غسان جابر - من جدل الصواب والخطأ إلى هندسة الأفق: قراءة في طرح غانية ملحيس حول "الطوفان"

في مقالتها "الطوفان بين جدل الصواب والخطأ: تفكيك الأعطاب وبناء الأفق"، تذهب الكاتبة غانية ملحيس أبعد من السجال الدائر منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتضع أمام القارئ سؤالًا جوهريًا: هل نستمر في محاكمة "طوفان الأقصى" بمنطق الربح والخسارة المباشرة، أم نقرأه بوصفه لحظة كاشفة ومفصلًا تاريخيًا يفرض إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني بأسره؟

الكاتبة ترفض الوقوف عند ثنائية "الصواب والخطأ"، وترى أن الجدل حول شرعية أو صوابية العملية، بعد عامين من وقوعها، ليس إلا ضربًا من إعادة إنتاج العجز، لأنه يحجب الأسئلة الحقيقية: كيف نُوظّف هذا الحدث، وكيف نحوّل التضحيات إلى طاقة استراتيجية قادرة على فتح أفق جديد؟

حدث كاشف لا مجرد معركة

تنطلق ملحيس من أن المقاومة في فلسطين ليست خيارًا عسكريًا، بل فعل وجودي في مواجهة مشروع استعماري إحلالي يسعى إلى محو الأرض والشعب والذاكرة. ومن هنا، يصبح "الطوفان" حدثًا كاشفًا لا مجرد معركة:

كاشفًا لأعطاب البنية الفلسطينية: غياب المشروع الوطني الجامع، تكلّس المؤسسات، هشاشة السلطة والانقسام.

كاشفًا لأعطاب النظام العربي: الارتهان للهندسة الاستعمارية والتناقض بين الأنظمة وشعوبها.

كاشفًا لتردد القوى الإقليمية بين المصلحة القومية والمقايضة البراغماتية.

كاشفًا لزيف المنظومة الغربية التي ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تدعم بلا تحفظ مشروع الإبادة في فلسطين.

بهذا التحليل، تعيد الكاتبة إدخال "الطوفان" إلى معادلة التاريخ، لا كواقعة عسكرية محدودة، بل كمنعطف يعيد ترتيب المعاني، ويخلخل البنى، ويكشف حدود الروايات السائدة.

التاريخ كمعيار للحكم

من العناصر اللافتة في نص ملحيس استدعاء التجارب التاريخية الكبرى لتبيان أن القرارات الجذرية لا تُقاس بكلفتها الفورية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل المسار. فهي تستحضر ثورة أكتوبر في روسيا، وتجربة التحرر في الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا، لتقول إن ما بدا "مغامرة" في حينه، تَحوّل لاحقًا إلى محطة مؤسسة لموازين قوى جديدة.

بذلك، يصبح "الطوفان" – في نظرها – شبيهًا بهذه اللحظات التاريخية التي تُحدث ارتجاجًا في البنى القائمة وتفتح إمكانات جديدة، حتى وإن جاء القرار في ظروف غير مثالية أو على يد فاعلين لم يقصدوا بالضرورة كل نتائجه.

إعادة تعريف المشروع الوطني

ترى ملحيس أن اللحظة الراهنة تفرض إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني بعيدًا عن وهم "حل الدولتين" والدولة على حدود 1967. المشروع الحقيقي يجب أن يكون مشروع مقاومة وجودية يهدف إلى تفكيك النظام الاستعماري الصهيوني العنصري، لا التكيف معه.

ولكي يتحول هذا التصور إلى واقع، تقترح الكاتبة جملة من المسارات:

بناء أدوات تنظيم شعبي داخل فلسطين والشتات، تتجاوز البنى الفصائلية الجامدة.

ربط القضية الفلسطينية بالسياق التحرري العربي، باعتبارها مختبرًا لمستقبل الأمة.

ربطها بالسياق التحرري العالمي، عبر شبكات التضامن مع الشعوب الأصلية، الأقليات، حركات التحرر، والمدافعين عن العدالة.

قوة المقال وأفقه

قيمة مقالة غانية ملحيس أنها لا تسقط في فخ التبرير ولا في فخ الإدانة، بل تسعى إلى إعادة صياغة الوعي الاستراتيجي. فهي تعطي للحدث بعده الكوني والوجودي، وتحوّله من مادة سجال إعلامي إلى منصة لإعادة التفكير في التاريخ والمستقبل معًا.

فالمسألة لم تعد: "هل كان الطوفان صوابًا أم خطأً؟"، بل: "كيف نمنع أن تُهدر التضحيات في دوامة الجدل العقيم؟ وكيف نبني على اللحظة أفقًا تحرريًا جامعًا؟".

نقول: تضع ملحيس الفلسطينيين أمام مفترق طرق: إما تحويل اللحظة إلى مشروع نهضوي استراتيجي جامع يستثمر طاقات الشعب ويعيد تموضع القضية في قلب الوعي العربي والإنساني، أو تركها لتذوب في السجالات العقيمة وتُضاف إلى سجل الفرص الضائعة.

بهذا المعنى، فإن مقالتها ليست مجرد قراءة للحدث، بل دعوة إلى التفكير بعقل استراتيجي، والانتقال من منطق التوصيف إلى منطق التأسيس. وهي بهذا تسهم في بلورة خطاب جديد، يعيد إلى الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مركزيته الكونية، ويعيد إلى الشعب الفلسطيني إيمانه بأن مستقبله لا يُمنح، بل يُنتزع بالوعي والإرادة والفعل المنظم.

بصفتي قارئًا ومتابعًا للشأن الفلسطيني، أرى أن مقالة غانية ملحيس تحمل جرأة ووضوحًا نادرين في تناول حدث مثل "الطوفان". قيمتها لا تكمن فقط في تفكيك الأعطاب الفلسطينية والعربية والدولية، بل في دعوتها إلى الانتقال من الجدل العقيم إلى بناء استراتيجية تحررية شاملة.

لكن في الوقت ذاته، يظل التحدي الأكبر في ترجمة هذه الرؤية النظرية إلى فعل عملي منظم. فما طرحته الكاتبة من إعادة تعريف المشروع الوطني وربطه بالسياقات العربية والعالمية يحتاج إلى أدوات تنفيذية، وإلى إرادة سياسية وشعبية قادرة على تجاوز الانقسامات والتكلس.

من هنا، يمكن القول إن مقالة ملحيس لا تُقدَّم كخطة جاهزة، بل كإطار فكري مفتوح يدعو إلى التفكير الجماعي وإبداع صيغ عملية تستجيب لهذه اللحظة التاريخية. فهي ليست نهاية النقاش، بل بدايته.

م. غسان جابر - مهندس و سياسي فلسطيني - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية - نائب رئيس لجنة تجار باب الزاوية و البلدة القديمة في الخليل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى