بنيامين يوخنا دانيال - السياحة و الإرهاب.. مقدمة قصيرة

صار الإرهاب بعد هجمات نيويورك و واشنطن في سبتمبر / أيلول 2001 و هجمات
مدريد في آذار 2004 و هجمات لندن في تموز 2005 و غيرها من أخطر المشاكل و
التي تواجهها صناعة السياحة و السفر في القرن الحالي , إن لم يكن أخطرها على
الاطلاق , إلى جانب الحروب و الأزمات السياسية و الكوارث الطبيعية و الأوبئة , و من
أهم التحديات التي تواجهها هذه الصناعة الحيوية بالنسبة لاقتصادات الكثير من الدول في
الوقت الراهن , و ذلك لما يتسببه من أزمات سياحية , و لما يتركه من آثار مدمرة عليها ,
و لما يعكسه ( أي الإرهاب ) من تهديد مباشر و غير مباشر لمسيرة التنمية السياحية
المستدامة . فالإرهابيون يحاولون و يسعون في جهودهم ومحاولاتهم إصابة السياحة في
مقتل , و شلها من خلال استهداف أماكن تجمع و تمركز الزوار الأبرياء و مجاميع
السواح الوافدة إلى الوجهة السياحية من مختلف بلدان العالم , مثل المواقع الأثرية و
المولات و الأسواق الشعبية التراثية و شبكات ميترو الأنفاق و محطات تجمع الحافلات و
منشآت الايواء و اطعام الضيوف و المعالم السياحية البارزة و غيرها , مثل الهجمات
الإرهابية على مراكز تجارة المجوهرات في مومباي الهندية في تموز 2011 , و
الانفجار الذي وقع في أحد فنادق بيشاور الباكستانية في حزيران 2011 و قبله أيضا
الهجوم على فندق بيرل كونتيننتال الفاخر حزيران 2009 , و عملية اختطاف الأجانب
من فندق في همبوري في مالي في شهر تشرين الثاني 2011 , و الانفجارات في فندقي
ريتز كارلتون و ماريوت في جاكارتا الإندونيسية في تموز 2009 , و الهجمات التي
استهدفت فندقي تاج محل و أوبروي ترايدنت و غيرهما في مومباي الهندية في تشرين
الثاني 2008 .


كما تخطف خفافيش الموت هؤلاء السواح الأبرياء ( أهداف استراتيجية و تكتيكية ) في
الجزر النائية و مناطق الجبال الواسعة و في عمق الغابات و داخل الصحراء البعيدة و
المناطق النائية على الحدود الدولية , و يحجزونهم كرهائن للحصول على تغطية إعلامية
دولية ( وصلت أخبار هجوم دورة الألعاب الأولمبية في ميونخ عام 1972 إلى 800
مليون شخص من كافة أنحاء العالم ) , و بغية الحصول على مبالغ نقدية أولا , و الإساءة
إلى سمعة البلد المستقبل ثانيا , و الاضرار بمصالحه الوطنية و علاقاته السياسية و
الدبلوماسية بغيره من البلدان الصديقة و الشقيقة ثالثا . و بما يتنافى مع القوانين و الأديان
و الشرائع و الأعراف و التقاليد , مثل عملية اختطاف السواح الأجانب في منطقة المثلث
الحدودي بين مصر و السودان و ليبيا في أيلول 2008 , وحادث اختطاف سواح من
إستونيا قرب زحلة اللبنانية في آذار 2011 , وعملية اختطاف نحو ( 20 ) سائحا في
الصحراء البيضاء المصرية عام 2008 على يد جماعة تسللت من السودان . و خطف
سائحة بريطانية و قتل زوجها في غارة على منتجع سياحي ساحلي في شمال كينيا
بالقرب من الصومال عام 2011 .
الأمر الذي ينعكس سلبا على مجمل الاقتصاد الوطني بكل قطاعاته و نشاطاته على
نحومباشر و غير مباشر , و السياحة المحلية على وجه الخصوص , و التي هي من أهم
الأنشطة الاقتصادية في الكثير من الدول , و الأداة المعتمدة و الوسيلة المعول عليها من
قبل الحكومات في تحقيق آمال و طموحات شعوبها في الرفاهية و الرخاء , و في تنفيذ
خطط التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية , لما تمثله من حصيلة الصادرات
الخدمية و مساهمتها في توفير العملة الصعبة ( النقد الأجنبي ) , و دعمها للناتج المحلي
الإجمالي , و استيعابها للأيدي العاملة و خلقها لفرص العمل بشكل مباشر و غير مباشر و
على نحو دائمي و مؤقت , و دورها في معالجة الفقر و الحد منه و تأمين الدخول بالنسبة
للأفراد و السر و تحسين مستوى معيشتهم . و بإمكاننا أن نسوق الكثير من الأمثلة على
التأثيرات السلبية للإرهاب على السياحة دوليا و أقليميا و وطنيا , و كيفية تسببه بأزمات
سياحية مختلفة من حيث حدتها و مدتها و آثارها السلبية , و هي تأثيرات عابرة للحدود
بدون شك . مثلا تراجع حجم السياحة الواردة إلى منطقة البحر الكاريبي من الولايات
المتحدة الأمريكية إثر أحداث 11 سبتمبر / أيلول 2001 بنسبة ( 13,5 % ) مع فقدان
مؤقت لنحو ( 365000 ) وظيفة متعلقة بالسياحة في المنطقة . و أيضا تأثر متوسط
الانفاق السياحي وفقا لمتوسط مدة الإقامة في الوجهات السياحية المختلفة الواقعة في
بعض دول رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي ( باكستان , سريلانكا , بنغلادش و الهند )
جراء عدم الاستقرار السياسي و الإرهاب خلال الفترة اللاحقة لعام 1995 , أما الهجمات

الإرهابية التي شهدتها مومباي خلال الفترة 26 – 29 تشرين الثاني 2009 , و استهدفت
في معظمها فنادق و مقاه شهيرة فقد أوقعت بالسياحة خسائر كبيرة , ففرضت إجراءات
صارمة على النشاطات و الفعاليات السياحية مع الغاء مهرجان ( إليفانتا ) الشهر لمدة
تسع سنوات متتالية . أما هجمات ( أمارناث ياترا ) و التمردات و الاضطرابات السياسية
في جامو و كشمير في الهند فقد أسفرت عن حصول ركود في عدد الزيارات السياحية
فيها خلال الفترة 2001 – 2003 مع تسجيل تراجع ملحوظ خلال الفترة 2006 –
2008 .
و يعزى تأثر السياحة السريع و الواضح بالإرهاب إلى أهمية هذه الصناعة على النطاق
الدولي و الوطني للكثير من الدول , و علاقتها الترابطية التبادلية مع الكثير من القطاعات
و النشاطات الحيوية داخل الاقتصاد الواحد من جهة , و حساسيتها تجاه الأحداث و
التغيرات الأمنية و غيرها من جهة ثانية , الأمر الذي يستوجب معه دراسة الموضوع من
كل جوانبه و على نحو جدي و شامل , و تعزيز أمن السياح و المنشآت و المرافق
السياحية بمختلف أنواعها و على كل المستويات .
* عن ( السياحة و الإرهاب ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2011 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى