نبيل العريني - غزة: في تشريح الكراهية الممرضة وسيكولوجية النجاة المشوهة. إحنا تغيرنا كثير!!

لم نعد نحن. هذا هو الاعتراف الأول الذي يجب أن نضعه فوق طاولة الركام قبل أن نخطّ حرفاً واحداً.
الإبادة المستمرة في غزة لم تكتفِ بهدم البيوت وبقر البطون، بل توغلت عميقاً لتفتك بالهياكل الروحية والوجدانية التي تمنحنا إنسانيتنا.
لقد أمرضتنا الحرب؛ وجعلتنا نكتشف في ذواتنا مساحات مظلمة ومخيفة من البغض، والحسد، والنفور تجاه الفلسطيني الآخر. الي شرد والي سافر. وذلك القابع خلف جدار الضفة، أو المستقر في أمان الأردن، أو المشتت في منافي الأرض الباردة. لكل من يملك رفاهية الوقت ليجلس خلف شاشته، ينظر علينا، يحلل صمودنا، ينوح لأجلنا، أو حتى يغلق هاتفه وينام.
نحن نحسدهم. نحسد سقفاً لا يسقط، وليلاً لا يشتعل، وطفلاً ينام بكامل أطرافه.
هذا الاعتراف ليس هبوطاً أخلاقياً، بل هو الصرخة العارية لغريزة البقاء المتطرفة في أقسى تجلياتها.

كيف لا نمرض؟ وكيف لا تتشوه ضمائرنا والواقع حولنا يتجاوز حدود العقل البشري؟!!
تأملوا معي هذا #المشهد الذي يتحدى نواميس الطبيعة: جنين في رصيف رحم أمه الدافئ، تباغته قذيفة تخترق جسدها.
تبقر البطن، وتحوّل ساقي الجنين الصغيرتين إلى أشلاء قبل أن يرى النور.
يخرج هذا الطفل إلى الوجود معاقاً، بلا ساقين وبلا أم، محكوماً عليه أن يعيش عمراً كاملاً يجرّ خيبته على كراسٍ متحركة، يتيم الأم والأطراف.

في علم النفس الاجتماعي، ثمة حقيقة راسخة: "البيئة الوحشية لا تنتج إلا نفوساً جريحة".
عندما تصبح البيئة المحيطة بالإنسان مسلخاً يومياً، فإن الفطرة السليمة تسحق.
هذا الطفل الذي سيكبر بلا أم ولا ساقين، في مدينة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، هو التجسيد الحي لسبب ما صرنا عليه.
إن القسوة المفرطة الممارسة ضدنا خلقت بداخلنا ارتداداً نفسياً حاداً؛ حيث يتحول العجز عن دفع الموت إلى نقمة وضيق تجاه كل من نجا منه.

لكن لماذا أصبحنا كذلك؟
يفسر علم النفس السلوكي هذه الحالة عبر ثلاث نظريات رئيسية تفكك ما نمر به اليوم:

* صدمة الإبادة المستمرة (Continuous Traumatic Stress): نحن لا نعيش "اضطراب ما بعد الصدمة"، لأن الصدمة لم تنتهِ بعد.

في الحالة المستمرة، يتعطل "الأنا الأعلى" (المنظومة الأخلاقية) لصالح "الهو" (الغرائز البدائية الكامنة) لحماية الذات من الانهيار التام.

المألوف أن يشعر الناجي بالذنب تجاه من ماتوا. لكن في غزة، تشكلت حالة مقلوبة؛ الضحية المحاصرة تحت الموت تشعر بالقميص الأخلاقي الضيق، وتنقم على الناجين خارج الحدود لأنهم استبصروا الحياة التي حُرم منها.

عندما يطول أمد الوجع، يفقد الإنسان القدرة على مجاملة العالم. تسقط الكلمات المنمقة عن "وحدة الدم والمصير"، وتبرز الحقيقة الفجة: الألم لا يمكن تقاسمه، ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء.

والآن هل يمكن التعافي من هذه الحالة الغريبة؟

التعافي ليس مستحيلاً، لكنه لن يكون شفاءً كاملاً؛ بل سيكون تعافياً "بأطراف مبتورة" تماماً كجنين القذيفة.
الخطوة الأولى للتعافي هي شرعنة هذا الشعور وعدم جلده. يجب أن نعترف أن كراهيتنا وحسدنا الآني للآخرين ليس عيباً متأصلاً في هويتنا، بل هو "عرض جانبي" لمرض الإبادة. إننا نكره أمانهم لأننا نفتقده، ونبغض تنظيرهم لأننا نموت بينما هم يتكلمون.
عندما تتوقف المدافع يوماً ما، ويصمت هدير الطائرات، سيبدأ الترميم النفسي الشاق. سنحتاج إلى سنوات من الإقرار بالوجع، وإعادة بناء الجسور الروحية مع الشتات والضفة. الشفاء لن يأتي بالنسيان، بل بقدرتنا على تحويل هذا الغضب العارم والنقمة السوداء إلى طاقة لبناء ما تكسر فينا، متقبلين ندوبنا النفسية كجزء من تاريخنا الجديد.
نحن جرحى الروح قبل الجسد، والاعتراف بالمرض هو أول عتبات الخلاص.

ويا رب خلصنا يا رب
#تعبنا

@إشارة
Adel Al-osta جميل عبد النبي
أحمد زكارنه

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى