تأثرت كثيراً من دعاء الإمام الذي كان يؤمنا فى صلاة الاستسقاء الأخيرة وكاد أن يصل البعض إلى درجة البكاء استجداءً لرحمة الله سبحانه وتعالى وإرسال المطر الذي يشح عنا أحياناً كثيرة وتأثرت أيضاً كثيراً عندما شاهدت جارى الحبيب وهو يغسل سيارته وبيته بالماء ورأيت الماء يسيل أمامي ويمتد لعشرات الأمتار ، ونظراً لحكم التخصص أعرف الرحلة التي تمر بها قطرة الماء فى دورتها فى الطبيعة وبعد ذلك فى محطات التنقية أو التحلية ومقدار الجهد والطاقة والأموال التي تنفق للحصول على قطرات الماء النظيفة.
فكرت كثيراً حين طالعت العديد من الآيات الكريمة فى القرآن الكريم التي تشعرنا بأهمية الماء وكذلك بالتأمل فى قدرة الله الكامنة فيه ومع ذلك لا نتدبر فى تلك الآيات بالقدر الكافى الذي ينعكس على سلوكنا وتعاملنا مع هذه النعمة العظيمة واحترامها وعدم إهدارها.
وردت لفظة ماء في القرآن الكريم ثلاثا وستين مرة, وهي لفظة تدل علي المفرد والجمع معا, هذا عدا خمس مرات وردت فيها لفظة ماء بمعني النطفة أو ماء التناسل.
أذكر في بداية حديثي عن الماء آية وحديث وحادث فأما الآية فى سورة الأنبياء حيث يقول ربنا تبارك وتعالى”أولم ير الذين كفروا أن السمواتِ والأرضَ كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماءِ كل شئٍ حىٍ أفلا يؤمنون“.(الأنبياء 30) فالماء سر من أسرار الخالق سبحانه وتعالى وهو منشأ كل حياة.
أما الحديث فهو الذي رواه ابن ماجه من طريق عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم، مرّ بسعد رضي الله عنه، وهو يتوضأ فقال:" ما هذا السّرف؟ فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال عليه الصلاة والسلام:" نعم، وإن كنت على نهر جار"، والمقصود هنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
أما الحادث ففي أحد الأيام، دخل ابن السَّمَّاك على الخليفة هارون الرشيد، فاستسقى الخليفة فأتي بكوب من الماء، فلما أخذه قال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو مُنِعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله تعالى. فلما شربها قال: أسألك: لو مُنِعْتَ خروجَها من بدنك، بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي. قال: إن ملكا قيمته شربة ماء وإخراجها، لجدير أن لا ينافس فيه، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.
الماء سر الحياة كما قال تعالى "فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(الروم الآية 50) فلولا الماء ما كان إنسان وما عاش حيوان وما نبت زرع أو شجر فالماء هو غذاء الكائنات وحياتُها؛ وبفقده تذبل وتموت، ترى الأرض هامدة يابسة مغبرة منكمشة، فإذا نزل عليها الماء تحركت فيها الحياة وتلألأت بالخضرة والنضارة فالماء هو أعز مفقود وأهون موجود ، هذا السائل العجيب الجميل الذي لا حياة من دونه، والحاضر دوماً حيثما عاش إنسان أو حيوان أو نبات.
الماء أهم مُقومات الحياة لجميع الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات وكائنات حية دقيقة. وتغطي مياه البحار والمحيطات حوالى 75 % من المساحة الكلية للكرة الأرضية لذا يطلق علي كوكب الأرض الكوكب المائي.
اختص الله عز وجل الماء بخصائص وميزات فريدة تكسر القوانين المعروفة وهذا لحكم عظيمة لا يعلمها إلا الخالق العظيم، وسوف نسرد بعض منها فيما يلي.
فى جسم الإنسان يمثل الماء حوالي 85% من دم الإنسان، و82% من كليته و75% من عضلاته، و74% من مخه، و69% من كبده، و22% من عظامه كما أن جميع التفاعلات الحيوية داخل الجسم تتم فى وسط مائى.
الماء من الناحية الكيميائية يتكون من جزيئات يحتوى كل منها على ذرتي هيدروجين وذرة واحدة من الأكسجين، الهيدروجين غاز شديد الاشتعال ويحدث فرقعة شديدة عند اشتعاله والأكسجين هو الغاز الذي يساعد على الاشتعال وقد جمعهم الله بقدرته فى جزئ واحد يكون سائلاً عند درجة حرارة الغرفة ومن العجائب أن هذا السائل نطفئ به النيران المتقدة.
الماء هو المادة الوحيدة على سطح الأرض الذي يمكن أن يوجد في الحالات الثلاث المعروفة للمادة (الصلبة والسائلة والغازية) فى نفس الوقت وعند الظروف الطبيعية. فالماء سائلاً فى البحار والأنهار والمحيطات ويكون صلباً مجمداً عند درجات الحرارة المنخفضة كما يحدث فى القطب الشمالي أو الجنوبي، ويكون غازاً عند ارتفاع درجة الحرارة كبخار الماء فى الهواء.
الماء هو السائل الوحيد الذي يتمدد ويزداد حجمه إذا برد على عكس كل المواد التي تنكمش بالبرودة، فالماء في واحدة من أعجب خواص الماء الطبيعية يعكس هذه العادة إذا وصل درجة حرارة 4 درجات مئوية، فيبدأ حجمه بالزيادة والتمدد إذا ما برد لأقل من هذه الدرجة، وبسبب زيادة حجمه تقل كثافته فيطفو الثلج على سطح الماء، ولولا هذه الخاصية لأصبحت البحار والمحيطات كتلة من الثلج لا أثر فيها للحياة.
في جزيئات الماء ترتبط ذرات الهيدروجين بالأكسجين برابط تساهميCovalent Bond يحتوى على إلكترونين، ولكن ذرة الأكسجين لها قدرة أعلى من ذرة الهيدروجين على جذب الكترونات الرابطة (لأنه أعلى فى السالبية الكهربائيةElectronegativity) فتسحب إلكترونات الرابطة المشتركة بينهم ناحية الأكسجين وتكتسب شحنة سالبة بينما يكتسب الهيدروجين شحنة موجبة لذا يكون جزئ الماء قطبي أي له قطبين مشحونان بشحنات جزئية سالبة وشحنات جزئية موجبة.
تنجذب كل ذرة هيدروجين في جزئ الماء، مع ذرة أكسجين في الجزيء المجاور، بنوع من التجاذب الإلكتروستاتيكي Electrostatic attraction، والذى يطلق عليه اسم الروابط الهيدروجينية Hydrogen Bond، فتتجمع جزيئات الماء فى تجمعات جزيئية كبيرة مما يزيد من وزنه الجزيئي النسبي وبالتالي يكون الماء سائلاً ولولا تلك النعمة المتمثلة فى تلك الروابط الهيدروجينية ما كان الماء متاحاً فى الصورة السائلة وهى الأسهل فى الاستعمال والأنسب لتسكين الماء فى الأرض وصدق الله العظيم إذ يقول "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ"(المؤمنون18).
الماء له قدرة عالية على تخزين الطاقة بداخلة ومثال على ذلك الطاقة الحرارية حيث يحتفظ بها الماء ويمكن الاستفادة منها مرة أخرى بطرق مختلفة. اكتشف العالم اليابانى ماسارو إيموتوMasaru Emoto، أن الماء له قدرة أيضاً على اختزان صور الطاقة الأخرى بداخله مثل الطاقة الصوتية والتى تساهم بشكل فعال فى تغيير طريقة اهتزاز جزيئات الماء وبالتالى يتغير شكل بلوراتها عند تجمدها، وقد يفسر هذا الرقية الشرعية التي أخبرنا عنها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن على الماء، ومن ثم شربه أو الاغتسال به.
الماء جند من جنود الله عز وجل، جعله الله طوفاناً وعذاباً على قوم نوح، فعم الأرض وعلا قمم الجبال، ولم ينج منه إلا نوح عليه السلام وأصحابُ السفينة وأشار المولى سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله تعالى فى سورة ق " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12)" ولفظ فجرنا يوحى بقوة الماء المضغوط إذا خرج من فتحات ضيقة فى الأرض وجعل الله الماء عذاباً لسبأ، التي كان أهلها في نعمة عظيمة، فأعرضوا عن أمر الله، فأرسل عليهم سيل العرم، فانهار السد واجتاح الماءُ بلادَهم واجتث زروعَهم،وفى ذلك دلالة على القوة الطاغية الموجودة فى الماء.
الماء كان المصدر الرئيسى للطاقة فى عصر الطاقة البخارية وهو أيضاً مصدر طاقة المستقبل التى تعتمد على استخدام الهيدروجين حيث أن حوالى 97% من مساحة الكرة الأرضية يغطيها الماء لذلك يمكن اعتبار المحيطات والبحار مستودعات للطاقة الرخيصة والمتجددة من خلال عملية التحليل الكهربائى للماء Electrolysis وينتج الهيدروجين والأوكسجبن بنسبة وجودهما فى الماء. الهيدروجين يعتبر وقود فعال وله استخدامات عديدة في توليد الطاقة.
استخدم الماء قديماً فى عمليات النقل وحديثاً فى توليد الطاقات المتعددة وحديثاً استخدام الماء فى استخدامات غير تقليدية مثل استخدام الماء فى تكنولوجيا القطع فى الصناعات الميكانيكية حيث يستخدم الماء المضغوط بدرجات عالية فى تقطيع المعادن الصلبة الحديد والرخام وغيره من المعادن بتفجير طاقة الماء المضغوط من فتحات ضيقة تسمى نفاثات الماء water jet.
استخدم الماء فى الأغراض العسكرية من أشهرها استخدام مضخات المياه فى إزالة الساتر الترابى فى حرب السادس من أكتوبر 1973 م والتى كان لها أبلغ الأثر فى عبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية من قناة السويس وتحرير التراب الوطني من الغاصب المحتل.
من إعجار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أنه تنبأ بما سيكون من أمر هذه الأمة مستقبلا، من تبذير للمياه وتعدٍّ في استغلالها، وفي هذا الباب، روى أبو داود من طريق عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء".
روى الإمام الترمذي من طريق أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". ففي الرواية إيحاء بأن الإسراف فى استعمال الماء من وسوسة الشيطان، فيسرف في صب الماء المرة تلو الأخرى، وقد يتعدى الإسراف الوضوء إلى باقى الاستعمالات الأخرى للماء.
بعد هذا الاستعراض السريع لبعض جوانب الإعجاز والاستخدام المتنوع للمياه فى سائر نواحي الحياة من استخدامات يومية وزراعة وصناعة وطاقة وحتى فى المجالات العسكرية نستشعر أهمية الماء ودوره الأساسي فى الحياة وهذا يدعونا إلى ترشيد استخدامه ومحاولة الاستفادة من كل قطرة من قطرات المياه وأيضاً يدعونا إلى الاستفادة من مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي بعد معالجتها بالطرق الحديثة والتى يمكن أن يعاد استخدامها فى بعض مجالات الزراعة والصناعة.
المراجع:
1. القرآن الكريم.
2. السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في قصد الوضوء وكراهية التعدي عليه، 1/146. ورواه أحمد في المسند، 2/221.
3. السنن، كتاب الطهارة، باب الإسراف في الماء 1/64.
4. الجامع، كتاب الطهارة، باب كراهية الإسراف في الوضوء بالماء، 1/84-85.
5. Text book "ENGINEERING CHEMISTRY" prepared by Farouk Kadri Mahmoud Ibrahim Wali, Delta Academy of Science, Mansoura, Egypt (2009).
6. رسائل من الماء، الكتاب الثاني (نوفمبر 2001 (، ISBN 0-7881-2927-9
7. Text book "The Secret Knowledge of Water: Discovering the Essence of the American Desert" by Childs, Craig Paperback, Back Bay Books, 2001, ISBN # 0316610690.
فكرت كثيراً حين طالعت العديد من الآيات الكريمة فى القرآن الكريم التي تشعرنا بأهمية الماء وكذلك بالتأمل فى قدرة الله الكامنة فيه ومع ذلك لا نتدبر فى تلك الآيات بالقدر الكافى الذي ينعكس على سلوكنا وتعاملنا مع هذه النعمة العظيمة واحترامها وعدم إهدارها.
وردت لفظة ماء في القرآن الكريم ثلاثا وستين مرة, وهي لفظة تدل علي المفرد والجمع معا, هذا عدا خمس مرات وردت فيها لفظة ماء بمعني النطفة أو ماء التناسل.
أذكر في بداية حديثي عن الماء آية وحديث وحادث فأما الآية فى سورة الأنبياء حيث يقول ربنا تبارك وتعالى”أولم ير الذين كفروا أن السمواتِ والأرضَ كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماءِ كل شئٍ حىٍ أفلا يؤمنون“.(الأنبياء 30) فالماء سر من أسرار الخالق سبحانه وتعالى وهو منشأ كل حياة.
أما الحديث فهو الذي رواه ابن ماجه من طريق عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم، مرّ بسعد رضي الله عنه، وهو يتوضأ فقال:" ما هذا السّرف؟ فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال عليه الصلاة والسلام:" نعم، وإن كنت على نهر جار"، والمقصود هنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
أما الحادث ففي أحد الأيام، دخل ابن السَّمَّاك على الخليفة هارون الرشيد، فاستسقى الخليفة فأتي بكوب من الماء، فلما أخذه قال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو مُنِعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله تعالى. فلما شربها قال: أسألك: لو مُنِعْتَ خروجَها من بدنك، بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي. قال: إن ملكا قيمته شربة ماء وإخراجها، لجدير أن لا ينافس فيه، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.
الماء سر الحياة كما قال تعالى "فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(الروم الآية 50) فلولا الماء ما كان إنسان وما عاش حيوان وما نبت زرع أو شجر فالماء هو غذاء الكائنات وحياتُها؛ وبفقده تذبل وتموت، ترى الأرض هامدة يابسة مغبرة منكمشة، فإذا نزل عليها الماء تحركت فيها الحياة وتلألأت بالخضرة والنضارة فالماء هو أعز مفقود وأهون موجود ، هذا السائل العجيب الجميل الذي لا حياة من دونه، والحاضر دوماً حيثما عاش إنسان أو حيوان أو نبات.
الماء أهم مُقومات الحياة لجميع الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات وكائنات حية دقيقة. وتغطي مياه البحار والمحيطات حوالى 75 % من المساحة الكلية للكرة الأرضية لذا يطلق علي كوكب الأرض الكوكب المائي.
اختص الله عز وجل الماء بخصائص وميزات فريدة تكسر القوانين المعروفة وهذا لحكم عظيمة لا يعلمها إلا الخالق العظيم، وسوف نسرد بعض منها فيما يلي.
فى جسم الإنسان يمثل الماء حوالي 85% من دم الإنسان، و82% من كليته و75% من عضلاته، و74% من مخه، و69% من كبده، و22% من عظامه كما أن جميع التفاعلات الحيوية داخل الجسم تتم فى وسط مائى.
الماء من الناحية الكيميائية يتكون من جزيئات يحتوى كل منها على ذرتي هيدروجين وذرة واحدة من الأكسجين، الهيدروجين غاز شديد الاشتعال ويحدث فرقعة شديدة عند اشتعاله والأكسجين هو الغاز الذي يساعد على الاشتعال وقد جمعهم الله بقدرته فى جزئ واحد يكون سائلاً عند درجة حرارة الغرفة ومن العجائب أن هذا السائل نطفئ به النيران المتقدة.
الماء هو المادة الوحيدة على سطح الأرض الذي يمكن أن يوجد في الحالات الثلاث المعروفة للمادة (الصلبة والسائلة والغازية) فى نفس الوقت وعند الظروف الطبيعية. فالماء سائلاً فى البحار والأنهار والمحيطات ويكون صلباً مجمداً عند درجات الحرارة المنخفضة كما يحدث فى القطب الشمالي أو الجنوبي، ويكون غازاً عند ارتفاع درجة الحرارة كبخار الماء فى الهواء.
الماء هو السائل الوحيد الذي يتمدد ويزداد حجمه إذا برد على عكس كل المواد التي تنكمش بالبرودة، فالماء في واحدة من أعجب خواص الماء الطبيعية يعكس هذه العادة إذا وصل درجة حرارة 4 درجات مئوية، فيبدأ حجمه بالزيادة والتمدد إذا ما برد لأقل من هذه الدرجة، وبسبب زيادة حجمه تقل كثافته فيطفو الثلج على سطح الماء، ولولا هذه الخاصية لأصبحت البحار والمحيطات كتلة من الثلج لا أثر فيها للحياة.
في جزيئات الماء ترتبط ذرات الهيدروجين بالأكسجين برابط تساهميCovalent Bond يحتوى على إلكترونين، ولكن ذرة الأكسجين لها قدرة أعلى من ذرة الهيدروجين على جذب الكترونات الرابطة (لأنه أعلى فى السالبية الكهربائيةElectronegativity) فتسحب إلكترونات الرابطة المشتركة بينهم ناحية الأكسجين وتكتسب شحنة سالبة بينما يكتسب الهيدروجين شحنة موجبة لذا يكون جزئ الماء قطبي أي له قطبين مشحونان بشحنات جزئية سالبة وشحنات جزئية موجبة.
تنجذب كل ذرة هيدروجين في جزئ الماء، مع ذرة أكسجين في الجزيء المجاور، بنوع من التجاذب الإلكتروستاتيكي Electrostatic attraction، والذى يطلق عليه اسم الروابط الهيدروجينية Hydrogen Bond، فتتجمع جزيئات الماء فى تجمعات جزيئية كبيرة مما يزيد من وزنه الجزيئي النسبي وبالتالي يكون الماء سائلاً ولولا تلك النعمة المتمثلة فى تلك الروابط الهيدروجينية ما كان الماء متاحاً فى الصورة السائلة وهى الأسهل فى الاستعمال والأنسب لتسكين الماء فى الأرض وصدق الله العظيم إذ يقول "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ"(المؤمنون18).
الماء له قدرة عالية على تخزين الطاقة بداخلة ومثال على ذلك الطاقة الحرارية حيث يحتفظ بها الماء ويمكن الاستفادة منها مرة أخرى بطرق مختلفة. اكتشف العالم اليابانى ماسارو إيموتوMasaru Emoto، أن الماء له قدرة أيضاً على اختزان صور الطاقة الأخرى بداخله مثل الطاقة الصوتية والتى تساهم بشكل فعال فى تغيير طريقة اهتزاز جزيئات الماء وبالتالى يتغير شكل بلوراتها عند تجمدها، وقد يفسر هذا الرقية الشرعية التي أخبرنا عنها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن على الماء، ومن ثم شربه أو الاغتسال به.
الماء جند من جنود الله عز وجل، جعله الله طوفاناً وعذاباً على قوم نوح، فعم الأرض وعلا قمم الجبال، ولم ينج منه إلا نوح عليه السلام وأصحابُ السفينة وأشار المولى سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله تعالى فى سورة ق " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12)" ولفظ فجرنا يوحى بقوة الماء المضغوط إذا خرج من فتحات ضيقة فى الأرض وجعل الله الماء عذاباً لسبأ، التي كان أهلها في نعمة عظيمة، فأعرضوا عن أمر الله، فأرسل عليهم سيل العرم، فانهار السد واجتاح الماءُ بلادَهم واجتث زروعَهم،وفى ذلك دلالة على القوة الطاغية الموجودة فى الماء.
الماء كان المصدر الرئيسى للطاقة فى عصر الطاقة البخارية وهو أيضاً مصدر طاقة المستقبل التى تعتمد على استخدام الهيدروجين حيث أن حوالى 97% من مساحة الكرة الأرضية يغطيها الماء لذلك يمكن اعتبار المحيطات والبحار مستودعات للطاقة الرخيصة والمتجددة من خلال عملية التحليل الكهربائى للماء Electrolysis وينتج الهيدروجين والأوكسجبن بنسبة وجودهما فى الماء. الهيدروجين يعتبر وقود فعال وله استخدامات عديدة في توليد الطاقة.
استخدم الماء قديماً فى عمليات النقل وحديثاً فى توليد الطاقات المتعددة وحديثاً استخدام الماء فى استخدامات غير تقليدية مثل استخدام الماء فى تكنولوجيا القطع فى الصناعات الميكانيكية حيث يستخدم الماء المضغوط بدرجات عالية فى تقطيع المعادن الصلبة الحديد والرخام وغيره من المعادن بتفجير طاقة الماء المضغوط من فتحات ضيقة تسمى نفاثات الماء water jet.
استخدم الماء فى الأغراض العسكرية من أشهرها استخدام مضخات المياه فى إزالة الساتر الترابى فى حرب السادس من أكتوبر 1973 م والتى كان لها أبلغ الأثر فى عبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية من قناة السويس وتحرير التراب الوطني من الغاصب المحتل.
من إعجار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أنه تنبأ بما سيكون من أمر هذه الأمة مستقبلا، من تبذير للمياه وتعدٍّ في استغلالها، وفي هذا الباب، روى أبو داود من طريق عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء".
روى الإمام الترمذي من طريق أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". ففي الرواية إيحاء بأن الإسراف فى استعمال الماء من وسوسة الشيطان، فيسرف في صب الماء المرة تلو الأخرى، وقد يتعدى الإسراف الوضوء إلى باقى الاستعمالات الأخرى للماء.
بعد هذا الاستعراض السريع لبعض جوانب الإعجاز والاستخدام المتنوع للمياه فى سائر نواحي الحياة من استخدامات يومية وزراعة وصناعة وطاقة وحتى فى المجالات العسكرية نستشعر أهمية الماء ودوره الأساسي فى الحياة وهذا يدعونا إلى ترشيد استخدامه ومحاولة الاستفادة من كل قطرة من قطرات المياه وأيضاً يدعونا إلى الاستفادة من مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي بعد معالجتها بالطرق الحديثة والتى يمكن أن يعاد استخدامها فى بعض مجالات الزراعة والصناعة.
المراجع:
1. القرآن الكريم.
2. السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في قصد الوضوء وكراهية التعدي عليه، 1/146. ورواه أحمد في المسند، 2/221.
3. السنن، كتاب الطهارة، باب الإسراف في الماء 1/64.
4. الجامع، كتاب الطهارة، باب كراهية الإسراف في الوضوء بالماء، 1/84-85.
5. Text book "ENGINEERING CHEMISTRY" prepared by Farouk Kadri Mahmoud Ibrahim Wali, Delta Academy of Science, Mansoura, Egypt (2009).
6. رسائل من الماء، الكتاب الثاني (نوفمبر 2001 (، ISBN 0-7881-2927-9
7. Text book "The Secret Knowledge of Water: Discovering the Essence of the American Desert" by Childs, Craig Paperback, Back Bay Books, 2001, ISBN # 0316610690.