للنعمان المبتسم، ثم ينتظر المقال النقدي التالي لوالدة عن المسرحية و يسعد كثيرا للتقدير النقدي لها.
و عندما يتوفى الدكتور مبكرا، يكتب النعمان المبتسم مقالا باكيا من داخل حنايا قلبه بلا سفسطة او تقعير، قطعة من قلبه يضعها على الورق لا يستطيع الطفل الذي أصبح شابا صغيرا ان ينساها.
هذا المبتسم الودود صاحب القلب الصافي والشديد التواضع هو أحد اهم كتاب المسرح في الجيل اللاحق لتوفيق الحكيم واحد اهم المؤسسين للمسرح المصري الحديث مع يوسف ادريس و الفريد فرج و ميخائيل رومان.
تابعوا مسرحيات النعمان المبتسم، نعمان عاشور، على موقع البرنامج الثقافي للإذاعة المصرية، الى ان يحين الحين، و يعود المسرح القومي الى سابق عهدة و يعاود عرض مسرحيات المؤسسيين.
في المسرح المصرى المعاصر – كتاب الدكتورمحمد مندور
المقال الاول
«الناس اللي فوق» وفن الأوتشرك
تضاربت آراء مَن يتصدون في الصحف والمجلات؛ لنقد المسرحيات حول مسرحية «الناس اللي فوق» التي قدمها الأستاذ نعمان عاشور للفرقة المصرية، والتي تمثَّل الآن بمسرح الأزبكية، فقال البعض: إنها تُصَوِّر الحياة المصرية قبل الثورة، ورأوا في هذا التفسير حديثًا مُعادًا، وطالَبُوا بأن يَتَّجِه أدباؤنا إلى المستقبَل بدلًا من استمرار العودة إلى التنقيب في الماضي، بينما رأى آخرون أنَّه لا ضرر من الحديث عن ذلك الماضي؛ لأنَّ من لا ماضيَ له لا يمكن أن يكون له حاضر ولا مُستقبَل، وقال نفرٌ ثالث: إنَّ المسرحية خالية من كل موضوع، بل وزعم نفرٌ رابع أن مسرحية «الناس اللي فوق» ليس فيها من أولئك الناس غير عربة الرولزرويس التي بيعت في المسرحية منذ الفصل الأوَّل وانتهى أَمْرُها، وأمَّا بقية المسرحية فمن حثالة المجتمع، وأخيرًا زعم نفرٌ خَامِسٌ أنَّ الممثلين الذين أَدَّوْا هذه المسرحية كانوا يبحثون عن مؤلف يُقَدِّم لهم موضوعًا يستوعب كفايتهم الفذة.
وعندما يستعرض الإنسان كل هذه الآراء يكاد يُصْعَق، فالمسرحية لا تُصَوِّر الماضي؛ لأنها مِنْ أَلِفِها إلى يَائِها تتحدث عن «الناس اللي فوق» بعد الثورة، وهي إذا كانت تُلْقي أضواءً على الأصل الاجتماعي لأناس كانوا قد زحفوا من الحضيض إلى القِمَّة؛ فإن كل هذا لا ينفي أنهم كانوا قد أصبحوا فعلًا من الناس «اللي فوق»، وأن هذا الوضع الذي كانوا قد اكتسبوه لم يكن مقصورًا على الرولزرويس، بل كان يَشْمَل «الناس اللي فوق»، وتوضح كل هذا البذخ الذي كان يعيش فيه عبد المقتدر باشا وزوجته الشابة السيدة رقيقة، وخليل بك شقيق الباشا المدلَّل المستهتر، بل وقنديل أفندي نفسه كسكرتير للباشا، الذي تولى الوزارات المختلفة خلال خمسة وعشرين عامًا، والمسرحية فوق ذلك تَعْكس في عبد المقتدر باشا وأسرته ومن يحيطون به عقلية وأخلاق «الناس اللي فوق»، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يتصور كيف رأى بعضُ الصحفيين أنَّ «الناس اللي فوق» هي «الناس اللي تحت»، وأن المؤلف لم يأتِ في هذه المسرحية بجديد، وأنَّ كل ما فعله أنه قَلَب مسرحيته السابقة عن «الناس اللي تحت» وجعلها عن «الناس اللي فوق».
وأمَّا الرأي الذي يقول بأن المسرحية ليس فيها موضوع درامي محدد، فهو رأي قد يكون له بعض العذر، فالمسرحية لا تقوم على بناء درامي على نحو ما أَلِفَت الأصول العامة لفن المسرحية.
وأنا لا أزعُمُ — ولا أستطيعُ أن أَزْعُم — أنَّ مؤلف المسرحية نعمان عاشور قد قصد إلى خَلْق لون جديد في مسرحنا المعاصر، وأنَّه قد ألَّف هذه المسرحية عن قَصْد ووَعْي نقدي بما يفعل، ولكنني أحسستُ، بل تيقنتُ، بأنَّ هذه المسرحية تندرج تحت لون جديد من المسرحيات ابتدعه الكتَّاب الروسيون، وعلى رأسهم مكسيم جوركي، وهو النوع الذي يُسَمَّى بالروسية «الأوتشرك» والذي لم تجد اللغات الأوروبية الأُخرى لفظة تقابلها، فاستخدمت كلها اللفظة الروسية: أوتشرك، وهي لفظة إذا كان النقاد لا يزالون مختلفين في وَضْع تعريف جامع مانع لها على نحو ما عَرَفُوا منذ أرسطو التراجيديا والكوميديا مثلًا، إلا أننا بمراجعة تحليل النقاد — وبخاصة الروسيين رواد هذا الفن — لخصائصها المميزة نستطيع أن نتبين أنهم يقصدون بالأوتشرك كل عمل أدبي يتناول بالدِّراسة قضيةً من القضايا على الطبيعة، ويعرض هذه الدراسة في صورة أدبية فنية.
وعلى ضوء هذه الحقائق نستطيعُ أن نقول: إن «الناس اللي فوق» ليست مسرحيةً بالمعنى التقليدي، ولكنها «أوتشرك»، أي: أنها دراسة درامية لقضية من القضايا، وهذه القضية في مسرحية نعمان عاشور هي قضية التغييرات التي أحدثتها ثورتنا الأخيرة في البناء الطبقي لمجتمعنا، وفي عقلية وأخلاق كل طبقة من طبقات المجتمع الثلاث، وبخاصة طبقة «الناس اللي فوق»، وهي طبقة لم يكن المؤلف يستطيع أن يَقْصُر مسرحيته على تصويرها؛ لأنَّ عقليتها وأخلاقها وما طرأ عليهما من تغيير لا يمكن أن تتضح إلا باحتكاكها بالطبقتين الأُخريين.
ففي هذه المسرحية يُمَثِّل عبد المقتدر باشا وزوجتُه رقيقة هانم وأخوه خليل بك وابنتُه تيتي الطبقةَ العليا، وتمثل السيدة سكينة أخت رقيقة هانم وابنها المهندس حسن أفندي وابنتها جمالات الطبقة الوسطى، بينما تمثل الخادمة أم أنور وابنها أنور — الذي نجح في الحصول على ليسانس الحقوق وتَطَلَّع إلى الزَّواج من جمالات — الطبقة الشعبية، التي كانت تُسَمَّى بالطبقة الدنيا.
والموضوع الخطير الذي تناوله المؤلف في مسرحيته هو محاولة استخدام الفن الدرامي، أي: التخطيط النفسي في تصوير التغيرات التي أحدثتها الثورة في عقلية كلٍّ من هذه الطبقات الثلاث وأخلاقها وطريقة نظرها إلى الحياة، ومقياس الحكم على نجاحه أو فشله في هذه المحاوَلة هو أن ينظر النَّاقد في مقدار نجاحه في التقاط تلك التغيُّرات ورسمها بالخطوط الدرامية، أي: بالخطوط التي اختارها من بين تصرفاتهم، باعتبارها قَسَمَات طرأت على شخصياتهم، وأصْبَحَتْ في ملامحهم الاجتماعية.
وننظر في هذه المسرحية فنرى الطبقة العُليا تنكشف سوءاتها بعد أن ألقت الثورة عن حياتها النقاب، فخليل بك الذي كان يتمسح بجاه أخيه الباشا ويستغل ذلك الجاه نراه أَوَّلَ من ينقلب على أخيه، وإن نَكَّر هذا الانقلاب المخزي في ثوب الشفقة بأخيه والحرص على سلامته، وما يرتفع الستار حتى نرى خليل بك هذا يهجم على أخيه — الذي أثقلته السنون والأحداث — هجومًا عنيفًا باسم الحرص على مصلحته، فيدعوه في حدَّة تَقْرُب من الشماتة إلى أن يصحو هو وزوجته الهانم من غفلتهما ويُدركا ما أحدثَتْه الثورة من تغيير شامل في الحياة، ويُقْلِعَا عمَّا اعتادا من بذخ وأبهة كاذبة، بل ويَشُنُّ على أخيه حَرْب أعصاب يوهمه فيها أنَّ من واجبه أن يتخلص فورًا من سيارة الرولزرويس رمز العهد البائد …
والناس اللي فوق إذا كان مَجْدُهم الزَّائفُ في العهد الماضي قد حَمَلَهُمْ على أن يترفعوا عمن هم دونهم، حتى ولو كانوا من ذوي قرباهم، نراهم بعد الثورة يُذَكِّرون أولئك الأقرباء الذين كانوا قد هجروهم أيامَ العز، وهذا هو ما نشاهده في المسرحية عندما نرى رقيقة هانم تعود إلى زيارة أختها المتواضعة الست سكينة بحي الحلمية، وإن يكن هؤلاء الناس اللي فوق لم يستطيعوا بعدُ أن يغيروا عقليتهم التغيير الكامل الذي تستوجبه الثورة، فهذا التغيير ليس أمرًا سهلًا ولا سريع المنال، وبخاصة عند الأشخاص الذين طال إِلْفُهم لهذا النوع من الحياة الفاسدة المتغطرسة.
وبالفعل نرى رقيقة هانم متمسكة بعقليتها؛ فهي تريد أن تزوج ابن أختها حسن المهندس من ماهيتاب بنت أحد الإقطاعيين البائدين، كما أنها لا تستطيع أن تتصور كيف يجرؤ شخص مثل قنديل أفندي سكرتير الباشا السابق أو أنور ابن الخادمة أم أنور أن يفكر في الزواج من جمالات حتى بعد حصوله على ليسانس الحقوق.
ومن خلال المسرحية نحس أنَّ المؤلف يرى أن الطبقة الوسطى هي التي استطاعت الثورةُ أن تحرر حقًّا عقليَّتَها من رواسب الماضي، وبخاصة الجيل الجديد من أبناء تلك الطبقة؛ وذلك لأننا وإن كنَّا نرى الست سكينة بنت الطبقة الوسطى لا تَقْبَل أن تتزوج بنتُها جمالات من أنور بحكم تَقَدُّمها في السن وتحجُّر عقليتها، إلا أن جمال وحسن يُرَحِّبان بهذا الزواج ويوافقان عليه رغم أنْف أمهما التي لا تزال مُتخلفة عن رَكْبِ الزمن، كما أنَّ حسن يرفض رفضًا حاسمًا أن يتزوج من ماهيتاب أو أن يعرف عنها شيئًا، ويفضل أن يتزوج من تيتي بنت خليل بك بعد أن هجرت هذه البنت المسكينة منزل أبيها المنحل الذي يُعاشر الراقصات ويهمل ابنته إهمالًا لم ترَ معه بُدًّا من أن تهجر بيته لتلجأ إلى بيت سكينة المتواضع، وتفضل هذا البيت على بيوت أقربائها الآخرين.
وأمَّا الطبقة الشعبية التي كانت تُسَمَّى بالدنيا، فإنها وإن كانت قد أَخَذَتْ تُحَاوِل أن تُقْنِع نفسها بعد الثورة بأنها ليست بأقل من الطبقتين الأخريين، إلا أنها في المسرحية لا تزالُ تُعاني من مُرَكَّب نَقْص شديد، وقد نجح المؤلف من الناحية الدرامية في تصوير هذا المركب نجاحًا رائعًا في شخصية أنور وشخصية أُمِّه، ولأول مرة — فيما أظن — يرى مسْرَحُنا الحديثُ في شخصية أنور شخصيةً دراميةً فريدة تَلْعَب دَوْرَها وتُخَطِّط ملامحَها النفسية بالصمت والسكون، أكثرَ مما تلعب ذلك الدور وتخطط تلك الملامح بالكلام والحركة، فأنور يظهر على المسرح منكمشًا ساكنًا أمام السادة القدماء، ولا يكاد ينبس بشيء غير طلب يد جمالات في ألفاظ عصبية بالغة الاقتضاب.
ولم يترك المؤلف هذه الحالة النفسية غامضة على المشاهدين، بل استغَلَّ أحدَ المشاهد استغلالًا ماهرًا عميقًا ليُفَسِّر هذه الحالة النفسية، وذلك عندما دهمَتْ رقيقة هانم أم نور وابنها أنور في منزل أختها سكينة عندما ذهبا لخطبة جمالات بعد أن طردت أم أنور من خدمة الباشا، فاستولى الهلع على نفس أم أنور بنوع خاص، وطلبت إلى أهل المنزل أن يَدُلُّوها على مخرج تتسرب منه إلى خارج البيت، فأخْبَرَهَا حَسَن أن منزلهم ليس له غير مخرج رئيسي واحد هو الذي ستدخل منه رقيقة هانم، ولكن لديهم سلم الخدم، وأشار إلى ذلك السلم إشارة طبيعية لا تُخْفِي أي قصد سيئ، ولكنَّ أم أنور وابنها أنور حملا الأمر محملًا سيئًا وظنَّا أن حسن الطيب النية إنما يُعَرِّض بهما عندما تفوه بلفظة سلم الخدم، وثارت ثائرتهما على نحوٍ لم يَدَعْ مجالًا للشك في أنَّ هذه العبارة قد أثارت في نفسيهما مركب النقص.
هذه بعض ملامح التغييرات التي أراد المؤلف أن يرسمها بخطوط درامية في طبقاتنا الاجتماعية المختلفة نتيجة لثورتنا الأخيرة، وهي تغييرات لم نُحَاول أن نستقصيها؛ لأنَّ المسرحية غنية بها، ولكننا اخترنا بعضها لندل على النوع الفني الذي يمكن أن تندرج تحته مسرحية «الناس اللي فوق»، وهو النوع الذي أصبح العالم كله يَعْرِفه اليوم باسم «الأوتشرك».
وأنا لا أدَّعي أن فَهْم المؤلف لِما صار إليه مجتمعنا بطبقاته المختلفة بعد الثورة فَهْمٌ لا يقبل المناقشة، ولكنني مع ذلك لا أستطيع أن أُنْكِر ما في معظم تخطيط هذه المسرحية من صِدْق وفَهْم ومُطابقة الواقع، فقد يستطيع بعض المفكرين أن يُنكر عَدَم قدرة الشعب على تخلصه من عُقَد الماضي، وقد يرى البعض الآخر أن الثورة لم تُحَرِّر عقلية الطبقة الوسطى بقدر ما حَرَّرَت عقلية الشعب، أو أنها قد حَطَّمَت نهائيًّا عقلية الناس اللي فوق وفسادها، ولكن كل هذه الآراء لا يمكن أن تَسْلُب هذه المسرحية قيمتها من حيث أنها دراسة ذكية للمجتمع المصري بعد الثورة، وبخاصة أن المؤلف قد استطاع بروح الفكاهة المصرية الخفيفة المتطورة في طبيعته أن يقدم هذه الدراسة لجمهورنا في صورة خفيفة مَرِحة يحبها حبًّا لا شك فيه.
وقد استطاع ممثلو فرقتنا ومُخْرِجها أن يؤدوا هذه الدراسة بروح حية أعْطَتْها كل مقومات الفن الكوميدي السليم في غير ابتذال ولا تهريج ولا اجتذاب رخيص للتصفيق، حتى ولا في خاتمة المسرحية؛ حيث يرتفع الحاجز الوهمي لكي يستنجد عبد المقتدر باشا بالجمهور؛ أي بالشعب، ويطلب إليه ألا يتركه فريسةً لمن لا يزالون متمسكين بأذيال الماضي المندثر كرقيقة هانم.
المقال الثانى
في «عيلة الدوغري» نعمان عاشور يعود إلى الأوتشرك
تأخرتُ بسبب سفري إلى النوبة في مشاهدة «عيلة الدوغري» للسيد نعمان عاشور، ومع ذلك فقد تتبعت بسرور استقبالَ النقاد لهذه المسرحية بإعجاب، ولعل في هذا الاستقبال ما يُصْلِح العلاقة التي كانت قد ساءت إلى أبعد الحدود بين نعمان والنقاد، وإن كانت مشاهدتي للمسرحية قد أقنعتني بأنَّ نعمان «بالست دراما» لم تتحسن إطلاقًا، ولا نرجو لها أن تتحسن؛ لأن نعمان قد خلق في مسرحنا العربي المعاصر فنًّا دراميًّا جديدًا على غير وعي منه ولا قصد، وهو بحمد الله «ماحٍ» في النقد، ولكنه بلا شك موهوب في الفن الدرامي.
لذلك استغرقني الضحك عندما قرأتُ في الكلمة التي نشرها في البرنامج الذي وُزِّعَ على المشاهدين قوله عن «عيلة الدوغري» مسرحية ليس فيها إلا كل ما هو دراما، وفي أنضج المفهومات المتطورة للدراما الحديثة المعاصرة حسبما طاوعتني معرفتي العلمية بالقواعد والأصول، ودراستي النَّظرية للأشكال والقوالب والألوان والاتجاهات، وحسبما أعانتني طاقتي ومقدرتي وتجاربي السابقة في الكتابة للمسرح، بل حسبما يجبُ أن تكون رسالتي فيه كأقْوَم وأعمق تعبير يَحْمل أجلَّ الأهداف الاجتماعية والإنسانية.
استغرقني الضحك؛ لأنَّ «عيلة الدوغري» ليست من الدراما بمفهومها التقليدي في شيء، بل وليست تطويرًا لهذا المفهوم التقليدي، أي: ليست تجويدًا أو إحكامًا فيه، بل هي كسابقتيها «الناس اللي تحت» و«الناس اللي فوق» فنٌّ مسرحي جديد نستطيع أن نُرْجع صورته الأولى إلى تشيكوف ثم مكسيم جوركي، ولقد سبق أن نَبَّهْتُ نعمان عاشور إلى حقيقة هذا الفن في ندوة إذاعية ناقشْنا فيها مسرحية «الناس اللي فوق»، بل وكتبت عن هذا الفن الجديد مقالًا ضافيًا في جريدة «الشعب» واستعرت في تسميته الفنية لفظة «الأوتشرك» الروسية، ومعناها الريبورتاج أو التحقيق الصحفي، التي عندما تُطْلَق على فن مسرحي يكون معناها الريبورتاج أو التحقيق الدرامي، أي: الذي يتخذ في عرض نتائجه صورة الدراما.
وإن تكن الدراما ولا «الست دراما» بمعناها التقليدي، فمن المؤكد مثلًا أن تشيخوف لم يكتب في مسرحيته «الأخوات الثلاث» دراما بالمعنى التقليدي، أي: دراما تقوم على وحدة الحدث وعلى الصراع، بل كتب تحقيقًا دراميًّا عن أخوات ثلاث يعشنَ في قرية روسية نائية ويَضِقْنَ بركود الحياة فيها، وبالرَّغم من أنَّ لكل منهن شخصيتها الخاصة وفتات حياتها المتميزة إلا أنَّ حياة ثلاثتهن تنتظمها فكرة عامة واحدة، وهي ركود الحياة وسآمتها في القرية، وتطلُّعهن جميعًا إلى الحياة المدنية الرَّحبة التي تتيح لهنَّ الانطلاق وفرص الحياة المشبعة لنزعاتهن الإنسانية المشروعة.
وإذا كان نعمان قد قدم لنا أوتشركًا رائعًا عن «الناس اللي تحت» وآخر عن «الناس اللي فوق» فها هو اليوم يقدم لنا ثالثًا عن «الناس اللي في الوسط» مُمَثَّلين في «عيلة الدوغري»، وما نزل بها من تفكك وأنانية بعد أن مات عائلها الثري أو الذي كان ثريًّا ثم فقد ثروته، ولم يَبْقَ منها غير بيت بالحلمية القديمة هو كل الميراث، فتؤدي الضائقة المالية، والصراع على الحياة وشدة الأنانية، التي كثيرًا ما تُحَطِّم أُسَرَ الطبقة الوسطى، إلى إظهار جوهر كلٍّ من الأخوة الخمسة الذين تتكون منهم عائلة الدوغري التي كانت تعيش في مودة وسلام أيام الرَّخاء الذي استطاع رب الأسرة أن يُوفره لهم، بدأبه وحرصه، بل وبُخْله الشديد المتمثل في شخصية تابع الأسرة عم «الطواف» الذي خدم هذه الأسرة في المخبز، وفي البيت حتى بلغ السبعين من عمره، وظل حافيًا طوال حياته، بل وينصحه أحد أبناء الأسرة بأن ينهي حياته كما بدأها حافي القدمين.
وواضح من هذا التركيزِ لفكرة المسرحية وعمودها الفقري أنها من فن الأوتشرك، وأنَّ نعمان بكتابتها قد أتمَّ ثلاثيته الرَّائعة التي صوَّر فيها المجتمع المصري بطبقاته الثلاث وسط أحداث الحياة العامة والخاصة، ومع ذلك لستُ أدري لماذا يتشبث نعمان كالغريق «بالست دراما» مع أنَّ موهبته الحقة قد هَدَتْه إلى كشف صورة جديدة بالنسبة لأدبنا العربي في فن المسرح؛ ولقد أحسست بعنفٍ هذا التشبثَ منذ سنوات عندما تحدثْتُ وكتبت عن طابع الأوتشرك في مسرحيته عن «الناس اللي فوق»، فنفى نعمان عن نفسه ما ظنه عندئذٍ تهمةً، وأخذ يُقسم بأغلظ الأيمان أنَّه قد كتب دراما بالمعنى التقليدي، وها هو اليوم يعود فيؤكد أن «عيلة الدوغري» ليس فيها إلا ما هو دراما، وكل ما تنازل عنه يتمثل في قوله إنها دراما في أنضج المفهومات المتطورة للدراما الحديثة المعاصرة، ولستُ أدري ماذا كان يمكن أن يقوله النقاد لو راح برتولد برخت مثلًا يزعم أنَّ مسرحياته الملحمية ليس فيها إلا ما هو دراما في أنضج المفهومات المتطورة، أو لو راح بيكيت أو أونسكو وغيرهم يزعمون أنَّ مسرحيات اللامعقول هي الأخرى ليس فيها إلا كل ما هو دراما متطورة.
ومع ذلك؛ فإننا نُلاحظ أن توثيق اتصالنا بفنون المسرح الجديدة — وبخاصة بفضل مسرح الجيب — قد أحْدَثَ عند النقاد الذين وَقَفَتْ ثقافتهم عند حد ما تَلَقَّنوه في بعض المعاهد منذ سنوات عديدة، ألاحظ أن هذا الاتصال قد أفاد العقلية النقدية العامة بمرونة جديدة وفَهْم أوسع لفنون المسرح، وإنني لَأذكر أنني قوبلْتُ بموجة من التساؤل والاستنكار عندما سَمَّيْتُ مسرحية «الناس اللي فوق» بالأوتشرك، لا من نعمان وحده، بل ومن كثير من النقاد الذين راحوا يزعمون أنني أحاول فلسفة التوافه أو الخروج على الأصول التقليدية «للست دراما»، فجميع مَنْ كتبوا عن تمثيلية «عيلة الدوغري» قد اعترفوا هذه المرة بأنَّ نعمان، وإن يكن قد خرج فيها على الأصول التقليدية للدراما، إلا أنه قد قدم مع ذلك مسرحية ناجحة أُعْجِبوا بها جميعا، وإن يكن قد بقي أن يعترفوا في شجاعة بالاصطلاح الفني الذي أطلقْتُه على هذا النوع من المسرحيات، وهو اصطلاح معروف في الأدب السوفيتي الحديث.
ولقد كان نعمان محظوظًا باختيار الأستاذ عبد الرحيم الزرقاني لإخراج مسرحيته الجديدة، كما كان محظوظًا باختيار نخبة ممتازة من ممثلي المسرح القومي لتمثيلها، وبخاصة الأستاذ القدير الأستاذ شفيق نور الدين الذي أدى دور عم علي الطواف في عمق وتركيز وأصالة، ولم يحاول قط أن ينتزع إعجاب الجمهور أو عطفه بالمبالغة في حركة أو نبرة صوت.
ولست أدري هل كان من الأفضل أن يلجأ بقية ممثلينا الأفذاذ إلى مثل اتزان وتركيز شفيق نور الدين، أم أن أدوارهم كان من الصعب إخضاعها لنفس النهج، فيما عدا دور الممثلة الممتازة نادية السبع في شخصية كريمة، فقد آثرت نادية أيضًا منهج التركيز ونجحت فيه، وإن يكن الأداء التمثيلي في جملته قد كان ناجحًا فيما عدا بعض الحركات أو النغمات التي لاحت لي مُسْرِفة، حتى خشيت أن تصيب بعض مَشاهد هذه المسرحية العميقة بما يشبه لون «الفارس".
لقد كتبت عن هذا الرجل اللطيف منذ سبعة سنوات، كتبت بلا تخطيط او تدبير وكانت النتائج باهرة، نتائج كان من نتيجتها أن أصبحت صديقا لابنه سعد وتلقيت الكثير من النصائح أن اجمع " الحكايات المندورية في كتاب، ولقد فعلت ذلك ، لكن هذه الكتابة كان ينقصها شيء هام جدا وهو كيف كان الدكتور محمد مندور يقدر اعمال صديقة وتلميذة " نعمان عاشور" ، ونصيحة للقارئ أن يعيد قراءة التعليقات على البوست الأول فهي تعتبر جزءا مكملا له.
لذلك سأنشر الان تعليقي القديم " في ذكرى رجل لطيف" ثم الحق به مقال للدكتور مندور عنونه "«الناس اللي فوق» وفن الأوتشرك" ، مقال مطول عن المسرحية، ولكن ما يلفت النظر في هذا المقال ليس المكتوب فيه! ، بل شيء أخر يتحدث عنه المقال لكنه لا يتوقف عنده، وهو أن المؤلف الموهوب يصل الى أساليب جديدة يقتضيها المحتوى الذي يريد إيصاله الى القارئ أو المشاهد ، أساليب جديدة من الممكن أن يكون غيرة من الادباء في بلاد أخرى قد وصل اليها دون أن يعلم هو بذلك ، ولعل انبثاق الشعر العربى الحديث في صورته التفعيلية الجديدة في عده بلدان عربية في نفس الوقت لتقدم لنا برهانا قاطعا على صحه هذا الاستنتاج ، لكن الدكتور مندور يقدم في المقال الثانى تأكيد على الدور الريادى لنعمان عشور حين كتب
"تأخرتُ بسبب سفري إلى النوبة في مشاهدة «عيلة الدوغري» للسيد نعمان عاشور، ومع ذلك فقد تتبعت بسرور استقبالَ النقاد لهذه المسرحية بإعجاب، ولعل في هذا الاستقبال ما يُصْلِح العلاقة التي كانت قد ساءت إلى أبعد الحدود بين نعمان والنقاد، وإن كانت مشاهدتي للمسرحية قد أقنعتني بأنَّ علاقة نعمان «بالست دراما» لم تتحسن إطلاقًا، ولا نرجو لها أن تتحسن؛ لأن نعمان قد خلق في مسرحنا العربي المعاصر فنًّا دراميًّا جديدًا على غير وعي منه ولا قصد، وهو بحمد الله «ماحٍ» في النقد، ولكنه بلا شك موهوب في الفن الدرامي " .
ولعل القارئ أن يتبه للود العميق الذى كتب به مندور مقالته الثانية ، ود ضاحك من الصديق الى صديقة وتلميذه.
لكن هل استمرت بعض الكتابة المسرحية باستخدام فن الاوتشرك ، كما فعل واستمر نعمان عاشور في مسرحية " عائلة الدغرى " أم ان هذا الأسلوب قد أنقرض؟ لا أعلم ولعل من يعلمون ينصحوننا.
Khaled Mohamed Mandour
August 16, 2018 ·
في ذكرى رجل لطيف
في عصر احد الايام يقف رجل كبير فى شرفة منزلة بالطابق الاول و بجواره ابنة الصغير و يفاجأ بتلميذة الاربعينى يحاول ان يحافظ على توازنه فوق سور المنزل الصغير الارتفاع و هو يحادث صديقة بالطابق الأرضي ، و يفقد توازنه و يضطر الى النزول الى الرصيف و هو يضحك و يعاود الكرة مرة تلو المرة و يضحك ، فيصيح علية " وله ينعمان اطلع " ، فيجيب نعمان المبتسم "حاضر يا دكتور" ، و يصعد نعمان و يتسلل الطفل كالمعتاد كي يسمع ، كما يفعل دائما عندما يأتي ضيف الى والدة ، و يشعر فورا بالألفة العميقة مع هذا النعمان المبتسم الودود برغم انه لم يكن جميل المحيا .
ويزداد شعور الطفل بالألفة حين يصحبه والدة للمسرح القومي إذا كانت المسرحية للنعمان المبتسم، ثم ينتظر المقال النقدي التالي لوالدة عن المسرحية و يسعد كثيرا للتقدير النقدي لها.
و عندما يتوفى الدكتور مبكرا، يكتب النعمان المبتسم مقالا باكيا من داخل حنايا قلبه بلا سفسطة او تقعير، قطعة من قلبه يضعها على الورق لا يستطيع الطفل الذي أصبح شابا صغيرا ان ينساها.
هذا المبتسم الودود صاحب القلب الصافي والشديد التواضع هو أحد اهم كتاب المسرح في الجيل اللاحق لتوفيق الحكيم واحد اهم المؤسسين للمسرح المصري الحديث مع يوسف ادريس و الفريد فرج و ميخائيل رومان.
تابعوا مسرحيات النعمان المبتسم، نعمان عاشور، على موقع البرنامج الثقافي للإذاعة المصرية، الى ان يحين الحين، و يعود المسرح القومي الى سابق عهدة و يعاود عرض مسرحيات المؤسسيين.
في المسرح المصرى المعاصر – كتاب الدكتورمحمد مندور
المقال الاول
«الناس اللي فوق» وفن الأوتشرك
تضاربت آراء مَن يتصدون في الصحف والمجلات؛ لنقد المسرحيات حول مسرحية «الناس اللي فوق» التي قدمها الأستاذ نعمان عاشور للفرقة المصرية، والتي تمثَّل الآن بمسرح الأزبكية، فقال البعض: إنها تُصَوِّر الحياة المصرية قبل الثورة، ورأوا في هذا التفسير حديثًا مُعادًا، وطالَبُوا بأن يَتَّجِه أدباؤنا إلى المستقبَل بدلًا من استمرار العودة إلى التنقيب في الماضي، بينما رأى آخرون أنَّه لا ضرر من الحديث عن ذلك الماضي؛ لأنَّ من لا ماضيَ له لا يمكن أن يكون له حاضر ولا مُستقبَل، وقال نفرٌ ثالث: إنَّ المسرحية خالية من كل موضوع، بل وزعم نفرٌ رابع أن مسرحية «الناس اللي فوق» ليس فيها من أولئك الناس غير عربة الرولزرويس التي بيعت في المسرحية منذ الفصل الأوَّل وانتهى أَمْرُها، وأمَّا بقية المسرحية فمن حثالة المجتمع، وأخيرًا زعم نفرٌ خَامِسٌ أنَّ الممثلين الذين أَدَّوْا هذه المسرحية كانوا يبحثون عن مؤلف يُقَدِّم لهم موضوعًا يستوعب كفايتهم الفذة.
وعندما يستعرض الإنسان كل هذه الآراء يكاد يُصْعَق، فالمسرحية لا تُصَوِّر الماضي؛ لأنها مِنْ أَلِفِها إلى يَائِها تتحدث عن «الناس اللي فوق» بعد الثورة، وهي إذا كانت تُلْقي أضواءً على الأصل الاجتماعي لأناس كانوا قد زحفوا من الحضيض إلى القِمَّة؛ فإن كل هذا لا ينفي أنهم كانوا قد أصبحوا فعلًا من الناس «اللي فوق»، وأن هذا الوضع الذي كانوا قد اكتسبوه لم يكن مقصورًا على الرولزرويس، بل كان يَشْمَل «الناس اللي فوق»، وتوضح كل هذا البذخ الذي كان يعيش فيه عبد المقتدر باشا وزوجته الشابة السيدة رقيقة، وخليل بك شقيق الباشا المدلَّل المستهتر، بل وقنديل أفندي نفسه كسكرتير للباشا، الذي تولى الوزارات المختلفة خلال خمسة وعشرين عامًا، والمسرحية فوق ذلك تَعْكس في عبد المقتدر باشا وأسرته ومن يحيطون به عقلية وأخلاق «الناس اللي فوق»، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يتصور كيف رأى بعضُ الصحفيين أنَّ «الناس اللي فوق» هي «الناس اللي تحت»، وأن المؤلف لم يأتِ في هذه المسرحية بجديد، وأنَّ كل ما فعله أنه قَلَب مسرحيته السابقة عن «الناس اللي تحت» وجعلها عن «الناس اللي فوق».
وأمَّا الرأي الذي يقول بأن المسرحية ليس فيها موضوع درامي محدد، فهو رأي قد يكون له بعض العذر، فالمسرحية لا تقوم على بناء درامي على نحو ما أَلِفَت الأصول العامة لفن المسرحية.
وأنا لا أزعُمُ — ولا أستطيعُ أن أَزْعُم — أنَّ مؤلف المسرحية نعمان عاشور قد قصد إلى خَلْق لون جديد في مسرحنا المعاصر، وأنَّه قد ألَّف هذه المسرحية عن قَصْد ووَعْي نقدي بما يفعل، ولكنني أحسستُ، بل تيقنتُ، بأنَّ هذه المسرحية تندرج تحت لون جديد من المسرحيات ابتدعه الكتَّاب الروسيون، وعلى رأسهم مكسيم جوركي، وهو النوع الذي يُسَمَّى بالروسية «الأوتشرك» والذي لم تجد اللغات الأوروبية الأُخرى لفظة تقابلها، فاستخدمت كلها اللفظة الروسية: أوتشرك، وهي لفظة إذا كان النقاد لا يزالون مختلفين في وَضْع تعريف جامع مانع لها على نحو ما عَرَفُوا منذ أرسطو التراجيديا والكوميديا مثلًا، إلا أننا بمراجعة تحليل النقاد — وبخاصة الروسيين رواد هذا الفن — لخصائصها المميزة نستطيع أن نتبين أنهم يقصدون بالأوتشرك كل عمل أدبي يتناول بالدِّراسة قضيةً من القضايا على الطبيعة، ويعرض هذه الدراسة في صورة أدبية فنية.
وعلى ضوء هذه الحقائق نستطيعُ أن نقول: إن «الناس اللي فوق» ليست مسرحيةً بالمعنى التقليدي، ولكنها «أوتشرك»، أي: أنها دراسة درامية لقضية من القضايا، وهذه القضية في مسرحية نعمان عاشور هي قضية التغييرات التي أحدثتها ثورتنا الأخيرة في البناء الطبقي لمجتمعنا، وفي عقلية وأخلاق كل طبقة من طبقات المجتمع الثلاث، وبخاصة طبقة «الناس اللي فوق»، وهي طبقة لم يكن المؤلف يستطيع أن يَقْصُر مسرحيته على تصويرها؛ لأنَّ عقليتها وأخلاقها وما طرأ عليهما من تغيير لا يمكن أن تتضح إلا باحتكاكها بالطبقتين الأُخريين.
ففي هذه المسرحية يُمَثِّل عبد المقتدر باشا وزوجتُه رقيقة هانم وأخوه خليل بك وابنتُه تيتي الطبقةَ العليا، وتمثل السيدة سكينة أخت رقيقة هانم وابنها المهندس حسن أفندي وابنتها جمالات الطبقة الوسطى، بينما تمثل الخادمة أم أنور وابنها أنور — الذي نجح في الحصول على ليسانس الحقوق وتَطَلَّع إلى الزَّواج من جمالات — الطبقة الشعبية، التي كانت تُسَمَّى بالطبقة الدنيا.
والموضوع الخطير الذي تناوله المؤلف في مسرحيته هو محاولة استخدام الفن الدرامي، أي: التخطيط النفسي في تصوير التغيرات التي أحدثتها الثورة في عقلية كلٍّ من هذه الطبقات الثلاث وأخلاقها وطريقة نظرها إلى الحياة، ومقياس الحكم على نجاحه أو فشله في هذه المحاوَلة هو أن ينظر النَّاقد في مقدار نجاحه في التقاط تلك التغيُّرات ورسمها بالخطوط الدرامية، أي: بالخطوط التي اختارها من بين تصرفاتهم، باعتبارها قَسَمَات طرأت على شخصياتهم، وأصْبَحَتْ في ملامحهم الاجتماعية.
وننظر في هذه المسرحية فنرى الطبقة العُليا تنكشف سوءاتها بعد أن ألقت الثورة عن حياتها النقاب، فخليل بك الذي كان يتمسح بجاه أخيه الباشا ويستغل ذلك الجاه نراه أَوَّلَ من ينقلب على أخيه، وإن نَكَّر هذا الانقلاب المخزي في ثوب الشفقة بأخيه والحرص على سلامته، وما يرتفع الستار حتى نرى خليل بك هذا يهجم على أخيه — الذي أثقلته السنون والأحداث — هجومًا عنيفًا باسم الحرص على مصلحته، فيدعوه في حدَّة تَقْرُب من الشماتة إلى أن يصحو هو وزوجته الهانم من غفلتهما ويُدركا ما أحدثَتْه الثورة من تغيير شامل في الحياة، ويُقْلِعَا عمَّا اعتادا من بذخ وأبهة كاذبة، بل ويَشُنُّ على أخيه حَرْب أعصاب يوهمه فيها أنَّ من واجبه أن يتخلص فورًا من سيارة الرولزرويس رمز العهد البائد …
والناس اللي فوق إذا كان مَجْدُهم الزَّائفُ في العهد الماضي قد حَمَلَهُمْ على أن يترفعوا عمن هم دونهم، حتى ولو كانوا من ذوي قرباهم، نراهم بعد الثورة يُذَكِّرون أولئك الأقرباء الذين كانوا قد هجروهم أيامَ العز، وهذا هو ما نشاهده في المسرحية عندما نرى رقيقة هانم تعود إلى زيارة أختها المتواضعة الست سكينة بحي الحلمية، وإن يكن هؤلاء الناس اللي فوق لم يستطيعوا بعدُ أن يغيروا عقليتهم التغيير الكامل الذي تستوجبه الثورة، فهذا التغيير ليس أمرًا سهلًا ولا سريع المنال، وبخاصة عند الأشخاص الذين طال إِلْفُهم لهذا النوع من الحياة الفاسدة المتغطرسة.
وبالفعل نرى رقيقة هانم متمسكة بعقليتها؛ فهي تريد أن تزوج ابن أختها حسن المهندس من ماهيتاب بنت أحد الإقطاعيين البائدين، كما أنها لا تستطيع أن تتصور كيف يجرؤ شخص مثل قنديل أفندي سكرتير الباشا السابق أو أنور ابن الخادمة أم أنور أن يفكر في الزواج من جمالات حتى بعد حصوله على ليسانس الحقوق.
ومن خلال المسرحية نحس أنَّ المؤلف يرى أن الطبقة الوسطى هي التي استطاعت الثورةُ أن تحرر حقًّا عقليَّتَها من رواسب الماضي، وبخاصة الجيل الجديد من أبناء تلك الطبقة؛ وذلك لأننا وإن كنَّا نرى الست سكينة بنت الطبقة الوسطى لا تَقْبَل أن تتزوج بنتُها جمالات من أنور بحكم تَقَدُّمها في السن وتحجُّر عقليتها، إلا أن جمال وحسن يُرَحِّبان بهذا الزواج ويوافقان عليه رغم أنْف أمهما التي لا تزال مُتخلفة عن رَكْبِ الزمن، كما أنَّ حسن يرفض رفضًا حاسمًا أن يتزوج من ماهيتاب أو أن يعرف عنها شيئًا، ويفضل أن يتزوج من تيتي بنت خليل بك بعد أن هجرت هذه البنت المسكينة منزل أبيها المنحل الذي يُعاشر الراقصات ويهمل ابنته إهمالًا لم ترَ معه بُدًّا من أن تهجر بيته لتلجأ إلى بيت سكينة المتواضع، وتفضل هذا البيت على بيوت أقربائها الآخرين.
