محمد بشكار - بين سُلْطة المُقدِّمة وسَلَطَتها!

لا أعرف لماذا كلما سبَّقْتُ طبَق السَّلَطة في طعامي، سيْرا على عُرْف أنه يفتح شهية الأكل، إلا وأصابني انحباسٌ وشبعٌ عميم، تُراها معدتي هي الصغيرة أم أنا الزاهد عن ملذات الدنيا، المهم أضربت عن لعنة السَّلَطة في طعامي، بعد أن أيقنتُ أنها مجرد فخ يُضيِّع عليَّ اللحم والفرخ، بل يحرمني من كل الأطباق التي ستأتي من خلفي وقُدّامي !

وقد امتدت هذه العدوى من الطعام إلى عالم الكلام، فلم أعد أقرأ مقدمات الكتب المُحلاة بقشدة المُقبِّلات، خشية أن أنصرف متبرِّما عن باقي الفصول، أو أقفز بالزانة عاليا إلى كتاب آخر يرضي الفضول !

لَوْ كُتِبَ لي في لَوْحٍ ليس بالضرورة محفوظاً، أن أخُطَّ تقديماً بحُرِّ قلمي، ما لم تُقيّده سلسلة إلى وتدٍ مدقوق في الحظيرة، لبدأتُ من آخر ما كتبتُ، ليس لأن ذاكرتي ضعيفة ولا أستطيع تَفكُّر من ركام مقالاتي إلا آخرها، بل لأن كل تقديم رغم كونه يبدأ الصفحات الأولى من حياة الكِتاب، ذاك الذي لا يُعد زمنه الرمزي بالسنوات، أشبه بوصية لا نكتبها إلا بعد أن ننتهي من هذا الكتاب، وندفن مع الأحرف أنفسنا في أوراقه، ونصنع من الغلاف شاهدة بأسمائنا، أوَ ليس كل ما كتبناه من عناوين، تفضي في الأخير ولو أخطأ ساعي البريد إلى لآخرة !

تعودنا أن يعتمد كل تقديم، ديباجة كلاسيكية سطَّر بلاغتها بحكمة أسلافنا في التراث الأدبي، فما أروع سبائك بعض أدبيات الاستهلال، تلك التي تسبق عتبتها أرجلنا في المصنّف، سواء كان فريداً تَعْلقُ معانيه في جوارحنا كالجواهر في الجيد، أو ثريداً لا يليه بعد الأكل إلا غسل اليدين من الحبر، فنقول مثلا في بعض أدبيات الاستهلال الذي نبسطه تقديماً؛ (كتب فلان رحمه الله)؛ تأكيدا لمصداقية أن كل تقديم بمثابة وصية ميت، ولِمَ لا ما دمنا لا نخط هذا التقديم، إلا بعد أن ننتهي أو ينتهي منّا الكتاب، عِلماً أن الرحمة تجوز على من تحت الأرض أمواتاً، ومن فوقها مازالوا يعيثون جراداً !

لو كُتِب لي أن أكتب تقديماً لعملي الأدبي، سأجدني والحال فيه كلام عن النَّفْس مما يحتاج لكثير من علم النفس، أُقدِّمُ رِجْلا حتى أصل لآخر السطر، وأؤخر أخرى لأعود إلى أول السطر، فلا تخرج الكلمة أبداً من حَلْقِ قلمي، دون أن أستطيع وصْفاً لنفسي في كل ما كتبتُ، ومن أين لي مَلَكَة رسام أعمى ينسخ وجهه كما لو ينظر إلى مرآة !

لو كُتِبَ لي أن أكتب تقديماً، لن أُزيِّن نفسي كذباً بما أوتيت من استعارة في الأدب، وأستجلي مواطن الجمال في مقالات وُلِدتْ من رحم العطب، لن أُلبسَني في التقديم حُللاً نسجتُها من عُرْي الآخرين، وأرش هذه الحُلل بعطر فاخر كي أداري تلكم الرائحة، لا أريد أن أُصَوِّرني بمُقَدِّمتي في أعين الناس على غير ما أنا عليه، بل أهْوِي كأي جلاد على هذه الذات كُلَّما بدا في ضميرها وَهَنٌ، ولا يهمني إذا قَلَبْتُ اسم كاتب أشهر المقدمات، لأسمِّي نفسي ابن جَلْدُون !

ما آسف عليه في الأخير، أن سُلطة المقدمة حرمتني من أطايب السَّلَطة !


..................................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 7 ماي 2026


FB_IMG_1778103851733.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى