دعتني القصيدة برسالة زاجلة من وزارة الثقافة المغربية، لتمثيل بلادي شِعراً في الأيام الثقافية المغربية بمدينة قسنطينة الجزائرية التي انتُدبتْ عاصمة للثقافة العربية لعام 2015، وبالافتتاح الرسمي لهذه الأيام الثقافية المغربية يوم 12 يونيو 2015، فتحتُ بمعيَّة الشاعر المغربي «نبيل منصر»، ديواناً من القراءات الشِّعرية التي جَرَتْ هديلا إلى أفئدة جمهور الشعب الجزائري الشقيق، دون أن يَحُدَّ هذا الديوان حتى الغِلاف ، وتعلَّق المُتلَقِّي الجزائري بقصائدنا مثلما تعلقنا بالجسور الشاهقة لمدينة قسنطينة التي علَّمتنا أن الشِّعر لا يُقرأ إلا عالياً كي يصل للقلوب..!
ولا يفوتني في هذه البرقية التي تسبق كل الأجنحة بكلمات صادقة من أنفسنا، التنويه بالأستاذ الفنان «الحسن النفالي» مستشار وزير الثقافة ورئيس الوفد المغربي، الذي حَدَب بما أوتي من سِعة قلب وأريحية على راحتنا ورعايتنا، والسيدة «حنان خاي» المستشارة الثقافية بسفارة المغرب بالجزائر، التي أكدت بحضورها معنا طيلة الأيام، أن الثقافة المغربية لا تخلو من دبلوماسية وازنة، وكان من دواعي الشعر التي زادت التئام وفدنا المغربي دِفْئاً، الرفقة الطيبة للأستاذين عادل القباج ومحمد الطويل ممثلي وزارة الثقافة المغربية..!
رغم أَنِّي كنتُ في وفد رسمي من الوزارة، ولم أستطِعْ عن السِّرب شروداً أو تحليقاً، كي أُلَبِّي لجموح الشاعر رغبته في إطلاق الساقين قبل الخيال هبوباً إلى أقصى الجيوب الهامشية للجزائر، إلا أن الشَّبَه في كل شيء الذي ينفرد بِمَلاَمِحِِه الشعبان الجزائري والمغربي دون أن ينتقل هذا الشَّبَهُ إلى أربعين، جعلني أشعر أني أعرف بلد المليون شهيد كجيوبي، والتزمت بالطيران في سِربي الذي وجدته عاشقاً مثلي للقبض بأجمل اللحظات ولو في صُورٍ التقطناها في أعالي قسنطينة، فارتقت مع السَّحاب بلاغتها في الذاكرة؛ ولا أخفي قلقاً أننا شعرنا ببعض الهاجس الأمني يُطوِّق حريتنا، حين آثر المنظمون حفاظاً على سلامتنا، أن نُقيم في فندق «الخيام» الذي يضرب بفُسطاطه بعيداً عن وسط المدينة، كما أننا كنا نركب جميعاً ونحن في سيارتنا، سيَّارة شُرطَة تسبق الطريق بصفّارة إنذار، مما جعلني أقول جهراً في نفسي؛ إمَّا أن الشِّعر أصبح خطيراً من حيث لا تدري كل الدواوين التي تكسُد في الأسواق، أو أنه أي الشِّعر دائماً ما لم يُغيِّر الخوفُ جنسَهُ إلى نثر، أصبح يحمل حقيبة وزير ويحتاج حَرَساً لمجرد أن يقطع الورقة من الرصيف إلى الرصيف..!
لم يُعَكِّر هذا الهاجس الأمني صفو مائنا الذي شربناه إبداعاً من كأس واحدة مع الشعب الجزائري الشقيق، وجعل سفرنا الذي يحمل رسالته الثقافية يماماً ليس من الطير الذي يرتضي لجناحيه التحليق تحت سقف وطيء مصنوع من خشب سياسي، بل يرى أن تحليقه الحقيقي لا يكون إلا بتوقيع السماء السابعة في فؤاد كل إنسان جزائري لا يعترف مثلنا بحدود تعزله عن نفسه ودمه الذي بدون وصوله إلى قلب المغرب العربي الكبير، سنفقد جميعاً مستقبلنا في حياة أجمل..!
شَعَرْتُ وأنا في الجزائر أني مازلت في المغرب، وأنّ سماء بلادي أقرب ليس فقط من يدي إذ أمُدُّها عاليا، بل حتى من قلبي تُلامس فؤادي وأنا تحت سماء الجزائر؛ فهل حقا سافرت من المغرب إلى الجزائر..؟
أبداً،
مازلت في بلدي المغرب بالجزائر، تكاد الريح تنطق بنفس الشذى الساري ببطاقة هوية واحدة من وجدة إلى وهران أو أبعد في سحاب قسنطينة؛ وكأن الزهور التي تُروِّجها هذه الريح مع أنفاسنا، نبتت من جذر على شفا أن يُمزِّق وهو يتمدد في مسراه الطبيعي تحت الأرض، حدوداً لا تستطيع فصلاً لشعبين لن يختصرا تاريخاً عريقاً في الدم واللغة والمكان، إلى رسم حدودي يبدأ بضربة حافر من «جوج بغال»، ليمتد بزلزال عارم من الخلافات السياسية، كي ينبت في أنفسنا قبل الأرض، بأسلاكه الشوكية التي تُدمي القلب في جوف الإنسانين المغربي والجزائري؛ هل حقّاً وأنا في الجزائر طِرْتُ على الحدود من المغرب..؟
فاتني وأنا أعبر فوق الحدود أن أنثرها ببعض من الشِّعْرِ، عسى إذا عدتُ أدراجي من القصيدة في الجزائر، تتحول الحدود ببذوره وروداً..!
فاتني وأنا أعبر فوق الحدود بالطائرة سيراً على الأحلام، أن ألتقط بعض صور السِّيلفي مع الذاكرة التي سيتبرَّأُ من نيرها المستقبل، حين نعود إلى أنفسنا في اتحاد مغاربي ونصير أحراراً..!
لا أظن وأنا في قسنطينة، أني طِرْتُ على الحدود من المغرب، وإلا ما شَعَرْتُ يوم قرأَنِي الشعر وقرأته، كأني أُدير مغزلا لأنسج حَنْبَلاً أمازيغيا يمتد بجسره سرباً طائراً بين جبال الأوراس والأطلس؛ وإلا ما انبرت تلكم السيدة الصحراوية من مدينة بشّار الجزائرية التي لا ينقصها إلا حرف الكاف لتصبح بشكاراً وتحمل إسمي، لتضمني بكل ما أُوتيت من قلب وذراعين تكادان تكتسيان ريشا وتطيران حُبّاً في عناقي، وهي تُردِّد: آه يا ولدي، لا فرق بيننا، وقد تجمعنا قَصْعَةُ كسكس حتى لو فَرَّقَت بين بلدينا الحدود..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 25 يونيو 2015)
ولا يفوتني في هذه البرقية التي تسبق كل الأجنحة بكلمات صادقة من أنفسنا، التنويه بالأستاذ الفنان «الحسن النفالي» مستشار وزير الثقافة ورئيس الوفد المغربي، الذي حَدَب بما أوتي من سِعة قلب وأريحية على راحتنا ورعايتنا، والسيدة «حنان خاي» المستشارة الثقافية بسفارة المغرب بالجزائر، التي أكدت بحضورها معنا طيلة الأيام، أن الثقافة المغربية لا تخلو من دبلوماسية وازنة، وكان من دواعي الشعر التي زادت التئام وفدنا المغربي دِفْئاً، الرفقة الطيبة للأستاذين عادل القباج ومحمد الطويل ممثلي وزارة الثقافة المغربية..!
رغم أَنِّي كنتُ في وفد رسمي من الوزارة، ولم أستطِعْ عن السِّرب شروداً أو تحليقاً، كي أُلَبِّي لجموح الشاعر رغبته في إطلاق الساقين قبل الخيال هبوباً إلى أقصى الجيوب الهامشية للجزائر، إلا أن الشَّبَه في كل شيء الذي ينفرد بِمَلاَمِحِِه الشعبان الجزائري والمغربي دون أن ينتقل هذا الشَّبَهُ إلى أربعين، جعلني أشعر أني أعرف بلد المليون شهيد كجيوبي، والتزمت بالطيران في سِربي الذي وجدته عاشقاً مثلي للقبض بأجمل اللحظات ولو في صُورٍ التقطناها في أعالي قسنطينة، فارتقت مع السَّحاب بلاغتها في الذاكرة؛ ولا أخفي قلقاً أننا شعرنا ببعض الهاجس الأمني يُطوِّق حريتنا، حين آثر المنظمون حفاظاً على سلامتنا، أن نُقيم في فندق «الخيام» الذي يضرب بفُسطاطه بعيداً عن وسط المدينة، كما أننا كنا نركب جميعاً ونحن في سيارتنا، سيَّارة شُرطَة تسبق الطريق بصفّارة إنذار، مما جعلني أقول جهراً في نفسي؛ إمَّا أن الشِّعر أصبح خطيراً من حيث لا تدري كل الدواوين التي تكسُد في الأسواق، أو أنه أي الشِّعر دائماً ما لم يُغيِّر الخوفُ جنسَهُ إلى نثر، أصبح يحمل حقيبة وزير ويحتاج حَرَساً لمجرد أن يقطع الورقة من الرصيف إلى الرصيف..!
لم يُعَكِّر هذا الهاجس الأمني صفو مائنا الذي شربناه إبداعاً من كأس واحدة مع الشعب الجزائري الشقيق، وجعل سفرنا الذي يحمل رسالته الثقافية يماماً ليس من الطير الذي يرتضي لجناحيه التحليق تحت سقف وطيء مصنوع من خشب سياسي، بل يرى أن تحليقه الحقيقي لا يكون إلا بتوقيع السماء السابعة في فؤاد كل إنسان جزائري لا يعترف مثلنا بحدود تعزله عن نفسه ودمه الذي بدون وصوله إلى قلب المغرب العربي الكبير، سنفقد جميعاً مستقبلنا في حياة أجمل..!
شَعَرْتُ وأنا في الجزائر أني مازلت في المغرب، وأنّ سماء بلادي أقرب ليس فقط من يدي إذ أمُدُّها عاليا، بل حتى من قلبي تُلامس فؤادي وأنا تحت سماء الجزائر؛ فهل حقا سافرت من المغرب إلى الجزائر..؟
أبداً،
مازلت في بلدي المغرب بالجزائر، تكاد الريح تنطق بنفس الشذى الساري ببطاقة هوية واحدة من وجدة إلى وهران أو أبعد في سحاب قسنطينة؛ وكأن الزهور التي تُروِّجها هذه الريح مع أنفاسنا، نبتت من جذر على شفا أن يُمزِّق وهو يتمدد في مسراه الطبيعي تحت الأرض، حدوداً لا تستطيع فصلاً لشعبين لن يختصرا تاريخاً عريقاً في الدم واللغة والمكان، إلى رسم حدودي يبدأ بضربة حافر من «جوج بغال»، ليمتد بزلزال عارم من الخلافات السياسية، كي ينبت في أنفسنا قبل الأرض، بأسلاكه الشوكية التي تُدمي القلب في جوف الإنسانين المغربي والجزائري؛ هل حقّاً وأنا في الجزائر طِرْتُ على الحدود من المغرب..؟
فاتني وأنا أعبر فوق الحدود أن أنثرها ببعض من الشِّعْرِ، عسى إذا عدتُ أدراجي من القصيدة في الجزائر، تتحول الحدود ببذوره وروداً..!
فاتني وأنا أعبر فوق الحدود بالطائرة سيراً على الأحلام، أن ألتقط بعض صور السِّيلفي مع الذاكرة التي سيتبرَّأُ من نيرها المستقبل، حين نعود إلى أنفسنا في اتحاد مغاربي ونصير أحراراً..!
لا أظن وأنا في قسنطينة، أني طِرْتُ على الحدود من المغرب، وإلا ما شَعَرْتُ يوم قرأَنِي الشعر وقرأته، كأني أُدير مغزلا لأنسج حَنْبَلاً أمازيغيا يمتد بجسره سرباً طائراً بين جبال الأوراس والأطلس؛ وإلا ما انبرت تلكم السيدة الصحراوية من مدينة بشّار الجزائرية التي لا ينقصها إلا حرف الكاف لتصبح بشكاراً وتحمل إسمي، لتضمني بكل ما أُوتيت من قلب وذراعين تكادان تكتسيان ريشا وتطيران حُبّاً في عناقي، وهي تُردِّد: آه يا ولدي، لا فرق بيننا، وقد تجمعنا قَصْعَةُ كسكس حتى لو فَرَّقَت بين بلدينا الحدود..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 25 يونيو 2015)