وأمَّا الطبقة الشعبية التي كانت تُسَمَّى بالدنيا، فإنها وإن كانت قد أَخَذَتْ تُحَاوِل أن تُقْنِع نفسها بعد الثورة بأنها ليست بأقل من الطبقتين الأخريين، إلا أنها في المسرحية لا تزالُ تُعاني من مُرَكَّب نَقْص شديد، وقد نجح المؤلف من الناحية الدرامية في تصوير هذا المركب نجاحًا رائعًا في شخصية أنور وشخصية أُمِّه، ولأول مرة — فيما أظن — يرى مسْرَحُنا الحديثُ في شخصية أنور شخصيةً دراميةً فريدة تَلْعَب دَوْرَها وتُخَطِّط ملامحَها النفسية بالصمت والسكون، أكثرَ مما تلعب ذلك الدور وتخطط تلك الملامح بالكلام والحركة، فأنور يظهر على المسرح منكمشًا ساكنًا أمام السادة القدماء، ولا يكاد ينبس بشيء غير طلب يد جمالات في ألفاظ عصبية بالغة الاقتضاب.
ولم يترك المؤلف هذه الحالة النفسية غامضة على المشاهدين، بل استغَلَّ أحدَ المشاهد استغلالًا ماهرًا عميقًا ليُفَسِّر هذه الحالة النفسية، وذلك عندما دهمَتْ رقيقة هانم أم نور وابنها أنور في منزل أختها سكينة عندما ذهبا لخطبة جمالات بعد أن طردت أم أنور من خدمة الباشا، فاستولى الهلع على نفس أم أنور بنوع خاص، وطلبت إلى أهل المنزل أن يَدُلُّوها على مخرج تتسرب منه إلى خارج البيت، فأخْبَرَهَا حَسَن أن منزلهم ليس له غير مخرج رئيسي واحد هو الذي ستدخل منه رقيقة هانم، ولكن لديهم سلم الخدم، وأشار إلى ذلك السلم إشارة طبيعية لا تُخْفِي أي قصد سيئ، ولكنَّ أم أنور وابنها أنور حملا الأمر محملًا سيئًا وظنَّا أن حسن الطيب النية إنما يُعَرِّض بهما عندما تفوه بلفظة سلم الخدم، وثارت ثائرتهما على نحوٍ لم يَدَعْ مجالًا للشك في أنَّ هذه العبارة قد أثارت في نفسيهما مركب النقص.
هذه بعض ملامح التغييرات التي أراد المؤلف أن يرسمها بخطوط درامية في طبقاتنا الاجتماعية المختلفة نتيجة لثورتنا الأخيرة، وهي تغييرات لم نُحَاول أن نستقصيها؛ لأنَّ المسرحية غنية بها، ولكننا اخترنا بعضها لندل على النوع الفني الذي يمكن أن تندرج تحته مسرحية «الناس اللي فوق»، وهو النوع الذي أصبح العالم كله يَعْرِفه اليوم باسم «الأوتشرك».
وأنا لا أدَّعي أن فَهْم المؤلف لِما صار إليه مجتمعنا بطبقاته المختلفة بعد الثورة فَهْمٌ لا يقبل المناقشة، ولكنني مع ذلك لا أستطيع أن أُنْكِر ما في معظم تخطيط هذه المسرحية من صِدْق وفَهْم ومُطابقة الواقع، فقد يستطيع بعض المفكرين أن يُنكر عَدَم قدرة الشعب على تخلصه من عُقَد الماضي، وقد يرى البعض الآخر أن الثورة لم تُحَرِّر عقلية الطبقة الوسطى بقدر ما حَرَّرَت عقلية الشعب، أو أنها قد حَطَّمَت نهائيًّا عقلية الناس اللي فوق وفسادها، ولكن كل هذه الآراء لا يمكن أن تَسْلُب هذه المسرحية قيمتها من حيث أنها دراسة ذكية للمجتمع المصري بعد الثورة، وبخاصة أن المؤلف قد استطاع بروح الفكاهة المصرية الخفيفة المتطورة في طبيعته أن يقدم هذه الدراسة لجمهورنا في صورة خفيفة مَرِحة يحبها حبًّا لا شك فيه.
وقد استطاع ممثلو فرقتنا ومُخْرِجها أن يؤدوا هذه الدراسة بروح حية أعْطَتْها كل مقومات الفن الكوميدي السليم في غير ابتذال ولا تهريج ولا اجتذاب رخيص للتصفيق، حتى ولا في خاتمة المسرحية؛ حيث يرتفع الحاجز الوهمي لكي يستنجد عبد المقتدر باشا بالجمهور؛ أي بالشعب، ويطلب إليه ألا يتركه فريسةً لمن لا يزالون متمسكين بأذيال الماضي المندثر كرقيقة هانم.
المقال الثانى
في «عيلة الدوغري» نعمان عاشور يعود إلى الأوتشرك
تأخرتُ بسبب سفري إلى النوبة في مشاهدة «عيلة الدوغري» للسيد نعمان عاشور، ومع ذلك فقد تتبعت بسرور استقبالَ النقاد لهذه المسرحية بإعجاب، ولعل في هذا الاستقبال ما يُصْلِح العلاقة التي كانت قد ساءت إلى أبعد الحدود بين نعمان والنقاد، وإن كانت مشاهدتي للمسرحية قد أقنعتني بأنَّ نعمان «بالست دراما» لم تتحسن إطلاقًا، ولا نرجو لها أن تتحسن؛ لأن نعمان قد خلق في مسرحنا العربي المعاصر فنًّا دراميًّا جديدًا على غير وعي منه ولا قصد، وهو بحمد الله «ماحٍ» في النقد، ولكنه بلا شك موهوب في الفن الدرامي.
لذلك استغرقني الضحك عندما قرأتُ في الكلمة التي نشرها في البرنامج الذي وُزِّعَ على المشاهدين قوله عن «عيلة الدوغري» مسرحية ليس فيها إلا كل ما هو دراما، وفي أنضج المفهومات المتطورة للدراما الحديثة المعاصرة حسبما طاوعتني معرفتي العلمية بالقواعد والأصول، ودراستي النَّظرية للأشكال والقوالب والألوان والاتجاهات، وحسبما أعانتني طاقتي ومقدرتي وتجاربي السابقة في الكتابة للمسرح، بل حسبما يجبُ أن تكون رسالتي فيه كأقْوَم وأعمق تعبير يَحْمل أجلَّ الأهداف الاجتماعية والإنسانية.
استغرقني الضحك؛ لأنَّ «عيلة الدوغري» ليست من الدراما بمفهومها التقليدي في شيء، بل وليست تطويرًا لهذا المفهوم التقليدي، أي: ليست تجويدًا أو إحكامًا فيه، بل هي كسابقتيها «الناس اللي تحت» و«الناس اللي فوق» فنٌّ مسرحي جديد نستطيع أن نُرْجع صورته الأولى إلى تشيكوف ثم مكسيم جوركي، ولقد سبق أن نَبَّهْتُ نعمان عاشور إلى حقيقة هذا الفن في ندوة إذاعية ناقشْنا فيها مسرحية «الناس اللي فوق»، بل وكتبت عن هذا الفن الجديد مقالًا ضافيًا في جريدة «الشعب» واستعرت في تسميته الفنية لفظة «الأوتشرك» الروسية، ومعناها الريبورتاج أو التحقيق الصحفي، التي عندما تُطْلَق على فن مسرحي يكون معناها الريبورتاج أو التحقيق الدرامي، أي: الذي يتخذ في عرض نتائجه صورة الدراما.
وإن تكن الدراما ولا «الست دراما» بمعناها التقليدي، فمن المؤكد مثلًا أن تشيخوف لم يكتب في مسرحيته «الأخوات الثلاث» دراما بالمعنى التقليدي، أي: دراما تقوم على وحدة الحدث وعلى الصراع، بل كتب تحقيقًا دراميًّا عن أخوات ثلاث يعشنَ في قرية روسية نائية ويَضِقْنَ بركود الحياة فيها، وبالرَّغم من أنَّ لكل منهن شخصيتها الخاصة وفتات حياتها المتميزة إلا أنَّ حياة ثلاثتهن تنتظمها فكرة عامة واحدة، وهي ركود الحياة وسآمتها في القرية، وتطلُّعهن جميعًا إلى الحياة المدنية الرَّحبة التي تتيح لهنَّ الانطلاق وفرص الحياة المشبعة لنزعاتهن الإنسانية المشروعة.
وإذا كان نعمان قد قدم لنا أوتشركًا رائعًا عن «الناس اللي تحت» وآخر عن «الناس اللي فوق» فها هو اليوم يقدم لنا ثالثًا عن «الناس اللي في الوسط» مُمَثَّلين في «عيلة الدوغري»، وما نزل بها من تفكك وأنانية بعد أن مات عائلها الثري أو الذي كان ثريًّا ثم فقد ثروته، ولم يَبْقَ منها غير بيت بالحلمية القديمة هو كل الميراث، فتؤدي الضائقة المالية، والصراع على الحياة وشدة الأنانية، التي كثيرًا ما تُحَطِّم أُسَرَ الطبقة الوسطى، إلى إظهار جوهر كلٍّ من الأخوة الخمسة الذين تتكون منهم عائلة الدوغري التي كانت تعيش في مودة وسلام أيام الرَّخاء الذي استطاع رب الأسرة أن يُوفره لهم، بدأبه وحرصه، بل وبُخْله الشديد المتمثل في شخصية تابع الأسرة عم «الطواف» الذي خدم هذه الأسرة في المخبز، وفي البيت حتى بلغ السبعين من عمره، وظل حافيًا طوال حياته، بل وينصحه أحد أبناء الأسرة بأن ينهي حياته كما بدأها حافي القدمين.
وواضح من هذا التركيزِ لفكرة المسرحية وعمودها الفقري أنها من فن الأوتشرك، وأنَّ نعمان بكتابتها قد أتمَّ ثلاثيته الرَّائعة التي صوَّر فيها المجتمع المصري بطبقاته الثلاث وسط أحداث الحياة العامة والخاصة، ومع ذلك لستُ أدري لماذا يتشبث نعمان كالغريق «بالست دراما» مع أنَّ موهبته الحقة قد هَدَتْه إلى كشف صورة جديدة بالنسبة لأدبنا العربي في فن المسرح؛ ولقد أحسست بعنفٍ هذا التشبثَ منذ سنوات عندما تحدثْتُ وكتبت عن طابع الأوتشرك في مسرحيته عن «الناس اللي فوق»، فنفى نعمان عن نفسه ما ظنه عندئذٍ تهمةً، وأخذ يُقسم بأغلظ الأيمان أنَّه قد كتب دراما بالمعنى التقليدي، وها هو اليوم يعود فيؤكد أن «عيلة الدوغري» ليس فيها إلا ما هو دراما، وكل ما تنازل عنه يتمثل في قوله إنها دراما في أنضج المفهومات المتطورة للدراما الحديثة المعاصرة، ولستُ أدري ماذا كان يمكن أن يقوله النقاد لو راح برتولد برخت مثلًا يزعم أنَّ مسرحياته الملحمية ليس فيها إلا ما هو دراما في أنضج المفهومات المتطورة، أو لو راح بيكيت أو أونسكو وغيرهم يزعمون أنَّ مسرحيات اللامعقول هي الأخرى ليس فيها إلا كل ما هو دراما متطورة.
ومع ذلك؛ فإننا نُلاحظ أن توثيق اتصالنا بفنون المسرح الجديدة — وبخاصة بفضل مسرح الجيب — قد أحْدَثَ عند النقاد الذين وَقَفَتْ ثقافتهم عند حد ما تَلَقَّنوه في بعض المعاهد منذ سنوات عديدة، ألاحظ أن هذا الاتصال قد أفاد العقلية النقدية العامة بمرونة جديدة وفَهْم أوسع لفنون المسرح، وإنني لَأذكر أنني قوبلْتُ بموجة من التساؤل والاستنكار عندما سَمَّيْتُ مسرحية «الناس اللي فوق» بالأوتشرك، لا من نعمان وحده، بل ومن كثير من النقاد الذين راحوا يزعمون أنني أحاول فلسفة التوافه أو الخروج على الأصول التقليدية «للست دراما»، فجميع مَنْ كتبوا عن تمثيلية «عيلة الدوغري» قد اعترفوا هذه المرة بأنَّ نعمان، وإن يكن قد خرج فيها على الأصول التقليدية للدراما، إلا أنه قد قدم مع ذلك مسرحية ناجحة أُعْجِبوا بها جميعا، وإن يكن قد بقي أن يعترفوا في شجاعة بالاصطلاح الفني الذي أطلقْتُه على هذا النوع من المسرحيات، وهو اصطلاح معروف في الأدب السوفيتي الحديث.
ولقد كان نعمان محظوظًا باختيار الأستاذ عبد الرحيم الزرقاني لإخراج مسرحيته الجديدة، كما كان محظوظًا باختيار نخبة ممتازة من ممثلي المسرح القومي لتمثيلها، وبخاصة الأستاذ القدير الأستاذ شفيق نور الدين الذي أدى دور عم علي الطواف في عمق وتركيز وأصالة، ولم يحاول قط أن ينتزع إعجاب الجمهور أو عطفه بالمبالغة في حركة أو نبرة صوت.
ولست أدري هل كان من الأفضل أن يلجأ بقية ممثلينا الأفذاذ إلى مثل اتزان وتركيز شفيق نور الدين، أم أن أدوارهم كان من الصعب إخضاعها لنفس النهج، فيما عدا دور الممثلة الممتازة نادية السبع في شخصية كريمة، فقد آثرت نادية أيضًا منهج التركيز ونجحت فيه، وإن يكن الأداء التمثيلي في جملته قد كان ناجحًا فيما عدا بعض الحركات أو النغمات التي لاحت لي مُسْرِفة، حتى خشيت أن تصيب بعض مَشاهد هذه المسرحية العميقة بما يشبه لون «الفارس".